“تلة” بيروت

walidلبنان معشوق، لا يحترم العشاق، ولا يملك مشاعر العاشق.

كل الأحاسيس العربية كانت تذوب هياماً أمام إغراء لبنان جبلاً وبحراً وأثراً… وشعباً.

جميع العرب أحب فيه الثقافة والصحافة والحرية والديمقراطية والجامعة والمستشفى… و”الكباريه”.

لكل عربي فيه ليلاه.

لكن هذا كان، قبل أن ينقلب وطن الجمال، من أحسن حال، إلى أسوأ الأحوال.

الجبال الخضراء، أصابها الصلع بفعل المقالع العشوائية.

الهواء العليل تحول إلى علل بفضل  التلوث.

الأنهار الصافية ملأت مجراها المجاري.

الشواطئ الرملية الذهبية أصبحت مكباً للنفايات.

الينابيع العذبة إختلطت بالصرف الصحي.

الخضار والفواكه تنمو بالمياه الملوثة والمسرطنة.

هذا في الطبيعة. أما في السياسة والتحولات الإجتماعية، فقد تم استبدال الصلاحيات الدستورية بالمصالح المذهبية.

لم يعد اللبنانيون أصدقاء لهذه الدولة العربية أو تلك، بعد أن انقسموا إلى أعداء لهذا النظام أو ذاك.

تغيّر الإنتماء من عرب وفينيقيين، إلى عرب وفرس.

اندثرت عادة العرفان بالجميل، وحل محلها الجحود والنكران.

سقط شعار “يا هلا بالضيوف”، لتشهر بوجههم السيوف.

إذاً، نحن اليوم غير ما كنا بالأمس.

ومن باب استغراب المستغرب، لماذا نستغرب تحول قمة الملوك والرؤساء والأمراء إلى “تلة”، بالكاد ترتفع إلى مستوى وزراء الخارجية؟.

وتأكيداً لانحدار أخلاقنا السياسية، نلجأ إلى تبرئة أنفسنا، باتهام القيادات العربية بالعمالة. وأنهم غابوا عن “قمة بيروت الإقتصادية” لأن أميركا أمرتهم بذلك. وفاتنا أن نشيد بتمرد رئيس موريتانيا وأمير قطر على تعليمات ترامب الإلزامية… وكأنهما من أحفاد تشي غيفارا!.

إنه العذر الأقبح من ذنب التهديد والوعيد، الذي ارتكبناه.

من المعيب أن نقدم على الإساءة لسمعة 19 ملكاً ورئيساً وأميراً، بهذا القدر من الإهانة. وأن نعتبرهم عملاء غب الطلب.

لكن، من نعم العرب علينا، أن قياداتهم ما زالت حريصة على لبنان. وتدرك أن ما قيل من البعض، قد تم تقويله لهم إيرانياً. ولهذا لم تأخذها ردة الفعل، إلى مقاطعة عربية للبنان. لو تمت، لتقطعت أوصاله الدبلوماسية، ولانقصم ظهره السياسي والإقتصادي.

لقد نظر القادة، بإمعان ومسؤولية، إلى النصف الممتلئ من الكأس السياسي اللبناني… واعتبروا النصف الفارغ كلاماً فارغاً.

ومما لا شك فيه، أن التصرف الحكيم من الرئيسين عون والحريري، ومعهما كثر، قد ساهم في التخفيف من الغضب العربي الرسمي، الذي لو انفجر، لتحولت “تلة بيروت” الإقتصادية، إلى قمة الإنتقام من لبنان، وبالتالي، تدمير علاقاته العربية والدولية.

صحيح، أن لا أحد ينتظر من “قمة الغياب” المعجزات والمنجزات. فقد تعودنا، حتى في “قمم الحضور الكبير”، على قرارات تسرف بإغداق العواطف والوعود… وهي أيضاً قرارات نسي المجتمعون أنهم سبق واتخذوها من قبل.

ورغم معرفتنا المزمنة، بأننا أمام قمة أخرى من قمم القرارات الوهمية، فلا مفر من احترام انعقادها في بيروت… حتى لو استمر أبطال الفشل بالسعي لإفشالها.

وليد الحسيني

Advertisements

قمة “كلام الليل”

walidهذه جامعة الدول العربية، وليست الجامعة اللبنانية.

هذا أحمد أبو الغيط، وليس الدكتور فؤاد أيوب.

هذا يتلقى التوجيهات من القادة العرب، أو على الأقل، من وزراء خارجيتهم، وليس من مرجعيات دينية أو سياسية.

صحيح جداً ما قيل قديماً بأن “العرب اتفقوا على أن لا يتفقوا”. وصحيح أن هذا القول لا يقبل النسيان، مهما هرم الملوك والرؤساء، ومهما شاخ الشيوخ والأمراء.

لكن الأصح أن لخلافات قممهم آدابا لم يسبق أن خرقت بالتهديد والوعيد وقطع الطرقات.

لا يمكن تحميل لبنان ما لا يملك. فهو في توجيه الدعوات إلى القمة مجرد “بوسطجي”… ومستضيف فرضت عليه قائمة الضيوف.

إن دعوة ليبيا وعدم دعوة سوريا أمران لا ناقة فيهما للبنان ولا جمل ولا جميل.

حتى سوريا تدرك ذلك. ولذلك لم تحتج، ولم تطلب من لبنان أن يكون “قصر بعبدا” أكثر تمسكاً بالمشاركة من “قصر المهاجرين”، أو أن يكون جبران باسيل ملكياً أكثر من وليد المعلم.

أما ليبيا فإن حضورها لا يمثل ليبيا، على اعتبار أن حاكمها فايز السراج جاءت به قسراً “الشرعية الدولية”، في مخالفة صريحة للشرعية الليبية. وهو بهذا، أي بحضوره أو بحضور من يمثله، تبقى ليبيا، بشرعية مجلس نوابها، غائبة عن القمة. مما يعني أن الإعتراض على مشاركتها لزوم ما لا يلزم.

من هنا تصبح الإعتراضات بلا جدوى. فهي لا ترضي سوريا، ولا تضر بليبيا. لكن أضرارها اللبنانية ستكون فادحة سياسياً ومعنوياً، والأخطر، أمنياً.

ومن الملفت أن الرئيس نبيه بري أعلن مسبقاً أنها قمة فاشلة، إذا انعقدت بليبيا ومن دون سوريا.

ترى لماذا استعجال الفشل، وهو مكتوب على جبين القمم العربية منذ ولادتها الأولى؟

كل القمم في فمها ألسنة للخطابات التاريخية، وفي فم قادتها ماء. ولقراراتها ذرائع بلا أذرع. وهي دائماً تسقط من قمة الإمكانات إلى قعر الممكن.

إنها بالفعل قمم كلام الليل، الذي يمحوه النهار التالي.

وحكماً وحتماً، لن تغرد قمة بيروت الإقتصادية خارج سرب ما سبقها من قمم.

والسؤال:

أليس بالإمكان اتخاذ قرارات ممكنة التطبيق؟

ممكن.

كأن نضع توصيات تفرق ولا توحد. ونصوغ قرارات تحرر الأنظمة من أي مسؤولية قومية. وكأن ننتقل، من التبشير بالسوق العربية المشتركة، إلى المباشرة بفرض المزيد من الضرائب الجمركية. وأن نمتنع عن إغراق الوعود بالمساعدات والهبات، إلى العمل على أن تكون كل عنزة عربية مربوطة بكرعوبها.

مثل هذه القرارات ستنفذ بلا تردد وبلا متابعة. ولن تتهم، كما ما قبلها، بأنها حبر على ورق… وإن كانت فعلاً ورقا بلا حبر.

وليد الحسيني

“حنابلة” حزب الله

walidما زالت الحكومة سجينة المحبسين.

محبس العمى الوطني. ومحبس التبعية الإقليمية.

من المهين للحقيقة القول أن عقد العرقلة محلية. ومن الغش السياسي المعيب إنكار الدور الخارجي، في دوران تشكيل الحكومة في فراغ التسهيلات الفارغة. فكل المفاتيح التي قدمت لسعد الحريري لفتح أبواب معتقل التشكيل، هي مفاتيح وهمية، لا تصلح لفك الأقفال الإيرانية، التي تغلق بدهاء وإحكام بوابات السرايا.

يتم كل هذا في مسرحية ابتزازية خبيثة، لا تخلو من التهديد بأصبع النصح والنصيحة. وبذلك اختلط على اللبناني المشهد الإجرامي بحق لبنان. فهناك جناية، والجاني بريء، رغم أن العقد المستعصية ارتكبت بالجرم المشهود.

لقد كشف عن نفسه مضطراً، عندما لم ينفع تحريضه لـ “العميل المزدوج” بتعطيل الإفراج عن الحكومة. فقرر اللجوء إلى “خلاياه النائمة”.

فجأة خرج من كهف العلمانية مذهبيون. أشد سنية من أبي حنبل.

نواب ستة منهم البعثي سليل ميشال عفلق. ومنهم العروبي وريث عبد الناصر. ومنهم حفيد مفتي عدو المذاهب. ومنهم من حصل على اللجوء المذهبي في بلاد الولي الفقيه.

يبقى من “حنابلة” حزب الله، نائبان لا يشق لهما في سنيتهما غبار. وهما عدنان طرابلسي وجهاد الصمد. ورغم تطرفهما السني، يكثران من التنقل بين الولاء لمعاوية بن أبي سفيان وللحسين سيد الشهداء.

وفجأة أيضاً، يمنح حزب الله، وبموافقة إملائية لاحقة من التيار العوني، أربعة نواب من ستة لقب “سوبر” نائب. أي أن الواحد منهم يعادل نائبين من النواب الـ 128. فقاسم هاشم محسوب هناك في أمل، وهنا في اللقاء التشاوري. وليد سكرية، يحط في وقت واحد، في كتلة الوفاء للمقاومة وفي “تكتل” سنة المعارضة. وفيصل كرامي وجهاد الصمد يصمدان في كتلتي فرنجية ومراد في آن.

… المسرح لا يتوقف عن عرضه المثير للغرائز المذهبية.

محللو “سيارات الأجرة”، يتنقلون بإدمان بين شاشات التلفزة. وهم بأكثريتهم من خريجي أكاديمية “عنزة ولو طارت”. ومن المؤمنين باستراتيجية الأصبع، الذي يستعمل حيناً للتهديد، وفي أغلب الأحيان للإتهام، واتهام التعطيل يوجه بتعنت إلى سعد الحريري.

إنه المعطل والمتسبب في الإنهيار الإقتصادي، وتطيير سيدر، وحرمان البلد من ملياراته العشرة.

ونسأل المحللين، الذين غالباً ما تصفهم المحطات المستضيفة، بالباحثين الإستراتيجيين، كيف يكون هو المعطل، وأنتم الزاعمون أنه لا يتوانى عن التنازلات التي تكفل له البقاء رئيساً للوزراء؟. وكيف يكون المتسبب وهو الأب الشرعي والوحيد لسيدر ومليارته؟.

في علم الأضاليل كل هذا جائز. وفي عالم تزوير الوقائع، كل الأوزار يمكن أن تقع على رجل الواقعية السياسية.

أخيراً… خذوا البلد بحلمكم… ولا تدمروه بأحلامكم.

وليد الحسيني

الحكومة الآن… وقبل فوات الأوان

walidالسياسي اللبناني، الذي لم ينل “دكتوراة الكذب” بذكائه، نالها فخرية بمذهبيته.

وشهادات الكذب في لبنان “على قفا من يشيل”.

مثلاً،

الجميع يدعي تقديم التنازلات مُسهلاَ تأليف الحكومة. وكأن “العقد” فعلها مجهول الاسم والعنوان والطائفة.

هذه ليست الكذبة الأكبر.

الأكبر منها، أن ساسة البلد يزعمون أنهم سادة أنفسهم.

لا قائد يقوده الخارج. حتى لو كانت تكاليف مأكله ورواتبه وسلاحه تملأ الخزائن… بلا إملاءات!.

إذاً من حسن فطن سعد الحريري إلتزامه الصمت، كي لا ينضم إلى جوقة الكذابين. حيث من المستحيل إتهام الممتنع عن الكلام بالكذب.

وكما الشعر، فإن أعذب التغزل بلبنان… أكذبه.

وأغرب الغرائب، وأعجب العجائب، أن ساسة لبنان يدركون جيداً أن عدم تشكيل الحكومة بالسرعة الأقصى، هو إنهيار البلد بأقصى سرعة.

ومع ذلك، فسمعان ليس على السمع. ولا أحد يرى كيف تحولت الطبقة السياسية إلى طبقات إسفنجية امتصت أحواض لبنان الإقتصادية، وتركتها فارغة إلا من الطحالب الكريهة والأعشاب المسممة.

هذا يعني أن الوطن يحتاج إلى حكومة الآن… لا بعد فوات الأوان. خصوصاً وأنه لا مفر في النهاية من إغلاق مصانع “العقد”. حيث لا فكاك من التلاقي ولو مكرهين. ومن التعاون ولو مرغمين.

لم يعد بمقدور لبنان الوقوف في محطات الإنتظار. فحتى “سيدر”، الذي يشكل آخر أحلام النجاة، هو مهدد أيضاً بالغرق في مجاري بلد المجارير، إذا لم يبادر ضمير أهل السياسة إلى الإستيقاظ قبل أن تستيقظ الكوارث المدمرة. فالتصريحات المتفائلة لن تمنع البناء المنحرف من الإنهيار، ولا يمكنها أن تشكل دعائم الخلود.

يعلم الذي رحّل تشكيل الحكومة إلى قيام الساعة، أن ساعة تأليفها آتية لا ريب فيها. وأن تعطيلها يعتبر جريمة وطنية، سيحاسب عليها الشعب قبل أن يتولاها الله يوم الحساب.

صحيح أن لبنان، لأكثر من خمسين سنة، عاش على عرش إزدهار إقتصادي، ما كان ممكناً لولا أزمات الغير.

بدأ الإزدهار بنكبة فلسطين، التي أدخلت إلى لبنان الكثير من أموال أثرياء فلسطين. وانتعش الإزدهار بثروات هائلة فرّت من إشتراكية مصر وسوريا والعراق. وأصبح لبنان سويسرا الشرق بإدارته أموال نفط الخليج في الخمسينات والستينات.

هذا كان يا مكان.

اليوم استعادت السلطة الفلسطينية مستثمريها وأموالها. والإشتراكية خرجت ولم تعد. وصار للخليج عباقرته في الإقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة والمصارف.

لم تعد هناك مصائب قوم لتصبح عند قومنا فوائد. حتى ما ابتكر مجدداً من تدفق أموال الممانعة الإيرانية. فهو تدفق تحكمه العقوبات الأميركية بالتراجع… وربما إلى حد الزوال.

لا يبقى لما يمكن إنقاذه، سوى قيام حكومة وطنية الإتجاه، لا حكومة وحدة وطنية بعدة إتجاهات.

هل هذا ممكن؟

ممكن فقط عندما يتواضع المتمكن ويكف عن الحكم غير المباشر… والتحكم المباشر. 

وليد الحسيني

وسام المقابر

walidلن يغفر الله لنا إذا نسينا أن في ميلاد السيد المسيح، كان الميلاد الأول للإنسانية.

لكننا نسينا، وبالغنا في النسيان.

إن الأعداد المتنامية لجياع العرب، تجعلنا نرتعش خوفاً من نهاية مأساوية لإنسانية تغمض عيونها عن صور مزلزلة لأطفال، تحولت أرجلهم إلى ما يشبه الحبال. وأيديهم إلى خيوط مهترئة. وعيونهم إلى مغارات غائرة.

ليس سهلاً أن ينخر الذباب العظم الحي، المغلف بالجلد المتقرح.

ليس سهلاً أن يطبق الصمت على الأفواه الرضيعة، التي أصبحت أضعف من أن تبكي.

ليس سهلاً أن يفرّغ رجل، ما بقي لديه من طاقة، بحفر قبر لنفسه، بانتظار نفسه الأخير.

وسط ذهول مخيف، مما تحمله وكالات الأنباء من أخبار وصور، لأشباح من أهلنا في اليمن والعراق وسوريا وليبيا والسودان، يصح السؤال عما إذا كانت الإنسانية بعدها على قيد الحياة. وأن ثمة مؤمنين يؤمنون بها داخل الأديان. وأن الدول الغربية ما زالت تقيم وزناً لـ “قيمها الفاضلة”… أو ما بقي من فضلاتها.

لقد انهمرت دموع الملايين من شعوبنا المنكوبة، بغزارة لم تعرفها أكثر مواسم الشتاء مطراً. وكبرت المآسي إلى أن أصبح الموت، هو الدواء المجاني الوحيد المتاح، الذي ينقذ من الأمراض والجوع والذل والإذلال.

ألا يدرك القادرون من أثرياء العرب، أن بمقدور هؤلاء الجياع، منح كل هؤلاء الأثرياء، “وسام المقابر” من الدرجة الأولى، لو قاموا بحفر المدافن، لمواطنين انحصرت أكبر طموحاتهم بالحصول على قبر في مقبرة.

لا نعتب على الجثث العربية الحية، إذا انطفأت أحلام أصحابها بالنجاة من حروبنا الأهلية، المؤهلة للإستمرار والتمدد من دولة إلى دولة. العتب على أولئك، الذين لم يقصروا في إشادة القصور، والذين لهم في مراحيضهم الذهبية قدوة حسنة لتكريم مؤخراتهم السامية.

ترى لماذا لا يتم تأكيد “الأخوة العربية” بأن يقوم رجال المال والأعمال العرب، بدفن الموتى من  الجوع والأمراض، والذين لا يملكون ثمن القبر، تحت أساسات قصورهم واستراحاتهم.

ألا يعلم هؤلاء أن الله بذلك، يكون قد أتم عليهم نعمته ورضي لهم بالإسلام دينا.

أليس بذلك إخفاء لمعالم جرائم الفقر والإبادة، في أمة لا تتوانى دولها عن شراء الأسلحة بمليارات الدولارات سنوياً، على طريقة هواة جمع الطوابع البريدية القديمة.

من وجع اليمن وسوريا والعراق وليبيا والسودان، يمكن القول أن الحالة العربية دامية، رغم أن لا دماء في ما بقي من أجساد عظمية جافة.

إنه الموت باليباس الإنساني… فهل يحيي الله الإنسانية… وهي اليوم رميم؟.

وليد الحسيني

سجل أنا عربي

walidأسوأ ما يمر على الأمم أن يتكرر الماضي، بأخطائه، في المستقبل. فنتذكره تماماً كما حدث. ونسرده تماماً كما سيحدث.

لقد سبق، وأغرى الإنكليز، الشريف حسين بالوحدة العربية، إذا قاتل إلى جانبهم ضد العثمانيين. فكانت ثورته. وكان تنصل الإنكليز، الذين قسّمونا واقتسمونا مع الفرنسيين.

قطّعونا إلى دول. واختاروا لكل دولة أقلياتها، كي تبقى الفتن حاضرة عند الطلب.

وكما فعلها بنا الإنكليز، يفعلها بنا الإيرانيون اليوم.

إغراء لا يقاوم بتحرير فلسطين.

لكن “فيلق القدس” ضل الطريق، فزحف إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن… وتربّص بدول الخليج.

لم نشهد زحفاً يحرر فلسطين ويدمر إسرائيل.

وكما الإنكليز، إفتعلت طهران، صراعاً سنياً – شيعياً، لتبقى الفتن أيضاً حاضرة عند الطلب.

ولا بد من الإعتراف، ولو مجاملة، من أن “حزب الله” حفظ لبنان من الإرهاب. فلولاه لكان أبو بكر البغدادي، لا ميشال عون، حاكماً في قصر بعبدا. ولكان أيمن الظواهري، لا سعد الحريري، رئيساً لحكومة لبنان. ولكان أبو محمد الجولاني، لا نبيه بري، سيد نفسه في مجلس النواب.

لقد نجا الوطن من هذا الإرهاب الأكبر. ولنفترض أن كل ذلك تم بفضل إرادة وشجاعة “حزب الله”. حيث نقل الحرب إلى حيث يجب أن تكون بعيداً عن لبنان. فمنع تسلله وقطع نسله.

ومع هذا، لا معنى لنشرة الأرصاد السياسية، التي تتحدث عن طقس مشمس، بينما تغطي السحب السوداء السماء اللبنانية بكاملها.

لقد أخذ “حزب الله”، من حربه في سوريا، الحد الأقصى من الإنتصارات على الإرهاب. إلا أنه نشر، بكثير من “ذكاء القوة”، الكثير من أصناف الإرهاب المتعدد الوسائل والرسائل.

أليس منع تشكيل الحكومة هو نوع من إرهاب الفراغ؟.

أليس تأليف محاور درزية، وتأليب المحاور السنية، هو إرهاب مذهبي؟.

أليس تهديد وليد جنبلاط بعدم التعرض لإيران، هو إرهاب سياسي؟.

رغم هذا… وغير هذا… وكل هذا… فإن الخطورة ليست هنا.

الموضوع أن العروبة نفسها في خطر.

ولتعذرنا فلسطين والقدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة… فلا نريد أياً منها بلا عروبة.

لا تأكلوا برؤوسنا حلاوة. فالمساحات شاسعة بين التنظير الشكلي للعروبة، والتطبيق الفعلي للهيمنة الفارسية.

ومن الراحل محمود دوريش نستعير صرخته:

سجل أنا عربي.

ومن الراحل سيد مكاوي نستعير:

الأرض بتتكلم عربي.

ومن معجزات السماء نستعير معجزة النزول باللغة العربية.

وأخيراً نؤكد ما يؤكده التاريخ أن العروبة لن تتقلص… وأن “الآخر” لن يتمدد.

وليد الحسيني

“باصقات اللهب”

walidلا مكان للشك في حضور اليقين. فالاستخفاف بالدستور ظاهر بحدّة في تصريحات أكثر من مقاول إعلامي ومبتذل سياسي. مما يؤكد أن كثيرين من اللبنانيين ليسوا لبنانيين، إلا بالقدر الذي تسمح به إيران.

إن إضعاف الدولة سياسة ثابتة. فكل الحوارات والتفاهمات تلفظ أنفاسها على عتبات عنجهية القوة. ومع ذلك يتحدث أبطال تعطيل المؤسسات عن الديمقراطية، تماماً كما يتحدث الحداد، الذي يصنع أبواب السجن، عن الحرية.

إن ما نسمعه من غناء “جوقة الإيرانيين” من “تطريب فلسطيني” هو غناء يستعير كلماته على قاعدة “أجمل الشعر أكذبه”.

إن استخدام سحر فلسطين، والقدس بالذات، كمفتاح للسيطرة على لبنان، هو سحر فقد مفاعيله. فالشعب لم يعد فرقة من “الكومبارس”، يحركها المخرج باصبعه.

نحن اليوم لا نشاهد مسرحية. فالخوف حقيقي. والإنهيار حقيقة. والبطالة والفقر والجوع والإفلاس … كلها مشاهد واقعية.

من دون تأنيب لضمير وطني، يستمر “الممثلون” بمسرحيتهم، التي يمكن أن تتحول، عند أي تصرف أحمق، إلى مسرحية دموية تعرض على خشبة الواقع.

من هنا نسأل:

ماذا تفعلون بلبنان؟

كأن المطلوب من سعد الحريري أن يخجل من التمسك بالدستور.

وكأن لبنان يجب أن يدمن الفراغ الحكومي.

وكأن “العهد القوي” يجب أن يخضع لمن مدّه بالقوة.

نرجع إلى المهم.

اليوم يكاد البلد يعود إلى “جاهلية” الحرب الأهلية. فبعد أن سقطت أشباه العقد من التأليف الحكومي، كشف “حزب الله” عن صواريخه السياسية الدقيقة، فأصاب الحكومة الموعودة بوعيد قيام الساعة.

وبصورة مفاجئة ومفجعة، تقدم صفوف التعقيد الحكومي، أحد السنة نيران “حزب الله”. وكسلاح “باصقات اللهب” القديمة، بصق على الأخلاق في بلد “الإطارات المشتعلة”.

صحيح أن المحاكمات تهدئ القلوب المتعطشة للقصاص. إلا أن القضاء يخرج عن صلاحياته، عندما يتطاول على أحد رموز تحرير فلسطين وإنقاذ الكون من الإرهاب!

وبالإنتقال من المهم إلى الأهم:

أولاً، نذكّر فيصل كرامي أن والده الراحل عمر كرامي إستغنى، مستقيلاً، عن رئاسة الوزراء من أجل لبنان. فهل كثير عليه الإستغناء عن “وزير دولة” من أجل إنقاذ لبنان في أخطر مرحلة؟

ثانياً، لا أحد يستطيع أن يعين سعد الحريري على صبره الحكومي وثوابته الدستورية، غير رئيس الجمهورية، الأمين على الدستور، والشريك في تشكيل الحكومة.

ثالثاً، لبنان مدعو جبراً لدخول معركة تبدو غامضة، مع أنها كثيرة الوضوح. وتبدو غبية وهي حادة الذكاء. فإيران توجه القذائف عبر حلفائها، إلى العهد الذي صنعته ذات يوم، مما يستدعي تحذير “التيار الوطني الحر” من خلال مؤسسه الجنرال عون، ورئيسه جبران باسيل، من أن الجلوس على الهامش في هذه اللحظات الشديدة الخطورة، سينهي العهد قبل أوانه، وسيجعل حلم باسيل بالرئاسة المقبلة، كمن ضيّع في الأوهام عمره.

وليد الحسيني