الأزمة الحكومية: «التمديد» الثاني

تمام سلام أمام عقدة التأليف

تمام سلام أمام عقدة التأليف

كتب المحرر السياسي

يبدو أن كل السجالات الساخنة حول قانون الانتخابات الأصلح «مسيحياً»، كانت تهدف الى تحضير الأجواء، لتمديد غير دستوري لمجلس نواب، فاز نوابه وفق قانون الستين، تحت ذريعة رفض قانون الستين.

وبدل أن يحافظ الجميع على نصوص الدستور، ويرفض أن يحولها الى «خرقة» يسهل خرقها، أخذ هؤلاء بنصوص «أبو النواس»، فداووا الأزمة بالتي كانت هي الداء. فبينما يعترضون على قيام مجلس نواب بانتخابات جديدة، يوافقون على استمرار نياباتهم على أساس انتخابات قديمة، تتجاهل تبدل مزاج الناخب وموقفه السياسي، وتلغي صوت الناخبين الجدد، الذين بلغوا سن الرشد الانتخابي.

حل ساذج يستخف بالعقل اللبناني، ويؤكد أن الدستور ليس إلا كتاباً، يترتب على من يريد قراءته، أن يفتش عليه في سلة مهملات مجلس النواب.

قضي الأمر ومدد مجلس النواب لنفسه… والذرائع شتى. وهي باطلة كما التمديد.

وفي استعراض سريع لهذه الذرائع، التي ضاق بها اللبناني ذرعاً، يمكن القول، إن المعترضين على قانون الستين، قدموا ترشيحاتهم انفاذاً لقانون  الستين، وإمعاناً في «التمسكن» الدستوري، وصولاً الى «التمكن» للانقلاب على الدستور والقانون نفسه. ومن ضمن  التبريرات الادعاء باستحالة اجراء الانتخابات في ظل التوتر  الأمني والمذهبي. مما يقتضي التمديد للمجلس النيابي منعاً للفراغ. وهذا عذر أقبح من ذنب التمديد. فمن الواضح أن التوتر الأمني، المنحصر شمالاً بين باب التبانة وجبل محسن، هو توتر مفتعل لتبرير فعل التمديد. ولن نفاجأ بعودة الهدوء الى هذا المحور المشتعل، بعد انعقاد جلسة مخالفة الدستور في ساحة النجمة، حتى ولو تم خرقه بين الفترة والأخرى إبعاداً للشكوك. وحيث يكون أدى واجبه في تمرير رغبات القابضين على مفاتيح تقاسم النفوذ والمصالح.

وعلى فرض استحالة إجراء الانتخابات في منطقة خط التماس بين «الجبل والتبانة»، فهل تستحق هذه الاستحالة في شارع صغير، أو حيين صغيرين، إلغاء الانتخابات في كل لبنان؟.

لكن الأزمة الدستورية ما زالت قادرة على العودة، وبقوة، بعد أن طعن رئيس الجمهورية بقانون التعسف باستعمال المجلس النيابي لحقه التشريعي.

لكن الطعن، على الأرجح، لن يصل الى إبطال التمديد على اعتبار أن أعضاء المجلس الدستوري، أصحاب القرار الأخير، ليسوا من فصيل الملائكة، بل هم من الفصائل اللبنانية المتعددة الإنتماءات والاختلافات. وعلى ضوء ذلك، فمن المشكوك فيه، الى حد اليقين، بأن قرار الإبطال لن يحظى بالأصوات السبعة من مجموع العشرة.

إذاً، قضي الأمر وبات على اللبنانيين التعايش مع قانون انتخابات ميت، ومع مجلس نيابي مشلول وعاجز عن التشريع.

وهكذا تكون عاصفة الانتخابات اللبنانية قد خمدت، مفسحة الأجواء لعاصفة تأليف الحكومة، التي قد تكون أقدر، من العاصفة الأولى، على اجتياح المؤسسات وتفريغها وصولاً الى الفراغ الذي كان الذريعة الأساس في تشريع التمديد.

من الواضح أن تأخر الرئيس المكلف تمام سلام بتشكيل حكومة الأمر الواقع، قد أدى الى ظهور عقد أكثر تعقيداً مما كان يواجهه في البدايات. فحزب الله، الذي تخلى عن عون في رفض التمديد، ملزم بتعويضه عن ذلك في التشكيلة الحكومية. والتعويض، كما هو معلن، لا يستطيع الرئيس سلام دفع أثمانه في العدد وفي اصرار الجنرال البرتقالي على حقيبتي  الطاقة والاتصالات.

وضغط حزب الله على الرئيس المكلف، تقابله ضغوط خارجية ومحلية على مشاركة حزب الله نفسه في الحكومة الموعودة. فثمة «فيتوات» كثيرة تبلغها الرئيس سلام، ترفض هذه المشاركة. أبرزها، وأكثرها ثقلاً على التشكيلة، «فيتو» دول الخليج، والسعودية تحديداً. يليه «الفيتو» الأوروبي والأميركي، مع الاعتقاد أن الفيتو المحلي مقدور عليه لأنه غير جدي ولا يتصف بالواقعية.

ومن الجبال التي تواجه الرئيس سلام، والتي يصعب عليه تسلقها وصولاً الى التأليف، تشدده برفض اعطاء الثلث المعطل لأي من فريقي 8 و14 آذار. إذ لا يخفى على أحد أن قيادات الثامن من آذار لا تثق بحيادية وزراء ما يوصف بالوسطيين أو المستقلين. وهم وزراء جنبلاط والرئيس سليمان والرئيس سلام. فهذه القيادات تعرف جيداً أن رياح هؤلاء الوزراء تجري بما تشتهي سفن 14 آذار.

لا شك في أن الرئيس المكلف سيستعين بالرئيس بري، لحلحلة هذه العقد المستعصية. لكن سحر زعيم حركة أمل قد لا يتمكن، وهو الاحتمال الأرجح، من مداواة «العمى الوطني» المنتشر بين القيادات السياسية. وبذلك سيجد الرئيس سلام نفسه أمام خيارين كلاهما أكثر مرارة من الآخر: إما أن يعتذر وتدخل البلاد في فراغ حكومي، تذرع التمديد بتجنبه، أو أن يشكل حكومة الأمر الواقع، فتدخل البلاد في انفجارات أمنية، تذرع التمديد أيضاً بتجنبها… وهكذا يكون التمديد لمجلس النواب، قد أنقذ النواب، ولم ينقذ البلاد من الفراغ والأخطار الأمنية… وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s