خطة “عدم الإزعاج”: سياسة أميركية – اسرائيلية لاستنزاف المعارضة والنظام

كتب كريم الخطيب: 

“من الأفضل لإسرائيل أن تواصل الأطراف الاقتتال في سوريا وتستنزف نفسها، ويجب تركها هكذا من دون إزعاج”.  اقتراح قدمه أحد قادة أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لحكومته، ويبدو أنه لقي أصداءً إيجابية في مختلف عواصم القرار الغربية، مما يتماشى مع “الخطة المشوشة” التي تعتمدها واشنطن في سوريا.

مسلح في وسط أحياء حلب

مسلح في وسط أحياء حلب

لم يمنع تلويح إسرائيل بمطرقة الكيميائي السوري وسندان النووي الإيراني، الولايات المتحدة من التريث وعدم الانجرار إلى سياسات تخرق سقف التفاهمات مع روسيا في معالجة ملفات المنطقة الساخنة.

فاللعب الإسرائيلي بين “الخطوط الحمر” السورية والإيرانية لتحريض الغرب على اعتماد الخيارات العسكرية، لا يكفي في ظل غياب القرار الدولي بحرب إقليمية مكلفة تتعدى الساحة السورية إلى ساحات أخرى.

هنا تؤكد مصادر إعلامية أميركية لـ”الكفاح العربي” أن واشنطن تراقب عن كثب مخزون سوريا الكيميائي منذ أشهر، كاشفة عن معلومات “شبه رسمية” تتناقلها الإدارة الأميركية همساً، حول وجود خبراء تابعين لوكالات أوروبية “محايدة” متخصصة في مراقبة أسلحة الدمار الشامل، يعملون على الأرض السورية للتأكد من سلامة هذه الأسلحة وتحييدها عن الصراع العسكري.

لكن سياسة “التردد” الأميركي حيال سوريا، تحكمها معادلات أخرى غير ملف الأسلحة الكيميائية.  فعودة واشنطن إلى استخدام «بيان جنيف» في أدبياتها أخيراً، يغلّب الرؤية الروسية الداعية إلى حلّ سلمي في سوريا، بعد الانتكاسات السياسية التي أصابت المعارضة السورية.

كما يظهر التردد الأميركي في تخبط المواقف بين كبار قادة ومسؤولي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بخصوص تسليح المعارضة السورية.  ففيما يؤكد وزير الدفاع تشاك هاغل إلى أن البنتاغون يتحرّك صوب منح الإمدادات الدوائية والغذائية للمعارضة، يحذر الجنرال مارتن ديمبسي أن الانخراط بشكل أكبر في سوريا سينطوي على العديد من المخاطر، وأن الموقف هناك بات أكثر إرباكًا، في الوقت الذي يشيد فيه وزير الخارجية جون كيري بالدور الإيجابي الذي لعبته عمليات تسليم الأسلحة في تعزيز “المقاومة السورية”.

إذاً، تتعامل الولايات المتحدة مع الملف السوري وفق “خطة مشوّشة”، يبررها روبرت فورد السفير الأميركي لدى سوريا بوجود قوى عسكرية متشددة مرتبطة بـ”القاعدة”. ويقول فورد: “هناك منافسة حقيقية بين المتشددين والمعتدلين”، ومن بين تلك الجماعات المتشددة “جبهة النصرة”، التي أعلنت أخيرًا أنها ستعمل تحت قيادة موحّدة مع “القاعدة” في العراق.  هذا وتهيمن الجماعة بالفعل على مدن ومنشآت حيوية في شمال شرق سوريا، وتنشط في 13 من أصل 14 محافظة، مما دفع بجون برينان، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية ، إلى القول: “تنتابني حالة من القلق بشأن تجزؤ البلاد، لأن ذلك يسمح لجماعات بعينها، مثل جبهة النصرة، بكسب أرضية، حيث تمتلك أجندات داخل سوريا، وربما خارجها، وأنا أرى من وجهة نظري أنها مناوئة لمصالح الأمن القومي الأميركي”.

بين السيء والأسوأ

وفي غياب الخطة الأميركية حيال سوريا، يحاول الباحث في «معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية» أنطوني كوردسمان، أن يبيّن «أفضل الخيارات السيئة» التي يمكن لواشنطن انتهاجها، في تقرير مطول نستعرض أبرز ما جاء فيه:

–         مهما حصل، فإن الحرب الأهليّة قد عمّقت الانقسام بين السنة والعلويين والأكراد والأقليات السورية الأخرى، وهي تحتاج إلى عقود أو أكثر للسيطرة على مشاعر الغضب والحقد الطائفية.  فقد امتدت الحرب إلى لبنان والعراق ممهدة لصراعات طائفية في البلدين. والأسوأ، أن الحرب ارتبطت بحرب طائفية داخل الإسلام نفسه، بين السنّة والشيعة، وبين المتطرفين والمعتدلين، على امتداد العالم الإسلامي. وقد سمحت كذلك بالتدخل القطري والسعودي والتركي والأردني والإماراتي، على شكل أموال وأسلحة وتدريب، بغطاء أميركي وبريطاني وفرنسي. في وقت دعمت روسيا والصين وإيران والعراق النظام.

–         كل هذه الضغوط والانقسامات الحالية والمستقبلية داخل المعارضة السورية، تعني أنه ليس هناك من جانب جيّد للذهاب باتجاهه. صورة الوحدة ليست حقيقية، وهذا يعني عدم القدرة على تكهن حجم الانقسامات في سوريا في حال سقوط النظام، ومن سيصل إلى السلطة وكيف سيصل، ناهيك بقدرته على تحقيق الاستقرار.

–         ما سبق يجبر أميركا على الاختيار بين «الخيارات السيئة» في سبيل إيجاد بدائل أفضل. تستطيع أميركا أن تحلم بتشكيل أو التأثير في مرحلة ما بعد الأسد مع الوقت، لكن ليس هناك من «نهاية» متوقعة، وعليه فإن نفوذ أميركا سيبقى محدوداً بغض النظر عن حجم التدخل الذي تدعمه. وهذا يبرّر جزئياً عمل أميركا مع دول الخليج والأردن وتركيا، ودعم إسرائيل في وجه «حزب الله» وإيران، ويفسّر ما نقلته كل من «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» عن تدريب ودعم المعارضين المعتدلين في وجه الجهاديين، في المجال العسكري وفي التعرّف الى آليات الحكم وإدارة البلاد والإصلاحات الاقتصادية. وبرغم التقارير تحافظ أميركا على ما يشبه «الإنكار العقلاني» في هذه العملية.  لكن يبدو واضحاً أن الجهد الأميركي الحالي لا يمكنه ضمان أي نهاية سريعة للأسوأ في النزاع أو أن يضع حداً لنظام الأسد في وقت محدّد. ففي النهاية، ما حققته المعارضة من مكاسب لغاية الآن ما زال محدوداً للغاية، بطيئاً للغاية، ومشتتاً للغاية داخل سوريا وعلى صعيد المنطقة بأكملها. وفي هذه اللحظة، قد يأتي أي «انتصار» للمعارضة في خانة الهزيمة الاستراتيجية.

–         الطريقة الأسرع والأكثر فعالية قد تكون بالسماح للحلفاء الإقليميين بمدّ المعارضين، المعتدلين منهم، بالسلاح الجوي. وهذا قد يمنع النظام من استخدام جنود ومروحيات، كما يحدّ من قدرته على التحرك في المناطق المأهولة، حيث ستكون الآليات العسكرية مضطرة للوقوف على مدى قصير. وإن ترافقت هذه الخطوة مع إرسال قوات دعم خاصة، ليس بالضرورة أن تكون أميركية، كي تحرص على تسليم السلاح إلى المعارضين «الأفضل»، كي تضمن عدم انقلاب أفعالها عليها أو على حلفائها.

–         الخيار الثاني هو العمل مع تركيا والأردن لتأمين نوع من الملاذات المحدودة لاستخدامها كمساحة لإطلاق الصواريخ مثل الباتريوت والطلب من إسرائيل تأمين مثل هذه التغطية لناحية الجولان. ولكن لا بدّ من توخي الحذر في مثل هذا الخيار، فهو لا يوحي بالقدرة على أكثر من خلق ملاذات غير آمنة او مراكز للنازحين بالقرب من الحدود التركية والأردنية والإسرائيلية. كما أنه قد يخلق مناطق مذهبية أو إثنية أو يعزّز الانقسامات داخل المعارضة. وفي المقابل، قد تدفع هذه الخطوة النظام باتجاه ردود فعل انتقاميّة ضدّ هذه «الملاذات». ومع ذلك، يمكن أن تأخذ أميركا هذه الخيارات بعين الاعتبار في المرحلة المقبلة مع تدهور الصراع وتوسع قبضة المعارضة.

–         أما الخيار العسكري الأخير فهو لجوء أميركا إلى الضربات الجوية لتدمير المفاصل الحيوية للقوات السورية والنظام السوري. هذا الخيار يقتضي مراجعة قواعد تركيا والأردن، ولا يمكن فيه الاعتماد على إسرائيل لأن ذلك سيثير رد الفعل العربي ويهدّد امن إسرائيل المستقبلي. ويبقى أن هذا الخيار قد يعتبر فعل حرب ما لم يحظ بموافقة مجلس الأمن والأمم المتحدة، وهي موافقة غير مرجحة في المرحلة الحالية، كما سيصعّد التوتر مع إيران وروسيا إلى مراحل متقدمة ويخلق مشاكل مع لبنان والعراق.

–         وفي النهاية، يجدر بالولايات المتحدة أن تنتبه إلى أنه في حال لم يكن العراق وأفغانستان كافيين، فسوريا هي دليل آخر على أنه سيكون ضرباً من الخيال الاعتقاد أن سقوط الاستبداد سيجرّ إلى نظام ديموقراطي وتطور اقتصادي. الفصائل التي تحارب في سوريا بعنف وخلفية مؤامراتية ومن دون أي خبرة عملية في السياسة أو الاقتصاد.. العديد منها سوف يحوّل السياسة إلى رياضة دم لسنوات عدة قادمة ما بعد الأسد. أما الولايات المتحدة فستظل بمواجهة لائحة «أفضل الخيارات السيئة» لفترة طويلة في مستقبل سوريا.

المغامرة الأردنية

وسط هذه الخيارات الأميركية بين السيء والأسوأ، بات واضحاً أن الأردن يحاول التواؤم مع أدوار إقليمية ودولية يتم اقتراحها عليه، أو تحديدها له، وأن الأمر يتعدى مجرد لعب  دور المضيف الحدودي لحركة اللاجئين السوريين، إلى مناقشة (وربما تقديم) المساهمة الأردنية في ثلاثة اتجاهات هي: تدريب مجموعات مسلحة مرتبطة بمخططات الولايات المتحدة وحلفائها حول سوريا، وطبيعة المشاركة الأردنية في أي عملية عسكرية مقبلة (قد يكون الإعداد لها بلغ مرحلة متقدمة)، وإيجاد «المنطقة العازلة» بواحدة من الصيغ العديدة، التي يجري تداولها.

ويتساءل المراقبون حول مدى استعداد الأردن لركوب حافلة المغامرة السورية؟

من الواضح أن الأردن لن يبادر إلى تنفيذ تلميحاته الخطرة، ولكنه يستعد لها بانتظار خطوات لاعبين رئيسيين كبار (الولايات المتحدة وإسرائيل)، يمكنهم أن يقتحموا المشهد السوري بفعل نوعي، يرفع الحرج عن عمان التي ستنطلق إلى القيام بدورها تحت شعار تدارك الوضع الإنساني الذي سيجد «الإخوة السوريون» أنفسهم في خضمه، وهذا قد يفتح المجال لاحقاً لإيجاد مبررات قابلة لتسويق المشاركة الأردنية في عمليات موضعية بحجة التعامل مع مخزون الأسلحة الكيميائية.

المعضلة الاسرائيلية

وإذا كان التريّث هو سيّد الموقف في عمّان، فإن القلق المتصاعد بدأ يظهر في تل أبيب من انعكاسات الأزمة السورية على أمن اسرائيل واستقرارها.

معلقون كثر في الاعلام الاسرائيلي أشاروا إلى أن التقديرات الاستخبارية تركز على أمرين: الأول، امكانية انتقال أسلحة كيميائية أو متطورة إلى «حزب الله» أو غيره من المنظمات. الثاني، دراسة الجماعات المختلفة في سوريا، ومناقشة الموقف الواجب على إسرائيل اتخاذه من محاولات الغرب تسليح المعارضة السورية.

ويبدو أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مختلفة في ذاتها بشأن العمل في سوريا. ففي حين يعتقد أحد الأجهزة أنه لا ينبغي الانشغال بالشأن السوري، ويجب التركيز على المشروع النووي الإيراني، يرى جهاز استخبارات إسرائيلي آخر أنه يجب توجيه الأنظار، وفقاً لصحيفة «معاريف»، إلى الحدود بين إسرائيل وسوريا، وليس إلى الشأن الإيراني. وبحسب تقدير هذا الجهاز، فإن إسقاط نظام الأسد سيقود إلى الفوضى، وتفكك الحكم المركزي، وحينها ستتركز منظمات المعارضة على الحدود مع إسرائيل، وستنفذ عمليات ضدها. ولذلك يرى هذا الجهاز أنه من الأفضل لإسرائيل أن تواصل الأطراف الاقتتال وتستنزف نفسها، ويجب تركها هكذا من دون إزعاج.

وتشير «معاريف» إلى أن موقف رئيس الحكومة الإسرائيلية غير واضح حتى الآن، فهو من ناحية يخشى من تسليح الدول الغربية للمعارضين بشكل قد يحسم المعركة ضد الأسد، ونتنياهو يسعى للتأكد من أن الجماعات التي ستتسلح ستتعاون مع الغرب في توفير حل سياسي. وكان تحقيق قد نشر في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، قد أظهر أن غالبية الجماعات المسلحة ذات ميول إسلامية، ولا تحمل قيماً غربية. ولكن ليس واضحاً، إذا كان نتنياهو يؤيد التدخل العسكري الغربي في سوريا، الأمر الذي قد يشعل حرباً إقليمية، ويصرف الأنظار عن الخطر الإيراني.

عموماً لاحظ المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل، أن خلف الخلاف القائم بين أميركا ودول أخرى بشأن استخدام السلاح الكيميائي في سوريا خوفاً حقيقياً أميركياً من التدخل في الحرب الأهلية. وأميركا ليست خائفة تحديداً من عواقب محتملة ضد السلاح الكيميائي، وإنما من الصعوبات في تنفيذ المهمة ذاتها. وأشار إلى أن إسرائيل نفسها غير معنية بعملية واسعة في سوريا، وأنها إذا اضطرت فستعمل على نطاق ضيق. وهذا يسري على الأميركيين أيضاً، الذين يستعدون لسيناريوهات السيطرة على مخازن السلاح الكيميائي في سوريا عبر وحدات كوماندو صغيرة، فضلاً عن التركيز على المعلومات الاستخبارية. ولاحظ هارئيل أن أميركا غير متحمسة لأي عمل عسكري جديد في سوريا، وهو ما يحبط إسرائيل من توقع أي عمل لاحقاً ضد إيران.

جبهات ضد جبهة النصرة

وبرغم كل ما حصل ويحصل في سوريا، لا تزال «جبهة النصرة» الملف الأكثر إثارة للجدل. فالتنظيم السلفي الذي تقدم واجهة الأحداث منذ سنة تقريباً تنصّل بهدوء من قرار إعلان «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام» من قبل أمير «دولة العراق الإسلامية» أبي بكر البغدادي، ورد عليها بالمبايعة المباشرة لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري الذي طالب بإعلان دولة الخلافة في سوريا.

كل هذا الكلام الإعلامي تباينت ردات فعله على أرض الواقع السوري، بين من وجده ضربة قاصمة للمعارضة السياسية التي احتفت بـ«النصرة» على أساس أخوة السلاح وبين من حذر منه على اعتبار أنها الأقوى بين تشكيلات المعارضة المسلحة، وبالتالي خطر تحول الكلام إلى فعل، وبين من اعتبره بداية لمرحلة التقسيم والصراع مع تشكيلات أكثر اعتدالاً في الجيش «الحر».

لكن قبل أن يمدّ «الفاتح» أبو محمد الجولاني، زعيم «جبهة النصرة»، يده ليبايع زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري على السمع والطاعة، كانت «النصرة» قد سبقت ذلك إلى استكمال الاندماج في المجتمع الريفي الحلبي والإدلبي، وبدأت تحدث تحولات في منهج العمل السياسي، وتناوله للجماعة السورية مادة رباط وجهاد.

لا يبدو توقيت المبايعة عشوائياً ولا متعجّلاً. لم يضع «الفاتح» الجولاني في مبايعته الظواهري موقف الآخرين من المعارضة في ميزان القرار. الاستفتاء في السياسة والحرب على احتساب «النصرة» في «الثورة» سبق بكثير تأمير الجولاني للظواهري على الشام بالسمع والطاعة. كان ذلك عندما انفجر الخلاف في مراكش مع «أصدقاء سوريا»، قبل أشهر مع الأميركيين، على قرار وضعها على لائحة الإرهاب. حينها رأى الجولاني كيف تدافع المجلس الوطني و«الائتلاف» للدفاع عن الجبهة من دون حساب. قال رئيس المجلس الوطني جورج صبرا حينها إن «بنادق الثوار جميعاً مقدسة»، أما رئيس «الائتلاف» معاذ الخطيب فهاجم الأميركيين وطالبهم بالعودة عن موقفهم. كما رأى قائد أركان «الجيش الحرّ» سليم إدريس أمام البرلمان الأوروبي في «النصرة» جمهرة من أشجع المقاتلين. وهو يعكس بأي حال رأياً متداولاً في أوساط الحراك الشعبي عن «العصبة الأكثر فعالية في القتال ضد الجيش السوري».

وتبدو ملامح دولة الجولاني أقرب إلى البزوغ إلى النور من حكومة غسان هيتو المؤقتة. وتفرض «النصرة» مقاربة تجربة القاعدة «الشامية» من منظور جديد لفهم تحولات الجماعة التي تعلو عن تقشف منهج جهادي عدمي لا أفق له، يهجس بدولة الخلافة ولا شيء غيرها، ويخاصم كل أشكال السياسة، ويهجر ما يتوسط الخاصة المجاهدة التي تبايع أميرها على السمع والطاعة.

فالنجاح الذي جعل منها تنظيماً شعبياً، يضم مؤسسات وإدارات تشرف على إدلب وحلب، وتعين آلاف العائلات السورية وجيشاً يجنّد 12 ألف مقاتل كما تقول التقديرات، يعود بشكل خاص، إلى مراجعة في آليات وتفكير «القاعدة» التقليدي. وفي التجربة الشامية، ينقل الجولاني «القاعدة» من تنظيم عالمي لا أرض له ولا قاعدة يقاتل الولايات المتحدة، إلى أرض وقواعد وعناوين لا لبس فيها وخطوط إمداد وأسماء ومؤسسات، وجد في سوريا الشروط الملائمة لتحقيق تلك النقلة.

“العيون الزرقاء”

وإذا كانت “جبهة النصرة” وامتداداتها “القاعدية” في “الثورة السورية” تشكل الرادع الأكبر للغرب في تسليح المعارضة،  فإن “مجادي العيون الزرقاء” يثيرون بدورهم هواجس أوروبية وأميركية حول مستقبل الصراع في سوريا.  فالأنباء الواردة من الميدان السوري التي أعلنها تقرير لجامعة “كينغز كولدج”، يكشف أن ما يصل إلى 600 شخص “من اصحاب العيون الزرقاء” ينتمون إلى 14 دولة أوروبية شاركوا في القتال في سوريا ضد القوات الحكومية منذ بداية الحرب عام 2011.

وهذا التقرير، الذي حصلت عليه صحيفة “الغارديان” استغرق إعداده عاماً كاملاً وشمل أكثر من 200 موقع مرتبط بالجماعات الجهادية ومئات التقارير من الصحافة العربية والغربية، ووجد أن الأشخاص الذين ذهبوا الى القتال في سوريا ينتمون إلى دول من بينها بريطانيا والنمسا وإسبانيا والسويد وألمانيا.

من الطبيعي ان مثل هذه التقارير تثير قلق الحكومات الغربية ومخاوفها من ان تتحول دولها ساحات مماثلة لتلك التي شهدت عودة المقاتلين من افغانستان في فترة ما بعد الانسحاب السوفياتي من افغانستان.

وتضيف الدراسة التي اجراها المركز الدولي للدراسات بشأن التطرف في “كينغز كولدج” في لندن “أن بين 140 و600 اوروبي توجهوا الى سوريا منذ بداية العام 2011 ما يمثل بين 7 و11 في المئة من العدد الاجمالي للمقاتلين الاجانب”.  وهذه الارقام تستند الى “450 مصدرا من وسائل اعلام عربية وغربية وكذلك الى اعلانات عن حالات استشهاد بثتها مواقع الجهاديين على الانترنت”.  وتقدر الدراسة عدد المقاتلين الاجانب في سوريا بما بين 2000 و5500 .  والمقاتلون الاوروبيون يتحدرون من 17 بلداً بينها فرنسا (بين 30 و92 مقاتلا وفق التقديرات) وألمانيا (من 3 الى 40) وبريطانيا (من 28 الى 132) وايرلندا (26) وبلجيكا (من 14 الى 85) والدنمارك (3 الى 78) وهولندا (5 الى 107 مقاتلين).

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s