صباح محسن: واقع العراق المتشظي لم يوقف الشعر والعلم

غادة علي كلش

يضيء المؤرخ صباح محسن في حوارنا معه، على أوجه الثقافة العراقية المعاصرة، ويشرح دقائق المعطى الشعري الجمالي لشعراء العراق. كما يخوض في دور العراق الحضاري، ووقوفه جرّاء الحروب التي شهدها، أمام مفترق تاريخي صعب. انطلاقا من هذا الواقع كان للباحث صباح محسن كتابات تثمّن دور الإعلام والميديا في تعزيز العلاقات بين الشعوب حول العالم.

لك مؤلفات تخوض في المدار الفكري والروحي للثقافة العراقية المعاصرة. إلى أي مدى يمكن للباحث والمؤرخ الأكاديمي، أن يكشف دقائق النتاج الأدبي لبنيّ جلدته، إنطلاقا من الحداثة، وتأسيسا على الجذور؟

– لا ريب إن الثقافة العراقية تتعدد فيها المناهل من جداول الإبداع، ولكل من تلك الروافد والجداول منتجها الزاخر بالعطاء الثر والراكز والمؤثر في أبعاد المعرفة… والفكر… والتأريخ… والأدب… والفن… والجبر والرياضيات وعلوم الفلك… إلخ من المنجز البشري، ولهذا النتاج بصمته المحلية، والعربية، والإنسانية، ومن الطبيعي إن النتاج المعرفي يُعد من النتاج التراكمي، فكل جيل إبداعي ينهل من الذي سبقه وبالتالي خزان الثقافة العراقية الواسع يمتد بعمقه التاريخي لأكثر من سبعة آلاف سنة من سومر وأكد وبابل وسامراء ونينوى ،وقد تشكلت وظهرت فيها النواة الأولى لظهور الكتابة السومرية (المسمارية) في طفولة الحضارة البشرية عند “السومريين” تحديداً، وهذا بإجماع الأنثروبولوجيين والآثاريين ومن المهتمين بنشوء الحضارات، فإنطلقت من أديم وتخوم سومر وأور وأكد وأريدو الحضارة الرافدينية لتشع بنورها على المعمورة، فظهور الكتابة… والتعدين… والزراعة… وفن النحت والرسم والمسرح فضلاً عن أول ملحمة إنسانية عن الخلود “ملحمة كلكامش” جعل الإنسان الرافديني يرتكن ويرتكز إلى عمق الجذور في سؤالك الواعي هذا هناك ثمة أجوبة أحاول أشير إلى بعض منها بما أن الحاجة أم الإختراع لذلك العراقي الأول طوع الطبيعة وإمكاناتها للإفادة القصوى في إست

صباح محسن

صباح محسن

خدامها المنزلي والعملي كأفراد أو مجموعات، وكما أكد كانت وديكارات (أنا أفكر أنا موجود) ينطبق على مقولتنا السابقة ،فالتفكير قاد المجتمع للإنتاج الحضاري بكل جوانب الوجود ليصيّرمن الصعوبات منافذ لعيشه الآمن، أما الشق الآخر من السؤال تفاعل التراث مع الحداثة يُنتج الأدب الأسمى والفن الأرفع والذوق الأروع، فالشاعر العراقي تنعكس بإشراقات روحه الميثولوجيا السومرية والبابلية في الأساطير المتوارثة عن الخلود والعشق والحب ويستلهم تلك الأساطير في مشروعه الشعري وتفكيك النصوص وقراءتها سيميائيا تجد الدلالات والعلامات والانزياحات مع المخيال التراكمي للجذر التأريخي المستلهم في النص الإبداعي في الشعر أو المسرح وفي فضاء اللوحة التشكيلية وإستخدام الموروث الحضاري والمرموزات وما على الناقد إلى تأويل تلك الإحالات إلى الجذور في تناصها أو إقتباسها أو التأثر بها. والحداثة لاتتم بالفراغ بل هي تأسيس على مراحل إبداعية هضمت وتمثلت تحولات فنية وأدبية وفق مدارس أُسست بفضاءات ومناخات وليدة حالة تأريخية ما ،فالصيرورة التأريخية بفعل الديالكتيك والصراع والبحث عن الأجود وإتساع الرؤيا والبحث عن القيم الجمالية في التعبير الفني والأدبي تحاول مواكبة روح العصر، ومن المعلوم في عصر التكنلوجيا وعصر السرعة وعصر الصورة والميديا إختلفت وسائل التعبير وفقاً لمتطلبات الحداثة والغزو العولمي المعولم لكل الأشياء.

■ الشعراء العراقيون المعاصرون إفتتحوا عصر قصيدة النثر مع نازك الملائكة، والبياتي، وسواهم من الاسماء الكبيرة. هل تعتقد أن القصيدة العراقية اليوم فقدت بوصلتها، تحت وطأة الواقع المتشظي الذي يشهده العراق؟

– مدرسة الشعرلا تتجدد في البناء والشكل والقصدية ولا تتوقف عند الأسماء التي ذكرتها بتاتاً، ولايمكن مطلقاً إحصاء الأسماء الشعرية في جواب مقتضب، وتطور شعرنا العراقي وفق سياق التحولات الإنسانية، والمخاضات، وإفرازات الواقع المعاش، ورصد الحقائق الكلية، وإحساس الشاعر بآلام وآمال أمته فتظهر أصوات شعرية عراقية بإستمراروهي تحصد الجوائز العربية وبعض المحافل العالمية كأصوات (ياس السعيدي، وعامر عاصي، وحازم التميمي، والدكتور وليد الصراف… وغيرهم الكثير)، مع إشراقات ستينية، سبعينية، وثمانينية، وتسعينية، لنماذج منها عبد زكي ،كاظم الحجاج، حسين القاصد، عارف الساعدي، نوفل ابو رغيف ،موفق محمد، حمد الدوخي، مروان عادل، عمر السراي… والقائمة تطول بعدد نخيل العراق ولن يتوقف الشعر في موطن الشعر فلموسيقى الشعر العراقي إيقاعه المميز وعذوبة تطرب لها أذن المتلقي، كما يقول محمود درويش: إذا أردت أن تصبح شاعرا فكن عراقيا، فالجواهري وجمال الدين والحصيري وحسين مردان ومحمد علي الخفاجي ومظفر النواب وأحمد مطر ويحيى السماوي وعشرات آخرين… رموز شعرية عربية، فالشعر العراقي المعاصر- قصيدة النثر- وليد التحولات الكونيّة المذهلة وبالتأكيد مدى تأثره بالآداب الأخرى (الانكليزية) (الفرنسية) (اليابانية) وغيرها فضلاً على توزع أعداد كبيرة من الشعراء العراقيين بالمهاجر والمنافي لأربعة عقود خلت ولازالت تتفاعل مع المنتج الآخر وتتأثر به، يتجلى في التأسيس على تأريخ مشرق للقصيدة العربية الموزونة الفراهيدية لشعراء لا يمكن تخطي ماقدموه من منجز للإنسانية من المعلقات إلى المتنبي والمعري وأبي تمام وما سبقهم ومالحق بهم ،ثم جيل السياب والبريكان والملائكة ولميعة عباس عمارة. ومن الذين إجترحوا وأبدعوا في قصيدة التفعيلة والنثركالراحل كمال سبتي، وسركون بولص، وسعدي يوسف، وعبد الكريم كاصد، وفوزي كريم، فاضل العزاوي، رشدي العامل وديع شامخ، باسم فرات، سامي العامري ناهض الخياط… ومئات آخرين، وشاعرات لهن بصمتهن الجمالية في عوالم النص كالدكتور ناهضة ستار والدكتور سهام جبار والدكتورة وورود الموسوي والدكتورة ووفاء عبد الرزاق والدكتورة خلود المطلبي والدكتورة راوية الشاعر والدكتورة وفاطمة الفلاحي والدكتورة رسمية محيبس… إلخ من الأسماء التي تتناسل يوميا، فيما أستمر التألق لشعراء لا يحصى عددهم لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله كأجود والصورة الشعرية المبهرة كالمبدع عبد العظيم فنجان، علي البزاز، فضل خلف جبر، فضلاً عن الشعر التفاعلي والقصيدة التفاعلية ورائدها الدكتور مشتاق عباس معن الذي سجل بإمتياز له. مع أجيال نقدية وشاعرة مهمة كالدكتور محمد الأسدي، والدكتور فائز الشرع والدكتور أمجد التميمي والدكتور حسن ناظم… وبروز طاقات شعرية صمتت ردح ما تكتب العمودي والتفعيلة كخالد صبر سالم وسعد علي مهدي، وأصوات تجدد الروح في القصيدة كمهدي النهيري وأحمد العليان ومهند جمال الدين وناجح العرسان… بالطبع لا يمكن إحصاء المنجز الشعري العراقي وذكر الجميع ببلوغرافيا للمنجز الشعري العراقي لكن هو جواب لسؤال هل توقف الشعر بتشظي الواقع فالجواب هو: التوالد، والتكاثر، والتناسل اليومي للشعر العراقي، فالعاطفة العراقية حادة المزاج… وصادقة الوجدان في التعبير الإنفعالي بها شعريا ؛والواقع المر بأزماته لايوقف المد الشعري العراقي.

■ لديك كتاب عن واقع الإعلام العراقي.ما كانت أهم غاياتك منه؟ وما هي الصورة التي جرى رسمها، في دراستك هذه بجزئيها؟

– ما تقصدينه هو (كتاب الإعلام والأمل الموعود) بطبعاته الثلاث في بغداد، وبيروت دار العارف ،هو جهد فكري ومعرفي يغوص بأبعاد المعرفة التاريخية والروحية ويعالج الخطاب الإعلامي الهادف ،مع تمثلات الميديا المعاصرة ،منطلقاً من التأريخ إلى المعاصرة، وفق إطروحة المشترك الإنساني العقائدي بين الحضارات والعقائد، مع تنوع الفصول السته والابواب التي شرعت لدراسة تأريخ الإعلام والخبر والقصة وأهداف الإعلام وتصنيفاته بين الإعلام الجاد والهادف والرصين والتنويري وبين وسائل الإعلام في المراء والجدل العقيم أو تسويق الرذيله، بالطبع تناولت: الإعلام العراقي بعد عصور من الأدلجة والعسكرة وصناعة الصنم والآفاق المتاحة بعد الحرية والثورات العربية لتهشيم الأصنام التي جثمت على الصدور لعقود مؤلمة ورؤيتي لتطوير الرسالة الإعلامية بعد التعددية الفكرية في عراق خارج من العسف السياسي وبروز الهويات وصحوتها بعد قمعها وسحقها وإبادتها ، فضلاً على المشترك بين العقائد والكتب السماوية وماجاء به الرسل والأنبياء في قضية الإنتظار الروحي المهدوي، في التوراة والإنجيل والقرآن، وما أكدته مصادر الفكر العلمي عند الجميع، فبطبيعة الإنسان يبحث عن الخلاص من الظلم والعنف والقتل والإستبداد الذي واكب الوجود الحضاري للإنسان من بواكير الحضارة ،فالصراعات والنزاعات البشرية على مدى الأزمنة وفي يومنا المعاصر جعلت الرعب لصيق بحياة البشر من هيمنة الإستبداد والنظم الفاشستية والتولوتارية القمعية التي صادرت الحريات وحقوق الإنسان ،فيما المنظومة الفكرية العقائدية الإسلامية طرحت البديل الحضاري بدلاً من القمع هو (إخوة الإنسان للإنسان) وحتمية التعاون والتآزر والتوادد في المفهوم الرسالي (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) فمنظومة القيم تدعو الى التعارف ونحن في عصر الميديا، بعد عصر الحروب والغزو البربري الهمجي، لذا فالإعلام هو الأمل في الإصلاح الإنساني وفق المشتركات بين جميع البشر بكل أثنياته وقومياته وعقائده ،فالبديل للإحتراب هو التعاون الإنساني لذلك ركزت في فصول عدة وأبواب مختلفة من الكتاب على حوار الحضارات وتأثير العولمة وفهم الإستشراق ،فإن لم تفعل الإنسانية في التقارب الإعلامي فالخراب محدق بها لما توصلت له ترسانة التدمير الحربي المذهلة المحمومة في التدمير الهائل للأرض وماعليها ،لذلك لقي الكتاب دراسات عدة وإشادات أكاديمية وتخصصية في العراق وخارجه حتى في مشاركتي الأخيرة بتونس في ملتقى الجمعية العربية للمحافظة على التراث والتأريخ والإهتمام بالأرث الحضاري العربي الذي تترأسه د-حياة الخياري الناقدة والأكاديمية بجامعة سوسة وبحضور عديد من الأكاديميات والأكاديميين من تونس والعرب كان الثناء مهماً على الإطروحة الحضارية في هذا الكتاب ومن المؤمل هناك طبعة رابعة تصدر للكتاب فيها أفكار وأضافات لآراء عربية فيه.

■ ماذا عن الثروة العلمية البشرية التي إغتنى ويغتني بها العراق، هل ما زالت بخير رغم هجرة العلماء؟

– أقول لك من المؤسف ياسيدتي ،ماتعرض له العراق وهو جمجمة العرب، وموقعه الإستراتيجي الأهم عالميا وشرق أوسطيا كرابط بين القارات، وثرواته المذهلة ،المادية – البشرية، بكل مرارة و حرقة وأسى ولوعة تحرق القلوب المخلصة في الأمة والعالم أجمع ماجرى ويجري لشعبه، هجرات… كوارث… حروب إبادة.. .قتل طائفي… كتبت للصحافة العراقية بعد التغيير موضوعاً (هجرة العقول) وبينت فيه الآليات لإستعادة الأدمغة المهاجرة من كفاءات طبية – هندسية – علمية – أدبية… وتهيئة الأجواء المناسبة بإحتضانها وتوفير سبل العيش الرغيد لها ،لكن صوت الرصاص أعلى من الصوت الفكر فضلاً عن الطبقة السياسية منقسمة بين المخلص لشعبه وبين السارق واللص والعامل بالأجندة الهدامة للدول التي لاتريد للعراق المعافاة من سرير المرض الذي يأن منه من 5 عقود ،فثروة العراق المادية المدهشة كفيل بتحقيق السعادة المثلى والفضلى لشعبه بإشتراط توفر السياسي الوطني، وحتماً الإستقرار السياسي يؤدي إلى عودة العقول والأدمغة المهاجرة. لكن نزيف الدم اليومي يرافقه نزيف العقول للهجرة والخلاص من الجحيم الذي يخفت أحياناً ويستعر في أحيان أخرى، رهاني كباحث عراقي على المرجعيات الدينية والسياسية والقوى الشعبية – الوطنية حصراً- للخروج من مأزقه ومشكلاته، ورسالتي للعرب في هذا الحوار أن يقفوا إلى جانب الشعب العراقي في التنمية والإستثمار والبناء وعدم تغليب النظرة الطائفية ضد الآخر، فا لنهوض العراقي من كبوته بالتالي هو مكسب لجميع العرب.

■ ككاتب وباحث وإعلامي،كيف ترصد واقعنا العربي إجمالا، في هذا المنقلب الساخن لحاضرنا ومستقبلنا؟

– المعول على الشعوب وإرادتها، فالشعوب لن تقهر مهما تفرعن الطغاة، قد تنحني لبرهة ومقطع من الزمن، لكن الرهان الأخير لها، فهي من تقرر، كما حدث في تونس الخضراء الأبية وهي تضيء زوايا العتمة لقرون في أمتنا القابعة تحت نير الطغاة الأذلاء للمستعمر والأسود على شعوبهم الذين جعلوا السجون متلاصقة من المشرق إلى المغرب ،وجلاد يسلمها إلى جلاد،فيما تئن الضحايا والثكالى وأطفال الشوارع وجيوش من العانسات وجيوش من الأمية تقبع بأركان الأمه،أرى الزمن قد ولى وأدبر للطغاة في تونس – ليبيا- مصر – اليمن- كما سقط الطاغوت في العراق فهناك أنظمة هزيلة تقف على جماجم الشعوب، وتهرس وتطحن عظام أبنائها، لقد أفل زمن الطواغيت، وها قد هبت الشعوب للثورات ،لكني أخشى مصادرتها من الغرب ومصالحه وإستراتيجياته بإبقاء حليفتهم المدللة إسرائيل كأخطبوط وترسانة نووية تلوح بها وتحقق مآربها بوجودها، فالآخر لايحترم مدعايته بحقوق الإنسان والدليل أمامنا البحرين ،شعب يقهر ويقمع ولا من ناصر له،وكلمة أخيرة:إذا أرادت الأمة النهوض من سباتها فوحدتها قوة وقوتها وحدة وعلى الجامعة العربية تفعيل دورها بعد كهولتها وشيخوختها لتقف لنصرة الشعوب والبدأ بالتنمية والإعمار والقضاء على البطالة والأمية وإيجاد الحلول لمستقبل أزمة المياه التي ستعصف بالأمة مستقبلا.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s