هو وهم وهنّ

سمعنا بإمعان هذيان العشرين وزيراً، ومن ضمنهم دولته.

إذاً، هو وهم وهنّ طردوا الاستعمار الحزبي، وانتزعوا استقلال مجلس الوزراء.

إذاً، هو وهم وهنّ يأمرون ولا يؤمرون.

إذاً، هو وهم وهنّ يقررون ولا يُقرَّر لهم.

إذاً، هو وهم وهنّ “ثوار أحرار… وحيكملوا المشوار”.

وبعيداً عن هذه الهلوسات المثيرة للشفقة، نذكّر العناتر العشرين أنه لولا التدخل المباشر من مربي “أرانب التسويات” الأستاذ نبيه بري، ولولا التدخل الحاسم من قائد مسيرة ” التكليف والتأليف” السيد حسن نصر الله، ولولا أدوار “عميد المسرح العبثي” الصهر جبران باسيل في مسرحية التعطيل والتسهيل، لولا هذا الثلاثي، القادر والقدير، لما غادرت السرايا حكومة تصريف الأعمال، ولما حلّت مكانها حكومة تسويف الأعمال.

المهم في كل ما سبق أن العهد القوي أتم نقمته، وحمّل اللبنانيين وزر هذه الوزارة. والأهم من ذلك، أنه رغم ما أغدقه الثلاثي الحاكم من إحسان على حسان، فإن دولته يصرّ إصراراً، لا يقبل التصديق، على أنه ووزراءه من المستقلين.

ولو صدق، فهذا يعني أنهم جاؤوا إلينا في ليلة قدر إستجاب فيها الله لصلوات الثوار.

ويعني أيضاً، أن لا فضل في جلبهم من المجهول، لأمل وحزب الله والتيار الوطني الحر والمردة.

ترى لماذا يخفي دولة الرئيس سر خلطته الحكومية؟

هل طلب منه سيدنا جبريل ذلك، عندما أنزل عليه من السماء أسماء الوزراء المعجزة؟

يا دولة المنقذ، وأنت الآتي من عالم العلم، ألا تعلم أنه من الغباء إستغباء اللبنانيين إلى هذا الحد المهين من الإدعاءات الفضيحة والمفضوحة؟

من فضلك أصدقنا، أنت وهم وهنّ، هل فعلاً ستتمردون على تعليمات الأحزاب، التي فضلتكم على أهل الحسب والنسب من المنتمين إليها والموالين لها؟

أي أحمق سيصدق أن قيادات هذه الأحزاب، عندما فرضتك ومن معك، تكون قد فرضت توزير من يرفس نعمتها بنكران الجميل؟

أي أحمق سيقتنع بأن الزعامات التي ضحكت على اللبنانيين لثلاثين عاماً، تستطيع أنت وهم وهنّ أن تضحكوا عليها في يوم وليلة؟

وكأن كذبة المستقلين لا تكفي، ولهذا عاجلتنا يا دولة الرئيس بأخريات.

تقول أنك، وما بين أربعة إلى ستة من وزرائك، تمثلون الثورة.

واستكمالاً لهذا العبط المتمادي نسأل:

كيف تمثلون ثورة تنادي بسقوطكم؟

ومع هذا الغضب الشعبي، ألا يشكل تمثيلكم للثورة نوعاً من التهريج السياسي؟

ومن الاختصاص بالتهريج، تنقلنا دولتك إلى التهريج بالاختصاص.

نأخذ وزارة الدفاع نموذجاً. وتحاشياً لسوء الفهم، نؤكد على دور المرأة المتخصصة في كل مكان وفي أي موقع … لكنك يا دولة الرئيس وضعت على رأس وزارة الدفاع إمرأة اختصت في استطلاعات الرأي وإدارة المنتجعات السياحية. ودافعت عن خيارك النسائي باستشهادك بوزيرات دفاع أوروبيات. وتجاهلت، أو اجهلت، أن بلادهن لا تواجه أخطاراً داخلية ولا خارجية، وبالتالي تكون جيوش تلك البلاد لزوم ما لا يلزم. أما هنا، فالبلد هائج ومائج … والزلازل الاجتماعية والمعيشية تهز لبنان من جهاته الأربع … مما يجعلنا بحاجة إلى جيش لزومه يعلو على كل ما يلزم.

ومن ضمن الاختصاصات المترابطة، التي لا تقبل الإنفكاك، ضممت الزراعة إلى الثقافة … فهل ستفاجئنا يوماً بزراعة الكتب بدل الحشيشة وفائض البطاطا؟

وتمسكاً بالعلاقة الوظيفية المتينة، أوكلت السياحة والشؤون الاجتماعية إلى مختص واحد. مما يجعلنا نتوقع تولي الجمعيات الخيرية رعاية السائح في المأكل والمأوى، مقابل أن تتولى وزارة السياحة الترفيه عن الجمعيات الخيرية في الملاهي والبارات؟

وبما أن البلاد تعيش في زمن الحابل والنابل، وبما أن وزيرة المهجرين في حكومتك تعهدت إقفال الوزارة وملفاتها، ها أنت تفتح ملفات التهجير من جديد، كأول مهجر يترك بيته قسراً تحاشياً لقصف الهتافات … وهيلا هوب إلى السرايا لتنام قرير العين هانيها.

رفقاً باللبنانيين يا دولة الرئيس … ودعك من الأوهام والأحلام … إنجز شيئاً، فإن لم يفد الوطن، فعلى الأقل يفيدك في كتابة الجزء الثاني من كتابك الذائع الصيت “إنجازات”.

وليد الحسيني

“مسرح أونطة”

لا يهم متى؟. فموعد ظهور الحكومة علمه عند “حلاّل العقد”.

على أي حال، صدق فخامة الرئيس. لقد وجدهم فعلاً حسان دياب على سطح القمر.

أخيراً، هبط “المستقلون” من السماء على لائحة التشكيلة الحكومية.

مزاعم “دياب” تدل على أنهم غرباء عن السياسيين ومن طينة أخرى.

وكأن المسيحي فيهم يجهل عنوان “ميرنا شالوحي” ولا يعرف أين تقع بنشعي”. ولا إذا كان في لبنان ثمة كنيسة “كاتوليكية” وكان الشيعي يضل سبيله إلى “عين التينة”، ولا يدري أي الطرق هي الآمنة والسالكة إلى “الضاحية”. وكأن السني يستهتر باحتضانه من “دار الفتوى”. وكأن الدرزي ما وطأت أقدامه يوماً “دار خلدة”!!.

إنهم عذارى كالسيدة مريم، يلدون حكومة بلا دنس سياسي!.

أتى بهم الرئيس المكلف من أرض بكر. ما فلحتها من قبل محاريث حزب الله، ولا دس التيار الوطني الحر في تربتها بذوره السلطوية!.

أما وقد نزلوا إلينا من القمر، وبدأوا تحضير البذلة الرسمية، لالتقاط الصورة التذكارية في القصرالجمهوري، فقد بات عليهم العودة إلى حقيقتهم اللبنانية… حيث المكتوب يُفضح من عنوانه.

ملفاتهم الشخصية تقول أنهم “كومبارس”، حتى لو لعبوا أدواراً رئيسية في مسرحية “أنا صاحب القرار”.

المؤكد أن هذه المسرحية الكوميدية قد ألفها حسان دياب وأخرجها حزب الله.

والواضح أن المؤلف حجز لنفسه دور “الرجل الصلب” الذي لا يتراجع عما صمم وأعلن.

وكأي مسرحية تتكون من بداية وعقدة ونهاية، فقد حلّت العقدة في نهاية المسرحية، وضحك الجمهور، عندما فاجأهم “رجل الصلابة” أنه ليس سوى عجينة لينة في معاجن محور الممانعة.

كان المشهد الأخير مؤثراً ومخزياً ومخيباً للآمال، بإعلان حسان دياب، بطل المسرحية وقائد “جبهة الصمود والتصدي”، الذي لا يتراجع ولا يلين، أنه لا يستطيع إلا أن يطيع.

أسدلت الستارة.

أطل الممثلون لتحية الجمهور.

لم يجدوا مصفقين.

لا أحد في الصالة… لقد غادر الجميع إلى الشارع يهتفون “مسرح أونطة… هاتوا فلوسنا”.

وفي الشارع وجد المتظاهرون أن فلوسهم تبخرت تحت أشعة الدولار الحارقة.

عمّ الغضب، فعمّت الفوضى. وتعرضت بيروت، أميرة المدن، لشغب مزدوج جمع التخريب الشعبي والقمع الرسمي.

إنه مشهد مجنون. تماماً كما وصفه سعد الحريري.

لكن جنون الشارع، أقل خطراً من جنون الإستهتار السياسي. فلولا هذا لما جنّ ذاك.

المستهترون يلتزمون بالقول الشائع “إذا لم تستح فافعل ما شئت”. ومما شاؤوا قولهم “لا نملك ترف الوقت”. وفي الوقت نفسه يقترفون جريمة مرور الأيام والأشهر.

لقد تعب الشعب وجيشه وقواه الأمنية… وما تعب الرئيس المكلف ومن كلفوه.

لم نشاهدهم وهم يسرقون السلطة… لكننا نراهم يختلفون على تقاسم مغانمها.

وكما تختتم المناسبات نختتم: عشتم… ومات لبنان.

وليد الحسيني

“الفشنك”… و”طق الحنك”

إمّا الصواريخفشنك، وإمّا الإنتقام لقاسم سليمانيطق حنك“.

لا صواريخ إيران دمّرت قاعدة، ولاطق حنكرجالاتالحرس الثوريانتقم من أميركي.

وفي تفاصيل ما حصل، تكمن مفاجآت مخزية.

الصواريخ التي يصفها الإيرانيون بـالذكية، أثبتت أنها أقل ذكاء ودقة منالمنجنيقأيام الحروب البدائية في غابر الأزمنة. فمن شدة ذكائها ودقتها، لم تميّز بين الطائرة الأوكرانية المدنية، وبين صاروخكروزالأميركي. والمصيبة الصادمة للبنانيين، إذا كانت هذه الصواريخ الخائبة، هي نفسها التي يتباهى حزب الله بقدرتها على إبادة إسرائيل.

وإذا كان طرد الأميركيين من المنطقة، من أهم مهماتالحرس الثوري، فقد رأينا صواريخه الطاردة تطارد تراب قاعدةعين الأسدالأميركية، وتذر ترابها في عيون المستأسدين والحالمين بطردالشيطان الأكبرمن الوطن العربي الكبيرإذاً، أبشر بطول البقاء ياترامب“.

ما كنا نتمنى أن يحدث ما حدث. فهزيمة أميركا أمنية عربية خالدة، شاخت وشخنا معهاولم تتحقق.

وما كنا سنشعر بالخجل، لو حقق الفرس لنا أمنيتنا. لكن رياح المنطقة تجري بما لا يشتهيهمحورالممانعة“.

رغم ذلك فإن الأمل لم يمت. فـالموت لأميركايبعثه حياً الشيخ قيس الخزعلي.

أمير الإنتقام، مصمم على الثأر لـأبو مهدي المهندس“.

أسد العراق يكشر عن أنيابه الصاروخية.

لا تسخروا من تهديداته وضعف قدراته. فكثيراً ما يضع الله قوته في أضعف خلقه.

وبعيداً عن موجة الإنتقام الثانية، التي تعدّها وتستعد لها إيران، وبعيداً عنخزعبلاتالخزعلي، فإن ترددات المعارك المفترضة بين واشنطن وطهران، ولأسباب مجهولة ومتخيلة، فرضت نفسها على لبنان.

فجأة إهتز المشهد السياسي، وتصدّع تحالف عون  بري  نصرالله. وفجأة أصيبت نشاطات الرئيس المكلف حسان دياب بالشلل، وضاعت معه خارطة طريقه إلى السرايا.

وهكذا يكون لبنان ضحية جرائم، لم تبلغها مخيلة المشرع، عندما سن قانون الجنايات.

لبنان الآن يتعرض لجملة اغتصابات.

مؤسساته مغتصبة من مرضىشبقالنفوذ والهيمنة.

عملته مغتصبة من قبل الدولار.

شعبه مغتصب من زعامات تتجاهل ثورته وحقوقه وجوعه.

كيف لقانون الجنايات القاصر أن يعاقب على قطع الثائرين للطرقات، ولا يعاقب السياسيين على قطعهم طرقات الحياة والعدالة؟.

أليست جريمة، غير مسبوقة، أن يترك الوطن ينزف ويترك للموت من قبل قياداته ومسؤوليه؟.

لو عَدَل القانون، لكان لبنان بحاجة إلى سجن صغير لكبار المجرمين من رؤساء ووزراء ونواب، لا إلى سجون مكتظة بمجرمين صغار فقدواالواسطةالتي تخرجهم إلى الحرية.

إنطلاقاً من هنا نسأل:

ما هي الخيانة العظمى؟.

أليس خنق الوطن أعظم خيانة من خرق الدستور؟.

إنهم يرتكبون الجرائم الأفظع.

إنهم يركبون لبنان، بتركيب حكومات الأهواء والمصالحوالعمالة والعمولة.

ترى أين سيمارسون زعاماتهم غداًوعلى منإذا ما أصبح لبنان نسياً منسيا؟.

يبدو أنهم صم بكم عمي لا يعلمون ولا يتعلمون، رغم أن الله على كل شيء قديرلكن الله أيضاً لا يغير ما بقوم حتى يغيّرواساستهم وسياسات دولتهم.

 

وليد الحسيني

الثأر… و”التجنيد المذهبي”

من ينقذ لبنان؟.

الثوار؟وطرقهم مليئة بالعوائق الدستورية، وبالحواجز النيابية، وبمتاريس المناصفة الطائفية.

المعارضون؟وقد تحولوا إلى معارضات.

أصبحوا تيارات شتى، وكانوا، في ذات آذار، تياراً واحداً.

اليوم، لا يكاد يقترب أحدهم من الآخر، حتى يبتعد عنه.

بخلافاتهم المتتالية ينعم الموالون بحكم البلاد والتحكّم بالعباد.

فإلامَ الخُلفُ بينهم إلاماوهذه الضجة الكبرى علاما؟.

ما سر العداوة بين بيت الوسط والمختارة ومعراب؟.

لماذا تظهر فجأةوفجأة تختفي لتظهر من جديد؟.

ترى، هل وليد جنبلاط هو من اغتال رفيق الحريري؟أم سعد الحريري هو من اغتال كمال جنبلاط؟.

وهلالبيك والشيخهما من دفع الجنرال عون إلى إعلان حرب إلغاء القوات اللبنانية في ثمانينات القرن الماضي، أم أنالحكيمهو من دفع القمصان السود إلى احتلال بيروت وبعض الجبل في أيار 2008؟.

يفترض بالمعارضين أنهم فريق لا فرق.

في المقابل، يفترض بالموالين أنهم فرق لا فريق.

وفق ما نسمع، فإن المعارضة تجمعها شعارات الحرية والسيادة والاستقلالوتفرقها الثقة المفقودة والأمزجة المتبدلة.

ووفق ما نرى، فإن الموالاة تجمعها التبعية لإيران. وبتعليماتعاصمة الممانعةلا فرقة ولا فراق، مهما كبرت الخلافات وتناقضت المصالح.

وسط هذه الحالة السياسية المتردية، والغائبة عن الوعي، يعلم اللبنانيون، علم اليقين، أن العواصف التي تعصف بهم عاتية. وأن الكوارث الآتية إليهمآتية لا محالة.

الوطن اليوم بلا أبواب. ومفتوح على كل الأخطار، ومن كل الجهات.

المجاعة لم تعد احتمالاً. ها هي تتصاعد من تحت إلى فوق.

واحتمال توريط لبنان بالثأر لمقتل قاسم سليماني لا شك بأنه يدور في رأس سيد المقاومة. ومردوده، إذا حصل، الكثير من الدمار والتهجير.

وما بين الثأر المحلي من سعد الحريري باستعمال حسان دياب، والثأر الإيراني، لاغتيال قائد فيلق القدس، بتحريك صواريخ حزب الله، قد يتحول لبنان، لا سمح الله، إلىمجمع كوارث“.

لقد عودتنا إيران، منذ أن تجرعت سم صدام حسين، أن تخوض حروبها بالغير، وعلى أرض الغير.

وعملاً بمبدأ شن الحروب عن بعد، لجأ الإيرانيون إلىالتجنيد المذهبي“. وقالوا لجنودهم المذهبيين: إذهبوا وقاتلوا إنّا ها هنا قاعدون.

وهذا ما كان. وها هي إيران تقاتل أميركا من العراق بالعراقيين. ومن اليمن باليمنيين. ومن سوريا بالسوريين. ومن لبنان باللبنانيين.

إذاً، الأرض العربية ملعبها. والعرب لعبتها.

يبقى ثمة أمل.

إيران حريصة على أن تنأى بنفسها عن الغارات الجوية والصواريخ الباليستية. ولهذا لن تسعى في إنتقامهاالسليمانيإلى استهداف اسرائيل.

فهي في حساباتها الدقيقة، تعلم أن صواريخ ترامب لن تصل إليها لأسباب انتخابية. وهي تعلم جيداً أن صواريخ نتنياهو ستضرب في إيران ولأسباب انتخابية أيضاً. على إعتبار أن الحرب تأخذ في أميركا من شعبية الرئيس الطامح إلى تجديد رئاسته. في حين أن الحرب في فلسطين المحتلة تعطي نتنياهو شعبية، تنقذه من سجن ينتظر سقوط حصانته النيابية.

من خلال الواقعية الإيرانية، يدرك السيد خامنئي أن ضرب المصالح الأميركية في المنطقة، لن يجر أميركا لضرب إيران. بينما ضرب تل ابيب سيدفع باسرائيل إلى ضرب طهرانلو حصل هذا فإن بيروت ستضيع بين أرجل فرسان الصواريخ المفترسة.

لكن، ماذا لو تمسك مسؤولو الممانعة بالحماقة من طرفيها المحلي والخارجي؟. عندئذ ليس أمام لبنان غير انتظار مفاجآت رجل المعجزات حسان دياب، الآتي من عجائب جبران باسيل وغرائب حزب اللهوأرانب نبيه بري.

وليد الحسيني

عقبات أكثر تسهيلات أقل

“التبعية” تهمة ينكرها حسان دياب.

الرئيس المكلف، والمكْلِف جداً، يصر على وصف نفسه بالمستقل، متجاهلاً أن من صعد به إلى المئذنة، يستطيع إنزاله منها. وأن “الطنجرة” تطبخ ما يضع فيها الطباخ.

وهو يعرف، حتى لو لم يعترف، أن دوره يقتصر على وضع أسئلة عن شكل الحكومة وتشكيلتها. وأما الأجوبة فهي عند بري ونصرالله وباسيل. فمن حق من إختار “دولة الرئيس” أن يختار “أصحاب المعالي”. مما يعني أن من يصنفهم دياب بالمستقلين، هم وزراء تنتفي “إستقلاليتهم” عند تأدية فروض الطاعة لمن فرضهم.

ليسمح لنا الدكتور المكلف، الآتي إلينا من المجهول والذاهب بنا إليه، بتحذيره من تكرار تجربة الصديق الراحل أمين الحافظ، الذي خرج عن شارعه، فسقطت حكومته سريعاً في الشارع.

ونحذره من أن “التسهيلات”، التي وعدوه بها، لا تلغي “العقبات”، التي يُعدّونها له.

نبدأ بالرئيس نبيه بري.

يصعب على “مخرج الأرانب” تسهيل تشكيل حكومة تترك أرانبه بلا جَزر. يأكل فيها جبران باسيل الجزر المسيحي بكامله، ويقضم من خلالها حزب الله جَزر السنة والدروز.

لن يتخلى “رجل الحلول” عن حلفائه. فهو لن يقبل باستفزاز فرنجية وجنبلاط. ولن يسمح باستعداء حليفه اللدود سعد الحريري، الذي لا يكاد يبتعد حتى يعود.

أما حزب الله، فلن يتهاون بتأكيد شرعيته اللبنانية للأميركيين، عبر إصراره على توزير من يمثله، ولو بنصير كالدكتور جبق، الذي هو حكماً وحتماً أكثر التزاماً بتعليمات الحزب من قياداته. كما أنه لن يفوت إمتناع الحريري وجنبلاط، عن تسمية الوزراء السنة والدروز، باقتناصه فرصة توزير أنصاره في الطائفتين.

أما جبران باسيل، ولأن “علمانيته” منتحلة، فلن يتراجع عن المطالبة بالحقائب المسيحية جميعها.

كل هذه التسهيلات المشروطة، تبشر فعلاً بولادة حكومة “مستقلين”… عن الرئيس المكلف.

تسهيلات ما سبق، تؤكد أن السلطة الكلاسيكية، ما زالت تمارس الأكاذيب على ثوار الحداثة.

أكاذيب بالجملة، لا تحتاج إلى ما يكذبها.

يقولون أن سعد الحريري إعتذر عن تولي رئاسة الحكومة، بعد أن تُرك وحيداً. فأميركا ضده. والسعودية لا تريده. وفرنسا سحبت ثقتها به.

لو صدقوا، يترتب علينا أن نصدق بأن ترامب وماكرون والملك سلمان قد إنضموا إلى محور الممانعة… وأن حسان دياب رجلهم المفضل والأفضل من كل الرجال.

وبالإنتقال إلى كذبة اللعب بنار الفتنة، يروّجون أن سعد الحريري، الوسطي والمعتدل، يستعد لنزال فتنوي في الشارع.

فجأة تحول زعيم التسوية إلى هتلر لبنان.

ها هو يحقن حزبه بأفكار “النازية السنية”. استعداداً لخوض “الحرب الأهلية الثانية”.

من يقف وراء وصف الحريري برجل المواجهة الدموية، هو نفسه من وقف وراء إتهامه بالاستسلام لحزب الله، حفاظاً على أمنه وسلامته!.

أمام ما يقولون لنا، نقول لهم:

إن كنت كذوباً فكن ذكوراً.

إذا تناسوا، فلن ينسى اللبنانيون أن الحريري أقدم على تسوية لإنقاذ لبنان، رغم أنف طائفته وجمهوره.

أما وقد إنحرف القناصون بـ “التسوية”، وحولوا لبنان إلى دولة ديكتاتورية، تنضم إلى سلسلة ديكتاتوريات دول الممانعة، فهنا فقط، وفقط هنا، يمكن إتهام الحريري بأنه الرجل الذي أدخل الدب إلى كروم لبنان.

وهذا شرف كان يدعيه… وهي الآن تهمة شنعاء لا ينكرها.

وليد الحسيني

دياب ما بين “المستقل” و”المُسْتَغَل”

لم يستجب الله لصلاة الإستسقاء، التي جرت في قصر بعبدا. ولم تنجح الإستشارات النيابية في تحويل الغيوم الداكنة السواد إلى أمطار تطفئ شوارع لبنان الملتهبة.

ورغم أجواء البرق والرعد والصواعق، تمكنت أحزاب الممانعة من إطلاق “طائرة الإستشارات المسيّرة”، ومن ثم، هبوطها سالمة حاملة مفاجأة إسمها الدكتور حسان دياب.

وقبل أن يبدأ إنطلاقته إلى السرايا، أصيب “الدكتورالمفاجأة” بشظايا الإحتجاجات.

تحمّل جراحه وتابع طريقه، بعد أن طمأنه “أطباء الممانعة” بأن هذه الإصابات لا تشكل خطراً على حياته السياسية.

في البدء لا بد من الإقرار بأن ماضي الرئيس المكلف خال من الشوائب، التي تبرر محاكمته شعبياً. فالرجل نظيف الكف. لم يسرق. لم يتورط في رشوة ما.

لقد دخل حكومة الميقاتي وخرج منها بريئاً، إلا من تهمتين لا يطالهما القانون.

الأولى تتمثل بطباعة كتاب على حساب المال العام، يتحدث فيه عن نفسه، ويستعرض إنجازات لا إنجازات فيها.

والثانية، أنه أطلق إسم والدته على مدرسة رسمية.

أين العيب في هذه التسمية، طالما أن الجنة تحت أقدام الأمهات، وطالما أن من حقه العمل لآخرته، وبالتالي، السعي إلى دخول الجنة؟.

تفاهة التهم لا تحجب بلوغ الرجل أعلى درجات العلم، وأعلى مراتب الإختصاص. ومن حسن حظ لبنان أن الوكالة الفضائية الأميركية (ناسا) ضربها العمى، فلم تأخذه منّا ليقود مسيرتها نحو “المريخ”، الذي وعدنا بأن يقودنا إليه، فور توليه مهمة إنتشالنا من لعنة الإفلاس وكارثة المجاعة.

إذاً، لا يمكن وصم “الدكتور المنقذ” بعار الفساد المالي.

لكن ماذا عن عار “الفساد السياسي”؟.

إنه عار الفتنة… وما هو أشد منها.

لقد إستغل “الممانعون” سيلان لعاب “عالم الحلول” أمام لقب “دولة الرئيس”. فكان ما كان لإعادة الأضواء إلى ساحات المذهبية، التي نجح الثوار في تنظيفها من الطائفية ومتطرفيها.

فجأة أحيا حسان دياب المذاهب من رميمها.

لا يستطيع عميد كلية الهندسة في الجامعة الأميركية، تجاهل دوره في هندسة محور الممانعة إحياء المذهبية، التي من دونها تجف الدماء في شرايين الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر.

وإذ لا يحتاج المراقب لأدلة، تثبت أن الأكثرية الساحقة الماحقة من عناصر وأنصار الأحزاب الثلاثة، هم إما من الشيعة كما في الثنائي، أو من المسيحيين كما في التيار.

لم يفعل “المستقل” حسان دياب، ما فعله “المتعقل” سمير الخطيب.

الأول يرفض الإعتذار، حتى لو خرب البلد، والثاني إعتذر كي لا يتسبب بخراب البلد.

الأجدى لفارس الإنقاذ إنقاذ نفسه، بأن يتحول فوراً من “مستقل” إلى “مستقيل”.

أما الإصرار على انتحال صفة المستقل، وأنه ليس لعبة من ضمن ألاعيب ثلاثي الممانعة، فهذا الانتحال هو تماماً كإخفاء الشيب بالصباغ الأسود. فلا خدعة الإستقلال حجبت الإنحياز إلى حزب الله وملحقاته، ولا الصبغة ألغت حقيقة الرأس المشتعل شيبا.

لقد نجا حسان دياب بماضيه السياسي من الذنوب. لكنه اليوم يرتكب كبائرها بحق مستقبله السياسي.

لقد قبل، بعد أن سيطرت عليه شهوة السلطة، أن يكون عود الثقاب، الذي يُعد لإشعال المذهبيات، التي أطفأتها ثورة 17 تشرين.

نضيف إلى المضحك المبكي في شخصية “مشخصاتي” الممانعة، وعده بما وعد به الرحابنة في أغنية “يا دنيا شتي مصاري… شتي علينا فلوس”. فنفيده بأن الدنيا على يديه لن تشتي غير الفقر والجوع والبطالة.

وليد الحسيني

“فكّر فيها”

walidلن يغفر اللبنانيون للرئيس الأسبق أمين الجميل، إرتكابه خطيئة توريط لبنان بتسييس العماد ميشال عون، عندما كلفه رئاسة “ميكرو” حكومة.

حكومة تقتصر على وزيرين تخرجا من مدرسة “حاضر سيدي”، ومن رئيس لا شريك له.

يومها، لم يعد “الأمر لي” مقتصراً على الجيش، بل إتسع ليشمل الدولة بكاملها.

الصلاحيات المطلقة، فتحت شهية العماد على العمل السياسي. ومع شغور موقع رئاسة الجمهورية، إبتكر قائد “الشعب العظيم” ثنائية “الفراغ” و”أنا أو لا أحد”.

… وكما خسر معاركه العسكرية في حربي “التحرير” و”الإلغاء”، خسر معركته السياسية. فجاء الطائف ليملأ الفراغ بأحد غيره.

في تلك المرحلة، لجأ إلى فرنسا هرباً من تهمة “التمرد”. وعند عودته سرعان ما نقل بارودته السياسية، من كتف “14 آذار” إلى كتف “8 آذار”.

جلس على “كرسي الإعتراف” في كنيسة مار مخايل، طالباً من السيد حسن نصرالله اللجوء إلى محور الممانعة.

وبانتقاله من ضفة الخصم إلى ضفة الحليف، نجح العماد باقناع حلفائه الجدد، بأن سلاحي “الفراغ” و”أنا أو لا أحد” يتفوقان على سلاح “القمصان السود”.

وبسبب فاعلية السلاحين، تم توزير جبران باسيل. وتم الإبقاء على وزارة الطاقة لمن لا طاقة له على مفارقتها. والإنجاز الأعظم، كان في وصول عون إلى رئاسة الجمهورية، بعد 30 سنة من الصبر والتربص.

كل هذا حصل قبل ثورة 17 تشرين. أما الهم الأثقل والحدث الأكبر فيكمنان في ما يجري بعدها.

الآن يعاني لبنان من حالة “إستقرار” مخيف. فهو “مستقر” تماماً في قعر هاوية سحيقة، لا يمكن إنتشاله منها إلا برافعات عملاقة، بمستوى سيدر وسعد الحريري. إلا أن من يزعم تسهيل مهمة الرافعات، يشهر في وجهها شروطاً معترضة ومعرقلة.

الجميع يدور في دائرة التشكيك بالآخر. مما يجعل الحل من المحال.

وسط الشراك المحبوكة باتقان، يصر سعد الحريري على مغامرة الإنقاذ، ومتابعة مسيرة التضحية.

لقد لدغت يا دولة الرئيس من الجحر نفسه أكثر من مرة. وهم عندما يتغزلون بك، إعلم جيداً بأنهم يغزلون لك الأفخاخ.

قد يكلفونك بتشكيل حكومة محكومة برفض الشارع لها.

لا تقرأ يا شيخ سعد التصريحات… بل إقرأ التلميحات والنيات.

تذكر انك استقلت فغسلت يديك من أوساخهم، فلا تلطخها مرة أخرى.

خذ العراق نموذجاً… وإن تأخروا في سلوك طريقه.

فكما لم يسمحوا هناك بهزيمة النفوذ الإيراني، ولو كان الثمن استباحة الدماء، فإنهم سيفعلونها هنا إنقاذاً للنفوذين، نفوذ التيار المعلن، ونفوذ الحزب المستتر.

حتى الشارع الذي تريد أن تلبيه يا دولة الرئيس، قد لا يلبيك. فهو منقسم ما بين معك وعليك.

وقبل أن تحسم أمرك نقول، وبالإذن من الزميل فيصل سلمان… فكّر فيها.

وليد الحسيني