الشريف حسن بوغزيل: “بائع اليقظة” دعوة ليقظة مستمرة

كتبت غادة علي كلش:

يحرص الشاعر الليبي الشريف حسن بوغزيل في قصائد ديوانه “بائع اليقظة” الصادر باللغتين العربية والفرنسية على رصد الوعي اليقظ بالسردية الذاتية والوجودية للانسان الخطيب والمخاطب معاً، وذلك ضمن التحام المعاصرة بالأسطورة والتحام النضال بالتاريخ المتصل، اللامنفصل في الهوية الوطنية من جهة، وفي هوية الانسان من جهة ثانية.

في حوارنا مع الشريف بوغزيل، نرصد تلك المعالم وفقاً للأسئلة والردود الآتية:

 

■ يأتي عنوان ديوانك ” بائع اليقظة”، بعكس الوارد في ذهنية المتلقي. أي عكس المفترض السائد مثل “بائع الأحلام” أو “بائع الكلام”. ثمّة تميّز شعري ههنا يتحرّك بدءاً من العنوان. هل العناوين في رأيك يمكن أن تكون شعراً، وهل اليقظة هنا هي حلم اليوتوبيا الأشهر؟

– إنَّها البيئة اليقظة.التي أعيشها و هذا الإمتداد الجميل الذي دعاني يوما أن أقول… (إن تكُن هُنا فأنتَ في بِدايةِ العالم وإن تكُن هُنا فأنتَ في نِهاية العالم) وبين البِدايةِ والنهاية فعل بِحجمِ هذهِ الحضارة. عِندما إلتحمتِ الحضارةُ الإغريقيَّة بالحضارة الليبية القديمة فكانت الفلسفة، الشعر، المسرح؛ الفن والجمال (إنَّها أثينا وشقيقُها قورينا) وذلِكَ المتوسط السابِحُ بينهُما، إنَّها مطامر الأوذيسة وخطوات أبولو النبع النَّاعس. وسيد الشعر كاليماخوس وركحه وأمازونات يعزفن الريح  وإيقاع المعركة وأفروديت  تغزل أشعة الشَّمس وتؤلف موائد الميعاد وأعراس الذئب لحظة الضُحى المهيب لِتَصنع أشرِعة الإنطلاق.

كُلُّ هذا كانَ دعوةً لِيقظة مُستمِرَّة. نبيعها للرِّيح لتسمع الحياة أُنشودتنا في الحياة. لِهذا أتت نُصوص تُحاكي المعنى وإن لم تنطق قصائدي بها لكِنَّها تدقُّ نواقيس اليقظة وتبيع أصداءها للمارِّين سعياً لِعالمٍ أكثرَ نقاء قبل أن يُفنِّي الوجود .

لنُؤكِّد لهُ أنَّنا كُنَّا هُنا بِجمالِنا ونُبلِنا وفِعلِنا الَّذي خُلِقنا لأجله  (الانسان).

■ قصيدتك التي يقول مطلعها “ليلة اكتمل فيها القلب…” تركتها انت بلا عنوان. هل ابتغيْت من ذلك عدم حدّ هذه القصيدة  برمز ما، ولماذا؟

– لا أُنكِرُ نرجسيَّتي الفطرة.ولا أُصادِرُ اناي بحُجَجٍ واهِية،بل أعشقُ الإنسان فيَّ. ورغبتي في الوصُول قبل الأوان وإن تأخَّرتُ قليلاً أو كثيراً ولِكَوني أهتمُّ بالإنسانِ والمُخاطِبِ لدى هو الإنسان المُطلق الَّذي يُشبِهُ الكثيرُ مِن ملامِحي لم أتردَّدُ كثيراً في ترجمةِ ديواني بائعُ اليقظة والفضلُ هُنا يرجِعُ للشَّاعِرة المُترجِمة الجَّميلة منية بوليلة الَّتي قامت بترجمتِهِ وتغنَّت بِهِ في أحياءِ باريس ودُوَلِ الفرنسية وبالفعل راضٍ على وُصُولِ الصَّدى الجَّميل عربياً وعالميَّاً .

■ ديوانك هذا نشر باللغتين العربية والفرنسية، هل لك عين على القارىء العربي وعين على القارئ الأجنبي، وأي العينين أمضى مفعولا برأيك؟

–  ديواني كان تحت عنوان (نثر وسرد) بائع اليقظة …

ولأنني أؤمِنُ بانناعندما ننطِق فنحنُ نسرد، نسرُدُ ذواتِنا مشاعِرنا أعماقِنا المُتطاحِنة والمُتسامِحة… قد تكون الومضةَ الشِّعريَّة طريقاً والنَّثر طريقاً والروايةَ والقصة والخاطِرة… إلخ طريقاً، لكِنَّني أبداً لا أُؤمِنُ بالقوالِبِ الأدبيَّة الَّتي تأسِرُ النصَّ وتؤطِّرُهُ وتجعلُ الجميعَ يتصارعُونَ لنَيلِ ذلِكَ اللَّقب و غيرهِ لِهذا إخترتُ لِنفسي طريقاً. وأعتبِرُ ديوان بائعُ اليقظة أوَّلَ ديوان عربي صريحُ يحمِلُ إسمَ (نثر وسرد).

أشعُرُ بِأنَّ النصُّ الأدبي يحمِلُ في مُفرداتِهِ سردُ الحِكاية والزمن الرِّوائي والخبر الصحفي والصورة الشعريَّة والحدث التَّاريخي أو الإسطُوري والزَّمن السينمائي لهذا أجِدُ نفسي أكتُبُ مُتحرِّراً مِن كُلِّ القيود طالما أنَّ اللُّغة هِيَ أداتي والفِكرة هِي مُنطلَقي وشعوري بِالعالمِ وإحساسي بِهِ مُلكي …

■ “الشاعر السارد”، هذا ما تصف به نفسك.وفعلا أنت تسرد في قصائدك جزئيات وامضة من سرديات مختزلة بجمالية ووجع، عن الواقع والوطن، والفكر والبؤس والحلم، والعاطفة والعطاء، وذلك ضمن لغة راقية المفردة عميقتها. هل باستطاعة الشعر أن يقتنص السرد السوبر إختزالي؟

– أنا مِن الجيل الَّذي نطق بالثمانِينيَّات وأوَّل مُعلِّم بعدَ مقاعِدِ الدَّرس كانت (فيروز) ترسُمُ حينا بِمُنتهى الدقَّة وكأنَّها تُغنِّي لِمدينتي القصيدة المُبتدِئة .

قطفتُ مِن شُعراء أغانيها صُوري ومِن صوتِها نشيدي الأبدي (الإنسان) وحينَها كانَ لبيروت وللجنوب وقعُ القلب والعشق .

عرفت كُل شُعراء العِشقُ والمُقاومةِ والجَّسدِ العربيُّ المُلتهِبُ مِن فِلسطين حتَّى لُبنان،درويش علَّمني كيفُ أنطُقُ دونما تردُّد وخليل حاوي علَّمني كيف أعشقُ قبل أن أُعلن الموت للحياة. ونزار ربت

على قلبي وعلمني كيف افوز بالنجمة القصيّة.

عرفتُ حِينها كُل من كتبَ لبيروت جمالها وحرقتها عرفت سعدى يوسف ونزيه أبو عفش وعزالدين المناصرة وامجد ناصر وعرفتُ أيضاً الأديب اللِّيبي سالم الهنداوي والشَّاعر الجميل صديقي وتجرُبتي، مفتاح العماري وورفيق الدرس والقافية فرج العربي .

هكذا كانت البِداياتِ تُشبِهُ البِداياتِ تماماً

 أمّا عن قصيدتي أوليبيا هِي سِرُّ أنثروبلوجي لِتاريخ ليبيا هذه الفاتِنة الَّتي مرَّت بِها العديد مِنَ الحضارات والأنماط البشريَّة ورُغمَ كُلِّ ذلِكَ إحتفظَت بِملامِحِها اللِّيبيَّة العريقة .

اللِّيبيُّونَ صارعُواْ رِياحَ القبلي كما صارعُواْ الجُيُوشَ والطُّغاةَ عبر كلِّ الحِقب .

اللِّيبيُّونَ حارَبُواْ مَعَ مُرقُص الإنجيلي وشيخِ الشُّهداء عُمرَ المُختارَ وطردواْ الرُّومانَ، اللِّيبيُّونَ أسَّسُواْ لحضارةِ بِلونِ وطعمِ الحُرِّيَّةِ حتَّى خلاصهم من آخرِ الطُغاة .

لِهذا كانت قصيدةُ أوليبيا أشبهُ بِنُبُوءَةِ القصيدةِ الَّتي أجْبَرَت نفسها على أن تكُونَ هكذا أو رُبَّما دُون وعيٍ حتَّى مِن شاعِرِها فانتصرتِ القصيدةُ على خوفِ الشَّاعِرِ في زمنٍ كانَ الخوفُ سيمته .

■ إلى أي جيل في الشعر الليبي والعربي تنتمي ،وهل تعتبر قصيدتك” أو ليبيا” عكست تأثّر القصيدة الليبية بالمخاض الذي مرت وتمر بها ليبيا اليوم؟

– أعتقِدُ أنَّ ديوانَ الشَّاعِر رُؤيتِهِ بل رِوايتِهِ الَّتي سردَها بِطريقتِهِ الَّتي أُملِيَت عليهِ بل أملاها عليهِ إيقاعُهُ الدَّاخليُّ …

قد يفتقِدُ الدِّيوانُ للتكنك الرِّوائي،ولكن كُلُّ مشاعِرهِ تُخاطِبُ ذاتَ الزَّمن الرِّوائي.

لَو أخذنا على سبيلِ المِثال الرِّوائي العالمي ماركيز .. سنجِدُهُ أسيرُ الصُّورة الشِّعريَّة الَّتي تُحرِّرُ ذاتها وصولاً إلى حدث قِصَصي أو رِوائي ولو أخذنا محمود درويش سنجِدُهُ يروي لنا حَكَايا أُمِّهِ وإنسانيَّةٌ بِسردِها في مسيرتِهِ الشِّعريَّة الملحميَّة وإن كانت تأتينا على هيئةِ قصائِد إلا أنَّها ذات القصيدة الَّتي لا تنتهي إلاَّ فينا .

تارِكه فِعلها كما آخرُ سطرٍ في رواية أو مشهد سينمائي وكذلِكَ نجد الرِّوائي واسيني الأعرج والدكتورة الشَّاعرة زينب الأعوج مِنَ الجَّزائِر ..

 قصيدةُ زينب تُحاكي الزَّمنَ الرِّوائي ورِوايةُ واسيني تُحاكي الصُّورة الشِّعريَّة أمَّا السِّرُّ في أنَّنا نعيشُ زمَنَ الرِّوايةَ رُبَّما يرجِعُ إلى سُرعةِ وزحمةِ الأحداثِ الَّتي نعيشُها .

لا أُؤمِنُ كثيراً بِالأطوارِ الحياتِيَّة لِلمُجتمعات كما حدَّدها إبن خلدُون وكونت واميل دوركايم بِأنَّ المُجتمع بلِ الإنسانِيّة تسيرُ وِفقَ حتميةٍ تنطلِقُ من النَّشأة والتَّكوين ثُمَّ النُضجُ والإكتِمالُ ومِن ثَمَّ الإنهِيار إلا أنَّنا بالفعل نُشاهِدُ الآنَ معالِمَ لِنِهاياتٍ قد لا تكُون إنهِيار رُبَّما ستُضفي على عالمٍ مِن نوعٍ آخر. لِهذا الإحساس بِالنِّهايةِ يسكُنُ الفرد العادي كما يسكُنُ المُثقَّف غيرَ أنَّ وعيُ المُثقَّفِ بِهِ أكثرُ قلقاً فنجِدُهُ يُسارِعُ في رصدِ كُلِّ الأحداث فنجِدُ القصيدة تروي أحداثاً وأحداثاً وكأنَّها لا تُريدُ أن تنتهي تضلُّ مفتُوحةً على كُلِّ التغيُّرات فنجِدُ رُوحَ الرِوايةِ يطغى والسَّردُ هُو أساسُها وبِشكلٍ غيرُ إرادِيٍ نجِدُ الرِّوايةَ تسكُنُ ملامِحَ الحِقبةِ وتفرِضُ إيقاعَها ومنهَجَها حتَّى على القصيدةِ وأحياناً تتعدَّى ذلِكَ لِلمقالةِ والخاطِرة .

هوامش:

قورينا… هي مدينة نسبة للملكة قورينا. تقع بليبيا على قمم الجبال وهي شقيقة اثينا حضاريا.

ابولو… هو النبع الذي تزوج عليه باتيوس قورينا بعد النبوءة.

كاليماخوس… شاعر ليبي عرف بالحضارتين.

أريتا. فيلسوفة ليبية ابنة الفيلسوف ارستيبوس صاحب مذهب اللذة. تلميذ ارسطو وصديق افلاطون… وتعني اريتا الفضيلة.

الامازونات… هن مقاتلات ليبيات ممسوحات النهد جميلات . بارعات برماية الرمح.

Advertisements

One thought on “الشريف حسن بوغزيل: “بائع اليقظة” دعوة ليقظة مستمرة

  1. “بائع اليقظة” دعوة ليقظة مستمرة

    عنوان فعلا مغاير لما تعودنا ولكنه واقعنا …لكى نستمر ولا نغفو

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s