السينما… والمسألة “الإخوانية”: صيف وشتاء فوق سطح واحد

تحقيقعبد الرحمن سلام

فيلمان وثائقيان مصريان، اثارا عاصفة من الانتقادات في الوسط السينمائي ـ الثقافي المصري، لما رافق موعد عرضهما من تطورات وأحداث دراماتيكية ذات دلالات واضحة، استفزت صناع السينما والمثقفين في مصر، كما انبأت عن الفكر التسلطي الذي يسعى حكام مصر اليوم لاستخدامه، في مواجهة الفكر الليبرالي الذي كان احد ابرز اسباب قيام ثورة 25 يناير، قبل ان يتم اختطافها، وتحويل مسارها.

الفيلمان الوثائقيان هما: “عن يهود مصر” من اخراج امير رمسيس، و”التقرير” من اخراج عز الدين دويدار، وهو غير فيلم “التقرير” الذي مثله وأخرجه دريد لحام في العام 1986، عن قصة وسيناريو وحوار للراحل محمد الماغوط.

التفاصيل، في التحقيق التالي، وقد نقلها الينا ـ كما حدثت ـ وكيل اول وزارة الثقافة الاسبق، الناقد السينمائي وعضو لجان العديد من المهرجانات السينمائية  علي ابو شادي، في اللقاء الذي جرى بيننا في بيروت.

 

بدأ الناقد علي ابو شادي بالدخول الى صلب الموضوع، ومن دون مقدمات. قال:

–       كما ذكرنا، فإن الفيلم الاول يحمل اسم “عن يهود مصر”، مدته 45 دقيقة، وقد حصل على التراخيص كافة، اثناء وخلال وبعد عملية تنفيذه، من كل الجهات الرقابية ذات الاختصاص في مصر، بما في ذلك ترخيص العرض، حيث ان مخرجه امير رمسيس (يقدم نفسه كأحد تلامذة الراحل يوسف شاهين)، كان يرغب بعرض فيلمه، جماهيريا، مع العلم ان الافلام التسجيلية ـ الوثائقية، لا تعرض عادة بشكل جماهيري، وهو ما “تعلمناه” منذ اواسط خمسينيات القرن الماضي، حيث كان يتم عرض شريط تسجيلي ـ وثائقي من “جريدة مصر الناطقة”، قبل موعد عرض الفيلم الروائي، في دور العرض التي كانت متخصصة بعروض الانتاجات السينمائية العربية، ليس في مصر وحدها، وإنما ايضا في الكثير من دور العرض العربية (لبنان ـ سوريا ـ العراق وسواها) التي كانت تعرض ـ في غالب الاحيان ـ الفيلم العربي.

ويتابع علي ابو شادي:

–       اما عرض فيلم تسجيلي ـ وثائقي في دار للسينما يدخلها الجمهور بتذاكر مدفوعة الثمن، وبحسب سجلات السينما الوثائقية ـ التسجيلية، فلم يحدث سوى في العام 2011 (في مصر)، عندما عرض الفيلم التسجيلي ـ الوثائقي “مصر 2011”.

وعن فيلم “عن يهود مصر”، شرح علي ابو شادي:

–       مخرج الفيلم امير رمسيس، وفي اكثر من لقاء جمعنا مع نقاد وسينمائيين ومثقفين آخرين، لطالما اكد لنا ان هدفه من صناعة فيلمه، هو التفريق بين “اليهود” و”الصهيونية”، لأنه مؤمن بأن ليس كل يهودي صهيونيا، وان اليهودية ديانة سماوية، فيما الصهيونية حركة سياسية عنصرية عدوانية استيطانية استولت على فلسطين التاريخية العربية، وطردت سكانها المسلمين والمسيحيين العرب، واحتلت بالعنف والتهديد والقتل وقوة السلاح، ارضهم وممتلكاتهم، على اعتبار انها “ارض الميعاد” التي وعدهم بها الله، ليقيموا عليها دولتهم حتى آخر الزمان؟!

ويعلق علي ابو شادي:

–       المخرج، قدم فيلمه بأمانة كبيرة، ومن خلال شهادات حية لبعض من تبقوا من اليهود المصريين (على ندرتهم)، كما استعان بصور فوتوغرافية ـ ارشيفية لمشاهير يهود مصر، وبشكل خاص، الاشهر بينهم، “هندي كورييل”، بالاضافة الى آخرين، مثل “يوسف درويش” و”شحاتة هارون”، والاخير، يقول علي ابو شادي، هو صاحب مذكرات “آخر يهودي في القاهرة”.

ويكمل: لكن الذي حدث، وشكل المفاجأة الكبرى، هو تصرف الرقابة على المصنفات الفنية (تتبع وزارة الثقافة في مصر). فبعد أن حجز مخرج الفيلم قاعة العرض لفيلمه، “صُدِمَ” بالرقابة المذكورة وهي تطلب منه نسخة لعرضها “على جهة سيادية” (كما ذكرت) طلبت مشاهدة الفيلم لابداء الرأي، قبيل العرض، وكذلك، تبلغ من الرقابة ذاتها، ان “هذا الاجراء سياسي واتخذه مكتب وزير الثقافة”؟! وكل هذا، والفيلم حاصلاً على كل الموافقات؟!!

وينهي علي ابو شادي موضوع ما حدث مع فيلم “عن يهود مصر”:

–       في “همسات” القاهرة التي لا تنتهي في هذه الايام، يقولون ان سبب “الاعتراض السيادي” على فيلم “عن يهود مصر”، هو ان مؤسس “جماعة الاخوان المسلمين” حسن البنا، يظهر في الفيلم، حيث كان على صلة بيهود مصر في مرحلة من مراحل التاريخ المصري، وعندما نعرف أن “الاخوان” يتفاخرون في السر والعلن بدور كان لهم في حرب فلسطين (حرب النكبة الاولى في العام 1948)، ربما قد ندرك أن اظهار المرشد المؤسس للجماعة، كصاحب علاقة باليهود، مسألة بالغة الخطورة، لا سيما وان “الاحفاد” هم من يحكمون مصر اليوم؟!

ويصل بنا الحديث الى الشق الثاني من التحقيق، والمتعلق بالفيلم الآخر، وعنوانه “التقرير”، وهو، كما ذكرنا في المقدمة، غير فيلم “التقرير” الذي كتبه الراحل محمود الماغوط وأخرجه ولعب بطولته النجم السوري دريد لحام، وعرض جماهيريا في الوطن العربي في العام 1986. وعنه، قال الناقد السينمائي علي ابو شادي:

–       “التقرير” الجديد، أخرجه عز الدين دويدار، وقام ببطولته محمد شومان وأحمد المريدي، وبدوره تعرض لأزمة عرض، ولكنها ازمة مختلفة تماما عن ازمة عرض الفيلم الاول “عن يهود مصر”، حيث ذكر (بحسب ما راج من اخبار وتعليقات في الوسط الثقافي ـ السينمائي) ان محمد شومان ممثل “اخواني”، رغم أن هذا الامر غير مؤكد ولم يعرف عنه من قبل، اي منذ ان ظهر في السينما وبدأ بتقديم اعماله من خلالها، ومن هذه الاعمال، على سبيل المثال، اعلاناته التلفزيونية التي كان يتعاون من خلالها، مع وزير مالية مصر الاسبق الدكتور يوسف بطرس غالي، في زمن ما قبل ثورة 25 يناير، وهذه الاعلانات كانت عن الضرائب والاقبال الجماهيري على تسديدها.

ويضحك علي ابو شادي وهو يؤكد أن محمد شومان وان يكن غير اخواني، فإن مخرج “التقرير” (الجديد) عز الدين دويدار، هو “اخواني” شكلا ومضمونا واعترافا وتصريحا، فهو ملتح، وسبق أن اعلن في اكثر من مناسبة، علنية أو خاصة، انتماءه لجماعة الاخوان المسلمين، كما ان الشركة التي انتجت “التقرير” الجديد، اسمها “سينما النهضة”، حيث ان كل العاملين في الوسط السينمائي يعلمون بوضوح ان المشروع الاخواني الذي قدمه رئيس مصر الاخواني محمد مرسي، هو بعنوان “مشروع النهضة”، حيث تبت في نهاية الامر ان لا وجود لهذه النهضة إلا على الورق فقط. أقله حتى اليوم؟!

ويشرح علي ابو شادي: أما عن سينما النهضة ـ الشركة المنتجة لفيلم “التقرير” الجديد، فتضم مجموعة من 600 سينمائي، هدفهم، بحسب ما سبق وأعلنوا ـ بعد أزمة فيلم “التقرير” المذكور، اعطاء الفرصة للشباب العاطلين من العمل السينمائي ليعبروا عن انفسهم، وأيضا، ليوضحوا اهداف الثورة، والمقصود بـ”الثورة” هنا، هو ما جرى في 25 يناير من احداث يرون انها لم يتم التعبير عنها سينمائيا بعد، وبالشكل والاسلوب الصحيحين؟!

ويكشف على ابو شادي:

–       وبالعودة الى جوهر الموضوع، فإن فيلم “التقرير” الجديد، لم يحصل على اي تصريح للتصوير، أما التنفيذ، وليست معه اي تصاريح للعرض، والمخرج، يبرر كل هذا بالقول ان فيلمه “ينتمي الى تيار السينما المستقلة”، ولا يعرض تجاريا، ولذا (ودائما بحسب قول المخرج)، ليست هناك اي حاجة للحصول على تصاريح او تراخيص من اي جهة رسمية سينمائية؟!

لكن ما ينفي هذه الادعاءات، يؤكد الناقد علي ابو شادي، ويؤكد عدم صحة كلام المخرج (خصوصا في قوله ان فيلمه لا يهدف الى الربح) هو ان العرض الخاص الذي دعا اليه في “قاعة سيد درويش” في اكاديمية الفنون، قد تم بيع تذاكره، وان سعر التذكرة الواحدة كان مئة جنيه مصري، وان رئيس الاكاديمية الدكتور سامح مهران عندما اكتشف ان الفيلم تم تصويره خارج اطار مساره القانوني وخارج اطار الدولة المصرية، سحب موافقته على العرض داخل الاكاديمية، ورد العربون لأصحاب الفيلم، فيما القائمون على القاعة، كانوا قد حصلوا على جزء من اجر العرض كتعبير عن الجدية.

ويعلق الناقد السينمائي الزميل علي ابو شادي، على ما جرى، بذكر العبارة الشهيرة التي نطق بها الممثل الراحل حسن البارودي في الفيلم الشهير “الزوجة الثانية”، وفيه ان “العمدة” (الممثل صلاح منصور) أراد الزواج عنوة من “فاطمة” (سعاد حسني)، وعندما طلب منه تقديم اوراق ثبوتية محددة لاتمام هذا الزواج، دعمه شيخ البلد (الممثل حسن بارودي) بالقول: يا عمدة… البلد بلدنا… والدفاتر دفاترنا… وكل شيء تمام وحا يمشي زي ما انت عايز؟؟!

ويضيف الناقد السينمائي علي ابو شادي:

–       ويبقى ان فيلم “التقرير” الجديد، لم يشاهده احد، وعلاقة اهل السينما في مصر، به، علاقة سماع فقط لا غير، والكل يجمع على انه ضد منع اي فيلم، ومع منحه فرصة العرض كاملة، بصرف النظر عن كونه “فيلما اخوانيا” من عدمه.

المخرج عز الدين دويدار، وعلى اثر ما حدث من تطورات دراماتيكية ادت الى وقف عرض فيلمه في قاعة سيد درويش بأكاديمية الفنون، سارع الى استئجار قاعة في احد فنادق الـ5 نجوم، لا لعرض فيلمه، وإنما ليشهر بأكاديمية الفنون وليطالب  بحقه بالعرض، لأنه، وبحسب ما ذكر، “لا يقل عن المخرج خالد يوسف في مجال الاخراج السينمائي”، وفيلمه ليس اقل من افلام خالد يوسف، وأنه لا بد من ان يحصل على حق العرض، وبأي شكل من الاشكال؟!

وينهي الناقد السينمائي علي ابو شادي بالاعلان ان مخرج فيلم “التقرير” الجديد، والعاملين معه، قرروا ان “السينما سينماهم” وان “مصر ملكهم يفعلون فيها ما يشاؤون ولا يحق لأي كان ان يعترضهم او يمنعهم، علماً بأن قوانين الواقع تقول ان من يريد اخراج فيلم سينمائي، من اي نوع كان وإلى اي فئة انتمى، عليه الحصول على كل التراخيص اللازمة، ومنها تقديم “سكريبت السيناريو” قبل المباشرة بالتصوير، ولا بد من عرض الفيلم على الرقابة المختصة للحصول على موافقتها بحق العرض، بعد الانتهاء من التصوير.

ويختتم الناقد السينمائي علي ابو شادي بالتأكيد على ان كلامه لا يعني بالضرورة موافقته الشخصية على وجود رقابة، لكن الامور في مصر تسير هكذا، منذ ان بدأت صناعة السينما في مصر في اواخر القرن الـ19 وحتى اللحظة؟!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s