بينما

عند الكتابة، وعند القول والحديث والكلام، يكثر استعمالنا لأدوات ظرفية زمانية ومكانية وغيرها من المفردات، مثل: طالما، عندما، حينما، إنما، بينما، ربما… الى آخر هذه السلسلة من المتكآت الضرورية ليستقيم معها التعبير.

خلال اشتداد وطيس الحرب اللبنانية في السبعينيات من القرن الماضي، ترك صديقنا الصحفي الأستاذ «ابراهيم سلامة» لبنان الى فرنسا، وذلك حفاظاً على «سلامته» من القصف العشوائي، ومن الخطف، الذي كانت أسبابه متعددة ومتنوعة.

في أحد الأيام التقينا في باريس فسألته: ألم تفكر بالعودة الى بيروت ولو لمجرد زيارة؟ أجابني بأسلوبه الساخر وتهكمه المزمن على كل شيء ومن كل شيء: أنا لا أرغب في العودة، لأنني أكره مفردة «بينما»! وذلك عندما تُكتب او عندما تُلفظ، فأنا لا أريد أن يقرأ أحد في الصحف خبراً يقول… بينما كان ابراهيم سلامة يمشي على الرصيف في شارع الحمرا في بيروت، سقطَت قذيفة مدفعية أَوْدَتْ بحياته وحياة العديد من المواطنين، وأدَّت الى دمار هائل في الممتلكات…!! هذه «البينما» اللعينة يا صديقي لا أُطيقها ولا أستسيغ سماعها… لذلك غادرت، لأنني لست طرفاً في موضوع الحرب، ولست مؤهلاً أن أصبح مقاتلاً – أقاتل من؟ – فهل أبقى في بيروت كرمى للذين سيكتبون تلك «البينما»؟ لذا فإنني سأقترح على المجمع اللغوي أن يمحو هذه «البينما» من اللغة!!

قلت له باسماً: وهل ستحل المشكلة في حال ألغى المجمع «البينما»، ووضع مكانها «عندما»؟ أجابني متهكماً: إنك بهذا الرأي الحصيف كمن يستبدل قذيفة من عيار 150 ملم بقذيفة عيار 175 ملم!! فهل تعلم أن الضحايا الأبرياء الذي سقطوا في الحرب اللبنانية للآن كان نصفهم قد قتل تحت عنوان «بينما»، والنصف الآخر تحت عنوان «عندما»!! ثم أنه لا حاجة ولا ضرورة يا صديقي أن أذكِّرك وأروي لك ما حَصَلَ وَوَقَع من ضحايا «قبلما» و«بعدما»!!

لم أستطع أن أجاري صديقي ابراهيم في النقاش، والذي سارع وانتقل بالحديث الى موضوع آخر، ولكنه على صلة بما بدأه من تفسيرات وتأويلات حول تلك الصيغ والمفردات الآنفة الذكر فقال: إن صديقنا فلان الفلاني مثلاً، وعندما تسأله رأيه عن كاتب أو ناقد أو شاعر، أو حتى عن شخص عادي، فإنه يسهب ويسترسل في كيل المديح عليه وبشكل مطوَّل، ثم يُنهي رأيه بمفردة «إنَّما»! وهي بمعنى «لكن» أو «لولا»!! لينسف كلياً كل ما قاله عنه من ايجابيات، ولهذا فقد أطلقتُ عليه لقب «الأستاذ إنما»!!

وهكذا، يا صديقي فنحن «أينما» تجوّلنا، و«حيثما» وُجدنا، فاننا نواجه المآسي والمشاكل ونعاني من نتائج تداعياتها على صعيد الأفراد وكذلك الجماعات، قلت له: بالنتيجة… أيمتى ستعود الى لبنان؟ أجاب: «ريثما» يعي كل اللبنانيين بعض بديهيات الحقيقة! قلت له: وهل وقتذاك ستعود؟ أجاب باسماً: ربَّما…!!

غازي قهوجي

E-Mail: kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s