قهوجيات: على قدم وساق

منذ البدء مرّ لباس القَدَم بأشكال عدّة متنوّعة المواد، حين بَرَزَتْ الحاجة الى حماية الأقدام فكانت أوراق الشجر الكبيرة السميكة وبعض النباتات بعد تجفيفها هي الشكل الأول لما نسميه اليوم «الحذاء». بعد ذلك جاءت مرحلة استعمال جلود الحيوانات… وهكذا وصولاً الى تقنية دباغة الجلد ومن ثم استخدام انواع مختلفة منه، بما فيها الجلد الاصطناعي والكاوتشوك والبلاستيك الليّن، والاقمشة وغيرها…

ومنذ ظهور الكعب العالي تغيّرت مفاهيم «الموضة» بالنسبة الى النساء، وبدأت تأخذ منحى يُبرز قوام المرأة، ويقضي ظاهرياً على مشكلة «الطول» الذي وَصَلَ الى ارتفاعات قياسية، حيث كادت المرأة أن تقف وتسير على أطراف أصابع قدميها تماماً كراقصات فن «الباليه»!

قال باحثون أميركيون إن الحذاء الذي ينتعله الشخص يسهم في التعرُّف الى شخصيته ووضعه الاجتماعي. وأعلنوا أن شكل الحذاء وسعره ولونه هي من العوامل التي تدلّ على الحالة النفسية لصاحب الحذاء ومزاجه، وحتى انها تكشف أفكاره السياسية! وفي دراسة شملَت 63 طالباً من جامعة «كنساس» نَظَر المشاركون الى 208 صور لأحذية من دون رؤية المظهر الخارجي للاشخاص، وتمكّنوا من شرح تصوُّر عمر صاحب الحذاء ودخله التقريبي وميوله! وقال الباحثون إن الطلاب أصابوا في تحديد صفات الشخص بالاستناد الى حذائه بنسبة تسعين في المئة! وأضافوا بأن الناس يختارون الحذاء وهم لا يدركون – في معظم الاحيان – أنهم يقدِّمون هويتهم وقصتهم للمحيطين بهم عن طريق انتعال هذا الحذاء او ذاك، فعلى سبيل المثال تبيّن أن الاشخاص الناجحين المتفوّقين واصحاب الرواتب العالية يبتاعون الاحذية غالية الثمن وعالية الجودة، فيما يميل الاشخاص المنفتحون على الآخرين الى انتعال الاحذية ذات الالوان الزاهية والمتوسطة السعر. ويشير الاختصاصيون الى أن الاشخاص اصحاب الطبيعة الهادئة ينتعلون أحذية تبدو في الظاهر غير مريحة، وإنما هي مريحة لهم! أما من يهتم بالتعامل مع الآخرين فهو ينتعل حذاء يبدو جديداً ولمّاعاً.

واستنتج العلماء أن الذين يظهرون العدوانية تجاه الآخرين غالباً ما يختارون أحذية من النعل السميك والكعب العالي. أما الليبراليون فإن أحذيتهم هي دائماً متوسطة السعر، لا بل رخيصة! وهكذا أصبح في امكاننا القول: قل لي ما حذاؤك… أقل لك من أنت!

أيها القارئ العزيز، بناء على ما تقدّم، تتبادر الى أذهاننا تساؤلات عدة منها: كيف نحدِّد مواصفات ومزاج شخص ما يمتلك اكثر من حذاء بموديلات مختلفة شكلاً ولوناً؟ وهل تسري نظرية معرفة وفهم الشخص من خلال حذائه على منتعلي الصنادل والشحاطات والقباقيب والنعال والشواريخ والاحذية الرياضية والبساطير والجزمات العسكرية؟ وماذا عن الحفاة؟ وهل هؤلاء من خارج التشخيص الحذائي؟!

لقد كانت زوجة الدكتاتور الفلبيني «ماركوس» الست «إيميلدا» تمتلك ثلاثة آلاف زوج أحذية – غير زوجها -ومن أشهر الماركات العالمية وأغلاها ثمناً من جميع الالوان ومختلف الانواع وأندر الجلود بكعوب عالية ومتوسطة وواطئة، فكيف تخضع تلك السيدة لهذه الدراسة؟ مع معرفتنا الاكيدة أنه رغم امتلاكها آلاف الاحذية، فقد كانت كل خطواتها و«دعساتها» خلال حياتها «ناقصة» وغير صائبة!

يقال في اللغة: حذا حَذْوَهم، أي سار على خطاهم. أنا لا أريد هنا أن أحذو حذو الباحثين في الحذاء كمرآة عاكسة للشخص، وإلا فسيكون كل ماسحي الاحذية علماء نفس واجتماع! هذا الى جانب امتلاكهم مواهب رؤيوية للتبصير والتنجيم وكشف البخت وضرب المندل من خلال الحذاء!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s