رها محرق: متسلّقة الحرية

لم يكن تسلّق أعلى قمة في العالم، أصعب من تسلّق “قمم” القيود الاجتماعية التي تعاني منها المرأة السعودية.  فبالنسبة لرها محرق، الرحلة إلى قمة إيفرست كانت شاقة جسدياً، لكن رحلتها إلى تحرّر المرأة هي الأكثر إرهاقاً في مجمعاتنا العربية المحافظة.

بصعودها أعلى قمة في العالم، تمكنت رها محرق (27عاما) من دخول التاريخ كأصغر عربية وأول سعودية تصل إلى قمة إيفرست.

يقول فريقها من المتسلقين إن رها بذلت جهودا مضنية للتغلب على الكثير من الصعاب من أجل تحقيق هدفها في الصعود إلى قمة ايفرست، نظرا إلى البيئة المحافظة التي تنتمي إليها والتي تفرض كثيرا من القيود على النساء.

رها المولودة في مدينة جدة السعودية، والمقيمة في دبي، قد تكون قهرت قمة جبل ايفرست لكنها لم تقهر بعد مجتمعها المحافظ.

رها محرق تحمل العلم السعودي في قمة إيفرست - أ ف ب

رها محرق تحمل العلم السعودي في قمة إيفرست – أ ف ب

تقول رها إنها ستكون غاية في السعادة بتغيير آراء الناس السلبية حول النساء السعوديات، وآراء السعوديات أنفسهن في أنفسهن.

وتضيف رها في كاتماندو بعد عودتها من قمة العالم إن هدفها التالي يتمثل في تسلق أعلى الجبال في سبع دول، مشيرة إلى أنها سبق وأن تسلقت خمسة من أعلى القمم في العالم.

وكانت رها واحدة من مئات الأشخاص الذين وصلوا إلى قمة جبل افريست البالغ ارتفاعه 8850 مترا، في الشهر الماضي، نظرا للظروف الجوية المواتية عادة في أيار (مايو).

واستطردت رها قائلة “ما قمت به عمل شخصي بحت. انني لم افعله لاي غرض بعينه، ولكني اذا استطعت ان أغير آراء الناس او آراء العالم عن النساء السعوديات، وإذا تمكنت من تغيير آراء النساء السعوديات انفسهن في انفسهن فإنني سأكون سعيدة بحق وحقيق.”

وقالت رها إنها لم تواجه أي متاعب خلال تسلقها الجبل: “كنت سعيدة للغاية بتكيفي مع الارتفاع ولكن عانيت كثيرا من التعود على البرد. انني قادمة من المملكة العربية السعودية.”

وأوضحت رها انها بدأت ممارسة التسلق من خلال تسلق جبل كلمنجارو في افريقيا منذ حوالي عامين ومن ثم وضعت عينها نصب جبل ايفرست “لأن شخص ما قال لي انه لن يكون في وسعي تسلقه واردت ان اثبت لنفسي انني قادرة على ذلك. وعندما وقفت بقدمي على قمة العالم ، فانني لم أكن مصدقة.

وقالت لوكالة الصحافة الفرنسية وهي ترتدي عباءة سوداء اللون تغطي رأسها “انها تجربة يصعب تصديقها”.

واضافت الفتاة السمراء والابتسامة على محياها “انا اول سعودية لكنني امل ان لا اكون الاخيرة. اعتقد ان هذه الخطوة ستشجع السعوديات على ابداء المزيد من الثقة بقدراتهن ومواجهة التحديات”.

وقام الفريق المكون من اربعة اشخاص نالوا شهاداتهم من الجامعة الاميركية في الشارقة بهذه المغامرة الجريئة بهدف جمع اموال للمساعدة في تعليم الاطفال في النيبال.

وقد اعلن القطري الشيخ محمد بن عبد الله ال ثاني “لقد نجحنا في جمع مليون دولار”.

وانطلقت رها من مسقط رأسها في جدة في الثالث من نيسان (ابريل) بعدما خضعت لبرنامج تدريبات صارم استمر زهاء عام ونصف العام.

لكن قبل ذلك، كان يتعين عليها اقناع عائلتها في الموافقة على قيامها بتسلق إيفرست لتصبح اصغر شابة عربية تتمكن من تحقيق هذا الهدف.

وفي مجتمع محافظ جدا، واجه اهل رها معارضة “عدد من افراد العائلة والناس في السعودية بشكل عام” بحسب قولها.  واوضحت في هذا السياق “لم افعل ما يتعارض مع ثقافتي وديانتي”.

وتتبع السعودية تفسيرا صارما للشريعة الاسلامية بحيث ان النساء ممنوعات من قيادة السيارة كما انهن لا يستطعن السفر من دون محرم.

لكن العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، وهو اصلاحي حذر، قرر في كانون الثاني (يناير) الماضي تعيين ثلاثين امراة في مجلس الشورى كما سمح للمراة بالترشح والتصويت في الانتخابات البلدية المقبلة العام 2015.

وممارسة النساء للرياضة غير موجودة تقريبا في المملكة حيث وافقت السلطات مؤخرا على ممارستها في المدارس الخاصة بالفتيات.

وكان الملحق الثقافي في السفارة السعودية لدى الامارات عبد المحسن الحارثي في استقبال مواطنته في مطار الشارقة ايضا.  وقال “انها رسالة الى رجال المملكة قبل نسائها تؤكد ان فتاة من السعودية وصلت الى القمة يعني انها قادرة على تحقيق ما يقوم به الرجال”.

وعلى غرار العديد من السعوديات، تأمل رها ان تتمكن من قيادة السيارة في بلادها يوما ما.  وقالت في هذا الصدد “لكن اذا كان من الصعب تحقيق ذلك، فهناك امور اخرى مهمة بامكاننا ان نبرع فيها”.

وتحدثت رها عن الأخطار التي أجبرت بعض المشاركين في الصعود الى أعلى قمة في العالم على الاستسلام والتراجع عن اكمال المشوار بينما ظلت هي صامدة حتى النهاية.

وقالت عن بداية الاستعدادات للرحلة التي ستظل بكل حلوها ومرها راسخة في ذاكرتها: قبل 15 شهرا بدأت التدريب الذاتي مدركة أن تسلق جبل ايفرست لن يكون رحلة سهلة بقدر ما فيها من إمتاع المجازفة والمغامرة. وأضافت قسوت على نفسي كثيرا في التدريبات التي كنت أقوم بها بمفردي وبجهد ذاتي من خلال البحث في المواقع الرياضية على شبكة الانترنت لترويض عضلات جسمي لتساعدني في مهمتي. وتنقلت بين رياضات ركوب الخيل والاسكواش والكرة الطائرة والجري والمشي. وبين كل فترة وأخرى كنت أسافر لتسلق جبل لأنه من الضروري معرفة التعامل الواقعي مع الجبال والثلج والطقس وصعوبات التسلق.

وتابعت رها في البداية تسلقت جبل كلمينجارو الذي يعتبر أعلى قمة في قارة إفريقيا. فقد سمعت من احدى صديقاتي عن مجموعة من متسلقي الجبال يستعدون لتسلق ذلك الجبل وانضممنا اليهم وحققنا هدفنا ثم تسلقنا جبلا آخر لكنني أكملت المشوار لوحدي بعد انشغال صديقتي بترتيبات زفافها.

وعن أصعب اللحظات التي واجهتها وفكرت فيها في الاستسلام، قالت رها في العادة عندما أريد تحقيق هدف ما أكون مندفعة نحوه وأحاول بقدر المستطاع الوصول اليه ولا استسلم الا في حال وجود خطر على حياتي. ولله الحمد لم أشعر بخطر خلال الشهرين اللذين كنت استعد فيهما لتسلق قمة ايفرست رغم الصعوبات النفسية والوعكات الصحية والإرهاق الصحي. وأضافت كان لقوة الارادة دور مهم في مواصلتي للمشوار، لافتة الى أن تواصلها مع أفراد المجموعة التي تضم أربعة عرب و11 أجنبيا كان يساهم في دعمها معنويا.

وأشارت الى أن طبيعة طقس المملكة كانت عاملا مساعدا لها، قائلة عندما تسطع الشمس على سفح جبل ايفرست وتعكس الثلوج أشعتها علينا كنت استمتع بذلك رغم تضجر باقي أفراد المجموعة من الحر الذي تسببه. وحينما تغيب الشمس يصبح البرد قارسا. وتفيد في ذلك التدريبات على طريقة الاهتمام بأصابع اليدين والقدمين للحفاظ عليهما بعدم خلع القفازات خاصة أثناء هبوب الرياح وتغيير قطعة تدفئة داخلية بعد ساعات من استخدامها وعدم الامساك بادوات مصنوعة من الحديد وتهوية الحذاء كل يوم.

وكشفت أنها كانت تحمل معها أربع حقائب كبيرة إذ أن الرحلة تتيح وجود أشخاص يحملونها بخلاف الرحلات الأخرى. وقد عبأت إحداها بأنواع متنوعة من المناديل المعطرة لقلة الأيام المتاحة للاستحمام. وأضافت لم يكن الصعود دفعة واحدة بل كنا نصعد إلى نقطة معينة ثم نخيم فيها ليومين ومن ثم ننزل إلى النقطة الأولى مرة أخرى بهدف تعويد الجسم على التعايش في ارتفاع معين وزيادة كريات الدم الحمراء للحصول على المزيد من الاوكسجين. ولكل مخيم نوعيات من الطبخ والوجبات. وكنت أتناول التمر الذي أحمله معي.

وحول أخطار التجربة قالت رها في كل يوم كنا نواجه أخطارا جديدة حيث إن هناك أخاديد في الجبل مغطاة بالثلج قد يسقط بها أي متسلق وهي كبيرة وعميقة للغاية ومخيفة. ومات بسببها أشخاص هذا العام، بالإضافة إلى تساقط الأحجار والثلج واحتمال الاصابة بماء الرئة من الارتفاع، موضحة أن ثلاثة من أفراد المجموعة استسلموا لأسباب صحية.

وعن تسجيل ذكرياتها عن الرحلة قالت إن والدها اعطاها دفتر ملاحظات وطلب منها كتابة صفحة كل يوم عن الرحلة وهو ما فعلته.

وحول الانتقادات التي وجهها لها البعض قالت أقول لمن ينتقدني «أخبرني ماذا قدمت أنت لتصحيح فكرة العالم عن مجتمعنا ووطنا الغالي؟».

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s