إيلدا مزرعاني: في الشعر كما في الحب كَرّ وَفّر

غادة علي كلش

شاعرة الحواس بامتياز، هي ايلدا مزرعاني. تحصد مفردات الرموز الحسية والتصويرية في الشعر، بأنامل اللغة العربية الابهى. وتعصر القصيدة النابعة من الطبيعة والعاطفة والريف والماورائيات الجمالية، عاملة على ايجاد بصمة عربية خاصة بها، رغم تأثرها بالأدب الاوروبي عموماً، وبالشعر الفرنسي خصوصا، وهي الحائزة دراسات عليا في الادب الفرنكوفوني.

ديوانها الجديد المندرج تحت عنوان “غواية ملائكة وشياطين” والصادر عن “دار الفارابي في بيروت” يؤكد مسعى ايلدا في اصطياد بصمتها الشعرية على درب القصيدة.

■ نسأل إيلدا: ثمة صور كثيفة في ديوانك هذا، مستلهمة من مؤثرات الطبيعة، وكامنة في لغة الغزل. هل ترين ان هناك، علاقة بين الحب من جهة، وبين عرائش الطبيعة من جهة ثانية؟

– الطبيعة هي الأم. والأم هي الحب. والحب هو شيء أعم من أن نحدده بين رجل وامرأة. الحب هو المحبة المطلقة، والطبيعة هي العشق، هي الحنان الرمزي، هي التي تلهمنا معنى الكرم. فعندما نتحدث

شاعرة الحواس بامتياز ايلدا مزرعاني

شاعرة الحواس بامتياز ايلدا مزرعاني

عن الارض والانهار والازهار والنبات كلها، نكون نتحدث عن الحب.

إن الحالة الرومانسية في طفولتي، في ايام الصيف، حيث شكلت قريتي ولا تزال جزءا من ذاكرة الطفولة. من هنا اكتسبت مفرداتي الشعرية الشفافية والرهافة، وازدانت صوري في بعض قصائدي، بالفرح والجمال والعذوبة. ولا شك يا صديقتي في ان ارواحنا تحاكي الشجر وتغرف من الطبيعة. حتى انها تترك على بشرتنا اللون المائل الى الاحمرار، كصباغ طبيعي يوسم ابناء الريف. وبما ان الشعر هو انعكاس لأنفسنا ولكل ما نفكر فيه، فقد انعكست فيه محبتي لمفاتن الطبيعة.

■ لديك مقدرة على اصطياد المزيج الغريب المائل بين الالوان والعناصر، هل للون ابجدية حسية على الشاعر ان يدركها حتى يستكمل مفاتيحه الشعرية؟

– اللون وما ادراك ما اللون. هناك دراسات توصف الاشخاص بالالوان. فلان لونه ازرق، وفلان لونه اصفر، كدلالة على الطباع. طيف الضوء له سبعة الوان. لكل لون معنى ورمز. لا شيء يأتي من فراغ. “الزنبقة السوداء” لألكسندر دومان، بمعناها الرمزي، هي الحب الغير مشارك من الطرف الآخر، أو الغير مفهوم من قبله، الباعث على الضبابية والحزن. شخصيا، أنا اتخيل اللون في سياق المزج بين الفنون والآداب، بين الحس والحرف. ثمة لوحات ارسمها في قصائدي من خلال اختيار الالوان، كالاحمر والاسود والبنفسجي، لايصال حالة شعرية ودلالية الى القارئ. للشاعر دوماً مختارات للألوان، يعبئ بها ابياته وصوره الشعرية، ويؤشر بها الى بصمته وتشكلات مفردته وأفكاره ورموزه.

■ لا يستسهل شعرك العبارة والصورة، بل ينحو منحى الفلاحة في ارض الكلمات، فنراك تجمعين سيرورة الرائحة الى المكان، وسيرورة الزمن الى الرائحة. هل انت اقرب الى المنظومة الانسانية اكثر منها الى المنظومة الرومانسية؟

– انا في حالة رومانسية دائمة. ولا اخجل من ذلك في كتاباتي، حتى لو قال الآخرون ليس هذا العصر إلا عصر الحداثة وما بعدها. اما الانسانية فهي منظومة طاغية في كل هواجسي ونظراتي وأحاسيسي وقراءاتي للوجود وللآخر. ومن خلال  رومانسيتي الخاصة، اسعى الى تحفيز الانسان على تهذيب تفاعله مع الذات والحياة والجمال. أنا اؤمن بأن الفن هو للدلالة وللرسالة. فعندما أكتب عن “عطر النبض” في ديواني، أكون بذلك حريصة على توظيف الحواس الانسانية. للحواس عندي مكانة عالية، وهدفي هو الوصول الى الحواس الاخرى التي لم نصل الى مدركاتها بعد. وعندما اقول “خذني الى ملمس الصوت”، أكون قد اظهرت الرقة المتناهية للحاسة ورهافتها وكمونها المادي معاً. لذلك يهمني أن تبقى الحواس مرهفة بشدة، حتى تتعزز الرؤى  الشعرية باقتدار.

■ تحفرين في قصائدك هذه “الوقع في الصدى”، و”الاقدام في ظلال الأرصفة” و”السمع في المكان” الى اي مدى انت متأثرة  بالشعر الاوروبي؟

– انا آتية من التخصص  في آداب اللغة الفرنسية، وفي الادب الفرنكوفوني، وتأثري فيها هو تأثر طبيعي، لا يتعدى الذائقة الشخصية القرائية. تماماً مثلما تأثرت في كتّابنا اللبنانيين، امثال  جبران ونعيمة والريحاني، والكتّاب العرب أيضا، امثال محمود درويش ونزار قباني. لقد حرصت ان ابني لقصيدتي هوية خاصة خارج مدار التأثر الاستقرائي لأعمال الآخر. والشاعر الاصيل  هو الذي يستطيع أن يفلت من حبال التقليد، وإيهامات الترجمة، ليقدم صوته الشعري الخاص به، الى المتلقي.

■ نجد أن قصيدتك أحيانا تستحيل كينونة تحب وتحاول الفرار  في الوقت عينه من الحب. هل انت مع الكر والفر في الشعر؟

– شخصيا، انا مع الكر والفر في الحب، فما بالك في الشعر؟ الحرف اصلا هو في حالة كر وفر. الفكرة طالما اتت وذهبت في خاطر  الشاعر كما الدخان. ولكم راودتني كلمات للحظة، سرعان ما اختفت في لحظة، ثم عادت بعد فترة من تلقاء ذاتها. لذلك على الكاتب أن يكون صيادا معتادا على التقاط الكلمة، وأن يكون ذكيا في مراقبة تقنية حضور الصورة واختفائها احيانا. فكم من كتّاب أصابهم اليأس مع رحيل افكارهم التي ينشدون العثور عليها، وكم من ادباء راودتهم فكرة الانتحار بسبب انتظارهم كلام الكر والفر. إلا أن الحب مسألة اخرى، فيها لا تتطابق النتائج، وان تشابهت الطرائق.

يتخطى ديوانك جوهر الحب وقشوره الى جوهر الانسان وحضوره. وهذا ما ننتظره من الشاعرات العربيات. ما الذي تودين قوله في الشعر؟

– احاول في شعري الدخول الى الابعاد الانسانية التي تتخطى الذات وتعمل على التجرد من الأنا المنفصلة، والاتحاد في الـ”نحن”، وذلك بغية الوصول الى حالة من التوحد الانساني الذي لم نلمسه بعد. فأنا ارى ان الغاية من الشعر  هي  ان تتحول الانا الى الآخر، والآخر الى آخرين، وأن يتحول الآخرون ليصبحوا “نحن” بشكل او بآخر. انا اكتب للروح، وأسعى الى تعرية الواقع بمفاسده وبانحلال القيم. ففي الشعر حكمة، والشاعر الذي يسمو الى هدف انساني اكبر، هو شاعر حكيم. هذا هو هدفي من الشعر.

Advertisements

One thought on “إيلدا مزرعاني: في الشعر كما في الحب كَرّ وَفّر

  1. ايلدا من الشاعرات القلائل التى تصيغ بكلماتها صورة تحاكي الوجود والتى تنهل من الكلمات التى تروي عطش المشاعر وشوق الليالي للكلمات فتحية لها

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s