المأزق الكبير

walidنشرة “الأرصاد الجوية السياسية” لا تبشر بالخير. فأجواء لبنان ملبّدة وتنذر بالعواصف.

إن قرار الولايات المتحدة ودول الخليج الذي وضع “حزب الله” بجناحيه السياسي والعسكري في لائحة الإرهاب، هو قرار يتّسم بالجدية. وبالتالي لا يمكن تحاشيه بالإختباء وراء ذريعة النأي بالنفس. كما أن المكابرة وإنكار كبائره، لن تنقذ لبنان من آثاره. فالغطاء الدولي لإستقرار بلاد الأرز كان نعمة، لكن، كما يقال، فإن النعم لا تدوم.

هناك من استهزأ بالقرار فقرأه بسطحية، معتبراً أنه يستهدف تمويل “حزب الله”. لو كان الأمر كذلك فقط، لكان حكام أميركا ودول الخليج أول المستهزئين بما قرروه. فهم يعلمون جيداً أن “حزب الله” لا يتعامل إلا مع أقدم بنك في التاريخ المعروف ببنك “خلي مخزنك عبك”. فهو لا يسلك طريق المصارف، ولا يأمن للتحويلات المصرفية.

أمواله تنقل إليه بالحقائب الدبلوماسية، وبالشحنات العابرة للحدود والمزودة بـ”طاقية الإخفاء”.

أما من قرأ العقوبات بتمعن، فيكتشف أن لبنان في ورطة يصعب الخروج منها. إذ أنها عقوبات مرتبطة بمصالح دولية كبرى، مما يجعل الإستعانة بأوروبا لإنقاذ لبنان من شرورها، كالإستعانة بالضرير في طريق للنجاة من الحفر.

على الجميع أن يتذكر أن انسحاب أميركا من الاتفاق النووي وإعادة إدراج العقوبات ضد إيران، قد أصاب المصالح الأوروبية بمقتل. وعلى الجميع أن يتذكر أن أوروبا، بجلالة قدرها وقدرتها، فشلت في إنقاذ نفسها وشركاتها من عواقب القرار الأميركي. وإذا كان هذا حال أوروبا، فبأي حال سيكون لبنان؟

الورطة الكبرى تبدأ بتشكيل الحكومة. فإن شكّلت وفيها “حزب الله”، فإن أصحاب القرار سيعتبرونها حكومة إرهابية يحظر التعامل معها. وإن شكّلت من دونه، فسيتهمها الحزب بالعمالة … وربما الخيانة.

وما بين “حانا” الإرهاب و”مانا” العمالة، ستضيع لحى الحل، وسيدخل البلد في صراعات غير قابلة للتهدئة. ولا ينفع فيها الإعتدال وربط النزاع.

المأزق كبير. وأخطر ما فيه أنه جاء قبل أيام من تشكيل الوزارة. أي أنه تعمّد إلقاء الألغام الثقيلة في طريق تأليف الحكومة. ومن ثم، وضع كل القيادات اللبنانية أمام معضلة: لا تقسم الصحيح ولا تأكل المقسوم. وهذا يعني بوضوح اشتراط استبعاد “حزب الله” من الحكومة. وإذا لم يتم ذلك، فعلى لبنان أن ينسى مؤتمرات روما وباريس وبروكسل. وينسى معها مواسم السياحة الخليجية واستثمارات دول الخليج.

الإنقاذ الممكن يكمن في تخلي “حزب الله” عن المشاركة المباشرة، وتجيير حصته إلى الحلفاء والأصدقاء.

لكن هذا الممكن هو مستحيل في آن. فمن الصعب أن يختار حزب “النصر الإلهي” الهزيمة … حتى لو لم يبق للبناني سوى أن يأكل لحمه الحي.

وليد الحسيني

Advertisements

العصي الذهبية

walidفات المشرع أن يضيف إلى قانون النسبية مادة تنص: يطبق لمرة واحدة.

لقد حفل هذا القانون بعورات، تجعل العودة إليه في انتخابات أخرى حماقة ديمقراطية. مما يُلزم نواب “الصوت التضليلي” البحث فوراً عن قانون بديل. علماً أننا في لبنان، مهما حاولنا، فلن يكون بمقدورنا صياغة قوانين انتخابية بريئة من الطائفية.

المتحكمون بالتشريع يرفضون سلوك الطرق المستقيمة، التي تصل إلى مجلس نيابي على أسس وطنية. وحجتهم في ذلك أن البلاد ملأى بالأكواع الطائفية، ومزدحمة بالمكوّعين المذهبيين.

البلد يواجه اليوم مجلساً نيابياً، الكثير من أعضائه وصل إلى مقعد النيابة بالخداع. فالقانون نفسه خدع الديمقراطية وكذّب عليها. فعندما يفوز من هو في ذيل الأصوات التفضيلية، ويسقط من هو في أعلى قمتها، يكون تزوير إرادة الناخب قد تم بقوة القانون.

أما وقد كان ما كان، فإن “النق” لم يعد مفيداً. وما كتب في قوائم الفائزين بالنيابة قد كتب. وما التعلق بالمجلس الدستوري وانتظار أحكامه في الطعون، إلا كإنتظار إبليس في الجنة.

أمام كل هذه الحقائق والوقائع المرضية وغير المرضية، لا مفر من التعامل مع النتائج كما هي.

تقول النتيجة الأبرز، أن كل من نفخ في نيران الطائفية زاد حجمه النيابي. وكل من التزم الإعتدال تراجعت كتلته النيابية. وبفضل هذه السياسة، زاد عدد أعضاء أغلب الأحزاب الرئيسية بلجوئها إلى الاستقواء بطائفتها. إلا سعد الحريري فقد استقوت الطائفية عليه.

صحيح أن كتلته تقلصت، لأنه لم يستخدم سلاح المذهبية ولم يقم متاريسها في بيروت وطرابلس، إلا أن كتلته بقيت أكبر الكتل وأنقاها وطنياً.

من المؤسف أن الكتل الكبرى الأخرى تكاد تكون صرف مذهبية. في بلد ينادي بالعيش المشترك ويمارس الغش المشترك.

من المؤسف فعلاً أن لا يعبر المذاهب والطوائف سوى تيار المستقبل. وإذا كان هناك عبور في كتل أخرى، فهو عبور فرضه تواجد أقليات من مذاهب أخرى، في حضن حاضنة ساحقة ماحقة. أي أن هذا العبور الخجول هو الذي جاء بنواب فرضتهم ضرورة “تكملة العدد”.

في كل الأحوال، نأمل أن لا يتحول ما سُمي تجاوزاً بالعرس الإنتخابي، إلى مأتم مؤسساتي يسوده التعطيل والفراغ. فالطموحات والتطلعات الوزارية بدأت حتى قبل تكليف الحريري. وبدأت معها ورش النجارة السياسية بتصنيع العصي لوضعها في دواليب استشارات الرئيس المكلف.

كل العصيّ يمكن نزعها من دواليب تأليف الحكومة، سواء بالكسر أو التطويع، ويستثنى من ذلك “العصيّ الذهبية”، التي يحملها الثنائي الشيعي.

المشكلة المستعصية تكمن إذاً في “الذهبيات”. فـ”أمل” تطالب، دون رجعة، بالوزارة “الذهبية”، أي المالية. و”حزب الله” يتشدد متمسكاً بالثلاثية “الذهبية”، أي الجيش والشعب والمقاومة.

الإثنان، الحزب والحركة، يمثلان مكوناً لبنانياً يستحيل تجاهله، وبالتالي، إستحالة تشكيل حكومة من دونه. كما يستحيل تشكيل حكومة تسلم لـ”أمل” و”حزب الله” بذهبيتيهما. إلا إذا كان نصيب لبنان من الذهب السياسي… “ذهب مع الريح”.

وليد الحسيني

نتائج وأزمات

walidأسدلت الديمقراطية ستارة الانتخابات. وغادر الجمهور المسرح. وبدأت حسابات “الحقل والبيدر”.

ترى هل أخرجت النتائج المثل الشعبي عن نصه المعروف، وصارت الملائكة هي التي تكمن في التفاصيل؟

الحسابات صعبة. والبحث عن الملائكة يطول.

أما وقد انتهى التبصير، وجاء يوم المصير، فإن الأمر يحتاج إلى وقت لتفكيك لوائح تحالفات الضرورة، قبل أن يبدأ تركيب تحالفات نيابية جديدة. يبدو أنها بحاجة إلى زمن لتبرأ من جراحها الانتخابية، بعد معارك ضارية، استعملت فيها أمضى خناجر الطعن في الظهر … وأحياناً في القلب.

تقول قراءة الغد، أنه بمجرد اكتمال التفكيك والتركيب، يعود لبنان إلى أزماته التقليدية عند تشكيل الحكومات وتوزيع الحقائب.

أول أزمة محلولة. فتكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة حسمه “الحاصل” الانتخابي و”صوته التفضيلي” على مستوى لبنان.

لكن ماذا بعد؟

هنا تظهر الأزمات المستعصية. فالعقد القديمة أصبحت أكثر تعقيداً. خصوصاً أن فريقاً جديداً دخل مزاد المحاصصة.

لقد قرر “حزب الله”، وعلى لسان أمينه العام، أن يكون مشاركاً فاعلاً في أي حكومة مقبلة. فزمن القبول بوزارات “جوائز الترضية” قد ولّى. أي أن الحزب سيطالب بحقائب سيادية وما يوازيها أهمية.

هذا التحوّل يفتح أبواباً خلافية كانت مغلقة. ويتسبب بخلل في العلاقات الشيعية – الشيعية. فقد كانت “حركة أمل” تستحوذ على حصة الطائفة في حقائب السيادة والخدمات.

صحيح أنه خلل يمكن تسويته بالتراضي، لكنه يرفع سقف مطالب الثنائي الشيعي باستهداف حقائب وازنة تحقق التوازن الحكومي بين “أمل” و”حزب الله”.

إذا أسقطنا وزارات الدرجة الثانية، فسنجد أن صراع الكتل الرئيسية سيشتد على عشر حقائب، ما بين سيادية وما يعادلها. وهو صراع مسلّح بطموحات عنيدة، لا تمانع في تعطيل المصالح العامة، بما فيها مؤتمرات “سيدر” وروما وبروكسل. وهذا يؤكد أن “أم الولد” الحريصة على ولدها، ليست بالضرورة هي نفسها “أم البلد” الحريصة على بلدها.

تقول قراءة الغد أيضاً، أن حقيبة المالية ستكون هي “الشرف الرفيع” الذي لا يَسلم ولا يُسلّم، حتى لو أريق على جوانبه الدم. فهذه الوزارة، بعد أن فرضها علي حسن خليل على الشاردة والواردة، أصبحت الحقيبة المشتهاة، التي تكاد صلاحياتها تجعل من وزيرها الرئيس الرابع.

في أجواء حروب تقاسم النفوذ في الوزارات النافذة، لا مخارج للحل إلا بتدخل عون ووسطية الحريري وأرانب بري.

وكي لا يأخذنا الفراغ إلى الاستقرار المهزوز والإقتصاد الهالك، يجب البحث باكراً في “لسان العرب” عن صيغة للبيان الوزاري تنقذه من ذهبية العقد “الجيش والشعب والمقاومة”.

وليد الحسيني

عاصمة المعارك

walidلولا الشكل، ما كان بالإمكان معرفة الذين نعرفهم.

لا لأن التجاعيد عدّلت رسم الوجوه. ولا لأن الشيب غزا الرؤوس. ولا لأن النظارات الطبية شوّشت الملامح.

الذين عرفناهم سابقاً، لا نعرفهم اليوم. فهم ليسوا هم.

حاضرهم يكذّب ماضيهم. فالشهيد رفيق الحريري لا يكافأ بعاطفة تكمن خلفها عاصفة تستهدف كل ما بناه.

إنهم أشبه بثقوب الجدري التي تشوّه وجه الحريرية.

مجموعة من “المنشقين” تسعى حثيثاً إلى شق وحدة بيروت. لكن أهل العاصمة يعلمون جيداً، أن أعضاء “لوائح الغدر” لا يعملون لنجاح لوائحهم. هم مجرّد أنياب مستعارة مكلفة بتمزيق وحدة مدينتهم.

إذاً، المعركة ليست بين تسع لوائح، كما يشاع. هي معركة تشتيت أصوات “بيروت الإعتدال”، مقابل وحدة أصوات “التكليف الشرعي”.

هذه هي المعركة الحقيقية. أما لوائح “أحصنة طروادة” فدورها ينحصر بإشغال حراس قرار بيروت، مما يسهّل على لائحة “الممانعة” التسلل ونزع القرار من حضنه البيروتي.

لكن من الصعب أن تستسلم بيروت وتنتخب بمعايير مذهبية، متخلية بذلك عن تاريخها وخياراتها.

صحيح أن بيروت ليست عاصمة “البيارتة” … فهي عاصمة لبنان. ولهذا، كثيراً ما انتخبت نواباً عنها من غير أبنائها، شرط المحافظة على تنوعها والتمسك بعروبتها واعتدالها. ومن باب أولى أن يكون شرطها الأول أن لا يختلط دمها العربي النقي بدم قومية من نوع “قم” … لأقعد محلك.

على ضوء ما يجري، فإن المعركة ليست ضد سعد الحريري. لو كانت كذلك، لكانت مبررة ومباحة. لكنها محاولة بائسة ويائسة ضد بيروت. وهي لهذا لن تسمح بأن يدخل إلى مجلس النواب نواب يمثلونها ولا يمثلون اتجاهاتها وتوجهها.

وللإستدراك، لا يحق لأحد أن يدرج جميع أعضاء “لوائح الغدر” في القائمة السوداء. فثمة من إنضم إليها بنية حسنة، على أمل أن تحصل لائحته على أعجوبة “حاصل” قانون العجائب … فيفوز بمقعد نيابي.

مشكلة هذا النوع “البريء” من المرشحين، عدم إدراكه أنه بالجري وراء وهم الفوز، يكون قد شارك بتنفيذ سياسة “فرّق تسد”. وبالبراءة نفسها التي تصل إلى حد السذاجة، يكون قد فرّق الصوت البيروتي، ومكّن صوت الممانعة من أن يسود على بيروت وأهلها.

لقد فات أوان التحذير بعد أن فعلوها. وسواء تم الفعل بنية سيئة أو حسنة، فالأمر الآن سيان. وهذا يستدعي أن يعلو صوت بيروت على صوت التفرقة والمفرقين. الوضع يتطلب الإستنفار لا الإستهتار … فاستنفروا … ولا تستهتروا.

وليد الحسيني

لوائح الغدر

walidلا فائدة!

سيبقى الشعب اللبناني أقلية. وسيبقى الزعماء أكثرية.

ولأن الديمقراطية هي حكم الأكثرية للأقلية، ما كان يمكن الطعن بنتائج الإنتخابات السابقة، ولا بنتائج الإنتخابات المقبلة.

على اللبناني أن يتوقف عن التذمر. فأصوات الإحتجاج هي نفسها الأصوات التي تستعد للذهاب إلى صناديق الإقتراع، مستسلمة لخيارات الطوائف والمذاهب والزعامات.

لقد أبهرْنا ديمقراطيات العالم باللوائح الملوّنة، والشعارات العبقرية، ومهرجانات “كلنا للوطن”.

لقد أعلنّا عن برامج إنتخابية تهدد بسحق الفاسدين، حتى لو كانوا في دول جزر الموز. ورفعنا شعارات النصر، فلم يعد بيننا مهزوم سوى الوجوه القديمة. ولعنّا المذهبية وكل سلالات المجالس النيابية السابقة.

وحين حان وقت الجد، وانتهى هزل الشعارات وبربارة الوحدة الوطنية، عاد كل مواطن إلى بيته الطائفي، باستثناء قلة ضالة تبيت في عراء مجتمعي، حيث لا “شيخ” يحميها من حرارة الشمس، ولا “خوري” يقيها لسعات البرد.

لبنان يعيش حالة مذهبية غرائزية نهت عنها الأديان. فعقل التغيير سرعان ما يجتاحه جنون الولاءات العمياء وأحقاد المذهبيات.

وسط هذا الجنوح الجماعي، لا بد من البحث الجاد عن عاقلين، والإصغاء الجيد إلى معتدلين في بلد موتور ومسعور. فالإنتخابات حاصلة وفق قانونها الأعوج والمنتسب زوراً إلى النسبية. ولا يمكن مقاومة الإعوجاج بتصويت أكثر اعوجاجاً.

إذا أراد اللبناني الإنقاذ، فعليه أن يمكّن لوائح الإعتدال من خرق لوائح المذهبيات.

وكلما كان الخرق كبيراً، كلما كان الإنقاذ ممكناً.

لكن مَن غير سعد الحريري يمثّل الإعتدال على مستوى كل لبنان؟

صحيح أنه أضاف إلى لوائحه الزرقاء “ودائع” ملوّنة بألوان مختلفة … ومتلوّنة بأفكار مخالفة. إلا أنها “ودائع” فرضها الحاصل الإنتخابي، الذي فرض بدوره تطبيقات “تحالف الأعداء”.

رغم ذلك تبقى الخيارات الزرقاء هي الأكثرية الكبرى التي يعوّل عليها الإنقاذ الكبير.

ومع أن هناك أكثر من سبعين لائحة، إلا أن الواقع السياسي يؤكد أن المنافسة الفعلية محصورة بلائحتين على الخارطة الإنتخابية.

لائحة الممانعة، ويمثلها “حزب الله” وحلفاؤه. ولائحة الإعتدال، ويمثلها “تيار المستقبل” وحلفاؤه. ومن يزعم أنه بينهما، لن يكون كذلك عند اتخاذ القرارات الحاسمة.

من هنا إبتكر الممانعون فكرة “لوائح الغدر”. أي لوائح مصبوغة بالأزرق ومهمتها فقط فتح الثقوب في سفينة سعد الحريري الإنتخابية.

إنها لوائح معاداة الحريري بلا لبس … حتى لو لبست ثوب الحريرية. وهي لوائح تمنح لوائح الممانعة فرصة أفضل في “التفضيلي”، وتحصيل أفضل في “الحاصل الإنتخابي”.

لكن هل تمر هذه الخديعة على الناخب الأزرق؟

من الصعب أن يقع في مثل هذا الغباء، فيقترع لخيانة الماضي والمستقبل معاً.

وليد الحسيني

أين الثورة؟

walidالمنافسة محتدمة على لقب “أم النكبات”.

فلسطين تعتبره حقاً تاريخياً لها.

وسوريا تعتبره إنجازاً، وصل بها إلى أن تكون فتيلاً لشبه حرب عالمية، بعد أن استوطنت فيها جيوش روسيا وتركيا وإيران، وأغار عليها حلفاء كبار. فهي اليوم مركز صراع القوى العظمى في العالم. ولا أحد بمقدوره التنبؤ بالمصير الذي يمكن أن ينتج عن مواجهات العناد والحماقة بين بوتين وترامب.

والعراق الذي غزته أميركا تحت كذبة أسلحة الدمار الشامل، تحقق فيه الدمار الشامل دولةً ومدناً وشعباً. فسجّل بذلك نقاطاً كارثية تدخله عن جدارة في سباق “أم النكبات”.

واليمن يكاد يتحول إلى “وطن المقابر”، بعد أن فتكت به الحوثية والمجاعات والأمراض. وهذا يعني أن المؤرخين سيقبلون، مرغمين، ترشيحه إلى لقب “أم النكبات”.

وإلى أن يحسم أمر هذا اللقب المخيف، تبقى فلسطين النكبة الأم.

فهي منكوبة بجرائم إسرائيل التي لا تتوقف. ومع ذلك لا بد من أن يقال ما لا يسمح بأن يقال … وإن أغضب ذلك “الممانعين”.

نقول، لا يمكن التمادي بالاستشهاد المجاني.

إن ما حصل وقد يحصل منه المزيد، بدءاً من يوم الأرض، وصولاً إلى “جمعة العودة”، هو مأساة من صناعة فلسطينية. فحب الظهور على “ظهور الشهداء” يشكل مسرحية دموية، يحافظ فيها أبطال الخشبة على نجوميتهم، في حين يتغيّر دور الجمهور من مشاهد … إلى شهيد.

حصيلة ثلاث جمع عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.

تباهى المحرضون بالأرقام … وانتظروا بغباء تاريخي أن تصب لعنات الرأي العام العالمي على إسرائيل. وأن يغضب مجلس الأمن فيصدر قراراً “نافذاً” ضد إسرائيل.

تناول المحرضون قهوة الصباح. تصفحوا الصحافة العالمية. تابعوا نشرات التلفزيونات.

الأخبار روتينية. مسيرات العودة والشهداء والجرحى لا يثيرون اهتماماً دولياً ولا استنكاراً شعبياً.

أكثر من سبعين سنة مضت، إرتكب خلالها العدو مجازر لا تحصى. وكانت أشد فظاعة ووحشية. ولكن جميعها مر تحت مبرر “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

لم يعد من الجائز التشجيع على الاستشهاد المجاني في انتظار لفت الأنظار.

الثورة لا تكون بتحويلها إلى احتفالية دموية.

يوم كانت، كانت “ثورة … ثورة حتى النصر”. فلا النصر أتى ولا الثورة استمرت.

سقط في أوسلو “الكفاح المسلح”. وسقطت في غزة وحدة السلاح.

حتى الأنفاق “الغزاوية” أصبحت ممراً سرياً لتنقل السلع والتجار، لا لنقل السلاح والمقاتلين.

إلى أن يكتشف المحرضون الثورة مرة أخرى، عليهم أن يتوقفوا عن دفع الأبرياء والسذج إلى الاستشهاد العبثي.

ضحايا مسيرات العودة ثوار حقيقيون … لكن نسأل “فتح” و”حماس” وغيرهما: أين الثورة؟

وليد الحسيني

هل تكون قمة الحسم؟

walidتعوّدنا على قمم عربية تتخذ قرارات، كانت قد اتخذتْ من قبل.

بيانات ختامية منسوخة من أرشيف جامعة الدول العربية.

فقرة لكل دولة. أي مجموعة فقرات ورثتها قمم الألفية الثالثة من قمم الألفية الثانية.

مثلاً، لا مفرّ من تكرار فقرة متهالكة تساند فلسطين بدفق من التعاطف والعواطف. ولا مهرب من فقرة تطالب إيران بالانسحاب من الجزر الإماراتية الثلاث. ولا شيء يمنع توزيع السين والسوف، على باقي الأعضاء، حيث لكل دولة في الطيب نصيب.

وتعودنا أيضاً على قمم تلقي الرماد فوق نار الخلافات العربية، الذي لا يلبث أن تذره رياح الخلافات المتجددة.

العرب اليوم على مشارف قمة تعقد في السعودية، في ظروف كارثية تفترسهم دولة وراء دولة.

لهذا يجب أن تكون قمة غير كل القمم. فالسعودية التي تحولت في عهدها الجديد إلى مملكة الحسم والحزم، من حقها أن لا تعود إلى السير في طريق المسايرات.

إن الحسم والحزم في قاعة القمة وبيانها الختامي، هو الذي يؤدي إلى الحسم والحزم في سوريا والعراق واليمن وفلسطين وليبيا والبحرين.

أحياناً يكون ما نعتقد أنه فشل … هو النجاح. ففي ظل خرابٍ يتنقل كالإعصار في الأرض العربية، تنتفي مبررات “وحدة الصف” أمام الإلتزام بإنقاذ ما يجب إنقاذه.

قادة الأمة يعلمون جيداً أن دولاً عربية عدة قد علقت في الشباك الإيرانية. وأنها سترفض أي قرارات تتخذ لمواجهة المد الفارسي. وهذا يعني إما إصدار قرارات بلا أنياب، أو التضحية بالإجماع العربي.

على القادة أن يسألوا أنفسهم:

ما نفع الإجماع إذا كان سيصيب الجميع بالشلل … وإذا كان سيفضي إلى هزيمة عربية جماعية؟

يدرك القادة أن قمتهم تنعقد في ظروف مأساوية غير مسبوقة. ويدركون أن إخلاصهم للأمة يحملهم مسؤولية الخلاص. وهذا لا يتم إلا باتخاذ قرارات غير مسبوقة أيضاً … حتى لو امتنع الممتنعون عن التصويت … واعترض المعترضون على القرارات … وانسحب المنسحبون احتجاجاً ورفضاً.

في هذه المرحلة العربية المخيفة، الفشل لا يعني غياب الإجماع … والإجماع لا يعني النجاح.

القرارات المائعة هي نتيجة مثالية لدول الممانعة.

الأمة العربية تنطلق حثيثاً باتجاه الهلاك.

العراق تحوّل من بلاد ما بين النهرين، إلى بلاد ما بين الثلاثة أنهر، بعد أن شقت أميركا، وبعدها إيران، نهراً ثالثاً تجري فيه دماء العراقيين. وهو أطول من الفرات وأكثر اتساعاً من دجلة.

وفلسطين تعفّنت من الصبر ومرور الأزمنة. وفاقت عداوات “فتح” و”حماس” عداوتهما لإسرائيل … فقد كثر الإقتتال … وقلّ الإستشهاد.

وسوريا قلب العروبة النابض، يكاد يتوقف قلبها من شدة أهوال القتل والتشريد والتهجير والتدمير … والإحتلالات.

والبحرين مازالت تقاوم مؤامرات السطو على “لؤلؤة الخليج”.

وليبيا استوطنها التطرف الدموي، وأدخلها إلى مسلخ بشري أغلقت أبوابه بإحكام.

واليمن تحوّل من جار للسعودية إلى جائر عليها … وإلى منصة صاروخية تستهدف قلعة الإسلام.

ألا تستحق كل هذه العاهات والزلازل قمة حاسمة وحازمة؟

فبماذا تجيب قمة الرياض؟

وليد الحسيني