ديمقراطية لبنان… هجرة أم تهجير؟

walidلم تعد أرض لبنان صالحة لزراعة الديمقراطية. فالأرض التي كانت تحرث بمحراث الدستور، أصبحت تحرث بمحراث السلاح والتهديد… وهناك أسباب أخرى كثيرة منها:

  • “دودة المذهبية”، التي تنهش ثمار الديمقراطية قبل أن تنضج.
  • “الأمية”، التي تظهر فجأة على أصحاب النفوذ، فقط عند تهجئة نصوص الدستور. مع أنهم من بلد يزعم أنه الوطن الأول للأبجدية.
  • “الوطنية”، التي كثيراً ما تتنقل بين الداخل والخارج.
  • “الواسطة”، التي تعتمد نظرية “الأقربون أولى بالمشاريع والوظيفة”.
  • “الفساد”، الذي يحلل الحرام… ويحرم القانون.

إذاً، من حق الديمقراطية أن تتعب، وتهاجر من لبنان. تماماً كما يهاجر اللبنانيون منه. فلا خبز لها ولهم في هذا البلد، الذي لم يبق فيه من الحريات سوى حرية المنع بقوة “الممانعة” ورفع “الأصبع”. وكذلك حرية إلقاء التهم جذافاً. تضاف إلى ذلك حرية تقاسم الصفقات… وشفط المال العام.

من حقها أن تهرب بجلدها. فلبنان لم يعد مسقط رأسها العربي، كما كانت تعتقد شعوب الدول العربية أيام زمان.

لم تعد النصوص تحميها من لصوص الدستور والقوانين. فهي أسيرة بدعة “المكونات”. فأي مكون مذهبي يستطيع منفرداً إعتقالها في زنزانة منفردة.

وهي إذا نجت من مصيدة “المكونات” علقت بـ “الديمقراطية التوافقية”، في بلد لا يعرف التوافق ولا يحترم الإتفاقات.

لا شك أن الديمقراطية في لبنان تعيش محنة، لا تعيشها حتى في أعتى الدول ديكتاتورية.

لا يوجد لبناني لا يدعي حبها، إلى درجة العشق الإلهي. ومع ذلك لا أحد يقبل استقبالها في بيته أو حزبه أو مذهبه.

بعد هذا، من العبث البحث والتحري عن الديمقراطية في لبنان. حيث لا ندري إذا ما تم تهجيرها قسراً، أم أنها هاجرت بإرادتها، إلى بلاد لا تعرف قوانين انتخابية، تنتسب زوراً إلى “النسبية”. ولا تعرف هرطقة حكومات الوحدة الوطنية، التي يختلط فيها الماء والنار. فيتم توزير من دب موالياً، ومن هب بسلاحه معارضاً ومعترضاً. ومن نهب فوُهِب، ومن شب على الوصولية… فوصل.

الأكيد أن الديمقراطية خرجت من لبنان.

لقد راحت وأراحت.

الآن برحيلها يستطيع حزب الله فرض “الرضوخ”.

الآن يصبح السنة سادة لبنان، إذ يكفي “ستة” منهم لتحديد مصير البلد… ولتحديد أي كارثة يختارونها له.

الآن يمكن اعتبار “تفاهم مار مخايل” بديلاً عن تفاهم الطائف.

الآن لا شيء يمنع من أن يتحول لبنان إلى رئة إيرانية، تساعد على مرور الهواء إلى طهران، عندما يشتد خناق العقوبات الأميركية.

الآن لا حاكم ولا حكومة… فالجميع محكوم بالخضوع للقوة والقوي… ففي ظل نظام الفوضى فإن الأقوياء هم من يحكمون.

ترى هل تعود الديمقراطية من غربتها؟.

نأمل أن يشملها “قانون باسيل” في إعادة منح الجنسية للمغتربين… فهي أيضاً من أصول لبنانية.

وليد الحسيني

Advertisements

حكومة “قيام الساعة”

walidعندما حاول “كفار قريش” قتل الرسول العربي، إختاروا سيّافاً من كل قبيلة، ليضيع دم الرسول بين القبائل.

وعلى طريقة “الكفار” تم تصنيع عقد تأليف الحكومة، من كل مذهب عقدة، لتضيع عرقلة التأليف بين المذاهب.

كان هذا ما يبدو للعيان، بغياب العين الخارقة للأسرار، إلا أن الأمور انكشفت… وظهر ما في داخل الصدور من خبايا.

وهكذا يتأكد اللبنانيون أن لا عقد ولا عقبات… بل لا حكومة.

لا حكومة، لا في سنة، ولا في ثلاث سنوات، ولا في ألف سنة… وحتى قيام الساعة.

إنه “الوفاء” لستة حلفاء، تجمعوا من كل كتلة عصا.

ونسأل حزب “الأوفياء”:

أما من بقية وفاء للبنان؟

أليس الملايين من اللبنانيين، كانوا حلفاء حقيقيين لكم في حرب تموز؟… أم أن انتصاركم في هذه الحرب، ما كان ليكون لولا الحلفاء الستة… فاستحقوا بذلك إحتكار كل الوفاء؟.

ما الحل… و”الصم” لا يسمعون صراخ جوع الناس. ولا استغاثات التذلل من التجار والمتاجر والمؤسسات والشرفات؟.

ما الحل… و”البكم” لا ينطقون إلا بإشارات “ممنوع المرور”؟.

ما الحل… و”العمي” لا يرون الأخطار وقد تجاوزت حدود لبنان، لتقيم في كل مؤسسة وفي كل بيت؟.

فعلاً، هم صم بكم عمي… لا يفقهون معنى إنهيار المعبد على من فيه.

لقد وجهت أمس إلى اللبنانيين تهديدات صريحة… سبق أن جرّبت وصدقت.

وكما للحرب صواريخها الدقيقة، كذلك للسياسة صواريخها الأكثر دقة.

المفاجأة أن صواريخ الحرب لم تطلق بعد. لكن صواريخ السياسة أطلقت بغزارة في خطاب السيد حسن نصر الله في يوم الشهيد.

رأينا “السرايا” الحكومية متصدعة، بعد أن أصيبت بصاروخ مباشر. ورأينا “عين التينة” تفرض عليها الشراكة في شروط التوزير وتزوير المعايير. ورأينا “قصر بعبدا” يحاول لملمة الشظايا التي تساقطت في المكتب الرئاسي.

ما هذا الذي يجري؟… وما هو المطلوب؟

لا أحد يستطيع أن يتنبأ.

لقد تم افتتاح موسم الأخطار. والبحث جار عن الحكمة المفقودة.

إن معايشتنا لحكومة يمكن اعتقالها في خطب المناسبات، يجعلنا نترحم ونتذكر حكومات أيام زمان.

يومها، لم يكن “العيش المشترك” يشترط مشاركة الجميع في الحكومة.

يومها، لم تفرط “الوحدة الوطنية” بغياب هذه الفئة أو تلك عن التمثيل الحكومي.

يومها، لم تكن قد صدرت أحكام مذهبية بمصادرة الحقائب الوزارية الرئيسية لمصلحة هذا المذهب أو ذاك.

يومها، لم يكن الثلث المعطل قد دخل القاموس السياسي.

يومها، لا ثلاثية ذهبية. ولا نأي بالنفس. ولا أبقار “كهربائية”، يتحول حليب سفنها، إلى قوالب جبنة تقطع على موائد دون أخرى.

يومها، لا محارق تحرق عطاءاتها “التفاهمات” الخالدة.

يومها، لا حقائب وزارية توضع في حقيبة رئيس الجمهورية.

يومها، كانت تشكل الحكومات بأيام… لا كما أخبرنا السيد بأن التأليف يستطيع أن ينتظر سنة وثلاث سنوات وألف سنة… وقيام الساعة، التي نأمل أن لا تكون “ساعة لبنان”.

                                                                          وليد الحسيني

منع التأليف أم سحب التكليف؟

walidفجأة غادر حزب الله مدرج المتفرجين ونزل إلى الملعب، قاذفاً بكرة الحكومة إلى شباك المجهول.

كان الحزب مرتاحاً لأداء الحلفاء وكان يكتم إعجابه بأدائهم، كي لا ينكشف ما في نفس يعقوب.

لكن العقد، التي أشعلت العلاقات حيناً بين التيار والقوات، وعطلت مفاوضات التشكيل في كل الأحيان، ما لبثت أن تراجعت إلى تسوية وطنية، كادت تفرج عن الحكومة الموعودة.

ولأن المطلوب، من قبل قوى الممانعة، منع التأليف وصولاً إلى سحب التكليف، إضطر حزب الله على نزع اللثام عن وجهه، ومن ثم، مواجهة الأمر بنفسه… وعلى المكشوف.

ولقراءة صحيحة لما حصل ويحصل، نعود إلى أسابيع قليلة مضت، عندما نصح السيد نصر الله بالتوقف عن تحديد مهل لتشكيل الحكومة. وهو بذلك كان يحيل أزمة التأليف إلى زمن مفتوح.

قبل هذه النصيحة، علينا أن نتذكر بأن نواب حزب الله التزموا، في الاستشارات الملزمة، بعدم تسمية سعد الحريري لرئاسة الحكومة. أي أنهم منذ البداية يعتبرون الحريري العقدة الغير قابلة للحل، إلا بأن تحل مكانه شخصية سنية برتبة “نصير”.

إذاً، كل ما كان يقال عن تأييد الحريري وتسهيل مهمته، كان كلاماً جميلاًَ، قيل على سبيل المجاملة.

تتحجج “كتلة الوفاء للمقاومة” بالوفاء للسنة الستة. فلا حكومة إذا لم يقم الحريري بتوزير أحدهم.

والسؤال: هل كل من كان وفياً للمقاومة يستحق منصباً… ونصيباً من وفاء المقاومة له؟.

لا نعرف عن النواب الستة أنهم انتشروا على جبهات منازلة إسرائيل، نقول هذا لنصل إلى السؤال الأكبر: هل حق هؤلاء في التوزير أهم من حق لبنان في حكومة تنقذ اللبنانيين، من الوصول إلى يوم يصبح فيه الدخل لا دخل له في تأمين مستلزمات الحياة. وتنقذ لبنان، الذي كان يجذب السائحين على اعتباره جنة الله، فإذا به مقبرة للنفايات، ومحاصر بمحارق الزبالة، وأن في بحاره تلوثاً لا تحتمله عافية… وفي هوائه يتناسل السرطان، وفي خضاره تستولد الأمراض الخطيرة.

يبدو أن كل هذا لا يهم. فالمرحلة القادمة لا تحتمل حكومة لا يحكمها حزب الله. فالعقوبات الأميركية على إيران والحزب نفسه، تستدعي وجود حكومة، تغض النظر عن مخالفة عقوبات ترامب، حتى ولو أدى ذلك إلى معاقبة لبنان. فالليرة اللبنانية ليست أعز من الريال الإيراني.

إن دور لبنان المالي والتجاري يجعله وسيلة مثالية للتحايل على العقوبات الأميركية. سواء بانتقال الأموال، أو بتوفير قطع الغيار والمستلزمات الصناعية الإيرانية. وهذا لا يتم بوجود حكومة ترفع شعار لبنان أولاً. فالمناسب “شرعياً”، إما حكومة متحررة من المستوجبات الدولية. أو دولة بلا حكومة، تفلت فيها المطارات والمرافئ والمعابر ودكاكين الصرافة.

هذه النهايات الخطيرة المفترضة، دفعت الرئيس ميشال عون إلى إعلان مواقف لم يتوقعها حزب الله. لأنه هو نفسه لم يتوقع أن تكون هذه مواقف حزب الله من حكومة العهد الأولى.

لذلك نقول للرئيس القوي: إذا كان ثمة أعداء فيستحسن البحث عنهم في قائمة الأصدقاء والحلفاء.

وليد الحسيني

“خاشقجي” ليس “بو عزيزي”

walidخمسون عاماً في الصحافة، لم أسلك خلالها خطوة واحدة نحو دول الخليج.

لا علاقات ولا معارف.

لكن، عندما يدق الخطر أبواب الخليج العربي تصبح مواجهته مسؤولية قومية.

لا يحتاج الأمر إلى تحليل عميق، فالهيستيريا السياسية والإعلامية، تحاول أن تجعل من جمال خاشقجي بو عزيزي آخر.

الدول نفسها، التي ركبت موجة بو عزيزي، تركب اليوم موجة الخاشقجي.

نفس الأبطال والأدوار والإستثمار.

رباعي “التآمر الأول” على تونس ومصر وليبيا، هو رباعي “التآمر الثاني” على السعودية ودول الخليج.

تركيا وقطر والأخوان وتلفزيون الجزيرة.

هم… هم… بلا نقصان. بل بإضافات، قد لا تكون إيران أولها، ولن تكون آخرها.

لكن بين “التآمريْن” يختلف الوضع والظرف والمزاج الشعبي.

الشعب اليوم لا يريد إسقاط النظام، بل يريد إسقاط المؤامرة.

لا يوجد عربي يرضى لكعبة المسلمين نهايات ليبيا المأساوية. ولا مصير تونس الإقتصادي. ولا أزمات مصر الخانقة. ولا دمار سوريا واحتلالاتها المتعددة الجنسيات.

بعد كل مآسي ونكبات “الربيع العربي”، لن ينفع مستثمرو الدم اللجوء إليه إبتزازاً من قبل تركيا، أو استهدافاً من قبل قطر.

لن ينفع التهويل والتضخيم والنفخ في الأكاذيب.

صحيح أن قتل الخاشقجي جريمة بشعة، لكنها ليست سابقة. فالعالم مليء بسوابق أفظع وأبشع.

قبل الخاشقجي، عرفنا الخطف والقصف والإخفاء والتغييب والإغتيال والقتل الجماعي.

قبله، تعرض مثله رؤساء وقادة أحزاب وكتاب ومشاهير. ومع إحترامنا لقامته البشرية، فهي لا تصل إلى قامات بعضهم الفكرية والإنسانية والثقافية والثورية والنضالية.

يومها لم تتوقف لأجلهم برامج تلفزيونية. ولم تتحول نشرات الأخبار إلى خبر واحد يتناول مصيرهم. ولم يتفرغ كتاب أعمدة الصحف لقضيتهم. ولم تستنفر مجالس نواب ورئاسات دول وحكومات استنكاراً لما ارتكب بحقهم… كما توقفت وتفرغت واستنفرت واستنكرت من أجل الخاشقجي.

من الواضح أن جريمة “قنصلية اسطنبول” هي جريمة فاشلة. بعيدة جداً عن الإحتراف. وتفتقر إلى الحد الأدنى من الخبرة. مما يعني أن مرتكبيها تصرفوا بغرائز التهور والحماقة والإنفعال. وربما يكون بعضهم مدفوعاً من جهات تخطط لاتهام المملكة.

المنطق ينفي أن تفعلها دولة. فللتخلص من الخصوم ألف وسيلة آمنة. لا يحتاج أي منها إلى بعثات مكشوفة الأسماء ومعروفة الوجوه. ولا إلى طائرات خاصة تهبط في دوائر الريبة والشك.

كل هذا تم، كما لو كان هناك قرار يتعمد نشر الأدلة، لا إزالتها… والهدف تسهيل توجيه أصابع الإتهام إلى السعودية، التي يقود إتهامها إلى إشعال الخليج.

لقد تحول مقتل الخاشقجي إلى استثمار مفضوح، رأسماله الإستنكار والإستنفار… وكأن المبتزين للمال السعودي، والحاقدين على أمن السعودية، هم من الملائكة، وليسوا القيادات التي أهلكت ليبيا وأهلها. وألقت باليمن في حرب حوثية مجنونة. واستولت على سيادة العراق. وهزت تعايش لبنان. وتناتشت سوريا… وقصفت ودمرت عشوائياً. وهجرت ملايين العراقيين والليبيين والسوريين ونثرتهم شتاتاً في شتى دول العالم!!.

وأخيراً، نقول لـ “اللاعبين” بنار الخاشقجي بأن اللعب بالنار قد لا يكتفي بحرق الأصابع فقط.

وليد الحسيني

الآمرون الناهون

walidهل فعلاً يُحكم العالم من تل أبيب؟.

رغم أن ديمقراطيتهم تنفي ذلك، إلا أن الواقع لا يخبرنا بغير ذلك.

غريب!!.

في أي أوروبا مررت، وفي أي الأميركيتين تنقلت، تجد العداء لليهود مستمراً، منذ أن صلبوا السيد المسيح. لكن عند الإنتقال إلى الحكومات، تبدو كراهية العرب هي الإستراتيجية الثابتة.

في حروبنا مع إسرائيل، باعنا الغرب أسلحة ناقصات عقل وتقنية. وتخلص الشرق من مخلفاته العسكرية في أسواقنا المتلهفة لأي سلاح.

إنها فلسفة المصالح. فنحن في كل الحسابات بقرة نفطية حلوب. لو أحسنا بذر عوائدها، كما نحسن تبذيرها، لكانت وسيلة لإنتاج مجتمع منتج، يستطيع أن ينتقل بنا من مرتبة “بياع كاز” إلى منافس لاقتصاديات الدول الكبرى.

لكن، ولأن مصالحهم لا تحتمل مصالحنا، كان هذا الإجماع الدولي على تفتيت الأمة العربية وتفكيكها إلى مذهبيات تلد ميليشيات. وإلى ميليشيات تلد حروباً أهلية.

يبدو أننا لا نستطيع إلا أن نكون كما تريدنا الولايات المتحدة.

مجاهدون ضد السوفيات في افغانستان… جاهدنا.

داعمون لمصانع أسلحتها… دعمنا.

متفاوضون مع إسرائيل… تفاوضنا.

متعاهدون، متصالحون، معترفون… تعاهدنا وتصالحنا واعترفنا.

لكن زمن السمع والطاعة يتطور. فلم تعد أميركا هي الآمر الناهي الوحيد. فوضعنا العربي المترنح والمثقل بالجراح والصراعات والإنقسامات، جعل منطقتنا مجمعاً دولياً لنفوذ متعدد الولاءات ومتضارب الإتجاهات.

منا من بقيت الولايات المتحدة آمره وناهيه.

ومنا من فرضت عليه روسيا أوامرها ونواهيها.

ومنا من لجأ مجبراً إلى سلطنة الباب العالي مستجيراً من الرمضاء بالنار.

ومنا من انتزعته المذهبية من قوميته العربية، المكبلة بالخلافات، إلى القومية الفارسية الفالتة بالطموحات.

إننا اليوم فعلاً، كما تنبأ الرسول الكريم، القصعة التي تكالبت عليها الأمم.

ولأن لا حل لهذا الحال… يدفعنا الدفاع عن النفس إلى التفكير بمصيرنا اللبناني الذي يساق حثيثاً باتجاه المجهول.

صحيح أن ساعة الحكومة آتية لا ريب فيها، لكنها كساعة القيامة علمها عند ربي. فجبران باسيل لا يتعب من الصعود إلى قمة التعطيل. وسمير جعجع يرفض النزول إلى قعر التسهيل.

وسط التأرجح الممل والمحبط بين التسهيل والتعطيل، لا يمكن إقناع اللبنانيين بأن الرئيس القوي لا يقوى على “الصهر الأقوى”.

التشاطر لم يعد شطارة. فما يعطيه رئيس الجمهورية من تسهيلات باليمين… يخطفه رئيس التيار باليسار.

الآن بلغت الأزمة منتهاها. وباستمرارها يخسر العهد كل ما تعهد به.

وعلى الجميع إدراك أن نجاة لبنان من مصير محيطه حالة شاذة… فلا تخسروها فتخسروا لبنان، بسياسات فيها الكثير من الشذوذ الوطني… وبالذات في بلد يتقاسم القرار فيه الآمرون والناهون من أميركان وروس وإيرانيين وأتراك… ودول شتى.

وليد الحسيني

إيه ولاّ إيه ولاّ إيه؟

walidيوم صدرت جريدة النهار بالحبر الأبيض، تذكرت نكتة تقول أن الشرطة ألقت القبض على مواطن يوزع أوراقاً بيضاء. وفي التحقيق إعترف بأنها مناشير ضد الدولة. سخر المحقق منه قائلاً: لكنها بيضاء بلا كتابة. أجابه بمرارة: حاكتب عن إيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه؟.

وها نحن، مثل هذا المواطن الحائر، نسأل أنفسنا: نكتب عن إيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه؟.

هل نكتب عن الحكومة، التي ما زالت معتقلة في سجن “باستيل الباسيل”؟.

أم عن الإقتصاد الذي يحتضر بانتظار حضور عزارئيل شخصياً؟.

أم عن قرارات “مؤتمر سيدر”، التي انقطعت فيها الطرق إلى لبنان. وتكاد تتبخر أموالها بسبب إرتفاع حرارة الخلافات السياسية وبلوغها درجة الغليان؟.

أم عن الدستور، الذي لا تتناوله الزعامات خوفاً من “مواده الدسمة”، التي تضر بالصحة التسلطية، وتتسبب بارتفاع الضغط؟.

أم عن العهد القوي، الذي يستعمل قوته في البلد، كما استعمل شمشون الجبار قوته في هدم أعمدة الهيكل؟.

أم عن التفاهمات التي ما ينفع اللبنانيين منها ذهب مع رياح المصالح، ولم يبق سوى التفاهم الذي يفرش السجاد “العجمي” إلى قصر بعبدا؟.

أم عن الكهرباء، التي جعلت من كلمة “التقنين” أكثر المفردات اللبنانية تداولاً؟.

أم عن كهرباء وزير الإقتصاد المصرّف للأعمال، والمتصرف بالقانون. فالقانون الذي يعتبر مولدات إشتراكات الكهرباء غير قانونية، اعتبر وزير “دولة المؤسسات” أن إقدام أصحاب المولدات على إزالة مخالفتهم للقانون، هي إزالة تخالف القانون… وتستحق العقوبة؟.

أم نكتب عن المقالع والكسارات، حيث بفضلها تم تمزيق ثوب لبنان الأخضر… وتكشّفت عورته، التي تكاد تشبه بعد قليل عورة الصحراء الكبرى في أفريقيا؟.

أم نكتب عن النفايات التي لا تغيب عن العين ولا تفارق الأنف؟.

أم عن الليطاني، الذي تحول من مصدر رزق للمزارعين، إلى مصدر رزق وفير للمستشفيات والأطباء والصيادلة… ومجالس التعزية؟.

أم نكتب عن الحريات، حيث بدأت مواقع التواصل الإجتماعي تزخر بمحققي مكتب المعلوماتية، الذين يطلبون من المغرد الإنتقال من “FOLLOW”  إلى “FOLLOW ME”؟.

أم عن الفساد والسرقات والعمولات والرشوة، وهي تشكل الطريق الأمثل للوظفية العامة، ولرسو الإلتزامات والمناقصات؟.

أم عن المرتشي الصغير، الذي يقبل بفتات المشاريع. ونعني الوطن، بالكاد يقبض عمولات من هذه الوزارة أو تلك، ليصرفها على ملذاته التافهة في التعليم والصحة والزراعة والصناعة والأشغال والنقل والإتصالات والطاقة؟.

وبما أن لا أحد فوق القانون، فإن الوطن هو المرتشي الوحيد، الذي تثبت عليه جريمة الرشوة. فهو لا يستطيع الهروب من التهمة بإنكار بناء جسر هنا أو حفر نفق هناك. فشهود الإثبات هم الجسور والأنفاق نفسها.

وأخيراً، ولأن مساحة المنشور لا تتسع لإضافات… يبقى في الوقائع، الكثير من الإيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه.

وليد الحسيني

القناعة حكم لا يفنى

walidلا نحن المتنبي، ولا سيف “العهد” هو سيف الدولة. لهذا نعتذر من جبران باسيل، لأننا لن نكيل له المدائح، في رده غير المسبوق، على أكاذيب نتنياهو الصاروخية.

رغم تقصيرنا المعيب، نعترف بأن الجولة الدبلوماسية، التي قام بها سيف “العهد” في ملعب “العهد”، كانت مباراة رائعة. سجل خلالها قلب الهجوم، أي رأس الدبلوماسية اللبنانية، عدة أهداف في مرمى العدو الإسرائيلي. فبفضل ركلاته “الصاروخية”، تأكدت دبلوماسية العالم، من أن الملعب ملعب. والمدرج مدرج. ونتنياهو كذاب.

بمعنى آخر، أكدت الهمروجة، بالدليل العيني القاطع، أن لا صواريخ على المدارج. ولا منصات على أرض الملعب.

أما وقد كان الذي كان من نصر باسيلي، فمن حق اللبنانيين، بعد هذا الإنتصار المبين، الإلتفات قليلاً إلى “القشور” اللبنانية.

بعيداً عن “صواريخ” نتنياهو الوهمية، نجد بين أحضاننا “صواريخ” جبران باسيل الحقيقية، التي آخر قصف لها، أصاب تفاؤل سعد الحريري بمقتل. فما كاد الرئيس المكلف يعلن، أن الحكومة ستشكل خلال عشرة أيام، حتى بادر “رئيس التيار” إلى السير عكس التيار، معلناً أن تفاؤل الحريري وهم… وأن مسيرة التشاؤم مستمرة.

ومع فتح باسيل لمنجم الإحباط اللبناني، لم يتوانَ ملك الدبلوماسية من ممارسة لعبة “البراءة من دم يعقوب”. فالآخر هو المعطل.

أما الذي يريد أن يلتهم “المائدة الحكومية”، ولا يريد أن يشبع، فهو الذي يزعمون أنه يزيل عقبات التأليف.

وفي تفسير، لا سلطان للعقل والمنطق عليه، فإن الطرف الذي قبل بالحد الأدنى من التمثيل الحكومي، فهو الذي يزعمون أنه يضع الحد الأعلى من العقبات في وجه ولادة الحكومة.

يحدث كل هذا، في كل يوم. ولا يملك سعد الحريري سوى أن يدس وجع التأليف في صدره.

إن حرص الحريري، على إخفاء مصدر الطعنات الموجهة لحكومة الوحدة الوطنية، يؤكد حرصه على “التسوية” وعلى إنقاذ “الرئيس القوي” من استهلاك قوته ونفادها، في الصعود إلى قمة المطالب، التي يستحيل بلوغها، من دون فتح أبواب لبنان، لجحيم الإنقسام السياسي، واهتزاز الاستقرار الإجتماعي، وإنتشار الرعب الإقتصادي.

لم يعد مجدياً إختراع معايير التأليف، مع غياب معيار إخراج لبنان من دوائر الخطر.

إن استراتيجية جبران باسيل المعتمدة في تشكيل الحكومة، هي متعمّدة عدم تشكيل الحكومة. وهو إذا لم يتراجع عن سياسته، ويتواضع في مطالبه، يكون قد سلب من رئيسه صفة “القوي”، التي تعتبر النشيد الوطني للتيار الحر.

لقد علّمنا لبنان، ولا نظن أن باسيل لا يعلم، بأن القوة لا تستمر بتأييد أصحاب الأكتاف، التي تعودت نقل البنادق. ولا بتأييد الأفواه التي تعرف جيداً من أين يؤكل لحم الكتف. ولا بتأييد الألسنة الطليقة والمطلّقة للحقيقة والموضوعية.

هذه نعم لا تدوم… وهي في لبنان سريعة الذوبان.

وأخيراً نصيحة للتيار الوطني الحر، من أجل البلد ورئيسه القوي، لا تبالغ وتذوب عشقاً في المناصب والمكاسب… وإذا أردت أن تبقى حاكماً قوياً… فاعلم أن القناعة حكم لا يفنى.

وليد الحسيني