الزبالة… “صفر حلول”

walidقبل أن نخالف الطبيعة، وننسف قوانينها الجيولوجية، وننجح بإضافة سلسلة “جبال النفايات” إلى سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية، كانت في بلادنا مسالخ ومصانع. وفي مدننا مطاعم. وفي بيوتنا مطابخ. وفي مستشفياتنا بقايا بشرية… ومع ذلك لم تذكر الأزمنة القديمة خبراً عن أزمة نفايات!.

تذكر تلك الأزمنة، أن أجدادنا تمتعوا، وتمتعنا بعدهم، بهواء عليل. ومياه عذبة. وشواطئ فضية. وشوارع نظيفة. وأرصفة لا تستضيف غير المشاة.

أيامها، لم نسأل كيف حلّت على لبنان نعمة النظافة؟.

اليوم، ماذا حصل؟.

لماذا زلزلت الأرض بزبالتنا؟.

لماذا فرضت على كل دار، جيرة أكياس القمامة، وكيف تمددت الأكياس لسابع جار؟.

لماذا تتشابه روائح الهواء النازل من الجبل، بروائح الهواء الخارج من المطامر؟.

لماذا يسيل لعاب رزم فضلات البيوت والمطاعم على أرصفة الشوارع؟.

لماذا تتحرش الحشرات بأجسادنا، وتحشر نفسها في منازلنا؟.

أسئلة تستولد أسئلة. وأصعبها، لماذا وصل غيرنا إلى “صفر نفايات”، ونحن ما زلنا في “صفر حلول”؟.

والسؤال الأكثر استغراباً، كيف نصاب بهذه المصيبة، رغم أن اللبنانيين، بمعظمهم، “علماء” في تكنولوجيا البيئة النظيفة، باستثناء قلة من الأميين والجهلة؟.

لم يبق “عبقري” لم يطرح خطة للخلاص من معضلة النفايات.

لكن مشكلة “عباقرة الحلول” تكمن في أنه كلما تقدم “عالم” بحله السحري، يبطل “عالم” آخر مفعول السحر بقراءة تعويذات حماية المياه الجوفية، والمحافظة على الخصوصيات المناطقية، التي تخفي خلفها الخصوصيات المذهبية.

وهكذا تدور الزبالة بين “علماء” لبنان… إلى أن تنتهي في عالم المكبات العشوائية.

أما الحكومة المغلوبة على أمرها، فمشاريع حلولها عرضة لرشقات من اللاءات القاتلة.

منها لاءات “المتربص” بالحكومة نفسها. ومنها لاءات “فناص” المجتمع المدني. ومنها لاءات “قناص” عقود اللم والفرز. ومنها لاءات “المتربص” لتأجير أرض لهذا المطمر، بدل الأرض تلك.

ومع اشتداد حروب الزبالة، وتنوع جبهاتها وأهدافها، تتفاقم الأزمة، التي ينفرد بها لبنان دون سواه.

تؤكد دول العالم الثالث، بما فيها الدول الغارقة في حروبها الأهلية، أن “صفر نفايات” ليس سراً من أسرار الدول العظمى. وأنها استنسخت، بأقل التكاليف، حلول الآخرين.

إذاً، الأمر لا يحتاج إلى تدخل مجلس الأمن ليفرض، تحت البند السابع، حق لبنان في الحصول على خارطة الطريق إلى بيئة خالية من الزبالة.

ببساطة، يكفي التعاقد مع خبير من أي دولة نظفت نفسها من المزابل. على أن يضاف، إلى هذا التعاقد، قرار حكومي يتصف بالجدية والحسم والحزم… حينها تستطيع الحكومة أن تقول:

يا شعب لبنان العظيم… توتة توتة… خلصت الحدوتة.

 

وليد الحسيني

Advertisements

“الإبراء المستحيل”

walidوأخيراً، ختم الصبر بعدنا بالتلاقي. وتبيّن أن “البيك والمير” كانا يتبارزان بسيوف خشبية.

ويبقى السؤال المريب:

لماذا غاب جبران باسيل عن لقاء بعبدا الخماسي. مع أن المجتمعين يدركون جيداً، أن لا قيمة لمصالحة، لا يكون بطلها بطل مسلسل “الآتي أعظم”؟.

وهم يدركون أيضاً أن لا فائدة من مصافحة “المختارة” و”خلدة”، إذا لم تمتد إليها يد “ميرنا الشالوحي”، المتفرغة كلياً لشق طريق باسيل إلى “فخامة الكرسي”.

ترى، متى يعي العهد أن ارتكاب الأخطاء الكبرى، هو الذي يحوّل الرابح إلى خاسر، ويجعل الخاسر رابحاً.

لقد حقق “العونيون” أقصى أحلامهم. فازوا بالرئاسة الأولى. وبالكتلة النيابية الأكبر. وبالثلث الحكومي المعطّل. وبوزارة الوصاية على القضاء. وبخارجية تسير على هوى وزيرها، وأهواء تحالفاته… فتنأى بنفسها عن سياسة “النأي بالنفس”.

لقد حصل “التيار الوطني الحر”، على كل ما وعد نفسه به. وأخلّ بكل وعوده للبنانيين. حيث أن “العهد القوي” لم يقوَ على توفير بيئة بلا تلوث. ولا إقتصاد بلا فساد. ولا إدارة بلا رشوة. ولا ميزانية بلا ضرائب. ولا جمارك بلا تهريب. ولا معابر بلا مهربين. ولا مساواة بلا واسطة. ولا عدالة بلا ظلم. ولا قضاء بلا سياسة. ولا حريات بلا ملاحقة. ولا سفارات بلا طوابير مهاجرة. ولا سير بلا زحمة. ولا كهرباء بلا تقنين. ولا شوارع بلا زبالة. ولا شواطئ بلا مجارير. ولا مياه شفة بلا براز. ولا ليطاني بلا مكبات. ولا أغذية بلا مسرطنات. ولا دواء أرخص من دواء الموت.

لم يعرف التاريخ قبل لبنان، حاكماً يتساهل بإفشال حكمه. وبإطلاق الألسنة الفالتة، والأيدي الفاسدة، لإفساد سمعته.

يوم صار عون رئيساً للجمهورية، أجمع اللبنانيون على التفاؤل بالخير. لكنهم لم يجدوه، كما وعدهم القول العربي المعروف.

ماذا وجدوا إذاً؟.

وجدوا “تياراً” أدمن الفراغ كوسيلة لإبتزاز الدستور والتسوية.

وجدوا مقامات تستمع إلى مونولوج “بوس تيريز”، وشعباً يغني بمرارة “للصبر حدود”، بعد أن تجاوز صبره الطويل حدود “لعلّ وعسى”. ولولا بقايا من صبر سعد الحريري، لكان لبنان أقرّ واعترف بانهيار الدولة.

هذا كثير. فالبلاد ضاقت ذرعاً بمواقف تخفي عكس ما تعلن.

من لا يتذكر، أن الموقف القديم من اتفاق الطائف أدى إلى تصعيد القتال منعاً لتنفيذه. فكيف يقتنع اللبناني اليوم بأن ارتداء عباءة الطائف، لم يتم بهدف تحريفه وتعديله، انتقاماً للجرح القديم، الذي من الواضح أنه لم يلتئم؟.

ومن بين الكثير كذلك، ظاهرة تكذيب الحقائق. إلى درجة أن الحقيقة لا تصبح حقيقة، إلا إذا صدر تكذيب لها ، من وزراء تخصصوا بأكاذيب التكذيب.

رغم كل ما سبق، فإن اللبناني يحن إلى أحلامه الأولى في هذا العهد. لكن على ما يبدو أنه الحنين المستحيل… ربما لأن “عاطفة القربى” تجعل “الإبراء مستحيلا” أيضاً.

وليد الحسيني

لبنان السياسي… مدينة ملاهي

walidومن نكد الدنيا على الصحفي أن يسمع خطباً وتصريحات ما من الكتابة عنها بدُّ. وهكذا يفرض جبران باسيل نفسه خبراً ومقالاً وتحليلاً… فلعاجق لبنان “في كل عرس قرص”.

في آخر أعراسه الطائفية تناول “قرص” الدستور، ونزل في بنوده تفسيراً تفوّق فيه على مفسري الأحلام.

لقد رأى في منامه، أن المادة 95 من الدستور، تعطيه حق المناصفة في الوظائف بين المسلمين والمسيحيين. ولا ندري إذا كانت هذه المناصفة ستطمع يوماً ما بوظائف دار الفتوى والمحاكم الشرعية.

من تصريحاته المتدفقة، يمكن التأكيد على أنه ضليع في اللغة العربية… قراءة وفهماً. ومن المعروف أن الدستور كُتب بها. وأنه لم يُكتب بلغات متعددة المذاهب. ولم تشر المصادر إلى وجود دستور كتب “باللغة” الإسلامية وآخر “باللغة” المسيحية. وعلى هذا، فمن المستغرب أن تتحول المادة 95 إلى كرة قدم في “مونديال” بعبدا. فنصها ورد بكلمات لا تحتمل التبديل ولا التأويل.

يقول المشرع بحروف محترفة:

أنه في “المرحلة الإنتقالية”، (أي المرحلة التي تسبق إلغاء الطائفية السياسية)، تلغى قاعدة التمثيل الطائفي، ويعتمد الإختصاص والكفاءة في الوظائف العامة… باستثناء وظائف الفئة الأولى التي تكون مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

هذا هو النص… فهل يعي الباسيليون معنى “المرحلة الإنتقالية”؟. وهل يعون أنها تعني أن ما قبل إلغاء الطائفية لا مناصفة إلا في الفئة الأولى؟. وأن ما بعد إلغاء الطائفية، تلغى المناصفة من فوق إلى تحت.

يبدو أن باسيل، ومن وراءه أو أمامه، يقرأون في دستور ما قبل الطائف. مثلهم مثل من يشتري أوراق اليانصيب القديمة، طامحاً في كسب الجائزة الكبرى.

من المؤسف والمحزن أن يصبح لبنان “مدينة ملاهي” سياسية، تضم ألعاباً خطرة ومحظورة. ومن الطبيعي أن تكون شيمة الشعب اللبناني الرقص على حبال الخطر… ما دام رب البيت بالدف ضارباً.

ومما يدعو إلى أسف أكبر وأكثر حزناً، أن “الباش مهندس” باسيل لم يستفد من دراسته الهندسية في حياته السياسية، سوى من مادة “الهندسة الفراغية”. ففي منهجه لا يمكن نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ المناصب بفرض الفراغ.

والفراغ منهج أثبت فاعليته: من نيل مطلبه بكرسي الوزارة، إلى نيل عمه منصب الرئاسة، إلى تعديل قانون الإنتخابات، الذي ضمن له الخروج من قائمة مرشح راسب، إلى نائب ناجح بنسبة لا تنتسب إلى الديمقراطية.

ولأن “الجرة لا تسلم كما في كل مرة”، فإن اللجوء إلى الفراغ في تعطيل الحكومة، تلبية لتعليمات تستهدف زعامات تاريخية، وصلاحيات رئاسية، هو ليس هدراً للوقت إنه هدير يتجدد لبوسطة عين الرمانة… في وطن يمنع “مشروع ليلى” على المسرح، ويطلق “مشاريع مجنون ليلى” في طول البلاد وعرضها.

وليد الحسيني

دولة “جبران” الخواطر

walidفي البدايات، كانت الريح تجري بما تشتهي سفن العهد.

حتى الخصوم مدّوا إليه اليد.

منهم من آمن. ومنهم من هادن. ومنهم من داهن. ومنهم من فضّل الصمت.

لا يهم أين كان العهد وكنّا. الأهم أين أصبحنا… ومنذ مدة لم يصبح لبنان على خير.

لقد زادت الأثقال. وبات البلد ينتظر بقلق الساعة التي تحطّ فيها على ظهره الشعرة القاصمة.

لبنان اليوم “دولتان في دولة”. ومن باب الإحترام لـ “الوعد الصادق”، سنصدّق أن حزب الله لا يحكم لبنان. إذ من الطبيعي في “دولة الدولتين” أن يتقاسم الحكم “حاكم” و”متحكّم”.

وهذا يعني أنه إذا تعذر على حزب الله فرض كل ما يريد على الحكومة، فإنه من المتعذر على الحكومة أن تفرض ما يرفضه حزب الله.

وفي “البدايات” أيضاً، كان اللبناني يعتقد أن التيار الوطني الحر، يمشي عكس تيار الطائفية. إلى أن سقطت ورقة التوت العلمانية، وتعرّى التيار طائفياً على يد “حارس في غابة” أوقف التيار تعيينه، لأن التعيين يخل بـ “المعيار المسيحي”، الذي وضعه خادم الرعية نيافة البطرك جبران باسيل.

وهكذا “أصبحنا” على إهانة مجلسي الوزراء والنواب، بامتناع رئيس الجمهورية عن تصديق قانون الموازنة، الذي أنهك المجلسين درساً وتنقيباً عن مخارج لاستعصاءات مالية معقدة.

لقد جعلوا من الطائفية ممحاة مسحت النص الدستوري الذي حرر الوظائف الدنيا من المناصفة.

وإذا استمر التعنت بحجز الموازنة، فإن ممحاة الطائفية ستمحي سيدر وملياراته… وكأنك يا سعد الحرري ما غزيت.

ومن جملة “إصباحاتنا” الجديدة، التحرر من “عبودية” القضاء. وها هو العهد يقف بصلابة إلى جانب حرية المشتكي في اختيار القضاء، وربما القاضي. وقد تبلغ الحرية قمتها في إنتقاء الحكم وتحديد العقوبة.

إنها ظاهرة جديدة لا يمكن استيعابها بسهولة. فمحاكم الجنايات والجنح وُضعت، على ما يبدو، لمحاكمة النوع الرخيص من المجرمين. وهي بهذه الصفة لا تناسب أصحاب النفوذ والحمايات في “دولة الدولتين”… فكما لكل مقام مقال، فلكل مقام محكمة.

وهكذا “أصبحنا” على “المجلس العدلي”. وهكذا أصبح على لبنان إما أن يحيل إليه ملف الفتنة الأصغر، بانتظار أن يخرج عليه بالفتنة الأكبر، وإما أن يرفضه… فيستمر العمل بتعطيل حكومة “إلى العمل”. وعندئذ لا سيدر ولا موازنة و لا حل أزمة النفايات… وبالتالي لا مهرب من تحوّل لبنان واللبنانيين إلى ما يشبه مسلسل “أفواه وأرانب”. أي أزمات تستولد أزمات. ومجاعات تقود إلى مجاعات.

أما وقد “أصبحنا” على ما نحن عليه، يحق للمواطن أن يسأل:

كيف يمكن للعهد أن يعطّل حكومته، وهو الذي وعد بتسليم البلاد للرئيس المقبل بأحسن مما تسلمها؟.

والسؤال الأكثر إلحاحاً:

هل تقاس المسافة إلى سجن رومية بالكيلومترات، أم تقاس بالتحريض والعنصرية وتعطيل الدولة والتسبب في الخراب؟.

لا شك أن الطريق الثاني أقصر بكثير… لكنها مقطوعة من “الدولة المتحكمة”… وربما أيضاً من قبل “الدولة الحاكمة”… إذ لا بد من “جبران” الخواطر.

وليد الحسيني

أنظر حولك

walidلا يحتاج اللبناني إلى تفسيرات جهابذة السياسة والإقتصاد، ليفهم ما يجري في البلد.

يكفي أن ينظر حوله ليحل ألغاز القلق والخوف.

لو بدأ من الأعالي، لفهم أنه لولا عودة الروح إلى المقولة القديمة، “قوة لبنان في ضعفه”، لما أمكن تبرير وصف هذا العهد بـ “العهد القوي”. فبعودتها، وبمعاييرها، يكون هو العهد الأقوى، منذ أيام “الإنتداب” إلى أيام “الندب” هذه.

الإقتصاد في أضعف أزمنته… وفي أقوى أزماته.

الأمن “أوهن من بيت العنكبوت”، قبل “مبسوط” طرابلس و”قبرشمون” الجبل وبعدهما.

التعايش المشترك يعاني من إشتراكات مذهبية قاتلة.

الدستور طُمر، عن عمد، في مطامر الصلاحيات المتشابكة، والتشريع غير الشرعي.

القوانين مصابة بفقر دم التنفيذ.

الحرب على الفساد، يتولاها “دونكيشوتيون”، ما زالوا يطاردون، بذريعة “الإصلاح والتغيير”، طواحين الهواء.

رغم كل ما ورد من أمراض ووهن وضعف، ثمة من ينكر ويستكثر على العهد صفة القوي، وكأن مقولة “قوة لبنان في ضعفه” ليست تراثاً لبنانياً… يفرض على اللبنانيين إحياءه من حين لحين.

***

ننتقل إلى الأزمات المنتفخة بالعقد والنكد.

هناك أزمة متمادية إسمها الموازنة، تتأبط شراً إسمه “قطع الحساب”.

صحيح أنها خرجت أخيراً شبه سالمة من مجلس النواب، إلا أن ألسنة الحلفاء والخصوم الطويلة، ما زالت تتطاول على سمعتها.

ولا يُستبعد إستعدادها لشرشحة إقتصاد البلد مرة أخرى، عند قيام ساعة موازنة 2020.

ربما يترتب على سعد الحريري، ليتجنب التحامل والحملات، أن يلجأ إلى الغش. كأن يقدم للناس ونوابهم، ما يشبه ميزانية سويسرا. تماماً كما تقدم الصناعة الصينية في أسواق التقليد، ساعات مغشوشة تشبه الساعات السويسرية.

من السهل عليه إدخال “سوف” إلى لغة الأرقام، لتخدير اللبنانيين، وبالتالي المزايدة على النواب المزايدين.

لكنه، بالتأكيد، لن يفعل. فالبلاد تعاني من أمراض، لا يشفيها باعة الكلام. هي بحاجة إلى طبيب جراح. وعلى اللبنانيين تحمل آلام الجراحة.

***

ومن أزمة مقيمة وقديمة، ننتقل إلى أزمة مستجدة ومفتعلة، إذا لم تعالج بالسرعة الواجبة، فستفعل في لبنان ما لم ينجح الإرهاب في فعله.

لقد قضى إتفاق “معراب” بالمناصفة، في كل شيء، بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. إلا أن حصادة جبران باسيل حصدت النصفين.

القوات حاولت بعث الإتفاق وهو رميم. فورطت نفسها في تقاسم “العنصرية” مناصفة مع التيار. له قطع أعناق النازح السوري، ولها قطع أرزاق اللاجئ الفلسطيني.

فجأة استيقظ “المنتافسان” على تطبيق القانون المنسي. مع تناسي أنهما بالتنافس على ميدالية قمة “العنصرية”، يوقظان فتنة وطنية قد تدمي الوطن.

***

أيها اللبناني أسرع وانظر حولك قبل فوات الأوان… وقبل أن تخسر “الوطن الجنة” من أجل “تفاحة”… سيقضمها الفاسدون.

وليد الحسيني

“القدح والمدح” جريمة واحدة

walidنرى ونسمع ونقرأ، فنقتنع بلا تردد، بأن تجريم “القدح والذم” بالمطلق يتنافى مع مبدأ الدفاع عن النفس والوطن. فما يجري في البلاد، لا يمكن التعبير عنه، إلا بـ “قدحٍ” لهذا، و”ذمٍ” بذاك.

أساس العدالة يقوم على معاقبة المخطئ. وخطأ القائل أو الكاتب، أقل إيذاء من خطأ الفاعل أو الممارس.

ولأن القاضي، كما يقولون، يبني على الشيء مقتضاه، نسأل قانون المطبوعات:

بأي الكلمات نخاطب السارق والمرتشي والفاسد؟.

بأي لغة نصف جولات جبران باسيل على مقابر الحرب الأهلية، حاملاً حفارات تثير غباراً، أكثر مما تثيره حفارات فتوش؟.

ما هي الألفاظ المسموحة لإدانة الذين يعطلون إجتماعات مجلس الوزراء، في توقيت، ينطلق فيه الإقتصاد مسرعاً نحو الإنهيار والخراب الجماعي؟.

ما هي الجمل اللائقة للرد على العنصرية المتمادية ضد النازح السوري؟.

ما هو البديل عن “اللعنة” للحد من لعنة التقنين الكهربائي، وارتفاع جبال النفايات السوداء، إلى ما يكاد يستوي مع قمة “القرنة السوداء”؟.

كما نسأل، عما إذا كان القول المهذب كافياً لردع التيار الحر عن أكل حقوق المسيحيين، الأخضر منها واليابس؟.

وترى، هل تسمح قوة قانون المطبوعات والقوى الخارجة عن القانون، بالإعتراض الصارخ على عرض لبنان كسجادة إيرانية، تحت حجة أنها سجادة للصلاة في المسجد الأقصى؟.

لكل ما ذكر، ولم يذكر، لا مفر من البحث عن أقسى الكلام، علّه يردع من قست ضمائرهم الوطنية.

في المقابل، وفي إطار تحقيق العدالة، لا يجوز للقانون أن يكيل بمكيالين.

فجريمة “القدح”، مهما بلغت بذاءته، أقل ضرراً من جريمة “المدح” المغشوش. والإطراء الفادح، أكثر فداحة من “الذم” الفاحش.

تختلف التعابير، لكن الجريمة واحدة. وربما كان نفاق المدّاحين، وإطراء القوّالين، أشد فتكاً، وأدعى إلى تحرك النيابات العامة، حتى بلا إخبار… وبلا من يخبّر.

لو أمعن القانون في أسباب تنامي الفساد والنهب والتحرش بالفتن، لوجد أن “المديح” هو الذي يشجع الخطّائين على ارتكاب الخطايا. وأن “الإطراء” هو الذي يغري أولي الأمر على سلوك دروب الغواية.

والمصيبة، التي لم يلحظها المشرع، ولن يلحظها أبداً، أن لـ “المديح والإطراء” مروّجين يحتلون الشاشات والمانشيتات، وهم أخطر على المجتمع من مروّجي المخدرات الذين يملأون سجن رومية.

إنهم خبراء في تزوير الحقائق السياسية. وفي تبرير، ما يستحيل تبريره. وفي تحليل الحرام، وتبرئة الحرامي.

صحيح أنهم صنيعة الفساد، لكنهم المصنع الذي ينتج الفاسدين.

في عام 1949 كتب الروائي يوسف السباعي رواية “أرض النفاق”. وكأنه يكتب عن لبنان في عام 2019. فالنفاق هو الأخطبوط الذي يشكل “المديح والإطراء” بعض أذرعه القاتلة.

لقد وصل النفاق مثلاً بوزير “السلالم” إلى اعتبار الرئيس عون نسخة عن شارل ديغول، محرر فرنسا من النازية.

وزير آخر، غادر منصبه الوزاري، وانتحل صفة الإعلامي، وحلّ ضيفاً، بدوام كامل، متنقلاً بلا ملل، بين مختلف التلفزيونات كمحلل محترف… ومحرّف.

آخر عبقريات هذا الوزير “المبرراتي” تبرير مواكبة الحرس الجمهوري، لمواكب جبران باسيل الإستعراضية، بحجة أن هذا حقه فهو صهر الرئيس… وبذلك أفحم اللبنانيين بأفخم أنواع “المنطق”.

إذاً، وبالمقارنة، فقد غلبت جرائم “المدح والإطراء”، الفالتة من الملاحقة القانونية، جرائم “القدح والذم” الواقفة في طوابير محاكم المطبوعات، ومخافر جرائم المعلوماتية.

لا شك بأن هذا الخلل التشريعي الخطير، يؤكد أن لبنان هو الطبعة الأخيرة والمنقحة والمضافة من كتاب “أليس في بلاد العجائب”.

وليد الحسيني

فخامة المعالي

walidتعددت الأسباب والمسبب واحد. فجبران باسيل يتصدر قائمة الشخصيات السياسية الأكثر تداولاً… ربما لأنه “يكمن في التفاصيل”. فهو الحاضر بقوة في أغلب الأزمات، والمصدر الأغزر لأخطر التداعيات.

لقد نجح “فخامة المعالي” في فرض، تصريحاته النافرة وتحركاته المستنفرة والمستنكرة، على اللبنانيين عامة وعالم الإعلام خاصة.

يستغل بمهارة “حرية التعبير”، التي قد تتحول إلى جريمة إذا لم تمارس مع “أدب التعبير”.

هو يعرف أن حادثة الجبل شكلت منشطاً مخيفاً للفتنة.

هو يعرف، لكنه لا يعترف، بأن من حاول إيقاظ الفتنة، تدلّ عليه التصريحات المستفزة، وغرور “أغرار” السياسة.

لا أحد ينكر حق جبران باسيل في أن يسلك الدرب الذي يوصله إلى قصر بعبدا. لكن ليس كل من سار على الدرب وصل. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. إلا أن باسيل قرر أن يبدأ مسيرة الخطوة بسرعة الألف الميل.

الرجل لم يدرك خطر سرعته الجنونية هذه. خصوصاً وأنه لا يتكل على ساقيه، بل يسرع متكئاً على عكازتي القربى من سيد العهد… والتقرب من سيد المقاومة.

إنه يقتحم المناطق اللبنانية بأقدام مستعارة. وهي ليست إستعارته الوحيدة. فهو أيضاً يتكئ على شعبية مستعارة، من نفوذ يتجاهل دورة دولاب الزمن، وتبدّل الأيام من يوم لك إلى يوم عليك.

وعلى ما يبدو، فإن التواضع تهمة لا تليق بطموحات صهر العهد الحالي، وممني النفس بالعهد التالي. ليصبح، كشبوب بعبدا، “خي الكل” بعد أن سادت وتحكمت بالبلاد نظرية “بي الكل”.

وبما أن ثمة ما هو مشترك بين بلدة الحدث وما حدث في قبر شمون، نسأل فخامة المعالي:

هل شخير “المستأجر” المسلم يستفز مسيحيي الحدث ويقوّض خصوصيتهم، في حين “تملك” المكاتب البرتقالية، وهتافات محازبيها، ورفع راياتها، وحمايتها بالدشم والمسلحين… لا يستفز ولا يقوّض خصوصية دروز الجبل وشيعة البقاع وموارنة الشمال وسنة طرابلس وعكار؟.

كثيرة هي علامات الإستفهام والتعجب، التي ترافق “فتوحات باسيل” اللبنانية.

ترى لماذا يستقوي علينا بذاكرة، تفتح من جديد ذاكرة الحرب الأهلية؟.

ترى لماذا، وهو المؤمن، ينطلق بجولاته “التوحيدية”، ومن خلفه وأمامه وإلى جانبه، مرافقات عسكرية حاشدة من جنود وملالات ودبابات؟.

ترى لماذا يتمسك بحرية التنقل في مدن لبنان وقراه، وكأنه ذاهب إلى بعلبك لتناول “الصفيحة البعلبكية”. أو إلى زغرتا لتذوق “الكبة الزغرتاوية”. أو إلى بشري لزيارة متحف جبران خليل جبران. أو إلى طرابلس لأكل “حلاوة الجبن الطرابلسية”، أو… أو؟.

ألا يدرك أن تنقلاته غالباً ما تنقل التعايش المشترك، إلى أحقاد سادت ثم بادت؟.

نعود ونسأل:

ترى من أقنعه بأنه يدافع عن العهد بتفوقه على خصوم العهد بتشويه سمعته والإساءة إليه؟.

ترى من يشجع “الوزير الشجاع” على النفخ في النار؟.

ألا يدري أن لعبة الموت قد تبدأ في أي لحظة ينفجر فيها الخلاف الأميركي – الإيراني؟… حيث تخطط إيران لحرب لبنانية – إسرائيلية تشغل أميركا عن الخليج والنووي الإيراني، وتدفع بترامب إلى التفرغ لجنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة لإثبات صهيونيته التي لا شك فيها.

إن حب لبنان أيها “الوزير العاشق” لا يكون بتملك حزبك للبنان.

إقنع بما هو لك وله.

توقف عن قراءة الجغرافيا اللبنانية بشراهة من يسأل:

لماذا ليس لي هذا؟.

 

وليد الحسيني