دستور “اليويو”

رغم أن سليم جريصاتي يحترف تقديم مبررات الإستخفاف والإلتفاف على الدستور، إلا أنه لم يبلغ مستوى جبران باسيل في تقديم المبرر، الذي لا يحتاج من بعده القصر الجمهوري إلى مبررات أخرى.
الصهر، المبحر في العلوم الدستورية، اكتشف أن الدستور اللبناني “نتن وعفن”… وبذلك يكون قد أعطى عمه مبرراً مفتوحاً لا يقبل الاعتراض على أي خرق لدستور أثبت باسيل نتانته وعفونته.
إذاً، بعد هذه الفتوى العبقرية الشاملة، لم يعد الرئيس بحاجة إلى فتاوى جريصاتي، التي أصبحت لزوم ما لا يلزم.
اليوم يستطيع سيد القصر، متكئاً على تعرية الصهر “للدستور الموبوء”، أن يلعب به في شيخوخته، تماماً كما كان يلعب “اليويو” في طفولته.
فخامته، وقبل أن يمنحه حزب الله لقب الفخامة، أنكر الدستور مبكراً، ومبكراً تحوّل إلى ديكتاتور.
مارس الديكتاتورية فور أن ارتكب الرئيس أمين الجميل جريمة عمره، عندما كلفه في الساعة الأخيرة من ولايته برئاسة الحكومة.
أولى خطواته الإستبدادية، كانت وضع نواب المناطق المسيحية في الإقامة الجبرية، ومنعهم من الاجتماع بزملائهم في المناطق الإسلامية لانتخاب خليفة لأمين الجميل.
هو، منذ ذلك الزمن، يراهن على الفراغ لفرض نفسه على قصر بعبدا.
وكلما تجاوزنا الماضي، أعادنا العماد عون إليه.
يصر في أكثر من خطاب، على أنه لم يشكل ميليشيا يوماً. متجاهلاً أنه حوّل ما بإمرته من قوات عسكرية إلى أقوى ميليشيات الحرب الأهلية.
بجيشه الميليشياوي آنذاك، لم يرحم بيروت الغربية من قذائفه… ولم تشفع مسيحيته لشرقيتها من القتل والتدمير والتهجير.
هو من يعيدنا إلى ماضيه المدان.
فكلما سامحناه وأغلقنا أبواب الذاكرة، فتحها من جديد.
يردد في مناسبات لا تحصى أن “العونية” لم تلطخ يدها بالدم اللبناني.
كأنه ليس هو من أعلن “حرب التحرير” في العام 1989، والتي طالت قذائفها العشوائية المناطق المسلمة، والتي بلغت أوج دمويتها في “مجزرة فرن المزرعة”.
وكأنه ليس هو من أعلن حرب الإلغاء في العام 1990، التي خاضها في المناطق المسيحية، والتي أدت إلى نهر من الدماء، وبحر من النازحين عن بيوتهم.
وإذا تركنا “السجل الأسود” القديم جانباً، فكيف نتجنب “السجل الأسود” الحديث، الذي تتلاحق فيه الكوارث، التي كلما كبرت، أنجبت كارثة أكبر منها.
يمكن للشعب اللبناني أن يشارك فخامته بمحاربة هدر المال العام. إلا أنه لن يجد شريكاً يوافقه على هدر الوقت. وهو الهدر الأخطر، والذي يستعجل كل الأخطار الكبرى.
فقدان الدواء لا ينتظر.
العجز عن شراء ربطة الخبز لا ينتظر.
فقدان المازوت، وبالتالي، برد الشتاء لا ينتظر… وكذلك عتمة المولدات لا تنتظر أيضاً.
التضخم بطبع الليرة مع ما يرافقه من تبخر للرواتب لا ينتظران.
الرئيس وصهره وحدهما متمتعان بمتعة الإنتظار.
البلاد بحاجة إلى حكومة تنطلق بسرعة أسرع من الصوت. لا إلى من يتمسك بأنتن وأعفن مادة في الدستور تتيح للرئيس المعطّل تعطيل الاستشارات النيابية… حتى لو حلّت بلبنان أفظع النوائب.
لقد تمهلت كثيراً وأهملت كثيراً يا فخامة الرئيس.
يبدو أنك مصر على أن تصل باللبنانيين إلى جهنم.
وعلى ما يبدو أننا بفضلك وصلنا… أو نكاد.

وليد الحسيني

“ولكن”

فعلها سعد الحريري.
كشف ما وراء الأكمة.
رفع غطاء القبوات عن السموات.
أبطل العمل السياسي بمنهج “الضحك على الذقون”.
إستعرض بدقة أسباب الفشل المزمن، الذي أوصل البلاد إلى كوارث لم يشهدها زمان من قبل.
وبدقة أشد، قدّم الحل الوحيد، الذي يحول دون إعلان وفاة لبنان.
تراجع الرجل عن قرفه ويأسه، وقرر تكرار دور والده.
ما أشبه اليوم بالبارحة.
عاد رفيق الحريري إلى لبنان، ونصف بيروت مدمر… تماماً كما هو نصفها الآن.
عاد والركام والنفايات تملأ الشوارع والأحياء… أيضاً كما الآن.
عاد والليرة اللبنانية قد دخلت في غيبوبة الموت… وها هي تعود، بعد ثلاثين سنة من إنقاذها، إلى غيبوبة أشد وأخطر.
عاد والسلاح، بخفيفه وثقيله، تملكه ميليشيات لا تعد ولا تحصى. إلا أن أياً منها ما كان يتجاوز نفوذه حياً، أو بالكاد منطقة. لا كما هو الحال الآن، حيث ميليشيا الواحد الأحد، تتحكم من دون أن تحكم.
الوضع اليوم أقسى، والمصائب أثقل… ومع ذلك يتطوع الحريري الإبن، ويُقدم بشجاعة على تلقف كرات النار، في محاولة الفرصة الأخيرة المتاحة لإنقاذ لبنان من الانهيار، واللبنانيين من الهلاك.
هذا لا يعني أنه رجل المعجزات. فالرجل أكثر تواضعاً من أن يدّعي ذلك.
كل ما يميزه عن كل الآخرين، أنه يحظى بعلاقات دولية وخليجية، بيد قياداتها أقفال لبنان ومفاتيحه.
إن غضبت منعت وحاصرت. وإن اقتنعت عفت وأفرجت.
ترى هل ما يسعى إليه سعد الحريري سيدركه، أم أن رياح حملة الخناجر ستجري بما لا تشتهي سفينة الخلاص؟.
لا شك أن هؤلاء المتربصين سيجدون لعوراتهم الوطنية ما يبررها.
لن يتردد أكثرهم في انتحال صفة المسهل… مع الاحتفاظ بحقه في… “ولكن”.
وعلينا أن نتذكر أن لعنة “ولكن” قد لاحقت كل الحلول… وطعنتها حتى الموت.
ولأنهم من الحذاق والشطّار، فسيبدعون حتماً باستعمال أصناف من “ولكن”، التي لا يجوز استعمالها، إلا إذا تغلبت الأنانية على الضمير… وهذا غالباً ما يحدث في بلد خسر فيه الضمير كل معاركه الكبرى.
سيواجهون سعد الحريري بـ “ولكنات” كثيرة:
“ولكن” كيف تأخذ حق المذاهب بتسمية من يمثلها في الحكومة؟.
“ولكن” كيف تنقلب على نتائج الانتخابات النيابية ولا تمتثل لرأي النواب في أسماء الوزراء؟.
“ولكن” أي سياسة خارجية ستسلكها بغياب السياسيين وممثلي الأحزاب؟.
كل هذه الـ “ولكن” وغيرها، كافية لعدم التكليف… أو عدم التأليف إذا تم التكليف… أو عدم الانجاز إذا أنجز التأليف.
وعلى أمل أن “يوعى الضمير” قبل فوات الأوان ثمة “ولكن” مقابلة:
“ولكن” ماذا سيحصل للبنان إذا تخلى الحريري عن مغامرته… وماكرون عن مبادرته؟.
“ولكن” هل تتوقفون عن ربط الحل اللبناني بالانتخابات الأميركية… وكأن ترامب أو بايدين هو من سيشكل لكم حكومة الإنقاذ؟.
أخيراً يؤسفنا أن قيادتنا تتقن عدة لغات… باستثناء لغة العقل.

وليد الحسيني

كارثة عدم الإكتراث

يكذب اللبنانيون على اللبنانيين.

يقولون أن ثورة شعبية قد اندلعت في 17 تشرين.

يتخيلون أن عملتهم الوطنية أحيلت إلى مأوى العجزة. 

يتهيأ لهم أن انفجاراً نووياً دمّر نصف بيروت.

يدّعون أن الفقر عمّ وانتشر.

يزعمون أن النحس ظاهرة رئاسية.

يتوهمون أن الموت قريباً جداً سيكون الدواء الوحيد المتوفر في لبنان للشفاء من جميع الأمراض.

كل هذا الهراء تكذبه التصرفات الرسمية والتصريحات السياسية.

للبنان عهد يحميه.

لو صدقت هذه الأكاذيب، لكانت البلاد، بمؤسساتها وأحزابها وقياداتها، قد تحولت إلى خلية مستنفرة لا تنام ولا تهدأ.

لو صدقت هذه الأكاذيب، لوصل المجلس النيابي ليله بنهاره، مستبقاً شروطالصناديق الدولية المقرضة والدول المانحة، بإصدار القوانين الإصلاحية الواضحة والحاسمة، والتي لا يمكن أن تكون حمّالة أوجه، كما في قانون الإثراء غير المشروع، ولا تلجأ إلى اللف والبلف، كما في قانون الدولار الطالبي.

لو صدقت هذه الأكاذيب، لأُسقطت حكومة حسان دياب قبل أن ترتكب مجزرة الإنجازات التي لا تغتفر.

لو صدقت هذه الأكاذيب، لما واجه مصطفى أديب العراقيل، ولكان شكّل حكومته قبل صياح الديك.

لو صدقت هذه الأكاذيب، لما قام “الثنائي الوطني” (الشيعي سابقاً) بإعلان وفاة المبادرة الفرنسية بسم تسمية وزراء طائفته… فهو أيضاً من أمهات الولد وأبناء البلد.

لو صدقت هذه الأكاذيب، لما تأخر رئيس الجمهورية والنواب عن تقديم استقالتهم، علّ وعسى يأتي من إذا قال فعل.

لو صدقت هذه الأكاذيب، لجرت فوراً انتخابات نيابية، تصلح ما أفسده دهر انتخابات قانون الستين، وصولاً إلى القانون التفضيلي، الذي بفضله ذهبت البلاد في ستين داهية.

لكن،

وبما أن سيد العهد والسادة الزعماء يعرفون ما لا تعرفه العامة، فهم يؤكدون بتصرفاتهم، أن كل ما يجري في لبنان من وقائع كارثية، هو مجرد أكاذيب تروّج لها حقائق لا يعتدّ بها.

وهذا يعني، أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا زعماءهم.

إذاً، لبنان أسير التقصيريْن.

تقصير الدولة وتقصير الشعب.

إذاً ثانية،

لا مخارج محلية للخروج من كارثة عدم الإكتراث.

إذاً ثالثة،

ما الحل؟.

لا مفر من فرض عقوبات دولية، على طبقة سياسية حكمت وتحكمت بثروات البلد.

إن طبقة أصدرت قانون “من أين لك هذا”… وطبقته بعد أن فسرته “لماذا ليس لك هذا”… لا يمكن التساهل مع خبثها، وبالتالي، تبرئتها مما حل بلبنان؟.

يتوجب على أميركا والاتحاد الأوروبي والدول الشقيقة والصديقة التوقف عن مد الجزرة، والإكتفاء برفع العصا لتأديب من يرفض تأنيب الضمير.

لا رادع لأهل الهيمنة واحتكار النفوذ سوى المس بمصالحهم… فاردعوهم… فبردعهم نفتح الطريق إلى إنقاذ لبنان.

لا شك أن سيف العقوبات يخيف ويخفف من القدرة على تعطيل الحلول.

إن استهداف بعض رؤوس الممانعين، سيدفع برؤوس التابعين إلى التخلي عن تبعيتهم.

من غير تفكيك جبهة المعطلين عبثاً تحاول المبادرات.

لهذا لا بد من ذهبية بديلة لذهبية “جيش وشعب ومقاومة”، بالعودة إلى ذهبية زمن التوافق والتلاقي: 

لا غالب ولا مغلوب.

ولا تصح هذه “الذهبية” إلا بغلبة الاعتدال على التشدد.

وفي لبنان رجالات دولة أدمنوا الاعتدال… وقدموا تسويات وصلت إلى درجة التضحيات.

والفرق كبير وشاسع بين من ضحى لانقاذ وطنه، ومن يضحي لانقاذ أوطان الآخرين.

وليد الحسيني

“الإعتذار” القاتل

يزعم قتلة “المبادرة الفرنسية” أنها لم تمت.
يقولون قولهم هذا، وهم من مشى في جنازتها… وحمل نعشها… وحفر قبرها… وقام بدفنها.
يؤكدون أنها لا تزال حيّة فيهم وبهم… وأنهم لم يقتلوها… وأن موتها شبّه للبنانيين.
كيف يكون شبّه لنا، والدولار قد عاجلنا بارتفاعه المذهل، فور إعلان وفاتها؟.
كيف يكون شبّه لنا، وأسعار السلع تكمّل على قدرات المواطن الشرائية، قبل أن يكمّل الدكتور مصطفى أديب تلاوة بيان الإعتذار؟.
أما وقد اعتذر “الأديب” بكل أدب، فقد واجهوه باتهامات فيها الكثير من الإفتراءات وقلة الأدب.
وصفوه بالإنقلابي والمتآمر على المقاومة.
اتهموه بالإنحياز… وبأنه الناطق الرسمي لما يرسمه نادي رؤساء الوزراء السابقين.
اعتبروه خنجراً أميركياً، يتخفى وراء عباءة سعودية.
لقد سعى الرجل بإخلاص لتخليص البلد من مصائب حلّت، ومن مصائب أخرى في طريقها إليه.
حاول تشكيل حكومة الخروج من الكوارث المتمادية، رافضاً توزير ودائع حزبية تعوق القرارات الإصلاحية، تارة بالثلث المعطل، وتارة بتعليمات الرفض والتحفظ.
أرادوه نسخة كربونية عن حسان دياب.
ولأنهم بارعون في اختراع الذرائع أخذوا ذريعة “المداورة” إلى مأزق طائفية الحقائب الوزارية. فلعبة الطائفية وحدها تغلب الإنقاذ وأهله.
“المداورة”، إذا كانت هدفاً، فهي تستهدف منع الأحزاب والقوى السياسية من اغتصاب وزارات بعينها، لأسباب معروفة، حتى لو أنكرها المغتصبون.
تبدأ هذه الأسباب بتلزيمات مشاريع المال السائب لشركات “تقبل القسمة”، ولا تنتهي بتوظيف الأزلام والموالين والأنصار.
إذاً، وبخبث متعمد، حشرت الطائفية بـ “المداورة”.
حشرت لأنها الغطاء السحري للأهداف السرية. فالاعتكاف الحزبي لا يشكل خرقاً للدستور. في حين أن المقاطعة الطائفية ستعتبر إنتهاكاً صريحاً للميثاقية، مما سيؤدي حتماً وحكماً لاستنفار الطائفة المعنية بأمها وأبيها.
وهكذا نجحت “المداورة” الطائفية في سحق “المبادرة” الإنقاذية.
أما وقد تم لكم ما تريدون،
أما وقد اعتذر، من يفترض أن نعتذر منه،
أما وقد تخلصت إيران من “مصطفى اللبناني”، بعد أن انكوت بنار قرارات سميّه ونظيره “مصطفى العراقي”،
بعد كل هذا نستطيع أن نتخطى الشك إلى اليقين، بالتأكيد على أن الولاء للبنان لم يعد تقليداً وطنياً ملزماً لكل اللبنانيين… فربما كان الولاء العقائدي أولى بالتضحية، وأحق بالإلتزام. فلا صوت يعلو على “صمت” المعركة مع العدو الإسرائيلي، حتى ولو كان صوت انفجار المرفأ، الذي دمر نصف بيروت.
والنتيجة؟.
هربت “سيدر” مع الرئيس المعتذر.
وأغلقت طريق صندوق النقد الدولي بحجارة الإعتذار.
وتحققت نبوءة الرئيس ميشال عون… فقد فتحت الطريق إلى جهنم.

وليد الحسيني

إرحموا عزيز وطن ذل

سمع الرئيس ماكرون في إجتماع قصر الصنوبر كلاماً معسولاً، فبشّر اللبنانيين بالعسل.
لكن رئيس جمهورية “الأم الحنون” تفاجأ بأن قادة لبنان لم يصدقوا بما وعدوا. وكان الأولى أن يتفاجأ لو صدقوا.
لقد ارتكب الرئيس الفرنسي “غلطة الشاطر”، عندما أوقع نفسه في فخ “حسن الظن” بطبقة سياسية تتقاذفها الظنون، وتتبادل الشكوك… وتؤمن بأن الأفعال تمحو الأقوال.
لو كان يدري، لما تورط بقيادة سفينة إنقاذ لبنان.
أما وقد فعل، فعليه أن يعلم أن في لبنان ثمة من يسعى إلى موت مبادرته الإنقاذية، حتى لو أدى ذلك إلى موت لبنان نفسه.
ولأن الغاية تبرر الوسيلة، فقد استل المعنيون سيف المذهبية لقطع رأس أمل اللبنانيين بالنجاة من الإنهيار الكبير… فإمّا التوقيع الثالث… وإمّا الوقوع الأخير.
لا شك أن فرنسا ارتكبت أخطاء لا ترتكبها الدول المستجدة في العمل الدبلوماسي والمخابراتي.
كان عليها، قبل تقديم مبادرتها، أن تعرف أن ما يجري في لبنان، هو نتيجة لما جرى في العراق.
وإذا كانت الصدفة قد اختارت إسم مصطفى لرئاسة حكومتيْ البلدين، فإن النتائج هي التي فرضت اختلاف السلوك الإيراني هنا، عن السلوك الإيراني هناك.
هناك تساهل الإيرانيون ووافقوا على “مصطفى الكاظمي” رئيساً لحكومة العراق.
كانوا يعتقدون أنه أضعف من أن يتمرد عليهم، وأنهم أقوى من أن تعصف بنفوذهم أي قوة، مهما اشتدت، ومهما امتدت تحالفاتها دولياً وإقليمياً وداخلياً.
إلا أن “مصطفى العراقي” فعل ما لم يجرؤ على فعله الآخرون.
أغلق حدود العراق مع إيران وسوريا، مانعاً تهريب السلاح والأموال والسلع الاستراتيجية.
واجه ذراع إيران الحديدية، المتمثلة بالحشد الشعبي، ففتح ملف شرعيته وشرعية سلاحه.
لم ينتزعه الخوف من عراقيته ليلقي به في أحضان الحرس الثوري.
لقد أظهرت أيام “مصطفى العراقي” ما كان خافياً على طهران.
لم يكن موالياً كما اعتقد الولي الفقيه.
إذاً، ما فعله “مصطفى الكاظمي” في العراق، لن تسمح لـ “مصطفى أديب” أن يكرره في لبنان… فإيران لن تقبل بأن تلدغ من مصطفيين مرتين.
صحيح أن “مصطفى اللبناني” لا يسعى ولا يرغب بالإنقلاب الكامل على النفوذ الإيراني في لبنان… فطموحه بالكاد يصل إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب.
لكن، حتى هذا الهدف المتواضع يعتبر من المحرمات. فلبنان بالنسبة لإيران مقر ومستقر لنفوذ لا يقبل المنافسة، ولا القسمة مع نفوذ آخر.
كل هذا يؤكد أن “ديكورات” الديمقراطية اللبنانية مغشوشة بكاملها. مما يعني أن مبادرة ماكرون محكومة بالفشل، إلا إذا تراجعت عن شروطها وخضعت لشروط إلغاء مداورة الحقائب الوزارية، ومنحت المذاهب والأحزاب والحركات والتيارات حق تسمية وزراء السمع والطاعة.
عندئذ يحق للبناني أن يسأل:
لماذا استقال حسان دياب؟.
لماذا لا يعود؟.
وعندئذ يمكن اختصار الأجوبة بجواب واحد:
في داخلنا أعداء، ربما كانوا بطائفيتهم، أشد عداوة للبنان من اسرائيل.
وغداً عندما يعود ماكرون بخفي حنين… لا يبقى أمامنا سوى مناشدة المنتصرين على إنقاذ لبنان بالقول:
إرحموا عزيز وطن ذل.

وليد الحسيني

الثورة تولد من رحم “النحس”

في لبنان ثوار بلا ثورة.
لقد اكتفى الثوار بالتعبير، في حين أن الثورة تغيير.
لم يتركوا مطلباً يعتب على هتافاتهم.
أخذهم بريق الشعارات.
إسقاط النظام. وقف الفساد والهدر. إستقلالية القضاء. إستعادة المال المهرب. مصادرة المال المنهوب (…).
لقد وقعوا في الفخ.
كل ما يطلبون تحقيقه لا يتحقق إلا عبر الشرعية، التي لا يعترفون بشرعيتها.
إنقضت سنة كاملة على الصراخ الثوري.
مع ذلك لم يصل ثوار تشرين إلى الثورة.
ما زالوا يتناقصون عدداً، ويزدادون يأساً.
بدأوها بالملايين، ثم تقلصوا إلى آلاف فمئات.
ساحات كثيرة إعتزلت الانتفاضة وانفضت جماهيرها.
ما تبقى منهم أبقى على مطالب إبليس في الجنة.
كأنهم يجهلون أن النظام الذي ينصره مجلس النواب لا غالب له.
ألم يدركوا بعد، أن التغيير لا يتم إلا بتغيير النواب؟… وأن في بقاء نواب الطوائف تُهدر المطالب الهادرة… وفي تغييرهم يصبح سيف الدولة من خشب؟.
إن الطريق إلى الثورة تمر من صناديق الانتخابات… فاسلكوها. ولا تلقوا على كاهلها أثقال المطالب التي تستحيل تلبيتها في ظل مجلس انتخب قبل عودة الوعي إلى الشعب اللبناني.
كل المطالب بحاجة إلى أصوات نواب، لا صوت لكم فيها.
لا تجعلوا الإنتخابات في مؤخرة مطالبكم، بل اجعلوها المطلب الوحيد. فمن دونها تقدمون للسلطة الجاثمة على جثامينكم فرصة العمر المديد.
تذكروا أن الأقدار منحتكم حظوظاً لم تقتنصوها. والأقدار نفسها إبتلت النظام بمصائب لم يكترث لها.
لقد وفّر “النحس” لكم ظروفاً لم تتوفر للثورة البلشفية بقيادة لينين. ولم تحظ بمثلها الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ.
ومع ذلك، لم تتحول متواليات “النحس” إلى ثورة حقيقية، مع أنها نجحت في تفجير غضب شعبي لا يكاد يخرج إلى الشارع، حتى يخرج منه.
لو أن كميات “النحس” التي أصابت لبنان، أصابت مجتمعات أخرى لاشتعلت ثورات لا تنطفئ.
أربع سنوات من “النحس” المتمادي… ومازال بلد الديمقراطية والحرية، ينتظر المزيد.
إفلاس. غلاء فاحش. فقر. مجاعة. عتمة. تدمير بيروت. حرائق تنشر سحب الموت فوق سماء العاصمة.
كل هذه “النحوس”، التي استقوت على لبنان منذ بداية العهد القوي، لم تتمكن من نقل ثوار “البث التلفزيوني المباشر” إلى الثورة المباشرة.
في حالتنا المنحوسة، كان من الممكن أن “تولد الثورة من رحم النحس”.
لكنها لم تولد. ربما لأن الحمل كاذب… أو ربما لأن لبنان عاقر!.

وليد الحسيني

دولة المكلف كن المنقذ لا المنفذ

“فالج لا تعالج”.
هو داء سياسي مزمن.
ترى هل ينجح الرئيس المكلف مصطفى أديب بمعالجته؟.
نخشى أن تخدعه التسهيلات، التي أغدقت عليه أثناء الإستشارات النيابية غير الملزمة، والتي تؤكد التجارب، أنها هي أيضاً غير ملزمة لمغدقيها.
بالآذان الصاغية لتصريحات معظم القيادات السياسية، تأكد اللبنانيون من عودة “الفالج” إلى سيرته الأولى. وبذلك يعود تشكيل الحكومة إلى عُقدِه القديمة، بعد أن ظهرت إلى العلن الشروط المضادة للتسهيلات المتبخرة.
شروط تتنقل عدواها من حركة إلى تيار إلى حزب.
وهكذا يؤدي تمسّك هذا بحقيبة المال، إلى تمسّك ذلك بالطاقة والخارجية، فإلى تمسك ذاك بالأشغال، فإلى تمسّك الآخر بالداخلية والاتصالات، فإلى تمسّك الرئيس القوي بالدفاع والعدل، فإلى تمسّك الأقوى منه بالصحة.
كل هذا يعني أن الحقائب الوزارية، التي استملكت سابقاً بوضع اليد، ستبقى في اليد… إلا إذا نأى الدكتور أديب بنفسه عن تلبية المطالب، التي إذا استجاب لها، فسيحظى بسمعة سلفه حسان دياب، وربما كان طينه أكثر بلة.
يجب أن لا ينسى الرئيس المكلف أنه فُرض عليهم. وهذا يعطيه الحق في أن يفرض هو عليهم الحكومة التي تعينه على الإنقاذ.
أيها الآتي لرئاسة مجلس الوزراء في زمان مختلف… قاوم ولا تساوم.
استعجل تشكيل حكومتك. ففي الحالة اللبنانية الراهنة، تنقلب الحكمة، وتصبح “في العجلة السلامة، وفي التأني الندامة”… فلا تقود نفسك بنفسك إلى الندم.
أي تأخير سيضعف مناعتك، ويقوي “ممانعتهم”.
اللبنانيون، أيها الآتي من المجهول، يجهلونك ولا يعرفون شيئاً عنك… وهذا من فضل الله عليك.
أنت اليوم تستطيع أن تشكل صورتك التي تريد.
هل تريد أن تكون صورة عن حسان دياب، فتنجز في الهواء إنجازات هوائية؟.
أم تريد أن تكون صورة عن رفيق الحريري، فتنجز على الأرض بناء المدمّر، وإنماء المنهار؟.
قرر.
لا ترتعش بما يهوّلون.
إختر الوزير الصالح… لا تخضع لهم باختيار وزراء المصالح.
لا تبحث عن الأمان بمسايرتهم، وبالتالي، القبول بسرعة السلحفاة، وأنت تنطلق إلى تشكيل الحكومة.
أنظر إلى ما قبلك وتعلّم… فانتظارهم نصر، وانتظارك فشل.
هل تدرك يا دولة الرئيس أن أيام قوتك معدودة؟.
يقال أن العقوبات الأميركية على شخصيات لبنانية ستعلن خلال أيام.
معنى ذلك أن العصا قد سحبت من يد “الشاطر ماكرون”… وأن “الشاطر حسن” وحلفاءه، الغارقون في العقوبات الأميركية، لن يخافوا من “البلل الفرنسي”.
لقد هبت رياحك فاغتنمها، قبل أن تتحول أنت إلى غنيمة بيدهم.
شكل حكومتك الآن وليس غداً… فإن قوة ماكرون لا تدوم، خصوصاً إذا خالفت الرغبات الأميركية، التي يبدو أنها لن تقبل بتفاهمات فرنسا وحزب الله.
كن منقذاً لا منفذاً… يا دولة المكلف.

وليد الحسيني

“لبنان الكبير” بين الميلاد والموت

يعتبر التاريخ أن الأوطان التي مرّ على ولادتها مئة عام، أنها لا تزال في مقتبل العمر.

كيف إذاً شاخ “لبنان الكبير” في مئته الأولى، وقبل أوان الشيخوخة بأزمنة؟.

كيف يحتضر في حضرة الموت، وهو في عز شبابه؟.

يقول الطب السياسي، أن هذا يحدث، إذا تعرض الوطن لأوبئة فتاكة. كأن يؤمن حاكمه بأن التمسك بالخطأ هو الفضيلة. وبأن الدستور الذي لا يحترم رغبات الحاكم لا يستحق الاحترام.

وهذا ما حدث في لبنان.

لقد مرت أربع سنوات مريرة، على حكم جاء به الفراغ القسري. ومنذ تلك السنوات الكالحات والفراغ يفرّغ البلاد.

الدولة ما عادت دولة.

إنها اليوم مشاريع دويلات ميكروسكوبية، بعد أن نجحت دويلة حزب الله بتقديم النموذج، الذي تشتهيه باقي المذاهب، حتى ولو كتمت شهوتها، وأخفتها بادعاء الحروب الكاذبة على الطائفية.

كما أدت استراتيجية الفراغ والتفريغ، إلى خروج المؤسسات من الخدمة. وإلى تعطيل لغة الحوار… مما عجّل في انتقال لبنان من مصيبة إلى مصيبة أسوأ.

ورغم كل ما سبق، وما لم يسبقه إليه حاكم من قبل، استمرت طبول الممانعة تطبل للوعود العرقوبية.

وعدٌ من فخامته بتسليم لبنان أحسن مما تسلمه.

وها هي العاصمة بلا مرفأ، وبلا أشرفيه، وبلا الرميل، وبلا مارمخايل، وبلا كارنتينا، وبلا جميزة.

وعدٌ بالقضاء على الفساد… فأُفسد القضاء بقضاة يقضون بما يقتضيه تفاهم مار مخايل ومفاهيم جبران باسيل.

وعدٌ بالإزدهار… فازدهر الإفلاس، وعمت البطالة، فتحول الشارع إلى أكبر أرباب العمل.

وعدٌ بإعادة النازحين السوريين… فانضم إليهم نازحون يشكلون أكثر من ثلث سكان بيروت يبحثون عن مأوى في خيمة… وعن وجبة في كرتونة.

وعدٌ بالإصلاح… فلم يصلح سوى حال التيار الوطني الحر… سياسياً بقانون للإنتخابات مدّه بالنواب، وإقتصادياً ببواخر مدته بالطاقة.

وعدٌ بالسيادة… فسادت الدويلة على الدولة.

وعدٌ بالحريات… فاتسعت حريات الأجهزة بالقمع.

وسط كل هذا سنجامل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونحتفل بميلاد لبنان الكبير.

سنخفي مراسم الدفن… والأصح إننا سنؤجلها قليلاً. فمن آداب اللياقة سنقدم له الإستشارات النيابية، والرئيس المكلف، لنمنحه بذلك دليلاً هشاً على نجاحاته الديبلوماسية.

عندما تنتهي زيارة ماكرون، لن ينتهي لبنان، كما تنبأ وزير خارجيته.

الذي سينتهي هو لبنان الكبير… ليقوم بعد دفنه أكثر من لبنان صغير.

—————————

متابعة: في اليوم التالي لاغتيال بيروت، كتبنا أن الفاعل سيكون “السنكري”. 

كان الاتهام من باب التهكم والسخرية… لا من باب التنبؤ… حتى ليلى عبد اللطيف لا تقبل لسمعتها التورط بمثل هذا الإتهام السخيف.

لكن، والتحقيقات في لبنان تتجه دائماً إلى تبرئة من في الأعالي، حتى لو كان يعلم، علم اليقين، بوجود آلاف الأطنان من أمونيا الدمار الشامل، فمن طبيعة العدالة اللبنانية أن يحظى العالِم بعنبر الموت بالبراءة، وأن يُدان الجاهل بالعنبر وبما فيه.

سنكري؟؟!!.

نرجوكم ارفعوا قليلاً من سمعة عدالتكم علّكم تجدون من يصدقكم.

وليد الحسيني

كوارث بلا حلول

قد لا ينسى اللبناني النكبات المتساقطة فوق رأسه بلا انقطاع. لكن الأولوية تعطى دائماً للنكبات الطازجة.
وإلى حين قيام مصيبة جديدة، يبقى دمار بيروت وتسليم سليم عياش وتأليف الحكومة، هي الأحداث التي تلتقي حولها كل الأحاديث.
نبدأ بالدمار. ومفتاح البداية أن إنكار المسؤولية لا يعني البراءة. إلاّ أن البراءة تحصيل حاصلٍ، في بلاد تعجز قوانينها عن بلوغ القمم الرئاسية والسياسية.
على ضوء هذا الثابت اللبناني، فإن كل شيء يسير على ما يرام، وكما يروم المسبب المجهول رسمياً، والمعروف شعبياً.
وشيئاً فشيئاً ستتحول المأساة إلى مواساة.
وشيئاً فشيئاً ستتحول تعويضات البيوت المدمرة، إلى مساعدات غذائية “كرتونية” للبيوت الجائعة.
وشيئاً فشيئاً سينضم المجلس العدلي الجديد، إلى المجالس العدلية القديمة، التي أكل عليها الزمن، والتي هي أكلت الأزمنة، ولم تقل لنا من اغتال المفتي حسن خالد والشيخ صبحي الصالح والرئيس رينيه معوض.
ها هو التحقيق في اغتيال بيروت يسلك طريقاً مشابهة.
قد يختلف عما سبقه في أنه أُجبر على العثور على رؤوس صغيرة، فأمام الاستشهاد الجماعي، والدمار النصف شامل لا مفر من تقديم الأضاحي، سواء كانت ظالمة أو مظلومة.
لكنه يتفق معه في إخفاء الرؤوس الكبيرة… على اعتبار أن الإقتراب منها من محرمات الأعراف اللبنانية.
هي هكذا العدالة في لبنان. فمهما اعتزت بنفسها، ستبقى أعقل وأذكى من أن تغامر وتكشف المستور في جرائم الكبار… وذلك إما جبناً، أو تحت مزاعم الحرص على السلم الأهلي.
وكما دمار بيروت، فإن تسليم سليم عياش المدان باغتيال الشهيد رفيق الحريري، يخضع أيضاً لمعياري الجبن والحرص على السلم الأهلي.
فأي قضاء وأي أجهزة أمنية وأي سلطات عليا تجرؤ على إغضاب السيد، وهو الذي طالب محازبيه بتخزين الغضب لحين الحاجة؟.
وهل هناك حاجة لتفجير بركان الغضب أكثر من ارتكاب “جريمة” تسليم سليم عياش؟.
بتسليمه لمحققين دوليين محترفين، ستتوالى الإعترافات. وعندئذ لن ينجو متهم، أياً كان، ومن كان، من تهم التحريض والتخطيط، بذريعة “عدم توفر الأدلة”.
إذاً، لم يكن الحكم بإدانة سليم عياش، حكماً تافهاً، صدر عن محكمة اتهمت بالتفاهة… فالرجل المدان، هو في الحقيقة، مخزن الأسرار المزلزلة.
لهذا فإن تسليمه مستحيل… حتى لو استدعى الأمر إخفاءه بترويج شائعة الاستشهاد.
أما الحكومة “المفترض أن يؤدي تشكليها، إلى خلاص لبنان من مصائبه الكبرى، فعلى ما يبدو لن يفرج عنها حتى يرضى باسيل وحزب الله. مع العلم أن رضاءهما بحد ذاته، يمنع الإفراج والفرج.
فهل يعني هذا أن حكومة تصريف “الإهمال” ستعمّر إلى أن يُقصف عمر لبنان؟.
الجميع يتعامل وكأن البلاد في نعيم.
كأنه لا “كورونا” تزداد انتشاراً وفتكاً.
كأنه لا زلزال ضرب بيروت فقتل ودمر وشرد.
كأنه لا انهيار إقتصادي، ولا غلاء متوحش، ولا جوع، ولا بطالة، ولا ثورة.
وسط هذا الاستهتار السياسي المخيف، يمكن التأكيد على ان استشارات تشكيل الحكومة تجري، بلا خجل، بين العناد والأحقاد والكراهية والإنتقام.
هذا النوع من الإستشارات المتشنجة واللامسؤولة، لن تتوافق إلا على رئيس حكومة لا يحل ولا يربط.
أما سعد الحريري، رجل الحل والربط، فقد التزم بهتاف الثوار الشهير، وقرر أن “لا يحلم بها”… مع أن المحن الآتيات ستجعل الثوار “يحلمون به”.
للأسف… الكل يجني على لبنان… رغم أن لبنان لم يجنِ على أحد.

وليد الحسيني

“كلنا يعني كلنا”

لم يستطع حسان دياب إقناع أغلبية اللبنانيين، بأنه “نسخة أصلية” في رئاسة مجلس الوزراء.

كان قناعاً، يحمل أحياناً وجه حزب الله، وأحياناً وجه التيار الوطني الحر… وفي الحالتين كان وجهين لعملة واحدة.

أما وقد استقال من مهام الوعود الكاذبة وأخواتها من السين والسوف، فإن العهد لن يجد بديلاً عنه، فرجل “اللاشيء” كان ينفذ لفخامته “كل شيء”.

اليوم وقد ولّى زمن حكومة أمرك يا “سيد” أو يا “سيدي”، فكيف يتصرف الرئيس ميشال عون؟.

يبدو أنه سيكرر ارتكاب الخطايا. وسيخضع الاستشارات النيابية الملزمة لجرصة التفسيرات “الجريصاتية” للدستور.

لكن هل سيسمح دمار بيروت بممارسة المماطلة مرة أخرى، بهدف فرض أسماء الوزراء، والاستيلاء على الحقائب “الإسفنجية”، التي تمتص العقود والنقود؟.

مجريات الأمور تؤكد أنه سيفعلها.

فهو لن يسمح لدمار أميرة العواصم، أن يدمر طموحات الصهر الحالم، وأطماع الحزب الحاكم.

يظن فخامته، وفي ظنه إثم كبير، أن سيف الوقت في يده وحده.

به يستطيع الصبر، وبالتالي تحقيق النصر، ومن ثم الحصول على نسخة طبق الأصل عن حسان دياب.

حتى مرضى “الزهايمر” لم يلحقوا أن ينسوا العصف النووي الذي دمر نصف بيروت… فكيف ينسى فخامته أن التأخير في إيجاد حكومة إنقاذ لن يؤدي إلى آخرة لبنان؟.

يا صاحب الفخامة مطلوب من الجميع، وأنت أولهم، الإسراع بتقديم التنازلات،قبل أن ينزل الوطن بكامله إلى مقبرة الانقراض.

لا نشك بأن اللاءات المرفوعة بوجه قيام حكومة إنقاذ كثيرة ومتعددة المصادر. فما يرضي هذا لا يرضي ذاك.

أمام هذا الواقع المأزوم وغير المسؤول، كيف يمكن للبنان المنكوب أن يخرج من نكبته؟.

من الواضح أن الطريق مقفلة والأبواب موصدة… فأمام كل حل ترتفع “لا”كبيرة.

إذا بحثنا عن الحلول بعقلانية وهدوء، سنجد أننا أمام خيارات محددة بأربعة نماذج لاختيار رئيس حكومة يتولى قيادة البلاد إلى شاطئ السلامة.

نموذج الرئيس الحيادي، ومثاله نواف سلام. وهذا النموذج مرفوض من حزب الله، وقد يستعجل ظهور الغضب والغيظ، وكان السيد نصر الله قد طالببتخزينهما في صدور تلبي “غب الطلب”.

الحزب يعتبر حيادية سلام مزيفة ويتهمها بالعمالة لأميركا. ولن يُحرج إذا ارتقى بها إلى مرتبة العمالة لإسرائيل.

النموذج الثاني الرئيس المعتدل، ومثاله سعد الحريري. ورغم أن لا أحد يضاهيه في علاقاته الدولية والعربية، وأن لا أحد ينافسه بنفوذه لدى الدول المانحة والصناديق المقرضة، لكنه هو الآخر يواجه بعناد ساذج من قبل جماعات “كلن يعني كلن”.

النموذج الثالث الرئيس الممانع، ومثاله حسان دياب، أو من يجاريه بالخضوع والخنوع، وهم على كثرتهم، لا قدرة له، أو لهم، في الوقوع بتجربة “التكرار الذي يعلم الحمار”.

يبقى النموذج الرابع، أي “رئيس الفراغ” أو الفارغ. ويمثله فقه الولي الفقيه. وهو يعني تعويماً ناقصاً لحكومة الممانعة المستقيلة، حيث تصبح حكومة تصريف الأعمال، أفضل من حكومة أعمال، تصرف نفوذ إيران وأتباعها.

كل هذا الاستهتار يتم كمأساة إضافية تضاف إلى مآسي اللبنانيين، الذين يترتب عليهم أن ينسوا قريباً، وقريباً جداً، دعم الرغيف والدواء والمازوت والبنزين والكهرباء… وربما الرواتب.

هذا يعني أن المجاعة الجماعية، ستتحول إلى موت جماعي.

عندئذ ستوحدنا الكارثة تحت شعار “كلنا يعني كلنا”… ولن نجد حينئذ في الشارع من يهتف “كلن يعني كلن”.

وليد الحسيني