أزمة الحكم في لبنان: فراغ أم انهيار؟

كتب المحرر السياسي

خرق الدستور صفة أساسية للسلطة الاستبدادية. ويبدو أن مجلس النواب اللبناني يتجه الى ممارسة الاستبداد بخرقه الفاضح للدستور، الذي حدد ولاية النائب بأربع سنوات، والذي لم يتحدث إطلاقاً عن التمديد، حتى ولو كان ليوم واحد. فكيف إذا كان التوجه الى تمديد لا يقل عن سنتين، وقد يصل، كما أعلن الرئيس بري، الى أربع سنوات.

لا يحتاج تأكيد هذا الخرق المكشوف الى جهابذة القانون، ولا الى قرار من المجلس الدستوري بعدم دستوريته. فالشعب الذي هو مصدر السلطات، انتخب نوابه لأربع سنوات بلا زيادة أو نقصان، على أن يتم بعدها محاسبة ممثليه في انتخابات جديدة.

إن التذرع  بالظروف القاهرة والقسرية لتمرير التمديد، هو ذريعة لا وجود لها. فتعذر التوافق على قانون انتخابي لا يلغي وجود قانون الستين ودستورية نفاذه. وإذا كان هذا القانون سيئاً الى حد البطلان، فإنه القانون الذي انتخب بموجبه المجلس الحالي. وعملاً بالقاعدة القانونية التي تقول ما بني على باطل فهو باطل، يكون المجلس الحالي باطلاً، ويكون، بالتالي، التمديد لنفسه باطل الأباطيل.

لكن ما فائدة النص الدستوري في بلد لا شرعية فيه لغير الأهواء.

ساحة النجمة

ساحة النجمة

فأين الدستور في دولة بلا ميزانيات منذ أكثر من سبع سنين؟.

وأين الدستور في ميليشيات مسلحة تنتشر تحت أنظار الدولة، وبتغطية من حكوماتها وأجهزتها؟.

وأين الدستور من حق الملكية وبلديات كثيرة تمنع اللبناني من مذهب معين من شراء بيت في منطقة نفوذ مذهب آخر؟.

وأين الدستور ودعاة الفتن المذهبية طلقاء في الساحات وأجهزة الإعلام؟.

وكثيرة هي الأين… والأين… وأين.

إذاً، التمديد ليس تهويلاً على المختلفين. فالاختلاف متعمد بذاته وصولاً الى التمديد.

والمضحك المبكي يكمن في أن مبرر التمديد يقوم على رفض إجراء انتخابات على أساس قانون الستين. في حين يتم التمديد لمجلس نيابي انتخب وفق قانون الستين المفترض أنه مرفوض.

فكيف إذاً نرفض مجيء نواب بقانون الستين، ونبقي على نواب جاؤوا بقانون الستين؟.

كيف نعتبره ميتاً في اقتراع الشعب لمجلس جديد، وحياً في اقتراع النواب بالتمديد للمجلس القديم؟.

كيف يكون ميتاً وحياً في آن؟.

ما هذه المهزلة؟.

سؤال لا قيمة له في بلد يعيش على المهازل.

لكن ماذا عن «حارس الدستور»؟… ونعني رئيس الجمهورية.

لا يكفي أن يهدد بعدم التوقيع على قانون تمديد مجلس النواب لنفسه، ومن ثم الطعن به أمام المجلس الدستوري. فهذا التهديد، حتى ولو نُفذ، يكون الوقت قد نَفَذَ، ومن ثم دخلت البلاد في نفق غياب السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويرافق ذلك غياب الجهة المعنية بملء فراغات المؤسسات الأمنية، التي يشاء حظ لبنان السيئ أن تبلغ قياداتها سن التقاعد في ظل فراغ السلطات، والتي يشرف أيضاً وكلاؤهم على بلوغها بعدهم بأشهر قليلة… هذا إذا كانت ثمة سلطة تملك صلاحية التكليف في حكومة تصريف الأعمال المحكومة بدورها بالثلث المعطَّل… والانسجام المعطَّل.

إذاً، حراسة الدستور لا تكون برفض التوقيع على الخرق الدستوري، بل بالتوقيع على تشكيل حكومة تمام سلام، وبالتالي، الدعوة الى انتخابات وفق القانون النافذ.

لكن مع انتشار سياسة «كسر العظم» في الوسط  السياسي اللبناني، فإن الأمور قد تتجه الى مزيد من المواجهات حين يحين موعد انعقاد مجلس النواب في 19 أيار (مايو) الحالي، حيث من المؤكد العودة الى القانون الأرثوذكسي وطرحه على التصويت، كقانون انتخابي وحيد أتم طريقه الدستوري بإقراره في اللجان النيابية المشتركة. وفي هذه الحالة فإن فرصته  للفوز بالأكثرية ستكون مرجحة إذا ما أصر نواب الكتائب والقوات على المزايدة المسيحية الداعمة له. وبذلك تعوض الأكثرية السابقة كفة أكثريتها بتأييد القانون الأرثوذكسي، عبر «التحالف المسيحي»، الذي يعوض خسارة أصوات كتلة النائب وليد جنبلاط.

إلا أن فوز القانون الأرثوذكسي في مجلس النواب، لا يعني الانتصار في المعركة المفتوحة. وهو فوز سيؤدي بالتأكيد الى معركة أشد ضراوة، سيكون قصر بعبدا ساحتها الساخنة.

لقد سبق للرئيس ميشال سليمان التصريح بأنه لن يوقع على قانون بهذه الخطورة. وأنه سيحيله الى المجلس الدستوري طاعناً بدستوريته.

وبدل تراجع الفرقاء الى حل وسط، يندفع الصراع الى منزلق دستوري خطير.

فإذا أبطل المجلس الدستوري القانون الأرثوذكسي. وهو إبطال أقرب الى اليقين. وبما أننا سنصل، ما بين الإقرار والإبطال، الى فراغ  تشريعي تصبح فيه البلاد بلا مجلس نيابي، فلا مفر عندئذٍ من تطبيق قانون الستين في انتخابات لن يقبلها فريق كبير من اللبنانيين، حتى ولو أدى ذلك الى النزول الى الشارع. وهو خطر يعرفه اللبنانيون جيداً ويعرفون نتائجه الدامية.

ومثل هذا السيناريو الواقعي، الذي نكاد نبلغ تنفيذه، سيعني بالضرورة سقوط قانون الستين في انفجار الشارع. وهذا سيعني أيضاً أن النظام اللبناني معرض للانهيار برمته. وأن الديمقراطية في لبنان ستلفظ آخر أنفاسها.

يبقى ثمة أمل في فتح طريق للبنان، غير هذا الطريق المخيف الذي نتدافع إلى سلوكه.

الأمل في أن يستعيد سحر الرئيس بري فاعليته وأن يخرج من كمه حلاً آمناً بدل الوحش المفترس الذي يخرج من أكمام السياسيين اللبنانيين.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s