معتقل المطالب

walidمهما تمادى السياسيون في حب لبنان فلن يتخلوا عن “الأنا أولاً”.

لم تكن هذه الحقيقة موثقة، إلا بعد أن فضحتها شروط تأليف الحكومة.

إذا لم يتم منع “الأنا أولاً” من التداول في مفاوضات بيت الوسط، فذلك سيعني نهاية مبكرة للعهد القوي.

وهنا تبرز أهمية العودة إلى شعار “لبنان أولاً”. إذ أنه الشعار الوحيد القادر على حلحلة العقد والمحافظة على بقية من قوة العهد.

لا يحتاج اللبناني إلى أدلة لإثبات أن غرفة التحكم بإشارات مرور عربة الحكومة، موجودة في قصر بعبدا. وأن بعبدا مازالت تتمسك بإضاءة الإشارة “البرتقالية”. وما زال اللبنانيون ينتظرون إضاءة الإشارة الخضراء، التي تسمح لعربة الحكومة بالإنطلاق نحو السرايا. كما لا يحتاج قصر بعبدا ليعرف أن العهد هو الجهة التي ستدفع فاتورة الفشل، أو التي ستربح جائزة النجاح.

بالتأكيد، لا يستطيع سعد الحريري لوحده أن يجعل الكتل النيابية الكبرى تتسامح كالسيد المسيح. فبعضها، أي بعض الكتل، ينفخ في أحجامه لتصبح جبالاً… وبعضها الآخر يحاول أن يمسخ الجبال لتصير أودية سحيقة.

لا هذا البعض ولا ذاك يحمي لبنان من مخاطر لا ريب فيها.

إن الرؤوس المتعالية على مصالح الوطن يترتب عليها الإنحناء قليلاً. وإلا فإن العواصف الهوجاء قد تهددها بالإقتلاع.

من واجبات الحريري ومسؤولياته الوطنية أن يرفض الإستسلام. وأن يستمر في صبره على من لا صبر له في قطف ثمار “شجرة الحكم”.

والمضحك، الذي يبكي، حتى “صخرة الروشة”، أن كل فريق يسمي مطالبه الحكومية بالمطالب الوطنية. وأنها إذا لم تتحقق فإن البلاء سيعصف بلبنان. ومن المضحك فعلاً، ألا يدرك هؤلاء “الوطنيون” أن الشعب لن يغفر لهم وطنيتهم هذه، التي تمثل التعبير الأمثل للمقولة المعروفة “ومن الحب ما قتل”.

وسط صراع “الأنانيات”، لا مفر من العودة إلى بعبدا.

لقد أفهمونا، وفهمنا، أن هناك الرئيس القوي.

وكذلك أفهمونا، وفهمنا، أن عقبات التأليف تستهدف انطلاقة العهد.

وطالما أنه هو القوي، وهو المستهدف، فهو الأولى بالدفاع عن نفسه.

لا أحد يمكنه أن يصدّق بأن جبران باسيل هو من يقرر مطالب التيار الحكومية. فصاحب القرار الحقيقي ما زال هو… هو. سواء كان في الرابية أو في بعبدا.

ومن المعروف أيضاً، أن القوي هو الأقدر على التنازل عن جزء من “فائض قوته”… وعندئذ تصبح العقد بلا عقد.

وكما أن بعبدا هي التي تمتلك قرار الإفراج عن الحكومة من “معتقل المطالب”، فإن بيت الوسط هو مفتاح الحل الدستوري والوطني.

والحل ليس حلاً لمسألة حسابية، تشترط القسمة على أربعة، ومن ثم، تقسيم الناتج على ثلاثين. فسعد الحريري ليس أستاذ حساب في مدرسة السياسة. وفي الوقت نفسه لم يسبق أن تم تشكيل الحكومات، لا في لبنان، ولا في العالم، على هذه القاعدة الحسابية البدائية والساذجة.

وإذا كان لا بد من حسابات، فحسابات التأليف هي دائماً سياسية واقتصادية.

أي أن يكون “النأي بالنفس” هو القاعدة السياسية، التي لا تعطّل بالثلث المعطل. وأن يكون الإصلاح هو القاعدة الإقتصادية التي تسمح لـ”سيدر” أن يدر خيراته.

والمشكلة أن هذه الحسابات لا يأخذها أحد بالحسبان… فحسبي الله ونعم الوكيل.

 

وليد الحسيني

Advertisements

ماذا لو اعتذر؟

walidلو أخذ الحريري بمعيار الأحجام الحقيقية في تشكيل حكومته، لبقيت غالبية الحقائب الوزارية شاغرة.

ولأن “كل ديك على مزبلته صيّاح” فقد علا صياح الديكة، وارتفع سقف مطالبها الحكومية. وهذا يعني أن ولادة الحكومة، إن لم تكن مُتعذرة، فهي مُتعثرة. فصراع الديكة بلغ قمة التعجيز.

التعجيز؟!.

يبدو أنه الغاية التي يسعى إليها أصحاب المطبات المتعمّدة. وهنا يجب الإعتراف، بأن العُقد الوزارية أدخلت البلاد في مرحلة الخطر الكبير. حيث حقول الخلافات مُزدهرة. وغلال “الغل” وافرة. وكل ما يحصل يُبشر بموسم كارثي عظيم. ومن العار أن لا يعي صنّاع الكوارث ماذا ينتظر لبنان؟

المسؤولية تفرض على القيادات اللبنانية، أن تدرك بأن تمسكها بثوابتها الملوّثة، قد تدفع الحريري إلى اتخاذ قرارات لا يريدها. فهو بالتأكيد لن يقدم على تشكيل حكومة يغيب عنها جنبلاط وجعجع. ولهذا يترتب على مفتعلي الأزمات، التخلي عن المبالغة في الإنتفاخ، قبل أن يضطر الحريري إلى ختم صبره الطويل بالاعتذار.

إن الخراب، المتجه حثيثاً إلى لبنان، لا يحتمل انتظار إعلان نتائج لعبة عضّ الأصابع. والحريري يعلم جيداً، أن التأخير في التأليف، هو تعجيل في الإنفجار الإقتصادي والإجتماعي… وربما الأمني.

وبالتالي، فإن المنطق يقضي بأن يرفض الحريري تحميله مسؤوليات غير مسؤول عنها.

ومن المفيد التنبيه، إلى أن ظروف تشكيل هذه الحكومة، تختلف عن ظروف ما قبلها. وإذا كانت المهل الزمنية للتأليف مفتوحة سابقاً، فإنها اليوم تحتسب بالأيام. ومن المؤسف أن كل الأصوات العاقلة، تضيع في ضجيج خرق تفاهم معراب. وتوزير سني يحلق بعيداً عن سرب السنة. ودرزي يبحث عن مكان له في مقاعد محجوزة بكاملها.

يضاف إلى هذه العقد المفتعلة، حقيقة تقول أن المطلوب توزيرهم، ولو أدى ذلك إلى خراب البصرة، يتمتعون بازدواجية، تستبيح المعايير المُحددة بوزير لكل كتلة من أربعة نواب. لقد شكلت لبعضهم كتل صغيرة، هي مستوطنة في كتل كبيرة. وهكذا تحتسب أعدادهم هنا وهناك. وهذا احتيال مفضوح في حسابات الأحجام.

إذاً، لا بد من عودة الوعي الوطني، وإنقاذ لبنان من اعتذار الحريري. فلو اعتذر الرجل، من الصعب على العهد، أن يجد السني المناسب، لشغل المكان المناسب في السرايا.

ولو قدر لسابقة “إقتناص” الفرص أن تنجح مرة أخرى، فسيكون “المقتنص” طائراً بلا أجنحة أقليمية ودولية، تطير به إلى حيث تحط حبال النجاة بلبنان من الإنهيار.

على “المنتفخين” من كل الفرقاء أن يتوقفوا عن بناء السدود في وجه الحريري، لأنه لو اعتذر فإن أبواب لبنان ستكون مشرعة للجنون… ومفتوحة على الجحيم.

وليد الحسيني

 

حكاية لبنان

walidإقتحم المواطن القلق غرفة الأطباء صارخاً:

صارحوني. هل مات فعلاً؟

يقول طبيب محاولاً تهدئة المواطن المنهار:

لا. لم يمت بعد. لكن حالته سيئة جداً.

يرد المواطن متوسلاً:

أرجوكم افعلوا شيئاً لإنقاذه.

يحاول رئيس الأطباء طمأنة المواطن قائلاً:

لا تخف. فهذه ليست المرة الأولى التي يعاني فيها لبنان سكرة الموت. سبق وأنقذناه من حالات خطيرة كثيرة. كل ما نطلبه منك بعض الصبر.

يهدأ المواطن قليلاً. لكنه يعود إلى السؤال:

هل اكتشفتم مرضه؟

يجيب أحد الأطباء بتهكم:

مرضه؟! قل أمراضه. فهي لا تعد ولا تحصى.

يتملك القلق المواطن مجدداً. ومرة أخرى يسأل:

ممّ يعاني؟ أخبروني بحق السماء.

يتأفف طبيب المخدر مجيباً:

أوه… لا أدري من أين نبدأ.

يمسك المواطن بيد رئيس الأطباء مستعطفاً:

بالله عليكم صارحوني. فليس لي غيره. وعمري لا يسمح بالبحث عن وطن بديل.

يستجيب طبيب لطلب المواطن ويبدأ بسرد الأمراض:

مريضك يا عزيزي يشكو من فقدان المناعة. وهذا أدى إلى تراكم الأمراض واختلاطها. ولأنه لا يستطيع مقاومتها فقد استفحلت في جسده المتهالك.

يستغرب المواطن كلام الطبيب ويرد مستنكراً:

من أين أتيتم بهذا الهراء. فكل زعاماتنا وأحزابنا وتلفزيوناتنا وصحفنا تقول أنه وطن الصحة والعافية والجمال والقوة والإزدهار؟… هل نسيتم أنه سويسرا الشرق؟… إذاً، لماذا سويسرا لم تصب بأمراضه؟… لا شك أنكم أخطأتم توصيف المرض.

يفقد رئيس الأطباء صبره ويتوجه للمواطن بعصبية غير معهودة قائلاً:

إسمع أيها المغرور. أنت وأمثالك سبب كل هذه الأمراض الخطرة. لقد تسببتم له بذبحة دستورية عندما استعملت قياداتكم أوراق دستوره في الحمامات. وأنتم تسببتم له بفقر الدم الديمقراطي عندما أصبح السلاح غير الشرعي هو الحاكم والمتحكم. وأنتم من حولتم سيادته إلى سلع تستورد من الخارج. وأنتم من ذبحتم قوانينه كما تذبحون الخراف والأبقار لتنهشوا لحومها. ورجال أديانكم أصبحوا كفتيات الإعلان يثيرون “الفتنة”. وشبابكم تفرقوا كالبدو الرحل في أرجاء العالم بحثاً عن الماء والكلأ، وموظفوكم اختاروا الرشوة لسد جوع أطفالهم وتسديد أقساط مدارسهم. حتى عاصمته تم تقسيمها على عواصم دول القرار. وأنتم الذين اقتلعتم جباله الخضراء بالمقالع والكسارات… وأقمتم بديلاً عنها جبال النفايات.

خرج المواطن من المستشفى حزيناً محبطاً. انطلق بسيارته. صعد إلى الأرز. ألقى نظرة أخيرة. مسح دمعته. ثم اتجه بحراً إلى الشمال. لم يشم هناك رائحة زهر الليمون كالمعتاد. أمسك أنفه بأطراف أصابعه وغادر إلى الجنوب ودع أمكنة التاريخ في صيدا وصور. وحين وصل إلى بعلبك كان صوت فيروز قد غادرها. فلم يسمع سوى صوت الرصاص. عاد إلى بيروت. ذهب إلى صخرة الروشة واعتذر عن الإنتحار.

بعد أن أكمل رحلته في الوطن… انتقل إلى السرادق وجلس على الكرسي ينتظر وصول الزعماء ومواكب الثلاثين وزيراً… ليقدم لهم واجب العزاء بلبنان.

وليد الحسيني

التأليف … أسهل الصعاب

walidالرئيس المُكلف سعد الحريري مُكلف بماذا؟

بتشكيل حكومة من أبطال المُلاكمة؟

بانتشال زير الإقتصاد من بئر الإفلاس؟

بالقضاء على الفساد في شعب يتمسك بفلسفة “قطع الأعناق ولا الأرزاق”؟

بتطبيق سياسة “النأي بالنفس” في بلد تنقطع أنفاسه إذا انقطع عن الخارج؟

نعم هو مُكلف بكل هذا… وبلا مُعين غير الله.

مع ذلك، فإن تشكيل الحكومة ليس مُشكلة. هو خطوة صغيرة لحل المشاكل الكبيرة.

كل سياسي وكل مسؤول، يحفظ جيداً جدول أزمات لبنان. لكنه لا يبحث عن حلول إلا لأزماته الخاصة وما يتصل بحزبه. أما أزمات لبنان فمتروكة لـ “طائر الفينيق”، فهو القادر على بعث لبنان مُجدداً من تحت الرماد ليعلو فوق الدمار، وليدهش العالم بانجازاته ومعجزاته.

والسؤال: هل من الضروري أن يحترق البلد، ومن ثم، الإستنجاد بإطفائية “طائر الفينيق”؟

حتى لو كانت هذه الأسطورة حقيقة، فهي أعجز من أن تشفي لبنان من أمراضه المزمنة والمستعصية. ففي لبنان قيادات سياسية يجتاح رأس كل منها “ذكاء شرير”، له القدرة على تحليل الحرام وتحريم الحلال، وتقديم الأدلة التي تجعل باطله صواباً، وصواب الآخرين باطلاً.

إذاً، لا يكفي أن يفتح سعد الحريري “ورشة” للملمة شظايا الوحدة الوطنية، في حكومة تبدأ مشاكلها الفعلية بعد التأليف.

الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجمع أعضاء حكومة “تجمّع الاعداء”، هو الصورة الوحيدة، التي تعودت الحكومات إلتقاطها على أبواب قصر بعبدا. أما بعدها فستتوالى الصور المتفرقة بتحول الوزارء إلى فرقاء، وطريق الحكم إلى مفارق.

بتعبير أدق، ليس أمام سعد الحريري سوى القبول بإدخال “الدببة” الى كرم مجلس الوزراء، الذي سيتحول، حكماً وحتماً، من فعل للحل إلى إفتعال للأزمات. فالتناقضات تفرض المواقف المتناقضة. والحكم في هذه الحالة لا يستوي بين أصحاب النظرات الإنقاذية الثاقبة، وبين أصحاب النظرات “الثاقبة… للوطن”.

إن “التخلف الوطني” مخيف. وما عاد من الممكن تغطيته بعدد الجامعات، ونوعية المدارس الخاصة، وإحصاءات الخريجين، ومهارة الأطباء، وشطارة رجال المال والأعمال، وقوة المصارف… ولا بالمستوى الرفيع المزعوم في حقلي الإعلام والثقافة.

كل مصادر القوة هذه، يغلبها بسهولة ضعف الحس الوطني. حيث لا بد من الإعتراف بأن لبنان يعاني من تماسك وطني هش، ومن طبقة سياسية تخفي ما تؤمن لأنها تؤمن بإخفاء الفضائح.

طبقة سياسية تتغزل بلبنان على طريقة سعيد عقل… وتتآمر عليه بلا عقل.

المهمة صعبة يا شيخ سعد… والتأليف أسهلها… فماذا أنت فاعل… وهل بإمكانك وحيداً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أنياب من أوكلت إليهم مهمة الإنقاذ؟

وليد الحسيني

عواصف المطالب وهدوء المستطاع

walidكأن تشكيل الحكومة “بوفيه” مفتوح.

كل زبون يحمل صحنه ويبحث عن أطايب الوزارات وأشهاها.

لكن الطباخ لا يمكنه سدّ جوع كل هؤلاء، خصوصاً إذا كانت شهيتهم، ما شاء الله، مفتوحة على الآخر.

مع ذلك، ورغم ذلك، فإن “دراكولا” نفسه قد يتبرع متنازلاً عن بعض دمه لانقاذ ضحاياه، مدفوعاً بحرصه على الاستمرار بمص الدماء.

وعلى طريقة “دراكولا”، ولذات الأسباب والدوافع، يتوجب على “دراكولي” السياسة اللبنانية التنازل عن مطالب الحد الأقصى. فالفرن الحكومي المُعتدل يوفر لهم الخبز الناضج. أما الفرن المُلتهب فسيحرق الخبز الذي تعودوا التهامه.

هذا يرتب على الرئيس المكلف سعد الحريري أن يدرك أن “الطاووس”، المتباهي بنفش وفلش ريشه، لا يستعمل في النهاية سوى منقاره الصغير، الذي بالكاد يتسع لحقيبة وزارية… أو أكثر بقليل.

كل ما يجري قبل التأليف هو انتفاخ مُصطنع. وهذا مرض يجعل أهل السياسة، من أحزاب ومستقلين، يعتقدون أن أحجامهم تعطيهم الحق بحقائب وزارية “إكسترا لارج”.

صحيح أن سعد الحريري لم يعد إبن تجربة حديثة في السياسة. وأنه أصبح من جهابذتها، لكنه لم يبلغ، ويبدو أنه لا يريد أن يبلغ، مرحلة “الدهانقة” التي رسخ في فنونها مناوئوه، الذين يجيدون حمل الأثقال وإلقائها في طريقه، أو على كتفيه.

إن أمور التأليف الحكومي ليست سهلة، كما توحي التسهيلات المُعلنة بإلحاح، وعلى طريقة “يعطيك من طرف اللسان حلاوة”. فالعقد المطروحة تستدعي الكثير من الجهد، وأكثر منه الحذر من المُبيّت والمحبوك. فبالإضافة إلى الطموحات والمطامع والمصالح، يواجه تأليف الحكومة، وللمرة الأولى، صراعاً يشمل كل المذاهب.

“الموارنة” في خلاف على تقاسم الحصة المارونية في حكومة مجمع الطوائف. وهو خلاف غير قابل للتفاهم… حتى ولو كان “تفاهم معراب”.

“السنة” يرفضون تسلل “حزب الله” إلى حصتهم الوزارية بفرض وزير سني خارج عن الإجماع السني.

“الدروز” من سابع مستحيلاتهم القبول بتمثيلهم بوزير درزي ملتحق بالتيار العوني. خصوصاً بعد اندلاع حرب “التويترات” بين الحزب التقدمي والعهد.

“الأرتذوكس” يشعلون حرب نائب رئيس الحكومة بين قوات “الدولة القوية” وتيار “لبنان القوي”.

“العلويون” يخوضون معركة توزيرهم بسيف جبران باسيل.

“الشيعة” أجلوا كباشهم الحكومي إلى حين صياغة البيان الوزاري متمترسين خلف “ثلاثيتهم”، التي حلف المستقبل والقوات يمين طلاقها بالثلاثة.

إذا، لا توجد طائفة رئيسية لم تدل بعُقدها.

ترى هل يكفي هدوء الحريري واعتداله لمواجهة أعباء التأليف هذه؟

الرجل غالباً ما نجح في أن يبدل المُناخ السياسي، من غائم وعاصف، إلى صاف وهادئ محلياً وإقليمياً.

لا شك في أن الأخطار المحدقة بلبنان من الداخل والخارج، ستساعده في الوصول إلى تشكيلة حكومية، لا هي التي يريد، ولن تكون التي يريدونها.

لا مفر من أن يقبل الجميع بالمستطاع. والرضى بأقل الخسائر. فإنقاذ مؤسسة مجلس الوزراء، وهي الأقوى بين المؤسسات، من الموت السريري، هو إنقاذ لبنان من الموت التام.

 

وليد الحسيني

مؤتمر “بيروت 1”

walidلبنان ليس بحاجة إلى الأمطار لتصبح طرقه السياسية والإقتصادية موحلة. وهذا يُرتب على الرئيس الحريري مسؤولية تجفيف حكومته المُقبلة من المُستنقعات، المُتسببة بأوحال تهدد بانزلاق خطير في بناء لبنان الإقتصادي. بتعبير أكثر وضوحاً، لا بدّ له من “مغسلة” تقوم بتنظيف المُرشحين للقب أصحاب المعالي.

إن الوضع ينطلق بسرعة قصوى نحو الأسوأ. وهو بذلك لا يحتمل استمرار “الملوثات” بتلويث مُسقبل البلد.

الحكومة المطلوبة، هي التي يتخلى أعضاؤها عن مصالحهم الفاسدة، وعن مزايدات أحزابهم ومذاهبهم بحثاً عن شعبية مُدمرة لأي عملية إنقاذ حقيقية.

صحيح أن البلاد مشغولة الآن بهمّيْ تشكيل الحكومة ومصير النازحين السوريين، لكن الهمّ الأكبر، والأدعى للإهتمام، يتمثل في تقارير إقتصادية دولية، تقول أن عام 2019 سيكون عام إفلاس أربع دول عربية، على رأسها لبنان.

إن هذا الخطر المؤجل إلى حين، لا أحد يستطيع عبوره بسلام سوى سعد الحريري كصاحب خطة أولاً، وكصاحب شبكة علاقات إقليمية ودولية ثانياً.

من هنا يتوجب على المُغامرين بالبلد، الكف عن مغامراتهم ومخططاتهم بالوصول إلى حكومة القرارات المصيرية المُعطلة. خصوصاً وأنهم لم يتوقفوا عن توجيه الضربات والشكوك لمؤتمر باريس الأخير المُسمى بـ “سيدر”.

لا شك في أن مؤتمرات باريس، منذ أن ابتكرها الرئيس الراحل رفيق الحريري، شكلت مخرجاً من نفق الأزمات المالية.

لقد أدى الخارج واجبه تجاه لبنان. وبقي على الداخل أن يُكمل طريق الإنقاذ. ونعني بالداخل المصارف اللبنانية، التي رست في صناديقها نسبة كبيرة من مديونية لبنان.

إذا تم للحريري تشكيل حكومة نظيفة، خالية من الكمائن والنيات المبيّتة، عليه أن يستكمل مؤتمر باريس بـ “مؤتمر بيروت 1”. أي مؤتمر يضم المؤسسات المالية، ويشجع المصارف المحلية على التعامل مع لبنان بروحية مؤتمر باريس وتسهيلاته وتضحياته… وبالذات إذا علمنا أن قرابة نصف مديونية الدولة اللبنانية تعود إلى مصارفنا الوطنية.

ألا يمكن أن تصاب هذه المصارف بحب لبنان، كما أحبه المشاركون بمؤتمر باريس، فتسهم في نسبة بسيطة من موجوداتها، وبالشروط التي قبلتها دول وصناديق مالية أجنبية، يفترض أنها غير مُطالبة بإنقاذ المركب اللبناني من الغرق.

يقول المصرفيون أن المصارف هي التي مدّت وتمُد الخزينة اللبنانية بالحياة، ويتجاهلون أنهم تعاملوا مع خزينة لبنان بـ “أريحية” المرابي. وأن الفوائد التي أخذوها من الدولة كانت اللحم والشحم الذي تكتنزه مؤسساتهم.

إذا أرادوا أن يسجلوا في كشوفهم المصرفية جميلاً بلبنان، فليتعاونوا معه لا عليه. فلهم في تخفيف أرباحهم، بالتنازل عن الفوائد، فائدة أكبر في بقاء اللبنانيين ودولتهم قادرين على الإيداع والسحب… والإقتراض والدفع.

إن دور لبنان في إنقاذ نفسه، لا يُمكن أن يُحصر بالإحتفال في المروءات الخارجية. من هنا تستحق أمراضنا الإقتصادية الخطرة، إنعقاد مؤتمر مُماثل لمؤتمر باريس، خصوصاً أننا أسرع بلد يقلد “الموضة الباريسية”. فأصحاب البيت أولى بدعم جدرانه الآيلة للسقوط.

إن مؤتمراً يضم المرجعيات السياسية ورؤساء مجالس المصارف وغرف التجارة والصناعة، ربما يكون فرصة يتخلى فيها اللبناني عن إتهاماته لكل هؤلاء في “تبييض” خزينة لبنان. 

وليد الحسيني

“الوحدة الوطنية” حاجة أم حجّة؟

walidمن المؤكد أن الحريري سينجح في إزالة عقبات التشكيل. والمؤكد الآخر أنها ستكون حكومة “وحدة وطنية”. فهذه تسمية إلتصقت بكل حكومات ما بعد الطائف. إلا أن جمع جميع المُتناقضين على طاولة مجلس الوزراء، لا يعني أن “الوحدة الوطنية” قد قامت.

الزمن اختلف. وإذا كان الخلاف في ما مضى لا يُفسد في الودّ قضية، فإن خلاف اليوم يُفسد كل القضايا… ويُضيف إلى العداوات عداوات… وإلى الأزمات أزمات.

في الماضي، كانت الخلافات أتفه من أن نتذكرها. وكانت فعلاً غيمة صيف عابرة.

أما وقد تحوّل شعار “الوحدة الوطنية” من نعمة مُفترضة إلى نقمة مفروضة، فإنه سيوفر لـ “الإتجاه المعاكس” فرص السيطرة على بعض أهم قرارات الحكومة، وسينجح حتماً وحُكماً، في الإنتقال من “حكومة تصريف الأعمال” إلى “حكومة تجميد الأعمال”. ولهذا نسمح لأنفسنا، ونأمل أن يسمح لنا الرئيس الحريري، أن ننقل إليه مخاوفنا…

فـ “المكتوب مبين من عنوانه”… وللمكتوب عناوين كثيرة.

مُسبقاً، وقبل التأليف، قال الفريق المعاكس، أنه لن يتساهل إذا الحكومة قصّرت في رفض إدراج أسماء شخصيات وشركات لبنانية على لوائح الإرهاب. وأنه لن يسمح للحكومة بأن تتعامل إيجابياً مع العقوبات الأميركية والخليجية المُستهدفة “حزب الله” وأنصاره.

إذاً، المطلوب من “الوحدة الوطنية” أن تتحد في مواجهة الولايات المتحدة ودول الخليج معاً… وأن تحكم بذلك على تطلعاتها السياحية والإستثمارية والمالية بالتبخر، وبالتالي، ترك الإقتصاد اللبناني لمصير، من السذاجة وصفه بالمجهول.

ومن عناوين المكتوب أيضاً، رفع “الإتجاه المعاكس” الغطاء عن كل من يخلّ بالأمن في بعلبك والهرمل مثلاً. لكن التجارب تؤكد أنه يعيد إلقاء الغطاء في المخافر ودوائر التحقيق… وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.

أما الطامة الكبرى، فستحل على جلسات مجلس الوزراء، عندما يحين فتح ملف النازحين السوريين.

هذا الملف، الذي يتلطى خلف إنقاذ لبنان من عبء هؤلاء اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً، هو بالحقيقة ملف مفتوح على صراعات إقليمية ودولية كبرى. فثمة من في لبنان يدعو إلى العودة بالإكراه. وهو يرمي إلى فتح كل القنوات الرسمية مع سوريا. وفريق يعارض العودة القسرية، رافضاً إغتيال سياسة “النأي بالنفس”.

وفي صدارة الإنتظار، فتح الحرب على الفساد. وهو شعار حظيَ بإجماع وطني مُنقطع النظير.

الفساد ليس رشوة وسمسرة وعمولة فقط. فالفساد الأكبر والأخطر، هو تغطية أعين الجمارك بعصبة سميكة في منافذ البر والبحر والجو. فمن هناك تفقد خزينة الدولة مئات الملايين من الدولارات سنوياً… فمن يجرؤ على فضح هذا “الإبراء المستحيل”؟

أما باقي مفاعيل “التجميد الحكومي”، من كهرباء ونفايات ونفط وتعيينات، فهي معطلة بالثلث المعطل، كلما اقتربت الحكومة من اتخاذ القرارات الحاسمة.

هذه عيّنة من نِعَم “الوحدة الوطنية”، التي يفترض أنها حاجة… والتي يبدو أنها تحوّلت إلى حجّة.

 

وليد الحسيني