الشعب يريد اللواء محمد خير

walidتمّ تفريغ كأس لبنان تماماً. وفقد المتفائلون متعة النظر إلى النصف الملآن.

التشاؤم اليوم هو سيد المكان والزمان. وهذا ما جناه “بي الكل” على كل اللبنانيين… وهم ما جنوا على أحد، عندما قالوا “كلن يعني كلن”.

لقد نضجت الكوارث وحان قطافها. ومن غير المجدي بعد الآن، إنتظار الإستشارات النيابية، ولا التنقيب في الغيب عن الرئيس المكلف. فتشكيل الحكومة أصبح لزوم ما لا يلزم.

لا مجلس الوزراء، ولا الرؤساء الثلاثة، ولا النواب الـ 128، بمقدورهم أجمعين إنقاذ البلد من إنهيار ينذر بالمجاعة.

لقد تأخرتْ كثيراً مواسم الحل. وفاتها القطار… وناطور الدستور ما زال ينتظر “إشارة” إجراء الإستشارات.

ترى أليس هناك بين “الأتباع والأزلام” من يجرؤ على الهمس في أذن، من ضيّع في الأوهام عهده، بأن مسيرة الجوع إنطلقت، وطلائعها وصلت. وهي تكاد تعود بالليرة اللبنانية إلى قيمتها الورقية قبل الطبع؟.

أليس هناك من يُخبّر بأن البطالة طالت كبار التجار وصغار الكسبة. وأن المستوردين بلا دولار. وأن المودعين يودّعون أموالهم. وأن المستشفيات لا تجد من يداويها. وأن رفوف الصيدليات فقدت الأمل بصرف “روشتة” المصارف. وأن الأفران في طريقها إلى إطفاء نيرانها. وأن خبزنا لن يكفي لكفاف يومنا؟.

الأمر بيّن لمن في وجهه نظر.

البلاد عُلّقت على خشبة. وكما صلب اليهود السيد المسيح، يلجأ فاعلو “السبعة وذمتها” إلى إتهام اليهود أيضاً بصلب لبنان.

رغم ما تقدم، ينكر أصحاب “السبعة وذمتها” أنهم المسببون بثورة الغضب. ويردون أسبابها إلى السفارات وعملائها.

وفي هجومهم المضاد على الثورة، يزعمون أن محرّكها إسرائيلي. ومحرّضها أميركي. ومموّلها سعودي. وأن ثوارها قطّاع طرق. وأن قرع طناجرها يوقظ الفتنة النائمة. وأن كل من إنضم إلى ساحاتها عميل. وأن كل من أقام خيمة في منطقة شيعية مرتد. وأن كل طرابلسي سهر الليالي، ولو تحت أضواء ساحة النور، ظلامي. وأن كل صيداوي مسلم إختار ساحة “إيليا” خارج عن الملة.

بعد جملة الإتهامات الفضائحية هذه، يصبح من واجب المسؤول أن لا يسأل عن الثورة، وأن لا يرد على مطالبها.

“أدلتهم” تؤكد أنها ثورة من صنع الأجنبي… وإلاّ ما الذي يأتي بالطرابلسي، الأجنبي عن بيروت، إلى ساحة الشهداء؟.

وماذا يفعل الكسرواني، الأجنبي عن طرابلس، في ساحة النور؟.

وما علاقة البعلبكي، الأجنبي عن صيدا، بساحة إيليا؟.

إنهم فعلاً أجانب يثورون إلى جانب أجانب آخرين. والوطنية تقتضي عدم الخضوع لإرادة الأجنبي.

لكن الحاكم والمتحكّم به يؤمنان بأن الأجنبي نوعان: منه الحلال كإيران. ومنه الحرام كشعب لبنان.

صحيح أن البلد يتخبط في مأساة. لكن المأساة الكبرى ستقع عندما تنشب المجاعة أنيابها في البطون الخاوية. عندئذ لن يجد اللبنانيون، من كل مؤسسات الدولة، من يعينها سوى “الهيئة العليا لللإغاثة”، التي يتولاها اللواء محمد خير. فهي المؤسسة الحكومية الوحيدة، التي تغيث اللبنانيين في يوم جوعهم.

يومها، يصبح كل ما عداها من مؤسسات الدولة، لا نفع منه، ولا خير فيه.

إنها الجهة القادرة دولياً على طلب المساعدات والهبات. وتلقي التبرعات من الشقيق والصديق.

وهي المؤهلة محلياً لتوزيع “المكرمات” سهلاً وساحلاً وجبلاً.

لأنها كل هذا… لا يستغرب أحد إذا خرجت مظاهرات مطالبة باختصار الدولة بـ “الهيئة العليا للإغاثة”… هاتفة:

الشعب يريد

اللواء محمد خير

وليد الحسيني

“العناد”

walidإستقلال هذه السنة، كان رهينة التناقضات بين اليرزة وساحة الشهداء.

في اليرزة، أقيم مجلس عزاء في سجن مفتوح، إقتصر على أهل الفقيد. بدا فيه سعد الحريري معزياً أقتيد مكبلاً بواجب المنصب.

في ساحة الشهداء، إحتفل شعب لبنان بعرس الإستقلال في ساحة بوسع جهات الوطن الأربع.

في اليرزة، مصافحات باردة. وجوه متجهمة. عيون تتبادل العتب والغضب.

في ساحة الشهداء، أجيال مختلفة الأعمار، تلاقت على الوفاق والعناق.

في اليرزة، عرض عسكري خجول، أقرب إلى مجاملة المناسبة.

في ساحة الشهداء، عرض مدني تدين له أشهر استعراضات المناسبات التاريخية في التاريخ.

وبالخروج من أضواء الإستقلال إلى عتمة السياسة، سمعنا باستغراب، يصل إلى حد الإستهجان، الألسنة العونية تهاجم الثوار لمنعهم النواب من الوصول إلى مجلسهم. لكن ذاكرة “العناد” وأتباعه تجاهلت تماماً أن “عمادها” قد فعلها قبل 30 سنة.

يومها لم يمنع النواب من دخول المجلس فقط، بل منع خروجهم من منازلهم.

أجبرهم على الإقامة الجبرية. وحاصرهم بالسلاح، لا “بقرع الطناجر”.

وما فعله العونيون في ذلك الزمن، هو أقبح ما ارتكب من ذنوب بحق السلطة التشريعية.

هم منعوا النواب من إنتخاب رئيس الجمهورية، لتبقى البلاد تحت حكم العسكر. في حين أن ثوار اليوم، منعوا النواب من محاربة الفساد بتشريع القوانين الفاسدة. كقانون العفو الذي دست في بنوده مواد تعفو عن جرائم تدمير البيئة واغتصاب الشواطئ.

ورداً على المقياس العوني بمكيالين، يصح قول الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

لا تنه عن فعل وتأتي بمثله… عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ.

ومتابعة لإبهار مسلسل “الإنهيار”، الذي يتعرض له لبنان، يلعب فخامة الرئيس دور البطولة، بتمسكه بحق حجز إستشارات التكليف. وهو حق يراد به باطل، يظهر جلياً باستيلاء فخامته على حق الرئيس المكلف باستشارات التأليف… وبالتأليف نفسه.

لم يعد بمقدور أحد وقف الكارثة. لكن من الممكن الحد من سرعتها ونتائجها. وبداية ذلك الممكن، يكون بتخلي ديكة العهد عن الإنتفاخ والتمثل بالطواويس.

إن سياسة الخبط عشواء، هي دليل آخر على أن الفريق الحاكم ليس إلا الغريق الأحمق، الذي يحطم خشبة الخلاص.

أما وقد كان ما خفنا أن يكون، فإن اللبنانيين ينطلقون حثيثاً نحو المجاعة.

الليرة سقطت بضربة الدولار القاضية.

الشركات أفلست… ومنها من ينتظر.

المخابز بلا طحين… إن لم يكن اليوم فغداً.

المحطات بلا وقود… إن لم يكن اليوم فغداً.

المخازن بلا مواد غذائية… إن لم يكن اليوم فغداً.

الصيدليات بلا أدوية… إن لم يكن اليوم فغداً.

الصفر هو سيد المرحلة.

صفر تصدير… صفر استيراد… صفر حلول.

إن التمسك بعودة سعد الحريري، بشروط الثورة المضادة، غايته إنقاذ “الممانعة”، لا منع إنهيار البلد.

الرجل أعلن أنه لن يشكل لكم حكومتكم… فلماذا المماطلة؟.

لديكم الأكثرية… فأكثروا من أخطائكم… وابحثوا عن غيره.

وليد الحسيني

ترامب المفتن والمحرض

walidالخطر لا يزحف إلينا، نحن، باستهتارنا، من يزحف إليه.

المسؤولون عنّا وعنه، كقرود الصين الثلاثة: خرسٌ عميٌ صمٌ لا يسألون.

… فماذا أنت فاعل يا فخامة الرئيس؟.

هل تكون المنقذ أم المنفذ؟.

إن كنت منقذاً، فلم توفق في حوارك مع “حوارييك”.

لقد أضرمت النار في النار. وتورطت في إثنتين:

بدعوة “جاحديك” إلى الهجرة. وبمطالبة “جاهليك” بالرجوع إلى تاريخك.

ولأن الذكرى تنفع المؤمنين نذكرك يا صاحب الفخامة بأن اللبنانيين لن يهاجروا كما هاجرت، حتى ولو كانت السفارة الفرنسية ممولة وراعية لهجرتهم. وحتى لو كانت باريس هي الحضن والأم الحنون.

وقبل أن يرجع اللبنانيون إلى تاريخك… رجعت أنت إليه. فعدت، كما كنت، منفعلاً مهدداً متوعداً.

أما إن كنت منفذاً، فقد قطعت الشك باليقين. وأثبتّ انتسابك إلى جماعة “الوعد الصادق”. وبأن عهدك لم يتنكر لتعهدات شهدت عليها “كنيسة مار مخايل”.

وسواء كنت هذا أو ذاك، فمن الواجب لفت انتباهك إلى أن البلاد في ثورة. وأن “هالكام جلعوط”، وفق احصائيات صهرك، هم الذي يملؤون كل ساحات لبنان. وهم من ابتكر ثورة لم تعرفها الثورات من قبل.

فيها اختلطت صرخات الغضب بالغناء. والمرارات بالرقص. والأحزان بالفرح. والهتافات بالنهفات. والخيبة بالإرادة. والبطالة بالبطولات.

هي ثورة، تأخذون عليها أنها بلا قيادة. وفجأة تتهمون “ترامب” بأنه القائد والمحرك والممول.

إذاً، وطالما أن الأميركيين هم الأصل، والكلمة الفصل، فلماذا تطلبون من العملاء والأتباع محاورتكم؟.

توجه يا فخامة الرئيس رأساً “إلى نبع الثورة”. فإن لم يكن بالإمكان إستدعاء “ترامب” نفسه لمحاورتك بمطالب الشعب اللبناني، فليقم باسيل باستدعاء سفيرته في عوكر. وناقشوها بمؤامرة الدولار على الليرة. وأحيلوا معلمها، ومن يظهره التحقيق، إلى محكمة المطبوعات بتهمة القدح والذم. بدءاً من “هيلا هيلا… هيلاهو” وانتهاء، وليس ختاماً، بـ “كلن يعني كلن”.

إن الكارثة التي حلت بلبنان، تحتاج يا سيد العهد، إلى التعامل معها بجدية بلا إستهزاء. وواقعية بلا تهيؤات. وتواضع بلا تكبر وكبرياء.

من غير المجدي يا فخامة الرئيس كيل الإتهامات وترويج الشبهات.

كما يجب أن تعلم فخامتك، أن سياسة “عض الأصابع”، لن تقطع الأصابع التي تلعب في مصير البلد. فالشعب سبق وأن أدمن قول “الآخ” من قبل. لكنكم لم تسمعوها. وهو لن يقولها اليوم، مهما كانت أسنانكم حادة وقاطعة. فقد تكسرت عنده النصال على النصال.

ألم تبلغ مسامعك يا صاحب الفخامة أن اليوم الأسود قد حل على اللبنانيين، وأن القرش الأبيض مفقود… مفقود… مفقود.

ألا ترى أن العلاج بالتفرد، والتعسف باستعمال حقك الدستوري، بحجز الإستشارات النيابية، هو نهاية لبنان قبل أن يحتفل بمئوية قيامته.

لقد طالبك الدستور بـ “الإستشارات”… أي أن تأخذ برأي 128 نائباً، لا برأي ثنائي العائلة العونية.

لا تكن يا فخامة الرئيس سبباً في غرق “لبنان العظيم”.

ليس المطلوب القيام بمعجزة… المطلوب فقط الخروج من العجز…

إلا إذا كان هذا الخروج نفسه، يحتاج بدوره إلى معجزات.

                                                                                         وليد الحسيني

سيد “العهد” وعهد “السيد”

walidلم يبق حزب أو تيار أو نائب، لم يعلن أن شعاراته تم السطو عليها من قبل “حرامية الشعارات” في ساحات الغضب اللبناني.

وبما أنكم، يا ساسة لبنان، لا تكذبون… إلا غالباً، فمن حقكم مطالبة “لصوص الثورة” باسترداد “أفكاركم المنهوبة” رداً على مطالبتهم باسترداد “أموالهم المشفوطة”.

سمعنا ورأينا الغوغائيين، وبالجرم المشهود، يسرقون الكلمات من أفواهكم.

وسمعناهم ورأيناهم، يطالبون بوقاحة، ما أدمنتم المطالبة به، منذ بدايات “عهد الإستقلال” إلى بدء نهايات “عهد البرتقال”.

ألستم أنتم من طالب ببناء دولة خالية من القمع والفساد والبطالة، فبنيتم دولة خالية من الدولة؟.

ألستم أنتم من حارب الطائفية، حتى آخر نقطة دم من العلمانية؟.

ألستم أنتم من دافع عن العدالة، إلى أن لفظ العدل رمقه الأخير؟.

ألستم أنتم من رفض توظيف من لا تؤهله “معارفه” للوظيفة؟.

ألستم أنتم من يحرص على المال العام… كأنه مالكم الخاص؟.

ألستم أنتم من اختاركم الشعب بانتخابات وفقاً للقانون؟… وألا يعني هذا أن الشعب عندما يخرج ضدكم، يكون خارجاً عن القانون؟.

أما وقد نقلتم لبنان من “هواية التهويل” إلى “هاوية الأهوال”، فمن المستحب التخلي عن “الملكية الفكرية”، إذ لا يعيب أفكاركم المنتهكة، وشعاراتكم المنهوبة، أن تتحقق على يد “حرامية الشعارات”… ففي ذلك قد ينالكم بعض العنب، وقد يكتب لـ “نواطيركم” النجاة.

يا ساسة لبنان أدركوا لبنان، فقد وصل إلى الدرك الأسفل. ومقياس ريختر الإقتصادي، يتحدث عن زلزال تجاوز درجة الإنهيار. فهل ينبّه أحد منكم قصر بعبدا، إلى أنه بحجزه الإستشارات النيابية، يكون قد عماها… وكان كل الظن أنه يكحلها؟.

أما منكم أحد ينبه قصر “التقصير”، إلى أن الكارثة تُرى اليوم بالعين المجردة. وأن من لا يراها هو الذي ينام على مصير الحكومة قرير العين هانيها؟.

ألا يعلم العهد، ومن والاه، أن ما يحصل في كل لبنان، هو ثورة لا تمهل ولا تهمل؟.

ألا يعلم العهد، ومطبليه، أنه إذا مرت عليه ساعة بسلامة، فإن ساعة القيامة آتية لا ريب فيها؟.

ألا يعلم العهد، ومبخريه، أن “الإنتظار البارد” بارود يفجّر البلد؟.

يا سيد “العهد”، ويا عهد “السيد”، لقد أبلغكم سعد الحريري، بالفم الملآن بالمرارات، أنه لن يشكل لكم حكومتكم. وأن الحكومة التي يقبل تشكيلها هي حكومة الناس.

إذاً، عبثاً تحاولون جلبه قسراً إلى السرايا، طالما ترفضون شروطه… وتفرضون شروطكم.

الحريري ليس عادل عبد المهدي. فهو لن يعود إلى الحكم ليحكم لبنان، كما يحكم المهدي العراق، بالرصاص والقنابل المسيلة للدموع.

لا وقت، يا صاحب العهد، للرهانات المرتهنة لأمر هنا يصدر عن آمر هناك.

أسرع يا فخامة الرئيس وخذ بأفكار بناتك، لا ببنات أفكارك، فالوقت يمضي بسرعة الصاروخ، فإن لم تسبقه سبق الجميع إلى هلاك لبنان… وعندئذ لن تنفعنا أسطورة الفينيق، فأكذب من الفينيقيين أساطيرهم.

وليد الحسيني

ديمقراطية الإستبداد

walidالحكومة استقالت. وهذا من حق سعد الحريري.

الإستشارات النيابية تنتظر فتح أبواب قصر بعبدا المغلقة، والبوابة لا تفتح، إلا بأمر من ميشال عون.

إلا أن ما ليس من حق الرئيس، مخالفة “الأعراف الدستورية” العريقة والراسخة في تاريخ الديمقراطية اللبنانية.

فخامته يستولي اليوم، “عيني عينك”، على أحقية النواب، في تسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة. فهو لن يستشيرهم قبل أن يستشيروه بمن يصلح للجلوس في السرايا. مع الإلتزام بالنص الدستوري بحيث تكون إستشارته “ملزمة” للنواب!.

وإمعاناً في ارتكاب المخالفات، الخارجة عن نص الدستور وروحه، قرر فخامته انتزاع صلاحيات الرئيس المكلف بإجراء استشارات التشكيل، فأجراها بنفسه:

نوع الحكومة.

شكلها وتشكيلتها.

برامجها وسياساتها الداخلية والخارجية والإقتصادية والإجتماعية.

وعندما تكتمل السلة الحكومية، بما يشتهي حزب الله، وبما يطيب للتيار الوطني الحر، يُفرج عن الإستشارات الملزمة للنواب والرئيس المكلف.

إذاً، كل شيء يجب أن يعد مسبقاً. فخبرة قطاف “الفراغ الرئاسي”، ما زالت صالحة لقطاف “التعطيل الحكومي”.

وهكذا يكون العهد قد بدأ النصف الثاني من ولايته، بمتابعة مسيرة الإنجازات، بإنجاز أخطر الإنحرافات الدستورية.

في الأمس القريب، وبمناسبة اكتمال السنوات الثلاث العجاف، استعرض فخامته بعض ما أنجز، في كلمة قالها في توقيت، يمشي فيه لبنان إلى حيث ألقت رحلها “أم قشعم”.

وللعلم فإن “أم قشعم” في التراث العربي ترمز للحرب والموت.

كل هذا لا يهم. المهم أن اللبيب الذي من الإشارة يفهم، لم يفهم ما إذا كانت الإنجازات قد أنجزت. وما إذا كان المنجز منها فعلاً، لم يكن سبباً في هم وغم الشعب اللبناني.

من حقه أن يتباهى بتشريع قانون النسبية، الذي أعطى لبنان مجلساً نيابياً يُعقّد اللبنانيين كلما انعقد. ونتجت عنه حكومة لا تحكم.

يبدو أن فخامته لم ينتبه إلى أن بريطانيا وفرنسا وكندا وأوستراليا والولايات المتحدة رفضت الأخذ بخدعة النسبية. ومن حسن الفطن أن لا يكترث بخيارات هذه الدول. فربما يعود ذلك إلى تخلف ديمقراطياتها، التي تعشعش في دساتيرها توجهات استبدادية مخفية!!.

ننتقل إلى إنجاز التشكيلات القضائية. وكأنه بإجرائها ضمن لنا قضاء غير موجه، حتى ولو بقي يخضع للتوجيهات، التي يطالب القضاة أنفسهم برفعها عبر رفع أثقال أهل السياسة والنفوذ عن ضمائرهم.

ويذكّرنا في ذكرى ثلاثية الإنجازات بإنجاز الإستقرار بكل أشكاله. وكأنه أيضاً لا يرى كيف يعم الفقر، وتنتشر الأوبئة والأمراض، ويرفع الغلاء رأسه إلى الأعالي، وتنحني الليرة مكسورة الخاطر أمام جبروت الدولار!!.

المشكلة ليست بالأحلام الرئاسية. بل بعدواها التي أصابت الأتباع والأنصار. فجماهير ثورة الساحات اللبنانية تحمل أفكار التيار الوطني الحر ولا ينقصها سوى الحصول على بطاقات الإنتساب إلى التيار المتوهج بمطالب الناس والمتهيج لتحقيقها!!.

وليد الحسيني

من أين لكم هذه “السندويشات”؟

walidما يجري الآن في لبنان والعراق، أخطر على إيران من العقوبات الأميركية.

اليوم يهتز نفوذ طهران في أقدم مواطئ أقدامها. فهل سيستسلم قاسم سليماني لهزيمة تلوح في ساحات المدن اللبنانية والعراقية؟.

هل سيقبل أن تسقط من يد مرشده، أقوى أوراقه الإقليمية؟.

لن يفعل… ولن يقبل.

ولهذا، وفجأة، وبلا مناسبة، أطل السيد حسن نصرالله وأنذر اللبنانيين بلاءات ثلاث.

لا إستقالة. لا تغيير. لا إسقاط للعهد. وأرفق ذلك بتحذير من حرب أهلية. وجدّد رفع أصبعه مذكراً بأنه الأقوى في لبنان، والأقدر على الحسم.

وفي اليوم نفسه، وربما في الساعة  نفسها، خرج “الحشد الشعبي” في العراق ليواجه حشود الشعب بالرصاص والقنص، فاستشهد في ليلة ليلاء العشرات وجرح الآلاف، في محاولة قمع تفضح من دفع إليها ولا تخفي دوافعها.

لا شك في أن إصرار قائد فيلق القدس، على إجهاض الثورات المضادة لثورته “الإسلامية” قد نقل قرار حل المعضلة اللبنانية، من بعبدا إلى طهران.

من هنا، لن يجد سعد الحريري من يحسده على موقعه وموقفه.

فهو إن استقال يكون كمن يقدم عود الثقاب للحرس الثوري وفروعه لإشعال البلد. وإن لم يستقل يكون كمن يتجرع السم خوفاً على لبنان من تجرّع الدماء.

المعادلة صعبة… والقرار بشأنها معقد.

الشعب طلب العلا وسهر الليالي في الساحات. وهتافاته أيقظت الحكومة، التي تعوّدت أن تنام ملء جفونها في العسل.

الهوة تتسع، ولا يمكن ردمها.

في مكان ما تنمو أحلام المتظاهرين وتكبر… وفي مكان آخر تتقلص قدرات الدولة وتصغر.

وفق هذه الثنائية المتعاكسة، لا مخرج يخرج الجماهير من الشارع، ويحافظ على الشرعية في الوقت نفسه.

ألا تلاحظون “الطباق والجناس” بين الشارع والشرعية؟.

الكلمتان مصدرهما واحد. ورغم التزاوج اللغوي بينهما، فإن الطلاق واقع لا محالة، إذا بقيت الأحوال على هذا الحال.

لقد قدمت “الشرعية” ورقة تغلّب فيها الممكن على المستحيل. ولم ينقصها سوى أن يتعهد سعد الحريري للبنانيين بدخول الجنة.

لكن جماهير الغضب لم تجد فيها إلا ورقة توت، تستر عورة عجز الحكومة عن التلبية الفاعلة للمطالب الفعلية.

أمام مشهدية إختلاط الممكن بما ليس بالإمكان، سيبقى سقف المطالب عالياً، وسيبقى سقف الإمكانات واطياً، طالما أن عين المتظاهرين بصيرة… ويد الحكومة قصيرة.

إن الخوف على لبنان، كما الخوف على العراق، ليس من باب التهويل. فقاسم سليماني لن يسلم للشعبين حق تقرير المصير. وكل ما نخشاه أن يتناسل الخطر القائم إلى أخطار داهمة. وعندها لا يجدي أن يسأل المتظاهرون أهل السلطة: من أين لكم هذا العناد؟… ولا أن يسأل حزب الله المتظاهرين: من أين لكم هذه “السندويشات”؟.

 

                                               وليد الحسيني

“جريندايزر”… وضريبة “حبيب الماما”

walidمن نار حرقت الشجر، إلى ضرائب حرقت البشر.

بالحريقين، انتقل لبنان من الخطر إلى الأخطر.

من قبل كان، على ذمة وديع الصافي، “قطعة سما”، فإذا به “قطعة جبنة”.

وكان في ما مضى “جنة الله على الأرض”، فتحول إلى “جهنم الله على الأرض”.

وبسبب الخلطة السويسرية، التي جمعت روعة الجبل والشاطئ، مع براعة التاجر والمصرف، أطلق عليه “سويسرا الشرق”. لكنه اليوم فقد ميزته المتعالية على جيرانه، فهبط تصنيفه إلى “صومال الشرق”، بعد نجاحه في تلويث الشاطئ والهواء، ورفع جبال النفايات السوداء إلى جانب جباله الخضراء. وبعد أن أفلس فيه التاجر، واهتزت في أسواقه سمعة المصرف.

ليست هناك حاجة لأدلة، تثبت أن ما جرى هو بفعل “جريندايزر”. فمنذ عهد آدم والأولاد يكبرون… إلا أولاد هذا العهد، فهم لا يكبرون أبداً.

الولد فيهم يبقى ولداً، حتى لو اشتعل الرأس شيباً.

ولأن “الولدنة” لا علاقة لها بالعمر، ها هو لبنان محكوم ممن لم يزل يتقمص بطولات “جريندايزر”، التي على ما يبدو أنها ترسخت في خياله وطبعه وطموحاته، من أيام الإدمان الطفولي، على مشاهدة أفلام “الكرتون”.

إذاً، البلد يعيش عصر بطل الفضاء، الذي يعمل أحدهم على تحويله من شخصية “كرتونية” خيالية، إلى شخصية سياسية حية… تسعى.

الآن، وقد بلغ الغضب الشعبي قمته، نتيجة المغامرات الخيالية لهذا “البطل الكرتوني”، هل هناك من حل؟

هل باستقالة سعد الحريري ينجو لبنان من الإنهيار المحتمل، أم إنه سيواجه الإنهيار المؤكد؟

هل يستطيع “جريندايزر” أن يحكم، مستعيناً بشخصيات “كرتونية”، توفر له ميثاقية تمثيل كل الطوائف والمذاهب الرئيسية؟.

طبعاً يستطيع.

لكن هل يستطيع لبنان تحمل ما سينتج عن ذلك من نكسات وخراب؟.

طبعاً لا يستطيع.

هل الحل في أن يبقى الحال على ما هو عليه؟.

طبعاً يستحيل.

لقد وقع لبنان في محظور “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تأكل”.

خطورة ما نحن فيه يستدعي معالجات عميقة، لا عقيمة.

وبما أن استقالة الحريري مصيبة على الوطن، وعدم استقالته مصيبة في الشارع، فلا حل إلا في أن ينسى “جريندايزر” سنوات “الولدنة” ويتصرف كرجل بلغ سن الرجولة.

بهذا “البلوغ” تبدأ “التسوية” الحقيقية لاختناقات لبنان الإقتصادية والسياسية والإجتماعية.

وهنا يستوجب التنبيه بالتحذير من عدم التفرقة بين الرسوم والضرائب. فهذه اللعبة المفضوحة لا يمكن أن تمر على الفقراء وذوي الدخل المحدود.

صحيح أن الضريبة هي أقصر الطرق إلى معدة الدولة، لكنها في ظروف اللبنانيين الإقتصادية ستؤدي إلى تراجع القوة الشرائية. فتكون الدولة قد وقعت في فخ “ضريبة بالزائد… مداخيل بالناقص”. فكأنك يا أبو زيد ما غزيت. وكأن الحكومة تسير على طريقة “مكانك سر”.

ورغم إعترافي بأنني فوق جهل الجاهلين في جمع المال، أقترح ضريبة “حبيب الماما”.

فماذا لو أقر مجلسا الوزراء والنواب قانون التجنيد الإلزامي لمدة سنتين. وتحديد بدل الإعفاء من الخدمة بثلاثين ألف دولار أو أكثر.

في البلد عشرات الآلاف من الأمهات، اللواتي لن يسمحن لـ “حبيب الماما” أن ينتقل من أحضانهن لأحضان الوطن. وبالتالي، التعرض لخطر المواجهة مع العدو الإسرائيلي، أو مطاردة الإرهابيين، أو تفريق مظاهرات يختلط فيها القمع بالعنف.

اللجوء إلى ضريبة “حبيب الماما” سيغدق على الخزينة الفارغة مليارات لا تعد ولا تحصى… وستنقذكم من فرض ضرائب لا تجلب لكم سوى الدعاء عليكم من أمهات المحتاجين والكاتمين فقرهم وغيظهم.

جربوها… إلا إذا اعترض “جريندايزر” لأنها لا تحقق المناصفة في عديد الجيش.

 

 وليد الحسيني