“سكورسيزي “يبحث” عن الله بـ”صمت

للمرة الرابعة، طوال ما يُقارب ربع القرن، يعلن المخرج مارتن سكورسيزي رغبته في تحويل رواية «صمت»، للكاتب الياباني «شو ساكو إندو»، إلى فيلم سينمائي، ليكون عَمله المقبل. الأمر لا يتعلَّق فَقَط بالقيمة الأدبية والدرامية الرَّفيعة للرواية، بقدر ما تتماشى به مع هواجس سكورسيزي ومخاوفه وأفكاره وبحثه الدائم عن راحة روحه.

لا يَعلم الكثيرون أن سكورسيزي خاض تجربة محاولة انتحار عام 1978، السبب الظاهري لها كان فشل فيلمه “نيويورك نيويورك” الذي أنتج قبلها بعام، ولكن السبب الأهم والأكبر كان ما وصفه لاحقاً بـ«خوائه الروحي» و«أن يمر عليك ذلك الوقت، وتَشعر بذلك الأمر، لا ترى الله أو تجد أي مَعنى لما تفعله، أو للعالم ككل». حينها، جاء إليه روبرت دي نيرو في المستشفى، معه نسخة من السيرة الذاتية للمُلاكم «جيك لاموتا»، قائلا له «هيا بنا نفعلها».

فيلم «الثور الهائج – Raging Bull» عام 1980 كان انعتاقاً عظيماً لروح الرجل، أخرج به جانباً كبيراً من عقده وطاقة الغضب التي تملؤه، ليستطيع استكشاف نفسه بصورة أفضل، وأن يسأل، ويبدأ في البحث عن الله.

ما تحقق بعدها بثماني سنوات هو إنجاز سكورسيزي لملحمته «الإغواء الأخير للمسيح – The Last Temptation of the C

سكورسيزي

سكورسيزي

hrist»، عن رواية اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكيس، مقدماً فيها صورة بشرية صادمة للمسيح وسيرته، تُطلق العنان لكل الهواجس والأفكار الملتبسة حول الدين وحول الله.

وقتها، كان من المفترض أن تكون رواية «صمت» هي العمل التالي لسكورسيزي، ويكمل بها أسئلته وأفكاره، لكن العاصفة الهجومية التي استقبل بها فيلمه من قبل الكنيسة والجماهير المُتديّنة بشكل عام دَفعت شركات الإنتاج إلى العزوف عن إنتاج فيلمه هذا، لتصبح الرواية هي الحُلم الضال الذي لاحقه سكورسيزي طوال 25عاماً.

شو ساكو إندو شارك سكورسيزي الكثير من أسئلته ومُحاولته للبحث، في الرواية التي كتبها عام 1966، وتعد من أهم مُنجزات الأدب الياباني في القرن العشرين، وتتناول قصة ارتداد مُبشر برتغالي عن المسيحية بعد قدومه إلى اليابان في عصورِ الاضطهاد الوسطى، مُنضماً إلى الديانة البوذية، ما يدفع الكنيسة الأم إلى إرسال ثلاثة رُهبان من تلامذته إلى البلاد الآسيوية البعيدة، من أجل التأكد من الخبر ومعرفة أسبابه، ومحاولة إقناع المُبشّر بالعودة.

تِلك الرحلة ستحمل الكثير من المخاطر للرهبان، ليس فقط لمطاردة اليابانيين لهم في وقت كراهية للمسيحيين والكاثوليكية، ولكن الأهم أنهم سيواجهون أسئلة كبرى روحية وعقائدية، يحاولون التوصل إلى إجاباتها، تماماً كما يفعل إندو وسكورسيزي.

إذن، لدى سكورسيزي سببان كبيران للافتتان بتلك الرواية ومُطاردتها طوال عقدين ونصف. الأول يتعلق بأن تلك هي أسئلته وهواجسه هو نفسه، وكما حرره «الثور الهائج» قبل عقود من غضبه، فإن عملاً سينمائياً آخر قد يصل به إلى بعض السكون يُمكنه أن يجد الله هُناك، في اليابان، وأثناء صناعة هذا الفيلم تحديداً.  والثاني هو أن تلك هي نوعية القصص التي يفضلها الرجل دوماً، الأشخاص الذين يتعرضون لضغوط نفسية أو جسدية، يبحثون عن أنفسهم، ويتغيرون كثيراً أثناء خوضهم «الرحلة»، وهي ميزة موجودة في «لاموتا» و«ترافيس بيكل» و«هنري هيل» و«بيلي كوستيجان» و«هوارد هيوز» وكل الشخصيات في أفلام سكورسيزي الكبرى بلا استثناء.

لقد أراد أن ينفذ الفيلم عام 1989، ثم مرة أخرى بعد حصوله على الأوسكار عام 2006، ومرةً ثالثة عام 2010، لكن مشاكل وضغوطات وأعمال أخرى كانت تبعده عن تحقيق حلمه … «الصمت»، الذي يتوقع أن يصدره سكورسيزي في 2014 أو 2015 على الأكثر.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s