ميقاتي الاستقالة المشبوهة

هل يعود ميقاتي

هل يعود ميقاتي


كتب المحرر السياسي

من حق نجيب ميقاتي التصرف وفق القول الشعبي “ليس في الميدان سوى حديدان”. وهو عندما قدم استقالته، كان يراهن على أنه حديدان، الذي لن يجد حزب الله والتيار العوني، في ميدانهما المشترك، سواه كمرشح لرئاسة الحكومة. خصوصاً، وهو المدرك، أن اسمه هو الاسم الوحيد، الذي يمكن أن يجذب وليد جنبلاط وكتلته الى الأكثرية المتأرجحة، التي يسعى الى تثبيتها تحالف حزب الله والتيار العوني. وهو المدرك أيضاً أن كتلة الرئيس بري تفضله على الآخرين من الشخصيات السنية، باعتباره من المدمنين على زيارة عين التينة، والأخذ بنصائحها، والعمل على تحقيق مصالحها.

ومن ضمن المزايا، التي جعلت منه “حديدان” ميدان السرايا، أي المرشح  الوحيد القادر على الفوز بالاستشارات النيابية الملزمة، أنه مطواع، ويملك من الوجوه المتعددة ما يعينه على ادعاء الوسطية بين مختلفين. بالاضافة الى خبرته الطويلة في إغداق الوعود كمفتاح مغشوش للأزمات المستعصية.

إذاً، لماذا استقال وهو الذي يخطط للعودة؟.

عندما نمعن بالأسباب والنتائج، نجد أنه، وحلفاءه، اصطادوا عصافير كثيرة، بحجر الاستقالة المسرحية.

ولن نلجأ الى ترتيب أهميتها عند استعراض بعضها، فما هو أكثر أهمية لميقاتي قد لا يكون مهماً لشركائه في الحكم، وما هو أكثر أهمية لحلفائه في الأكثرية، قد لا يكون له الأولوية عند محرك عاصفة الاستقالة. وهي عاصفة سياسية كان يحتاج إليها لبنان، لتجنب عاصفة أمنية كان يخاف منها اللبنانيون.

على هذا الأساس، يمكن تصنيف أسباب الاستقالة ونتائجها الى ما هو خاص بميقاتي، وإلى ما هو عام.

من الاسباب الشخصية، اكتشاف الرئيس المستقيل، أن ثروته المالية الكبيرة، لم تنجح في منع افلاسه الشعبي في طرابلس. وظن أنه باستقالته الاحتجاجية على عدم التمديد للواء أشرف ريفي، يداعب عواطف الطرابلسيين تجاه هذه الشخصية الأمنية الطرابلسية، وأنه بذلك يستطيع أن يغرف من شعبية ريفي لتعويم شعبيته المتراجعة.

ومنها أيضاً، أن الاستقالة قد حمته من التورط في إقالة المفتي محمد رشيد قباني، فنأى بذلك عن اغضاب حزب الله من جهة، وعن تقديم خدمة مجانية لتيار المستقبل من جهة أخرى. محافظاً على علاقاته مع دار الفتوى، وعلى عدم كسب عداء المجلس الشرعي الأعلى.

وثالثها اعتقاده أن السعودية ستسجل له الاستقالة في سجل “حسناته”، وكأن الرياض لا تفرق بين الجدية في العمل السياسي، والأداء المسرحي المكشوف.

ورابعها اضفاء الصدقية على مواقفه السياسية، وأنه الآن يؤكد للبنانيين صدق إعلانه عدم تمسكه بالكرسي، وهم الذين يعرفون جيداً تمسكه بالعودة الى الكرسي، مهما كانت التنازلات لحزب الله والتيار العوني. وأن الاستقالة مجرد مناورة، لإزالة ما تراكم من أخطاء في مجلس الوزراء، وبالتالي اجراء  عملية غسيل وتشحيم لحكومة يقودها الى أخطاء جديدة.

وخامسها الهروب من تحويل الميزانية الى مجلس النواب، وهي التي تزخر بالضرائب، وتنذر بغضب شعبي، ينمّي موجة العداء  لميقاتي في طول البلاد وعرضها.

أما مكاسب حلفاء ميقاتي من الاستقالة المشبوهة، فهي أيضاً عديدة. وربما كان أولها ادخال المؤسسات الدستورية في فراغ يبقي الحال على ما هو عليه. أي بقاء الحكومة المستقيلة في الحكم، حتى ولو كان ذلك من باب تصريف الأعمال، أو إعادة تكليف ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة، تقل فيها الخلافات الداخلية وتزداد فيها المخالفات المالية والقانونية.

ومن مكاسب حلفاء الحكم، وضع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بين خيارين: إما العودة الكاملة لبيت طاعة حزب الله، أو تعطيل دوره، كما حصل للرئيس السابق إميل لحود في عهد حكومة السنيورة. ووسيلتهم الى ذلك إما الابقاء على حكومة تصريف الأعمال التي لا قرار له فيها، أو بتشكيل حكومة ميقاتية لا حصة له فيها. وهذا يقتضي بالطبع فك الحماية، التي كان يتمتع بها الرئيس عبر وسطية جنبلاط وميقاتي. وهي وسطية يمكن تحويلها بسهولة الى وسطية شكلية، طالما أن جنبلاط ما زال يعيش مخاوف كسر الجرة مع حزب الله، وطالما أن ميقاتي، لا طريق له للخروج من عزلته السياسية، بعد أن رفضته قوى 14 آذار، إلا بالخضوع لشروط قوى 8 آذار.

إن تهديد قوى 8 آذار للرئيس سليمان من مصير لحود في آخر أيام حكمه، لا يهدف الى اخضاعه كلياً لسياسة الأكثرية القسرية، وإنما يهدف  الى فرض التمديد للمجلس الحالي. خصوصاً وأن الرئيس قد كشف علناً عن تشدده في حماية الاستحقاقات الدستورية، وعن أنه لن يوقع أي قانون يصدره مجلس النواب سواء بالتأجيل أو بالتمديد.

هذا يعني أن قوى 8 آذار لن تتوانى عن استعمال كل اشكال الضغوط المعنوية والسياسية، وربما الأمنية، لإجبار الرئيس على الموافقة على منع اجراء الانتخابات، إلا إذا كانت وفق القانون الأرثوذكسي، الذي يضمن لها أكثرية، تحررها من تبادل المسايرات بينها وبين وليد جنبلاط.

ومما يزيد في اصرار قوى 8 آذار، على الضغط على الرئيس سليمان، ظهور مؤشرات جدية على احياء قانون الستين، وبالتالي، فرضه كأمر واقع. وهذا أمر لن تقبله الأكثرية الحاكمة، حتى ولو اضطرت الى رفضه بافتعال أحداث أمنية.

وما يقلق قوى 8 آذار، هو موقف رئيس الجمهورية وإعلان وليد جنبلاط عن تقديم مرشحيه وفق قانون الستين. أما موقف ميقاتي، المتعاطف فعلاً مع مواقف حليفيه، سليمان وجنبلاط، فهو أضعف من أن يعلن انحيازه لهما، لأن بقاءه على وجه السحارة السياسية، يلزمه الانصياع لسياسة حزب الله وعون، فمن دونهما يصبح حضوره السياسي نسياً منسياً.

وإذا كان من السهل اذعان ميقاتي وترويض جنبلاط، فإن العقدة المستعصية على قوى 8 آذار تبقى متمثلة في رئيس الجمهورية، الذي لا يعيش هواجس جنبلاط، ولا يشارك ميقاتي في ضعفه.

إذاً ينحصر البحث عن الوسائل الكفيلة باستعادة العماد ميشال سليمان… والخشية أن يكون “الكي” هو آخر دواء لتحقيق ذلك… و”كي” 7 أيار ما زال حياً في الذاكرة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s