تمام سلام سجين الصبر

لا رغبة عنده في الإعتذار … ولا قدرة لديه على التأليف.

هذا هو حال الرئيس المكلّف تمام سلام.

الرجل يحاول بالصبر أن لا يدخل نادي الرؤساء من باب الفشل الذي دخله من قبله الرئيس الراحل أمين الحافظ.  وبصبر المراهنين على نفاد صبره، فلن يُسمح له بدخول النادي كرئيس فعلي لمجلس وزاري حقيقي.

الصراع المحتدم، بين شروط من رشّحه، وشروط من ناور بتأييد ترشيحه، يضيّق فسحة الأمل بتشكيل حكومة تنقل الرئيس المكلّف من قصر المصيطبة إلى قصر السرايا.

لقد تأكد أن تفويضه بالتأليف، الذي كاد يبلغ إجماع النواب، كان سببه عجز فريق 8 آذار عن ترشيح شخصية من أركانه، ففضّل اختيار تمام سلام متحاشياً هزيمة الاستشارات النيابية، بعد انقلاب جنبلاط وميقاتي على انقلابهما الأول ضد سعد الحريري.

القابلون قسراً، أو على مضض، بتكليف تمام سلام، تفرّغوا لوضع الأفخاخ التي تبقي على الفراغ الحكومي، الذي يطيل في عمر حكومة تصريف الأعمال المحكومة بأغلبيتها من قبل وزرائهم.

ونصب الأفخاخ في لبنان عملية سهلة، طالما أن الدفاع عن أي شروط، سواء كانت منطقية أو غير منطقية، لها جمهورها المؤيد “على العمياني”.

لقد طرح تمام سلام فكرة حكومة المصلحة الوطنية.  وعرض أن يكون أعضاؤها من سياسيي المنطقة الرمادية.  أي من الذين لا تصبغهم الألوان السياسية الفاقعة.  وأيده بذلك فريق 14 آذار وأعلن زهده الموقت بالحكم، مسهّلاً إنقاذ السلطة التنفيذية من فراغ السرايا.

لكن “حزب الله”، الذي غالباً ما كان يؤكد زهده في دخول الحكومات، تراجع عن ذلك مشترطاً أن “لا حكومة من دونه”، متجاهلاً أن حكومة نجيب ميقاتي تشكّلت بلا تيار المستقبل، وبلا الكتائب، وبلا القوات اللبنانية.  فكيف إذاً قامت “حكومة من دونهم” ولا تقوم “حكومة من دونه”؟

ومن الشروط التي تزيد عقد التأليف بلّة، إصرار التيار العوني على التمسّك بوزارتي الطاقة والاتصالات، وبوزيريهما، مع الإمساك بـ”الثلث المعطل”.  وهذا يعني أن الحكومة، إذا تشكّلت بشروط عون و”حزب الله”، فلن تستطيع أن تحكم.  فإن لم يعطّلها “الثلث المعطّل”، فسيعطّلها الخلاف حول بند ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة في البيان الوزاري.

على ضوء هذا الوضع، هل يدرك تمام سلام أن صبره لن يحل استعصاءات الشروط المعطّلة للتأليف؟  حيث لا هو قادر على تشكيل حكومة الأمر الواقع، ولا فريق 8 آذار يقبل بحكومة لا يتحكّم بقراراتها.

يبقى أن يدرك “سجين الصبر” … أن للصبر حدوداً قد تجاوزها وأن الوضع المتأزم والمتردي لم يعد يطيق الصبر على صبره.

سامر الحسيني

رحلة التكفير: كيف حوّل الإخوان الفن الحلال إلى حرام؟

عبد الرحمن سلام:

على شاشات الفضائيات التي تتبع “جماعة الاخوان المسلمين” في مصر، وجّه احد اعضاء  هذه الجماعة الى النجمة السينمائية الهام شاهين، اتهامات تمس العرض والسمعة والكرامة، من دون ان يقيم اي دليل على اتهاماته، ما اثار حفيظة اهل الوسط الفني، فتوحدوا حول زميلتهم، وهاجموا من هاجمها، حيث خرجت كل الاقلام تدافع عنها، وعن حرية الابداع الذي قدمته في جميع أعمالها السينمائية، ورافضة الوصاية على الفن، وكذلك الاتهامات التي تطلق بحق الفنانين والفنانات، معلنين بالتالي رفضهم التام لـ”اخونة” الفن.

ورغم أن الاخوان يطيعون مرشدهم طاعة عمياء، فإنهم لم يطيعوه في تلك المسألة، وإنما لجأوا الى العنف في التعبير عن رفضهم للتمثيل وللممثلات، من دون ان يكلفوا انفسهم مشقة البحث عن علاقة مرشدهم الاول مؤسس حركة  الاخوان المسلمين، حسن البنا، بالفن والفنانين، وكان من نتيجة تصرفاتهم الشاذة ان قامت النجمة الهام شاهين برفع دعوى سب وقذف وتشهير ضد عضو الجماعة، انتهت بمعاقبته بالحبس والغرامة، في برهان اضافي على غلوهم.

ورغم لقاء  الرئيس (قبل عزله) محمد مرسي، مع العديد من نجوم التمثيل، فإن جماعة الاخوان لم ينطقوا بكلمة، ولم “يهاجموا رئيسهم” الذي استقبل الممثلات، وصافحهن.

وهذا اللقاء، لم يلغِ تخوّف اهل الفن من رغبة ونية الاخوان من “اخونة” الابداع.

الباحث المصري محمود خليل (باحث في التاريخ) تتبع تاريخ مؤسس حركة الاخوان ومرشدها الاول الشيخ حسن البنا، وأيضا تاريخ الجماعة، حيث لا يمكن فصل احدهما عن الآخر، وكشف في دراسته عن الوجه الآخر للمرشد حسن البنا وجماعته بعنوان “البنا والاخوان تاريخ اسود مسكوت عنه”. وقد يكون هذا التاريخ معروفا لدى البعض، غير ان الكثيرين يجهلونه، ويسعى “الاخوان” (الحاليين) الى طمسه، ومهاجمة كل من يحاول فتح ذاكرة التاريخ ليضيء على الماضي، ومنه، علاقة حسن البنا، والكثير من رموز الاخوان، وبعض مشايخ الازهر الشريف، بالفن والفنانين، وهو ما نتناوله في تحقيقنا هذا.

فنانات ضد الاخوان

فنانات ضد الاخوان

علماء الأزهر يرتادون دار الأوبرا

في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي، كان عدد من علماء الازهر يذهبون الى دار الاوبرا المصرية، ويقيمون علاقات صداقة وتعارف بالفنانين، من اصحاب الفن المحتشم، كالشيخ محمد مصطفى المراغي (شيخ الازهر) الذي ارتاد لمرات دار الاوبرا المصرية وحضر فيها بعض الاحتفاليات، ولم ينتقد هذا الامر اي من علماء عصره. ثم جاءت مرحلة الثمانينيات لتكتب مجلة “التوحيد” التي تصدر عن “جماعة انصار السنة” في مصر، ولتنبش في ماضي الرجل، وتهاجمه هجوما حادا تحت عنوان “عمائم في الاوبرا”،  ما اضطر ابنه الدكتور اسماعيل المراغي ان يكتب توضيحا عن الفارق بين “اوبرا الماضي” و”أوبرا الحاضر”، وان الاولى كانت تراعي البيئة والالتزام في كل ما كانت تقدم من فنون راقية، محترمة، وغير مسفة.

ايضا، كان الشيخ مصطفى عبد الرازق (شيخ الازهر) معروفا بعلاقته مع كثير من الفنانين، وعلى رأسهم محمد عبد الوهاب وأم كلثوم. كما كان بين الفنانين، ملحنون وشعراء ومطربون وعازفون، بعضهم يحمل لقب “شيخ”، ويباهي به، وأيضا، ينادى به، من دون اي حرج، ومن دون ان تستنكف الطبقة الفنية من ذلك، أو تلفظه، أو ترفضه، او حتى تحتج مجرد احتجاج عليه، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ سلامة حجازي والشيخ زكريا احمد والشيخ امام عيسى وصولا الى آخر مطرب برتبة المشايخ، الملحن والعازف والمطرب الشيخ سيد مكاوي.

التلمساني: تعلمت الرقص

ويضيف المؤرخ محمود خليل: في كتاب “ذكريات لا مذكرات”، قال عمر التلمساني (من مرشدي جماعة الاخوان السابقين): ان في حياتي  ما لا يرضي المتشددين من الاخوان او غيرهم، كالرقص الغربي، والموسيقى، وحبي للانطلاق. تعلمت الرقص “الافرنجي” في صالات “شارع عماد الدين” وكان تعليم الرقصة الواحدة في مقابل ثلاث  جنيهات. تعلمت “الشارلستون” و”التانغو” و”الدن سيت” و”الفوكس تروت”، وأيضا العزف على العود. ولئن سألوني عن الهوى، فأنا الهوى وابن الهوى وابو الهوى وأخوه؟!

وتحت عنوان “صليت في السينما” يذكر عمر التلمساني: “لما كنت اباشر عملي كمحام وانزل يوم الجمعة لاشاهد بعض الافلام السينمائية، “كنت انتهز فرصة الاستراحة لأصلي الظهر والعصر مجموعين مقصورين في أحد أركان السينما التي اكون فيها”.

فرق مسرحية “اخوانية”

في كتابه “خصائص الفن عند البنا” يقول الكاتب عصام تليمة: قد يستغرب القارئ، للوهلة الاولى، من عنوان الفصل. فما شأن حسن البنا والفن؟! وهل فعلا كان للبنا تجربة في الفن؟ وهل هذه التجربة غنية الى حد ان يتم تناولها ويجعلها مادة تستحق البحث؟ لقد رأيت بالفعل ان الامر جدير بالبحث، والمناقشة لا سيما وان الموضوع (والكلام دائما للكاتب عصام تليمة) كان دائما من الموضوعات التي نأى الباحثون بأنفسهم وأقلامهم عن البحث فيها، أما لوضع نتائج مسبقة قبل البحث بأن علاقة حسن البنا بالفن لن تتجاوز حدود اصدار فتوى، أو ملامسة الموضوع عن بعد من حيث “الحلال والحرام” وليس اكثر؟! لكن الحقيقة تؤكد ان المرشد مؤسس حركة الاخوان، جعل للفن مساحة ليست بالصغيرة في “جماعته”، فأنشأ فرقة مسرحية. بل فرقا مسرحية، لعل ابرزها وأشهرها “فرقة القاهرة”. فقد أنشأ مرشد الاخوان حسن البنا في معظم شعب الاخوان المسلمين، فرقا مسرحية، رغم ان اول رسالة صدرت تهاجم الفن والتمثيل عند “جماعة الاخوان” كانت بسبب مسرحية قدمتها شعبة “محافظة طنطا” وفيها قدمت قصة “الذبيح اسماعيل” عليه السلام، حيث احضرت الفرقة كبشا، ومثلوا شخصية اسماعيل عليه السلام.

علاقة البنا بالفنانين

وفي كتابه عن المسرح عند “الاخوان”، يقول الكاتب محمود عبد الحليم: اقام حسن البنا علاقات مع الفنانين تركت اثرا طيبا عن دعوة الاخوان في نفوس اهل الفن، سواء كانت العلاقة بلقاء عابر لا يفوتهم فيه غرس معنى من معاني الاسلام الحسنة، او بإقامة علاقة ود، ومن ابرز هؤلاء الفنانين ثلاثة، عرفتهم من خلال البحث، أولهم الفنان انور وجدي الذي كان له صيت ذائع في الاربعينيات من القرن المنصرم، وكان يلقب بـ”فتى الشاشة”، وله جمهوره المتابع لفنه.

ويروي القيادي الاخواني الدكتور محمود عساف  كيف توجه بصحبة المرشد حسن البنا الى البنك العربي لفتح حساب للاخوان، اذ لم يكن لهم حساب بأي بنك، بعد، ولدى وصولنا، كان هناك رجل جالس على مقعد مجاور لمقعد المدير “شومان بك”. وما انتهت المقابلة بين الاثنين، حتى التفت الرجل تجاهنا وهو يعلن بصوت مسموع: “حسن بك. اهلا وسهلا”. ثم تقدم نحونا مصافحا الإمام، ومقدما نفسه لي: أنا انور وجدي المشخصاتي (ضاحكا) يعني الممثل. طبعا انتم تنظرون الينا ككفرة نرتكب المعاصي في كل يوم، مع انني والله اقرأ القرآن الكريم وأصلي.

ورد عليه الامام حسن البنا: يا اخ انور. انتم لستم كفرة. ولا عصاة بحكم عملكم، فالتمثيل ليس حراما في حد ذاته، لكنه حرام اذا كان موضوعه حراما، وأنت واخوانك الممثلون تستطيعون ان تقدموا خدمة عظمى للاسلام اذا عملتم على انتاج افلام ومسرحيات تدعو الى مكارم الاخلاق، بل ستكونون الاكثر قدرة على نشر الدعوة الاسلامية من كثير من الوعاظ وأئمة المساجد. فأنت مرحب بك عندنا وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الاخوان بـ”الحلمية الجديدة” (منطقة في وسط القاهرة) لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة والدعوة الى الله.

وينهي محمود عبد الحليم بأن انور وجدي وعلى اثر اللقاء المذكور، كان له اكثر من زيارة الى مقر “الجماعة”، وأنه، قدم من ثم، ومثل وأخرج فيلم “ليلى بنت الفقراء”.

اما الفنان الثاني، فهو المخرج والمنتج والمؤلف والممثل السينمائي حسين صدقي الذي ميّز مسيرته السينمائية بعشرات الأفلام الملتزمة بالدعوة الى الاخلاق، وكان بينه وبين  جماعة الاخوان عموما، والمرشد حسن البنا بشكل خاص، علاقة في سنوات الاربعينيات من القرن المنصرم، وهذا الفنان، ادخل الى منهج حياته الفنية، منذ ظهوره وحتى رحيله عن هذه الدنيا، الكثير من المفاهيم، كما اتجه، في آخر انتاجاته السينمائية الى تقديم الافلام التاريخية التي تروي الفتوحات الاسلامية، ومنها على سبيل المثال، فيلم “خالد بن الوليد”، وكان انتاجا ضخما، بالالوان وبالسينما سكوب، كما شيد مسجدا قرب منزله، حمل اسمه.

أما الفنان الثالث الذي يبدو ان المرشد حسن البنا وجماعة الاخوان بنوا معه علاقة ود، ورأى منهم سلوكيات طمأنته الى موقفهم  تجاه الفن، ما انعكس ايجابيا على رأيه فيهم، فكان النجم العربي العالمي عمر الشريف (اللبناني الاصل المسيحي الديانة الذي اشهر اسلامه في القاهرة) فعندما هاجت الدنيا، على اثر فوز جماعة الاخوان في انتخابات البرلمان المصري (تشرين الثاني ـ نوفمبر 2005)، تخوفا من موقفهم تجاه الفن والثقافة، ويومذاك، انبرى عمر الشريف ليصرح في اكثر من مناسبة، بأن “لا اساس لهذا الخوف من الاخوان” فهو يعرفهم منذ سنوات، وهم ليسوا ضد الفن او الفنانين”.

ولا شك في أن هذا الفهم تكوّن لديه منذ نهاية الاربعينيات وبدايات الخمسينيات (كما ذكر) خصوصا وان الاخوان غابوا بعد ذلك، ولزمن، وراء قضبان السجون (منتصف السبعينيات).

والامر المستغرب، ان الاخوان المسلمين، في مرحلة مرشدهم الاول الشيخ حسن البنا، وأيضا في مرحلة مرشدهم التلمساني، اظهروا انفتاحا على الحركة الفنية وعلى الفنانين، بينما اختلف الامر في ازمنة بقية المرشدين الذين توالوا على شؤون الاخوان فيما بعد، فرأيناهم يهاجمون، على سبيل المثال وليس الحصر، الشيخ المقرئ الجليل محمود خليل الحصري، بسبب اتجاه ابنته المطربة (المعتزلة) ياسمين الخيام (اسمها الحقيقي افراج محمود خليل الحصري)، فكان ان تصدت لكل الحملات التي حاولت النيل من والدها رحمه الله، بأن اعلنت في أكثر من مناسبة، ان والدها المقرئ الجليل هو مرشدها، وموجهها، وناصحها، وأنه اوصاها باجتناب الوعورة في طريق الغناء، وأنه لطالما اكد لها على ضرورة افادة الناس من موهبتها الغنائية، ولطالما طالبها بإتقاء الله بها، ولذا، فإن عطاءها (قبل وبعد الاعتزال) كان في حب الله، وحب ابناء وطنها.

مسلك اتهام الفنانين؟

وفي اتجاه تجييش الرأي العام ضد الفن والفنانين، سلك الاخوان، في السنوات الاخيرة، مسلك اتهام اصحاب الاسماء المعروفة في العديد من المجالات الاجتماعية ـ المهنية، بعلاقات ما، مع فنانات معروفات، اضافة الى محاولات تشويه السمعة، وهو السلاح الذي اتبع مع النجمة الهام شاهين أخيرا، ومع الممثلة المعتزلة ايمان الطوخي منذ سنوات، عندما اشاعوا كذبا وافتراء عن علاقة الشيخ المنشد الديني محمد الطوخي والممثلة ايمان الطوخي، حيث ذكروا ان الممثلة هي ابنة غير شرعية للشيخ المقرئ الديني، ما اضطر معه الشيخ المقرئ الجليل الى نفي الخبر جملة وتفصيلا على صفحات مجلة “الاعتصام”، فيما توجهت الممثلة المحترمة (المعتزلة) ايمان الطوخي برفقة محاميها، الى القضاء، حيث لا تزال دعواها منظورة أمامه.

قهوجيات: رياضات

منذ القديم ومنذ استتباب نفوذ الامبراطورية الرومانية على العالم شاعت المنافسات والمراهنات في كل شيئ، قمة ذلك كانت في المباريات حتى الموت بين الأسرى وبين الحيوانات الضارية كالسباع والنمور. كانت حفلات هذا النوع من المصارعة تقام في الملاعب الكبيرة حيث كان الامبراطور يتصّدر الاحتفال الدموي الرهيب.

لقد شعر الرومان بفائض القوة مع انحسار متزامن للحس الانساني لديهم. ومع أن التشريعات الرومانية في الحقوق قد رَفدت العالم بالقوانين الا أن الممارسات الموروثة كانت مناقضة للحق والعدل والشعور الانساني.

هذا النوع من المجازر كان يسمى “رياضة”! تلهب حماسة المشاهدين وترفع من منسوب المتعه لديهم وخصوصاً بحضور الامبراطور.

ولقد انتهج الانسان على مر العصور انواعاً عدة من الرياضة ذلك  قبل سيطرة الرومان على العالم، وكانت كلها ذات أهداف نبيله وأخلاقية، فقد شكل اليونان ما يسمى بالالعاب الاولمبية وكان شعارها: الاقوى، الأسرع،  الأعلى، ويكلّل البطل المنتصر بأكليل الغار، فلا دماء ولا أشلاء ولا موت…

ومع ذلك، فبعد العهود الرومانية ومطالع القرون الوسطى ظهرت رياضة “مصارعة الثيران” وفيها تذكير صارخ لما كانت عليه المنافسات الرومانية. فما معنى أنه يقتل المصارع ” الماتادور” الثور الذي يقابله، وما هي المتعه التي يجنيها المشاهد من رؤية الحيوان وقد انغرست في ظهره السهام وبدأ يسيل دمه الى أن يصل الى الموت فتحي الجماهير بملء حناجرها المصارع المنتصر.

لست أدري ما هو الهدف والمعنى من هذه الألعاب التي اطلق عليها اسم “رياضات”، فما أعرفه وأفهمه واستوعبه هو أن الرياضة هي لصلاح الجسد والعمل على توازنه وانسجام وقوة عضلاته، فعندما نقول رياضة يتبادر فوراً الى اذهننا جسم الانسان، اذ لا رياضة بمعزل عن هذا الجسم لذلك كان ولا يزال هدفها بناء انسان سليم وهي كما يقولون- غذاء للروح وفهم النظام العام وتهذيب وتشذيب بعض العادات السيئة والابتعاد عن كل ما هو رديء وغير أخلاقي.

كنت دائماً- ولا زلت- أصاب بالحيرة عند رياضة الملاكمة: أثنان يصعدان الى حلبة يتصافحان ثم عند الاشارة يبدأن باللكم والضرب فتسيل دماء وتنكسر أنوف وغياب عن الوعي.. مع أنهما لا يعرفان بعضهما بعضا ولم يسبق أن تقابلا أو التقيا!!

هناك مثلاً سباق الموتوسيكلات، ما هو الهدف منه؟ وكذلك السيارات، حتى تسلق الجبال عبر المخاطر وعبور جرف جبلي ما، فالمتسلق في تلك الحالة لا يسعى لانقاذ انسان آخر وانما فقط للتحدي والمتعة ومجابهة خطر السقوط! اعتقد بأن الحفلات الرومانية مع ما خلّفت من ضحايا، وما تركته من ثقاقه العنف، لا زالت جذوتها غير خامدة الى اليوم حيث دخل السلاح الفتاك بكل الانواع ليكون في منافسة دموية مع الانسان. إنها رياضة فائض القوة من قبل السلطات الديكاتورية والمستعمرة.

هناك العديد من أنواع الرياضة “الانسانية” التي لها علاقة بالاخلاق وتهذيب النفس. نحتاج اليوم الى مفهوم جديد للرياضة ينمو معها العقل أكثر من نمّو العضلات وحس المغامرات القاتلة.

د.غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

 

وجهات نظر

 استثمار الكوارث

ليس لأن لبنان جبل لا تهزه الرياح. ولا لأنه يملك خبرات مصرفية لا تملكها سويسرا بجلالة قدرها وشهرتها. ولا لأن فيه عقولاً اقتصادية عبقرية كان يفتقدهما قطبا الاقتصاد في التاريخ الحديث كارل ماركس وآدم سميث.

ليس لكل هذا يتمتع لبنان بالمناعة  ضد الافلاس، فهو بلد يتقن استثمار الكوارث في المنطقة، ويجيد أكل لحوم الأكتاف المثقلة بحمل المشاكل والأزمات.

منذ قديم الزمان ومصائب الآخرين يعم رخاؤها على اللبنانيين. وكلما تكدست الغيوم في دولة شقيقة، أمطرت في مصارف لبنان فزادت ودائعها وفاضت سيولتها.

الهروب الأول

عندما سادت الاشتراكية مصر وسوريا والعراق، وهي دول كانت في ذلك الزمن الأكثر ثراء بين العرب، هرب المتمولون فيها الى بيروت، وهرّبوا معهم ثرواتهم، فانتفخت صناديق المصارف اللبنانية، وانتعشت الصناعة، وازدهرت التجارة، وبدأ النمو يتصاعد الى أن سمّي لبنان، في تلك الفترة، بسويسرا الشرق.

من هنا كانت البداية.

اللجوء

مع ظهور النفط في دول الخليج، كان الجهل وشبه الأمية مدخلاً للاستعانة باللبنانيين. تماماً كما يستعين الأعمى بالأعور، حتى ولو كان الأعور الدجال.

وبشيء من الدجل، وبكثير من الشطارة والفهلوة، في بلاد كانت تحتاج الى كل شيء، كان الأسهل على اللبناني استغلال طيبة أبناء الخليج وقلة خبرتهم ومعرفتهم، لجني الثروات والتربع على عرش التجارة والمقاولات والمصارف.

تجارة الدم

عندما انهزمت المقاومة الفلسطينية في أيلول الأسود، نزحت من الأردن وفتح لها اللبنانيون بلدهم، الذي تحوّل الى سوق للسلاح والدم والدمار.

انتعشت الأحزاب، وتشكلت المنظمات على عجل، وتعددت بأعداد الزواريب، كل ذلك لتقاسم إغداقات الدعم المتعدد المصادر. وعاش العباد في بحبوحة اقتصادية، لم يعكرها سوى الرعب والقتل والخطف والخراب.

صفقات “الربيع العربي”

حتى عندما اندلع “الربيع العربي”، وكادت نيرانه تصل لبنان، ومع أنها ما زالت تقترب منه، فقد أطل الكثير من اللبنانيين، من بين أنقاض الربيع الدامي، عارضين خدماتهم في شتى المجالات، من شراء وبيع السلاح، الى تهريب الأموال وغسلها، وذلك امتداداً من جنوب ليبيا الى آخر صفقة في “كردستان” العراق.

وأكبر استثمار في كوارث “الربيع العربي”، كانت الكارثة السورية، التي حوّلت مصارف لبنان الى ملجأ آمن للثروات السورية الخاصة، ومركزاً ناشطاً لتصدير السلاح والمقاتلين.

مادلين مطر تنهي “استراحتها الالزامية”: الأحداث العربية أفقدتني “شهية الفن”

مادلين مطر

مادلين مطر

عبد الرحمن سلام

بعد غياب اضطراري عن الساحة الفنية استمر لعامين متواصلين، بسبب الاوضاع غير المستقرة في معظم العواصم العربية، اتخذت الفنانة اللبنانية مادلين مطر قرار العودة، وتعويض ما فات، فأصدرت ألبوما غنائيا تضمن غناء باللهجتين المصرية واللبنانية، ثم غادرت الى القاهرة لتشارك في بطولة فيلم سينمائي، ولتتفاجأ بسيل من العروض الفنية ينهال عليها في “أم الدنيا” تطالبها كلها بالاقامة المستمرة في العاصمة المصرية، القاهرة، واعتبارها، مقر الانطلاقة الجديدة، لا سيما وان الانتاج السينمائي عاد الى الستوديوات، وكذلك الدراما التلفزيونية، وأيضا الانتاج الغنائي، ما يعني أن ابواب  الساحات الفنية جميعا مشرعة امامها.

مادلين مطر، كشفت عن خطواتها الجديدة، كما تحدثت عن خبر خلافها مع الفنانة فيفي عبده، وخلفياته، كما تطرقت الى دوافع غيابها الطويل.

■ لمناسبة عودتك الى الساحة الفنية وبدء انطلاقتك المتجددة من القاهرة، لا بد من بدء الحوار بالسؤال عن أسباب الغياب الكامل، والذي استمر لعامين متتالين من دون انقطاع؟

– صحيح… وهي الفترة الزمنية التي كنت خلالها في “استراحة الزامية”، افتقدت فيها بالفعل، أي “شهية” لتقديم اي عمل فني جديد. كنت اتابع الاحداث الجارية في معظم عواصم العالم العربي بعد الانفلات الامني الذي ساد الشوارع في المدن والمحافظات، وفي الوقت ذاته، كنت اراقب الاوضاع، وأدرسها جيدا، كي لا اقدم على اي خطوة ناقصة تودي بمجهودات السنوات السابقة التي اجتهدت فيها لتقديم الجيد والجميل، فرغبتي الاكيدة، كانت دائما، وستبقى بإذن الله، عند اتخاذ قرار العودة، ان استمر في تقديم كل جديد ومحترم يسعد جمهوري الذي أعيش له ومن اجله، فأنا اؤمن بأن اضافة فرد واحد الى لائحة محبي فن مادلين مطر، يشكل حافزا لي ويدفعني الى تكثيف مجهوداتي، وان تصفيق معجب اضافي لأي من أعمالي الغنائية الجديدة، يشكل لي فوزا بجائزة كبيرة.

■ ما هي الأسس التي تعتمد عليها مادلين مطر في اختيار اغنياتها؟

– في البداية، أكشف أن لدي “مستشارين” هما اول من اعرض عليهما اختياراتي الجديدة: قلبي وعقلي. فإذا وافقا على اختياري، اسارع الى تبنيه فورا.

■ لم يحدث، ولو لمرة واحدة، ان خذلك “المستشاران”؟

– ابدا. منذ ان انهيت دراساتي للغناء الشرقي في المعهد الوطني العالي للموسيقى في لبنان… ومنذ أن استمع الى صوتي، في بداية المشوار، مطرب لبنان وديع الصافي، واعجب به، وعبر بالدليل الملموس عن هذا الاعجاب يوم اصطحبني معه الى لندن في سنوات التسعينيات لأشاركه احدى الحفلات الغنائية هناك، وحتى اللحظة، وعقلي وقلبي يشكلان البوصلة الصادقة في كل اختياراتي الغنائية خصوصا، والفنية بشكل عام.

■ على ما اذكر، ان “رحلتك” الفنية الى لندن برفقة الكبير وديع الصافي، فتحت امامك الكثير من الابواب التي قد لا يعلمها، او يتذكرها ابناء الجيل الحالي؟

– هذا صحيح تماما. والنجاح الذي صادفته في الحفل الخيري الذي اقيم في العاصمة البريطانية، وكان للجالية اللبنانية هناك، فتح امامي العديد من الابواب، وساعدني على سلوك الطريق الصحيح، لا سيما وان اشادة وسائل الاعلام بإمكاناتي الفنية، وبصوتي، سهل لي الدخول الى برنامج “كأس النجوم” وكان يعرض على شاشة LBC من اعداد واخراج سيمون اسمر الذي كان بالفعل مكتشف وصانع النجوم، وفي هذا البرنامج، ارتقيت الحلقات وصولا الى فوزي بالكأس، عن فئة المطربة التونسية “لطيفة”، الامر الذي شجع شركة “ميوزيك بوكس” ـ وكانت من الرائدات في انتاج وتوزيع الكاسيت ـ على تقديمي بأغنية بعنوان “لو يوصفو”، ضمن ألبوم شارك في تقديم اغنياته عدة مطربين ومطربات وهذه الاغنية حققت شهرة كبيرة لي، لتتوالى من بعدها اعمالي الغنائية.

■ بعد انطلاقتك، أعتقد الكثيرون أنك من شمال لبنان، لا سيما وان اسرة “مطر” لها نجومها في عالم الفن، ومنهم المطربة المعتزلة ليلى مطر، وقريبتيها الثنائي نزهة (رحمها الله) وهيام يونس، وأصل هذه العائلة من “تنورين”.

– سبق ان سمعت بذلك، ويسعدني ان يكون لآل مطر حضور فني، كما يشرفني أن أنسب بكل من سبقني بالعمل الفني، من هذه الاسرة الكريمة، لكنني، انتسبت لمحافظة جبل لبنان، واسمي بالكامل مادلين ميشال مطر، ما يعني ان اسمي الحقيقي، واسمي الفني واحد.

■ بالعودة الى عملك الفني، نرى أن نشاطك في المجال السينمائي قليل للغاية، رغم انك تتمتعين بكل المواصفات التي تؤهلك لتكوني نجمة سينمائية ناجحة؟

– ذكرت لك منذ قليل انني لا اقدم على اي عمل قبل استشارة عقلي وقلبي، ومن ثم بعض الاصدقاء من اهل الثقافة والفن، ورغم ندرة اعمالي السينمائية، اعتبر انني كسبت الرهان في مجال التمثيل، لأنني قدمت ادوارا اطلق عليها اهل السينما والنقاد لقب “فاكهة العمل”.

■ ولكن “فاكهة العمل” كانت ذات مساحة قليلة في فيلمك الاخير “آخر كلام”؟

ويبدو ان السؤال اعجبها، فضحكت وهي ترد:

-بمناسبة فيلم “آخر كلام” فهو ضم كوكبة  من النجوم على رأسهم الكبير جدا حسن حسني، وقد انتجته شركة  “السبكي” التي اعتبرها “صاحبة فضل”  باعتبار انها اول من فتحت لي ابواب  الستوديوات السينمائية في مصر، وأيضا، أول من احتضن موهبتي وشجعني على خوض التجربة السينمائية الاولى.

ولا لأحد اي حرج بالاعلان انني لن ارفض اي دور اقتنع به، ومهما كان حجمه، في اي فيلم تنتجه شركة “السبكي”، وذلك من منطلق الاعتراف بالجميل وبالفضل، وأيضا، بحسن المعاملة، فكيف اذاً، اذا ما كان الفيلم ناجحا بكل مقوماته، مثل فيلم “آخر كلام”. ثم ارجو الانتباه الى ان دوري فيه كان دور بطولة مطلقة، رغم ان مساحته كانت قصيرة بعض  الشيء بحسب السيناريو المكتوب، وقد حاز اعجاب الجمهور، كما حقق نجاحا كبيرا فنيا وجماهيريا.

■ في فيلم “آخر كلام” كنت ممثلة ـ مطربة. فهل ستواصلين مشوارك التمثيلي على النهج ذاته؟

– نعم. فأنا أحب المجالين، وأتمنى أن احقق ذاتي كممثلة بعد أن حققتها كمطربة، لكنني اميل اكثر الى الغناء لأنني مطربة اولا وأخيرا. واسمح لي بهذه المناسبة، ان اكشف عن ان شركة “السبكي”  وفي خلال اللقاءات المتعددة بيننا، شرحت لي اهمية ان اكون “مطربة ـ ممثلة”، فبينت بالدليل النقص الحاصل في مجال السينما الغنائية، وكيف ان “سينما الابيض والاسود” قامت في معظم انتاجاتها على اكتاف مطربات ومطربين اصبحوا مع الايام  من كبار نجوم التمثيل.

وتضيف مادلين مطر، مستنجدة بذاكرتها الفنية، فتقول: “كبار مطربات لبنان “نور الهدى، صباح، نجاح سلام، فيروز”  وغيرهن الكثيرات، ساهمن في بناء السينما الغنائية في مصر ولبنان. وكذلك، هناك الكثير من  المطربين الذين ادوا ادوار بطولة في السينما العربية. اليوم، لا نجد تقريبا اي اثر لهذه السينما بسبب الانفصال الحادث بين الغناء والتمثيل، فما المانع من اعادة اللحمة الى هذين الفنين وإعادة احياء السينما الغنائية، في ظل بروز اكثر من مطربة قادرة على التمثيل، والنجاح بالمجالين؟!

■ قرأنا عن استعدادك للعب دور الفنانة الراحلة المطربة ـ الممثلة هدى سلطان في فيلم يروي سيرة الفنان الراحل محمد فوزي؟

– بالفعل تم ترشيحي للعب دور الكبيرة هدى سلطان في فيلم يحكي قصة حياة الفنان الموسيقار المطرب ـ الممثل محمد فوزي، وأنا، بالمناسبة، اعشق اغنياته واعتبرها سابقة لعصره، وكذلك اغنيات شقيقته الفنانة القديرة هدى سلطان التي اثرت في دورها المكتبة الغنائية العربية، ورحلت تاركة لنا اعمالاً درامية خالدة، واغنيات يصعب تكرارها، مثل “ان كنت ناسي افكرك” من ألحان العبقري رياض السنباطي، وغيرها الكثير من الاغنيات التي ما زالت تعيش في وجداننا.

■ كثر الحديث، خلال وجودك في القاهرة، عن خلافات حدثت بينك وبين الممثلة والفنانة الاستعراضية فيفي عبده؟ فما هي حقيقة هذه الخلافات؟

– كل ما ذكر من خلافات مع الزميلة والصديقة فيفي عبده، لا اساس له من الصحة. والصحيح هو عكس كل ما ذكر او نشر، حيث تشاركنا معاً ببطولة فيلم “مهمة في فيلم قديم”، الذي حقق النجاح بفضل التعاون الكامل بين كل عناصر العمل، وفي مقدمتهم الصديقة فيفي عبده التي اعتبرها “بنت بلد اصيلة”. وأتمنى من كل قلبي ان يجمعنا في القريب العاجل عمل فني جديد يدحض  كل الشائعات الخبيثة التي  تريد اشعال  نار الخلاف بيننا.

■ لكن تردد أن فيفي عبده  اعترضت على ارتدائك ملابس (مكشوفة) اثناء تصوير الفيلم؟

– هذا غير صحيح. ثم انني لا ارتدي  سوى الملابس التي يتطلبها السيناريو ويوافق عليها المخرج. انا لست من النوع الذي يتعمد ارتداء  الملابس المثيرة، لكن هذا لا يعني ان اظهر بملابس بالية، فالفنانة “واجهة” وعليها ان تظهر دائما بشكل انيق، كما انها، اولا وأخيرا امرأة تحب ان تبدو جميلة، ومكتملة الزينة والاناقة.

■ مادلين. هل تختارين ملابسك في ادوارك السينمائية او في الكليبات التي تصورينها، بنفسك؟

– اتذكر مقولة الكاتب العربي العالمي الراحل نجيب محفوظ، يوم سأله احد الصحفيين: ماذا عن الفنانات اللواتي يظهرن بملابس السباحة ـ على سبيل المثال ـ أمام الكاميرا السينمائية؟ فرد بالقول: لو ان ارتداء هذه الملابس ياتي ضمن سياق  السيناريو المكتوب، ويحقق رؤية الكاتب والمخرج، فمن الطبيعي ان تظهر به الممثلة. اما اذا كانت مثل هذه المشاهد، دخيلة او مقحمة، عندئذ لا يصح ولا يجوز ان تظهر الفنانة بمثل هذا الزي.

وتعلق مادلين مطر: انا اكرر قناعاتي برأي عميد الادب السينمائي نجيب محفوظ، وأنفذ تعليمات المؤلف والمخرج، كما ارفض اي اضافة تشكل خروجا عن النص!!

■ يبدو واضحا انك على مستوى جيد من الثقافة، وأيضا، انك من قراء الاديب العربي ـ العالمي نجيب محفوظ؟

– هذا صحيح. وأنا من محبي القراءة، وقد قرأت ـ تقريبا ـ كل مؤلفات نجيب محفوظ، كما ان مكتبتي تضم، الى جانب كل اعماله الادبية، مؤلفات لكتاب عرب وأجانب كثر.

■ ما الذي اثار اعجابك من مؤلفات نجيب محفوظ؟

– “الحرافيش” من دون ادنى شك. فهي تحكي قصص عالم “الفتوات” وتشرح “اجواء” حياتهم، وتذكرني، مع بعض الفارق، بما يحصل في بعض الدول العربية منذ بضعة اعوام، لأن اكثر ما يزعجني هو نزيف الدم المتواصل في الشارع العربي.

■ منذ ظهورك على الساحة الفنية والتهمة الاكثر تصويبا تجاهك تقول ان “مادلين مطر تعتمد في مسيرتها الفنية، على جمالها”؟ فما هو ردك؟

– بكل بساطة، اقول ان “الجمال” يشبه “الواسطة”. تمنح الانسان فرصة، لكنها لا تضمن له لا الاستمرارية ولا النجاح، وهذين يحتاجان الى الموهبة الحقيقية. وبالمحصلة، فإن “الجمال من دون الموهبة” يعني “واسطة من دون امكانية الاستمرار”!

■ وما الذي يضمن الاستمرارية والنجاح للفنانة؟

– الصدق مع الذات. اتقان العمل. الاخلاص والتعاون في اي عمل فني. فالنجاح عمل جماعي وليس فرديا، و”يد واحدة لا تصفق” كما يقول المثل.

■ أخيرا اسألك: هل سنراك قريبا بطلة  لـ”الفوازير”؟

– انا ابحث دائما عن الجديد، فإن وجدته، سواء  كممثلة او كمطربة او في المجالين مجتمعين، لن اتردد  وسأقدِم على الخطوة مهما كانت مصاعبها، وسواء  كان الامر يتعلق بـ”فوازير” او سواها من الاعمال. المهم عندي هو “الاضافة الجديدة والجيدة” والهدف الدائم عندي هو امتاع جمهوري. وهنا، اتذكر انني رفضت اعمالا سينمائية كثيرة، لا لشيء، إلا لأنها لن تضيف لي اي جديد.

■ كلمة اخيرة. لمن توجهينها؟

– لله سبحانه وتعالى بأن يعيد الامن والطمأنينة للشارع العربي، والالفة والمحبة الى قلوب الجمهور العربي في كل مكان.

تشيني الجديد: ليز تخوض معركة “المحافظين الجدد”

“لا يمكننا الفوز إذا لم نحارب …  لقد تعلّمت هذا الدرس على يد أميركي عظيم، والدي، ديك تشيني”.  هذا ما قالته ليز تشيني (46 عاماً) قبل سنوات من إعلان ترشحها لانتخابات مجلس الشيوخ المقررة في العام 2014، لتدخل بذلك رسميا معترك السياسة الذي غادره في 2009 والدها، العدو اللدود للديمقراطيين.  فهل يساعد ترشيحها الحزب الجمهوري وخصوصاً المحافظين الجدد على تحقيق عودتهم إلى السلطة؟

لا تشبه ليز ديك تشيني والدها، لكن مع ذلك يبقى وجوده واضحا في حياتها، فقد جرى وصفها على الساحة العامة باعتبار

ليز تشيني تعانق والدها

ليز تشيني تعانق والدها

ها “الابنة المفضلة” لدى نائب الرئيس الأسبق.

مثلما الحال مع والدها، تتحدث ليز بنبرة متحفظة، تكاد تكون أكاديمية. كما تشارك والدها الميل نحو الحديث عن الرئيس باراك أوباما بنبرة صارمة تنطوي على شعور بالازدراء، وتعبر عن توبيخ ساخر، وليس مجرد نقد. فمثلا، تتساءل ليز في إحدى ندوات الحزب الجمهوري: «سيدي الرئيس، في إطار سيناريو يضم قنبلة موقوتة، ومع وجود خطر يتهدد حياة أميركيين، هل أنت مستعد فعلا للامتناع عن إخضاع إرهابي ما لأساليب التحقيق المطورة لاستخلاص معلومات من شأنها منع وقوع الهجوم؟».

وتلقى ليز ترحيباً واسعاً في وسط الجمهوريين الذين يعتبرونها «نجمة في الحزب الجمهوري» وتمثل «مستقبل رسالة تشيني»، فيما يجادل البعض حول ما إذا كان لقب عائلة تشيني يشكل قيمة مضافة أم عبئا بالنسبة للمحامية والمسؤولة السابقة في وزارة الخارجية المتميزة بحضورها المتكرر على شاشات التلفزيون وفي الحلقات النقاشية التي تتناول المرشحين الجمهوريين المستقبليين.

كما تدور تساؤلات حول ما إذا كانت «رسالة تشيني» على صعيد الأمن القومي، التي يجري ترجمتها بصورة رئيسة في صورة توجه عدواني وقائم على التدخل، تعد أمرا ينبغي أن يتباهى به الحزب علانية أم يدفنه. الواضح أن ليز تشيني، على الأقل، تحولت إلى محور لحشد الآراء المحافظة بشأن الأمن القومي. بمعنى أوسع، يجري الترويج لابنة نائب الرئيس الأسبق باعتبارها نجما صاعدا داخل الحزب الجمهوري لا يخجل من الارتباط باسم تشيني. (يذكر أن ليز متزوجة من المحامي فيليب بيري، لكنها تتمسك باستخدام لقبها قبل الزواج). ولا يبدو أن مواقف ليز تشيني الصارمة تجاه قضايا الأمن القومي تختلف عن تلك الخاصة بوالدها.

وقالت ماري تشيني، الشقيقة الأصغر لليز: «أعتقد بأن من الصعب التوصل إلى أي اختلاف بين آراء ليز وتلك الخاصة بوالدي. ولا يرجع ذلك إلى أنه جرى تلقينها هذه الآراء، وإنما لأنه على صواب». وجدير بالذكر أن الأضواء سلطت على ماري تشيني خلال فترة تولي والدها منصب نائب الرئيس وأثارت انتقادات قوية من جانب بعض المحافظين لإنجابها طفلا في إطار علاقة مثلية تربطها بصديقة.

تعتمد ليز تشيني في عملها على شبكة الانترنت على حساب يتبع محرك البحث «ياهو»، وتتلقى من خلاله عشرات الطلبات لعقد مقابلات معها شهريا، وتقبل منها بالفعل الكثير.  وعادة ما تشارك ليز في التجمعات الهادفة لحشد الأموال لصالح مرشحين جمهوريين خلال الاستحقاقات الانتخابية. والملاحظ أن ليز تبدي تأييدها لآراء والدها بقوة شديدة أشبه بتلك التي ميزت والدتها لين. وفي إطار مقابلة أجراها معها لاري كينغ قبل خروجه من محطة «سي إن إن»، قالت ليز إن أوباما «رئيس أميركي يبدو خائفا من الدفاع عن أميركا».

وتعتبر ليز من أشد المدافعين عن أساليب التحقيق التي تنتهجها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عبر التعذيب والإيهام بالغرق، حيث تقول: الإيهام بالغرق ليس تعذيبا، ويمكننا المضي قدما على هذا النحو. إن غياب الخطورة هنا أمر مهم.

من ناحية أخرى، يقول دان سينور، عضو الحزب الجمهوري الذي تولى منصب المتحدث الرسمي باسم «سلطة الائتلاف المؤقتة» في العراق خلال فترتي رئاسة بوش: «هناك الكثير من المفكرين الاستراتيجيين الجمهوريين ممن يكررون أحاديث آخرين يعتقدون بأن ديك تشيني ينبغي أن يبتعد عن الأضواء. بينما في حقيقة الأمر أعطى تشيني صوتا مهما للانتقادات الصقورية للإدارة الحالية. وأرى أن ليز تمثل باقتدار الموجة التالية من الأصوات».

وتبدي ليز ولاء شديدا ودفاعا مستميتا عن والدها، وتولي جزءا كبيرا من طاقتها للقضايا المتعلقة ـ على نحو مباشر أو غير مباشر ـ بالحفاظ على (أو إصلاح) تراثه. وقد أقنعته بكتابة مذكراته، وتعاونت معه من كثب بهذا الشأن.

من جهته، وصف لورانس بي. ويلكرسون، الكولونيل المتقاعد بالجيش، ليز، بنبرة سلبية، بأنها من «المؤمنين المخلصين» وشخص «يعتني كثيرا بوالديه». يذكر أن ويلكرسون كان من بين أشد منتقدي تشيني عندما كان كولين باول وزيرا للخارجية.

توحي جميع الدلائل أن أسرة تشيني شديدة الترابط، وتميل إلى الانعزال في بعض الأحيان. ويعيش أفراد الأسرة جميعا على بعد قرابة 15 دقيقة من بعضهم بعضا في شمال فيرجينيا. ويجتمعون لتناول العشاء مساء الآحاد، عادة في منزل ليز، ويسافرون معا لقضاء بعض الوقت بمنزلي الأسرة في جاكسون هول في ويميونغ وإيسترن شور في ماريلاند.

ضد سوريا وإيران

وكانت ليز قد تولّت منصباً يحتل موقع القلب في السياسات الأميركية الشرق أوسطية، من دون أن يكون لها أية خبرة في شؤون المنطقة، مستقلة بذاتها، تمارس دورها متحررة من أي ضبط قد يفرضه عليها عملها في وزارة الخارجية الأميركية.  وقد لعبت دوراَ على جبهات دبلوماسية متعددة، من العراق إلى تغيير النظام في سوريا وإيران، وشكّلت امتداداً لنفوذ والدها.

وفي الـ39 من عمرها كانت ليز تشيني تنسّق عمل هيئة “مجموعة عمليات إيران – سوريا” التي أنشئت لوضع استراتيجية أكثر عدائية لإرساء الديموقراطية في هاتين الدولتين.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد عيّنت تشيني للاشراف على برنامج يتكلف خمسة ملايين دولار لـ” تسريع العمل على الإصلاحيين في سوريا “، يتضمن منحاً، تتجاوز قيمة الواحدة منها مليون دولار، إلى المنشقين السوريين. كما أن تشيني أشرفت أيضاً، على برنامج منح مشابه لتغيير النظام في إيران بقيمة سبعة ملايين دولار، رغم أن قيمة تمويل جهد كهذا كان يتوقع أن ترتفع إلى ما لا يقل عن 85 مليون دولار ليشمل برنامج دعاية ودعماً لمجموعات المعارضة الإيرانية.

جاءت (تشيني) بمعرفة قليلة جداً عن الشرق الأوسط ، تقول مارينا اوتاواي، الباحثة في معهد كارنيجي، والتي سبق وعملت مع ليز على قضايا الإصلاح الديموقراطي، مشيرة إلى أن لديها تفويضا للقيام (بعمل) إرساء الديموقراطية، لكنها غير معتادة كثيراً على الموضوع. لقد اختاروا عمداً شخصاً غير متخصص بشؤون الشرق الأوسط… لكي لا تتدخل المعرفة الفعلية والحقيقية بقضايا المنطقة بالسياسة .

كذلك، قال عضو سابق في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، عندما سئل بشأن مدى معرفة تشيني بقضايا الشرق الأوسط، إنها كانت تحضر، بشكل غير محترف، صفوف اللغة العربية التي كان يجريها المعهد، كما كانت تحضر مؤتمراتنا السنوية . غير أن ذلك كان كافياً على ما يبدو لتعيينها نائبة لمساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى عام 2002.

وخلال عمليات التحضير للحرب على العراق، كان لليز دور خلف الستار في الخارجية عبر تسلمها الملف الذي يغطي القضايا الاقتصادية للشرق الأوسط، بينها النفط. لكن مصادر من داخل الوزارة تؤكد ان أهميتها الحقيقية كانت في أنها تؤدي دور الثقب في داخل الخارجية لصالح مكتب نائب الرئيس. كان لمجرد وجودها تأثير منبه على العديد من متخصصي الشؤون العربية في الوزارة، وغالبيتهم معروفون بأنهم كانوا ضد الحرب وبأن المحافظين الجدد ينظرون إليهم على أنهم مشتبه فيهم.

غادرت الخارجية عام 2003 لتؤدي دوراً في الحملة الانتخابية التي أعيد بنتيجتها انتخاب جورج بوش رئيساً لولاية ثانية، ولإنجاب طفلها الرابع. لكنها سرعان ما عادت، عام 2005 بدور أهم، لتكون المسؤول الرقم 2 في سياسات الشرق الأوسط. تولت إدارة تعرف اختصاراً ببيداس ، وهو منصب إداري معروف بمدى نفوذه في إدارة الشرق الأدنى في الخارجية.

يقول واين وايت، الذي شغل منصب نائب مدير مكتب الاستخبارات والأبحاث في الوزارة خلال حرب العراق، قبل أن يغادره عام 2005  “الشيء الذي قلناه جميعا في ما بيننا، همساً، عندما رقيت إلى بيداس بعدما كانت نائبة مساعدة الوزير: الآن نرى الخطة “. يضيف : لقد حصلت أولاً على تدريبها كنائبة مساعد الوزير، حيث حصلت على مهمات أكثر سهولة، نوع من التدريب، وهو ما يحصل للأشخاص في هذا الموقع ممن ليست لديهم خلفية حول الشرق الأوسط ومن ثم، (تنقل) فجأة إلى بيداس. ويوضح باتت في موقع يخولها أن تمنع أي شيء من أن يتحرك، سواء عبر مذكرة أو توصية، وهو ما تريده كثيراً .

ويعتبر وايت إن ” بيداس مثل ستالين في الحزب الشيوعي في أوائل عشرينيات القرن الماضي، يسيطر على الأشخاص، قادر على الترقية أو عدم الترقية، وضع أناس في مواقع أساسية. إنه منصب نافذ جداً ” .

وبرغم أن ديفيد ولش كان يعتبر رئيس ليز تشيني، بصفته نائب وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، إلا أن صلتها بوالدها، إضافة إلى قنوات اتصالاتها المباشرة مع كبار مسؤولي الخارجية، مثل نائب وزيرة الخارجية روبرت زوليك، تجعل من السهل عليها تجاوزه.

ومن أبرز ما قامت به تشيني فور عودتها إلى الخارجية عام 2005 كان عقد اجتماع مثير للجدل مع حفنة من المنفيين السوريين للحديث عن تغيير النظام في دمشق. كان قائد المجموعة تلك فريد الغادري، وهو سوري مؤيد لإسرائيل حافظ على صلات مع المحافظين الجدد في واشنطن.

صباح محسن: واقع العراق المتشظي لم يوقف الشعر والعلم

غادة علي كلش

يضيء المؤرخ صباح محسن في حوارنا معه، على أوجه الثقافة العراقية المعاصرة، ويشرح دقائق المعطى الشعري الجمالي لشعراء العراق. كما يخوض في دور العراق الحضاري، ووقوفه جرّاء الحروب التي شهدها، أمام مفترق تاريخي صعب. انطلاقا من هذا الواقع كان للباحث صباح محسن كتابات تثمّن دور الإعلام والميديا في تعزيز العلاقات بين الشعوب حول العالم.

لك مؤلفات تخوض في المدار الفكري والروحي للثقافة العراقية المعاصرة. إلى أي مدى يمكن للباحث والمؤرخ الأكاديمي، أن يكشف دقائق النتاج الأدبي لبنيّ جلدته، إنطلاقا من الحداثة، وتأسيسا على الجذور؟

– لا ريب إن الثقافة العراقية تتعدد فيها المناهل من جداول الإبداع، ولكل من تلك الروافد والجداول منتجها الزاخر بالعطاء الثر والراكز والمؤثر في أبعاد المعرفة… والفكر… والتأريخ… والأدب… والفن… والجبر والرياضيات وعلوم الفلك… إلخ من المنجز البشري، ولهذا النتاج بصمته المحلية، والعربية، والإنسانية، ومن الطبيعي إن النتاج المعرفي يُعد من النتاج التراكمي، فكل جيل إبداعي ينهل من الذي سبقه وبالتالي خزان الثقافة العراقية الواسع يمتد بعمقه التاريخي لأكثر من سبعة آلاف سنة من سومر وأكد وبابل وسامراء ونينوى ،وقد تشكلت وظهرت فيها النواة الأولى لظهور الكتابة السومرية (المسمارية) في طفولة الحضارة البشرية عند “السومريين” تحديداً، وهذا بإجماع الأنثروبولوجيين والآثاريين ومن المهتمين بنشوء الحضارات، فإنطلقت من أديم وتخوم سومر وأور وأكد وأريدو الحضارة الرافدينية لتشع بنورها على المعمورة، فظهور الكتابة… والتعدين… والزراعة… وفن النحت والرسم والمسرح فضلاً عن أول ملحمة إنسانية عن الخلود “ملحمة كلكامش” جعل الإنسان الرافديني يرتكن ويرتكز إلى عمق الجذور في سؤالك الواعي هذا هناك ثمة أجوبة أحاول أشير إلى بعض منها بما أن الحاجة أم الإختراع لذلك العراقي الأول طوع الطبيعة وإمكاناتها للإفادة القصوى في إست

صباح محسن

صباح محسن

خدامها المنزلي والعملي كأفراد أو مجموعات، وكما أكد كانت وديكارات (أنا أفكر أنا موجود) ينطبق على مقولتنا السابقة ،فالتفكير قاد المجتمع للإنتاج الحضاري بكل جوانب الوجود ليصيّرمن الصعوبات منافذ لعيشه الآمن، أما الشق الآخر من السؤال تفاعل التراث مع الحداثة يُنتج الأدب الأسمى والفن الأرفع والذوق الأروع، فالشاعر العراقي تنعكس بإشراقات روحه الميثولوجيا السومرية والبابلية في الأساطير المتوارثة عن الخلود والعشق والحب ويستلهم تلك الأساطير في مشروعه الشعري وتفكيك النصوص وقراءتها سيميائيا تجد الدلالات والعلامات والانزياحات مع المخيال التراكمي للجذر التأريخي المستلهم في النص الإبداعي في الشعر أو المسرح وفي فضاء اللوحة التشكيلية وإستخدام الموروث الحضاري والمرموزات وما على الناقد إلى تأويل تلك الإحالات إلى الجذور في تناصها أو إقتباسها أو التأثر بها. والحداثة لاتتم بالفراغ بل هي تأسيس على مراحل إبداعية هضمت وتمثلت تحولات فنية وأدبية وفق مدارس أُسست بفضاءات ومناخات وليدة حالة تأريخية ما ،فالصيرورة التأريخية بفعل الديالكتيك والصراع والبحث عن الأجود وإتساع الرؤيا والبحث عن القيم الجمالية في التعبير الفني والأدبي تحاول مواكبة روح العصر، ومن المعلوم في عصر التكنلوجيا وعصر السرعة وعصر الصورة والميديا إختلفت وسائل التعبير وفقاً لمتطلبات الحداثة والغزو العولمي المعولم لكل الأشياء.

■ الشعراء العراقيون المعاصرون إفتتحوا عصر قصيدة النثر مع نازك الملائكة، والبياتي، وسواهم من الاسماء الكبيرة. هل تعتقد أن القصيدة العراقية اليوم فقدت بوصلتها، تحت وطأة الواقع المتشظي الذي يشهده العراق؟

– مدرسة الشعرلا تتجدد في البناء والشكل والقصدية ولا تتوقف عند الأسماء التي ذكرتها بتاتاً، ولايمكن مطلقاً إحصاء الأسماء الشعرية في جواب مقتضب، وتطور شعرنا العراقي وفق سياق التحولات الإنسانية، والمخاضات، وإفرازات الواقع المعاش، ورصد الحقائق الكلية، وإحساس الشاعر بآلام وآمال أمته فتظهر أصوات شعرية عراقية بإستمراروهي تحصد الجوائز العربية وبعض المحافل العالمية كأصوات (ياس السعيدي، وعامر عاصي، وحازم التميمي، والدكتور وليد الصراف… وغيرهم الكثير)، مع إشراقات ستينية، سبعينية، وثمانينية، وتسعينية، لنماذج منها عبد زكي ،كاظم الحجاج، حسين القاصد، عارف الساعدي، نوفل ابو رغيف ،موفق محمد، حمد الدوخي، مروان عادل، عمر السراي… والقائمة تطول بعدد نخيل العراق ولن يتوقف الشعر في موطن الشعر فلموسيقى الشعر العراقي إيقاعه المميز وعذوبة تطرب لها أذن المتلقي، كما يقول محمود درويش: إذا أردت أن تصبح شاعرا فكن عراقيا، فالجواهري وجمال الدين والحصيري وحسين مردان ومحمد علي الخفاجي ومظفر النواب وأحمد مطر ويحيى السماوي وعشرات آخرين… رموز شعرية عربية، فالشعر العراقي المعاصر- قصيدة النثر- وليد التحولات الكونيّة المذهلة وبالتأكيد مدى تأثره بالآداب الأخرى (الانكليزية) (الفرنسية) (اليابانية) وغيرها فضلاً على توزع أعداد كبيرة من الشعراء العراقيين بالمهاجر والمنافي لأربعة عقود خلت ولازالت تتفاعل مع المنتج الآخر وتتأثر به، يتجلى في التأسيس على تأريخ مشرق للقصيدة العربية الموزونة الفراهيدية لشعراء لا يمكن تخطي ماقدموه من منجز للإنسانية من المعلقات إلى المتنبي والمعري وأبي تمام وما سبقهم ومالحق بهم ،ثم جيل السياب والبريكان والملائكة ولميعة عباس عمارة. ومن الذين إجترحوا وأبدعوا في قصيدة التفعيلة والنثركالراحل كمال سبتي، وسركون بولص، وسعدي يوسف، وعبد الكريم كاصد، وفوزي كريم، فاضل العزاوي، رشدي العامل وديع شامخ، باسم فرات، سامي العامري ناهض الخياط… ومئات آخرين، وشاعرات لهن بصمتهن الجمالية في عوالم النص كالدكتور ناهضة ستار والدكتور سهام جبار والدكتورة وورود الموسوي والدكتورة ووفاء عبد الرزاق والدكتورة خلود المطلبي والدكتورة راوية الشاعر والدكتورة وفاطمة الفلاحي والدكتورة رسمية محيبس… إلخ من الأسماء التي تتناسل يوميا، فيما أستمر التألق لشعراء لا يحصى عددهم لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله كأجود والصورة الشعرية المبهرة كالمبدع عبد العظيم فنجان، علي البزاز، فضل خلف جبر، فضلاً عن الشعر التفاعلي والقصيدة التفاعلية ورائدها الدكتور مشتاق عباس معن الذي سجل بإمتياز له. مع أجيال نقدية وشاعرة مهمة كالدكتور محمد الأسدي، والدكتور فائز الشرع والدكتور أمجد التميمي والدكتور حسن ناظم… وبروز طاقات شعرية صمتت ردح ما تكتب العمودي والتفعيلة كخالد صبر سالم وسعد علي مهدي، وأصوات تجدد الروح في القصيدة كمهدي النهيري وأحمد العليان ومهند جمال الدين وناجح العرسان… بالطبع لا يمكن إحصاء المنجز الشعري العراقي وذكر الجميع ببلوغرافيا للمنجز الشعري العراقي لكن هو جواب لسؤال هل توقف الشعر بتشظي الواقع فالجواب هو: التوالد، والتكاثر، والتناسل اليومي للشعر العراقي، فالعاطفة العراقية حادة المزاج… وصادقة الوجدان في التعبير الإنفعالي بها شعريا ؛والواقع المر بأزماته لايوقف المد الشعري العراقي.

■ لديك كتاب عن واقع الإعلام العراقي.ما كانت أهم غاياتك منه؟ وما هي الصورة التي جرى رسمها، في دراستك هذه بجزئيها؟

– ما تقصدينه هو (كتاب الإعلام والأمل الموعود) بطبعاته الثلاث في بغداد، وبيروت دار العارف ،هو جهد فكري ومعرفي يغوص بأبعاد المعرفة التاريخية والروحية ويعالج الخطاب الإعلامي الهادف ،مع تمثلات الميديا المعاصرة ،منطلقاً من التأريخ إلى المعاصرة، وفق إطروحة المشترك الإنساني العقائدي بين الحضارات والعقائد، مع تنوع الفصول السته والابواب التي شرعت لدراسة تأريخ الإعلام والخبر والقصة وأهداف الإعلام وتصنيفاته بين الإعلام الجاد والهادف والرصين والتنويري وبين وسائل الإعلام في المراء والجدل العقيم أو تسويق الرذيله، بالطبع تناولت: الإعلام العراقي بعد عصور من الأدلجة والعسكرة وصناعة الصنم والآفاق المتاحة بعد الحرية والثورات العربية لتهشيم الأصنام التي جثمت على الصدور لعقود مؤلمة ورؤيتي لتطوير الرسالة الإعلامية بعد التعددية الفكرية في عراق خارج من العسف السياسي وبروز الهويات وصحوتها بعد قمعها وسحقها وإبادتها ، فضلاً على المشترك بين العقائد والكتب السماوية وماجاء به الرسل والأنبياء في قضية الإنتظار الروحي المهدوي، في التوراة والإنجيل والقرآن، وما أكدته مصادر الفكر العلمي عند الجميع، فبطبيعة الإنسان يبحث عن الخلاص من الظلم والعنف والقتل والإستبداد الذي واكب الوجود الحضاري للإنسان من بواكير الحضارة ،فالصراعات والنزاعات البشرية على مدى الأزمنة وفي يومنا المعاصر جعلت الرعب لصيق بحياة البشر من هيمنة الإستبداد والنظم الفاشستية والتولوتارية القمعية التي صادرت الحريات وحقوق الإنسان ،فيما المنظومة الفكرية العقائدية الإسلامية طرحت البديل الحضاري بدلاً من القمع هو (إخوة الإنسان للإنسان) وحتمية التعاون والتآزر والتوادد في المفهوم الرسالي (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) فمنظومة القيم تدعو الى التعارف ونحن في عصر الميديا، بعد عصر الحروب والغزو البربري الهمجي، لذا فالإعلام هو الأمل في الإصلاح الإنساني وفق المشتركات بين جميع البشر بكل أثنياته وقومياته وعقائده ،فالبديل للإحتراب هو التعاون الإنساني لذلك ركزت في فصول عدة وأبواب مختلفة من الكتاب على حوار الحضارات وتأثير العولمة وفهم الإستشراق ،فإن لم تفعل الإنسانية في التقارب الإعلامي فالخراب محدق بها لما توصلت له ترسانة التدمير الحربي المذهلة المحمومة في التدمير الهائل للأرض وماعليها ،لذلك لقي الكتاب دراسات عدة وإشادات أكاديمية وتخصصية في العراق وخارجه حتى في مشاركتي الأخيرة بتونس في ملتقى الجمعية العربية للمحافظة على التراث والتأريخ والإهتمام بالأرث الحضاري العربي الذي تترأسه د-حياة الخياري الناقدة والأكاديمية بجامعة سوسة وبحضور عديد من الأكاديميات والأكاديميين من تونس والعرب كان الثناء مهماً على الإطروحة الحضارية في هذا الكتاب ومن المؤمل هناك طبعة رابعة تصدر للكتاب فيها أفكار وأضافات لآراء عربية فيه.

■ ماذا عن الثروة العلمية البشرية التي إغتنى ويغتني بها العراق، هل ما زالت بخير رغم هجرة العلماء؟

– أقول لك من المؤسف ياسيدتي ،ماتعرض له العراق وهو جمجمة العرب، وموقعه الإستراتيجي الأهم عالميا وشرق أوسطيا كرابط بين القارات، وثرواته المذهلة ،المادية – البشرية، بكل مرارة و حرقة وأسى ولوعة تحرق القلوب المخلصة في الأمة والعالم أجمع ماجرى ويجري لشعبه، هجرات… كوارث… حروب إبادة.. .قتل طائفي… كتبت للصحافة العراقية بعد التغيير موضوعاً (هجرة العقول) وبينت فيه الآليات لإستعادة الأدمغة المهاجرة من كفاءات طبية – هندسية – علمية – أدبية… وتهيئة الأجواء المناسبة بإحتضانها وتوفير سبل العيش الرغيد لها ،لكن صوت الرصاص أعلى من الصوت الفكر فضلاً عن الطبقة السياسية منقسمة بين المخلص لشعبه وبين السارق واللص والعامل بالأجندة الهدامة للدول التي لاتريد للعراق المعافاة من سرير المرض الذي يأن منه من 5 عقود ،فثروة العراق المادية المدهشة كفيل بتحقيق السعادة المثلى والفضلى لشعبه بإشتراط توفر السياسي الوطني، وحتماً الإستقرار السياسي يؤدي إلى عودة العقول والأدمغة المهاجرة. لكن نزيف الدم اليومي يرافقه نزيف العقول للهجرة والخلاص من الجحيم الذي يخفت أحياناً ويستعر في أحيان أخرى، رهاني كباحث عراقي على المرجعيات الدينية والسياسية والقوى الشعبية – الوطنية حصراً- للخروج من مأزقه ومشكلاته، ورسالتي للعرب في هذا الحوار أن يقفوا إلى جانب الشعب العراقي في التنمية والإستثمار والبناء وعدم تغليب النظرة الطائفية ضد الآخر، فا لنهوض العراقي من كبوته بالتالي هو مكسب لجميع العرب.

■ ككاتب وباحث وإعلامي،كيف ترصد واقعنا العربي إجمالا، في هذا المنقلب الساخن لحاضرنا ومستقبلنا؟

– المعول على الشعوب وإرادتها، فالشعوب لن تقهر مهما تفرعن الطغاة، قد تنحني لبرهة ومقطع من الزمن، لكن الرهان الأخير لها، فهي من تقرر، كما حدث في تونس الخضراء الأبية وهي تضيء زوايا العتمة لقرون في أمتنا القابعة تحت نير الطغاة الأذلاء للمستعمر والأسود على شعوبهم الذين جعلوا السجون متلاصقة من المشرق إلى المغرب ،وجلاد يسلمها إلى جلاد،فيما تئن الضحايا والثكالى وأطفال الشوارع وجيوش من العانسات وجيوش من الأمية تقبع بأركان الأمه،أرى الزمن قد ولى وأدبر للطغاة في تونس – ليبيا- مصر – اليمن- كما سقط الطاغوت في العراق فهناك أنظمة هزيلة تقف على جماجم الشعوب، وتهرس وتطحن عظام أبنائها، لقد أفل زمن الطواغيت، وها قد هبت الشعوب للثورات ،لكني أخشى مصادرتها من الغرب ومصالحه وإستراتيجياته بإبقاء حليفتهم المدللة إسرائيل كأخطبوط وترسانة نووية تلوح بها وتحقق مآربها بوجودها، فالآخر لايحترم مدعايته بحقوق الإنسان والدليل أمامنا البحرين ،شعب يقهر ويقمع ولا من ناصر له،وكلمة أخيرة:إذا أرادت الأمة النهوض من سباتها فوحدتها قوة وقوتها وحدة وعلى الجامعة العربية تفعيل دورها بعد كهولتها وشيخوختها لتقف لنصرة الشعوب والبدأ بالتنمية والإعمار والقضاء على البطالة والأمية وإيجاد الحلول لمستقبل أزمة المياه التي ستعصف بالأمة مستقبلا.