خريف السلطان: الأردوغانية في خطر

كتب المحرر السياسي

هل بدأ أردوغان يفقد بريقه السياسي؟  وهل الاحتجاجات الأخيرة التي بدأت بصبغة “بيئية” قد تتطور إلى “ربيع تركي” علماني لطالما كانت حكومة أردوغان الاسلامية تفاخر بتبني النسخة العربية منه؟

 لم تكن الأرقام القياسية التي حققتها حكومة “التنمية والعدالة” في الاقتصاد كافية لتحصينها من غضب الشارع. فرغم استمرار تنامي الاقتصاد، عزا المراقبون الاضطراب التي اندلعت أخيرا في تركيا إلى التدخلات ذات الصبغة الدينية والقمع السياسي وفوق الاثنين يأتي اتفاق السلام مع الأكراد.

المراقبون أشاروا إلى إن القلق الشديد الذي انتاب الشعب التركي ينبع بالأساس من تزايد الروابط المعلنة بين السياسات والدين، والتدخلات في أساليب الحياة وعدم الالتفات لمطالب المنظمات المجتمعية المختلفة، مستبعدين أن تكون للحالة الاقتصادية نصيب يذكر في إشعال هذا القلق الشعبي.

لا شك في أن الاتفاق الحاسم الذي أبرمته تركيا مع الأكراد على صعيد السياسة الإقليمية للدولة التركية، كان عاملاً تحريضياً لتحريك الشارع التركي ضد أي تنازلات قومية لـ”عدوهم” الكردي التاريخي.  ورأى المراقبون أن أوجه القصور التي تعانيها “الدبلوماسية مع الشعب” وانعدام الشفافية فيما يتعلق باتفاق السلام مع الأكراد تسببا في هذه الحالة من الاضطراب الاجتماعي والغضب، لاسيما بين الأتراك.

وأعاد المراقبون إلى الأذهان حادث التفجيرات التي شهدتها مدينة الريحانية التركية الحدودية مع سوريا، والذي أثار المخاوف من تأجيج الصراع بين السنة والعلويين، على خلفية انعكاسات التدخل التركي المباشر في الأزمة السورية.   كما ذكّر المراقبون بما يرجّح أن يكون سببا آخر من أسباب الفوضى، وهو تدشين جسر ثالث على مضيق البوسفور في اسطنبول، والذي تم إطلاق اسم السلطان “سليم الأول القاطع” والذي يعرف لدى الغرب بـ”العابس” نظرا لما أثر عنه من أنه كان دائم التجهم والعبوس، وقد كان العدو الألد للعلويين والشيعة على مدار التاريخ العثماني، حيث ذبح عشرات الألوف من العلويين في الأناضول قبل وبعد حربه على إيران.  وكان هذا الجسر يمكن أن يطلق عليه اسم المفكر التركي الصوفي جلال الدين الرومي الذي نشر تعاليم التسامح عبر العالم من الأناضول، أو اسم أي مفكر إنساني آخر بدلا من اسم هذا السلطان الذي لا يصعب التخمين بما أثاره اختيار اسمه من غضب داخل المجتمع العلوي الذي يشكل نسبة 10 بالمئة من الأتراك ولا يزال ينتظر اعترافا رسميا بهويته الدينية وحقوقه في ممارسة الطقوس الدينية.

متظاهرة تواجه خراطيم المياه في ساحة تقسيم

متظاهرة تواجه خراطيم المياه في ساحة تقسيم

ومن الأسباب الأخرى التي دفعت بالاتراك إلى الشارع لإسقاط حكومة أردوغان الاسلامية، هو محاولة حزب “التنمية والعدالة” إرضاء ناخبيه المحافظين، بتمرير قانون يقيّد بيع الكحول، الأمر الذي اعتبرته شريحة كبيرة من الأتراك بأنه محاولة الاسلام السياسي”التدخل في نمط الحياة”.  دون أن ننسى قمع السلطات لتظاهرات عيد العمال وهدم دارا تاريخية للسينما والمسرح وبناء مول تجاري مكانها وإعطاء تصاريح مثيرة للجدل بتدشين مشاريع بالقرب من ميدان “تقسيم” في اسطنبول دونما طرح مناسب على الرأي العام.  ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما قطعت السلطات الأشجار في منتزه متاخم للميدان.

البعد التاريخي

منذ تأسيسها قبل أكثر من تسعين عاما، سارت تركيا الحديثة على درب العلمانية والحداثة.  ولكنها سرعان ما فقدت عزيمتها، وغرقت في مستنقع جدل سياسي واضطرابات، أدت إلى تدهور اقتصادها.  وعندما جاء حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي إلى السلطة قبل نحو عقد، شعر الأتراك بالتغيير الذي طالما انتظروه.  فأزدهر الاقتصاد في ظل قيادة رجب طيب أردوغان. وتم تحييد العسكر. وباتت القضية الكردية قاب قوسين أو أدنى من الحل.  وشعر الأتراك أن أردوغان أعاد لبلادهم هيبتها المفقودة منذ عشرات السنين.

لكن لكل عملة وجهان.  فالأتراك كانوا يتهامسون حول الطابع السلطوي لرئيس حكومتهم.  وتحول هذا الهمس إلى غضب شعبي عارم خلال الأيام الأخيرة، عندما فتكت قوات الأمن بمتظاهرين كانوا يحتجون على قرار إزالة حديقة عامة وسط إسطنبول.  وتكشفت لهم بوضوح حقيقة الرجل الذي يطمح لأن يكون الرئيس القادم للبلاد، بصلاحيات كاملة.

فمن اليسار التركي الى اليمين القومي احتشد الطيف السياسي التركي كله لاجتياح ساحة “تقسيم” على وقع صرخات “ايها الدكتاتور استقل”.

ويقول التير توران المحلل السياسي من جامعة بيلجي الخاصة في اسطنبول “هذه التظاهرات ليست من صنع حفنة من الناشطين او منظمة بل هي تعبير عن حالة قلق عامة بين الناس من كافة التوجهات السياسية”.  من جهته يقول سنان اولجان من مؤسسة كارنجي الاوروبية “انه تحرك شعبي غير مسبوق ومفاجىء (..) ناجم عن القلق وخيبة الامل للاوساط العلمانية في المجتمع، التي لم يعد بامكانها التاثير على الحياة العامة منذ عشر سنوات”.

ويلاحظ التير توران ان “اردوغان لا يقبل اي حد من سلطة زعيم الاغلبية (..) وهو يعتبر ان كل ما يقوم به هو ثمرة الارادة الديموقراطية”.

وتباينت آراء الصحف التركية بشأن الاحتجاجات الشعبية المناهضة لرئيس الحكومة ، فقد قالت الصحف العلمانية: إن هذه التظاهرات هي بمثابة شرارة نار وعامل غضب واستياء من سياسة حكومة أردوغان سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي وهي السبب في الانقسامات داخل المجتمع التركي إلى سنة وعلويين وأتراك وأكراد.  وأشارت الصحف العلمانية إلى أن أنقرة تخشى من ربيع تركي من خلال تجمع الشباب لإشعال شرارة انطلاق ثورة شعبية تطالب بإسقاط حكومة أردوغان.

وقالت عدة صحف علمانية على رأسها جمهورييت، ويني جاغ، وسوزجي، وميلليت، وراديكال، وايدنلك: إن سياسة رئيس الوزراء تنبع من منطلق طائفي ومذهبي من خلال اتهاماته وتصريحاته وانتقاداته الشديدة اللهجة لنظام بشار الأسد ووصفه بالديكتاتور الدموي، وأن إيران تدعم سوريا لأنها دولة شيعية فيما هاجم قياديو حكومة العدالة حزب الله اللبناني ووصفوه بأنه حزب الشيطان لأنه يقف إلى جانب سوريا، إضافة إلى استمرار التوتر مع حكومة المالكي على إثر الخلافات الطائفية والتوقيع على اتفاقيات استيراد النفط والغاز من منطقة شمال العراق خلافا لقوانين الحكومة المركزية العراقية في بغداد.

وعلى الجانب الآخر، أكدت الصحف الموالية لحكومة أردوغان وعلى رأسها صباح، وزمان، ويني شفق، وبوغون، وستار أن مجموعات إرهابية وتحريضية من حزب الشعب الجمهوري هي المسؤولة عن إثارة أعمال الشغب والفوضى بالبلاد مستغلة موضوع اقتلاع الأشجار من ميدان تقسيم.

وشبّه خبراء وباحثون الأحداث التركية، ببداية موجة احتجاجات “الربيع العربي”، لكنهم نفوا أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى رحيل النظام التركي الحالي واستقالة أردوغان.

ويرى رئيس مركز الشرق للدراسات الاقليمية والاستراتيجية الدكتور مصطفى اللباد: “الضغوط تتزايد على أردوغان في الاحتجاجات التي تشبه نظيراتها في دول الربيع العربي، لكن هذا ليس معناه بالضرورة أن سقوط النظام في تركيا بات قريبا”.

ويعدد اللباد أسباب الاحتجاجات في تركيا إلى عدة عوامل، منها أن النمو الاقتصادي الذي تشهده البلاد لم يترافق مع عدالة اجتماعية، ولا تعني بالضرورة أن كل الأتراك يقطفون ثمار التنمية الاقتصادية، كما أن ما سماه “التدخل في حياة المواطنين الشخصية” كان سببا رئيسيا في الأحداث، في إشارة إلى قيود أكثر صرامة على مبيعات الخمر وتحذيرات من “إظهار العاطفة” على الملأ.  وشدد على أن “تحالف حزب العدالة والتنمية مع الإخوان في مصر وتونس، أدى إلى وجود تخوف من تأثير سلبي للتجربتين على تركيا، بعد الانحدار في الأداء السياسي في القاهرة وتونس”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s