هيلين توماس: البيت الأبيض يفقد “ضميره”

قبل ثلاث سنوات من رحيلها، قالت ببساطة وشفافية ما يعجز عنه الأبطال التاريخيون: قل لهم (أي الاسرائيليين) أن يغادروا فلسطين… أن يعودوا الى ديارهم في بولونيا وألمانيا والولايات المتحدة وسواها. قالت كلمتها ومشت. هي ابنة عائلة انطونيوس اللبنانية الطرابلسية، قالتها بصدق وجرأة من داخل البيت الأبيض، واليوم يتذكّر العالم كله انه “ضمير” البيت الأبيض … هيلين توماس.

هيلين توماس

هيلين توماس

قبل أيام من بلوغها الـ93 رحلت توماس هيلين. والدها جورج هاجر من طرابلس يوم كان عمره 17 سنة، والدتها ماري أيضاً لبنانية. استقرت العائلة في ديترويت ودرست هيلين في جامعة وين ستيت. بدأت «مراسلة أخبار» في جريدة «واشنطن ديلي نيوز» في العام 1941، وانضمت الى فريق «يونايتد برس» سنة 1943 وغطت اخبار البيت الأبيض منذ كان جون كيندي رئيساً. ثم إنها كانت أول صحفية ترافق الرئيس نيكسون في رحلته التاريخية الى الصين في العام 1971، ورافقت كذلك الرؤساء فورد، كارتر،  ريغان، جورج بوش الأب، كلينتون وبوش الابن.

وهيلين توماس هي اول صحفية تتولى رئاسة نادي الصحافة القومي في واشنطن، وقد تركت عملها في «يونايتد برس» لتعمل في مؤسسة «هيرست» الصحفية، وهي تحمل اكثر من 30 جائزة صحفية، وشهادات جامعية فخرية، بينها دكتوراه فخرية من جامعتها، جامعة دين ستيت، وقد صنفت قبل اعوام واحدة من الـ 25 سيدة الاكثر تأثيراً في العالم.

والقصة ليست هنا. القصة أنها سئلت في 27 أيار (مايو) الماضي، في  مقابلة مع موقع «رابي لايف» اليهودي، ما اذا كان لديها تعليق حول تصدي اسرائيل لـ»أسطول الحرية» فردت بكل بساطة: قل لهم أن يخرجوا من فلسطين… يجب ان نتذكر أن هؤلاء الناس محتلون، وأن فلسطين ليست ديارهم، وأن عليهم أن يعودوا الى ديارهم في بولونيا واميركا وألمانيا والبلدان الأخرى التي قدموا منها، وأي مكان آخر.

هذا الكلام لصحفية اميركية امضت خمسين عاماً من عمرها تغطي اخبار البيت الابيض، وعايشت خلالها عشرة رؤساء اميركيين، احدث ما يشبه العاصفة في الاوساط اليهودية الاميركية وعلى كل المستويات، لا سيما بعدما نقل بواسطة موقع «يو تيوب» عبر شبكات الانترنت الى العالم كله. وكان من الطبيعي في مجتمع يسيطر عليه الاعلام اليهودي ان توجه اليها انتقادات لاذعة. وفي محاولة لاحتواء الهجمة الشرسة التي تعرضت لها، أصدر مجلس اتحاد مراسلي البيت الابيض، بيانا دان فيه تصريحاتها ووصفها بانها «لا يمكن الدفاع عنها، ومؤسفة، نظرا  لمركزها كقدوة  في البيت الابيض». غير ان توماس، التي يطلق عليها لقب «سيدة البيت الابيض الأولى»، اصدرت تعليقا على موقعها الالكتروني الرسمي، قالت فيه: اشعر بالأسف العميق للتصريحات التي ادليت بها قبل ايام حول الاسرائيليين والفلسطينيين، لقد قلت ما اؤمن به وهو ان السلام سيأتي الى الشرق الاوسط فقط حين يعترف جميع الاطراف بالحاجة الى الاحترام والتسامح المتبادل، وانا اتمنى ان يأتي هذا اليوم قريبا.

يذكر ان هيلين توماس تعمل مراسلة في البيت الابيض منذ العام 1961، وذلك لصالح وكالة «يونايتد برس انترناشونال» قبل ان تصبح كاتبة عمود في صحف «هيرست» قبل عشر سنوات. وفي كتابها بعنوان «الصف الاول في البيت الابيض: حياتي واوقاتي»، ذكرت هيلين توماس ان والدها جورج، هاجر الى اميركا سنة 1892، اي قبل ثلاثين سنة تقريبا من ولادتها. وكان عمره 17 سنة وهو يحمل في جيبه «بضعة سنتات، وكيساً فيه ملابسه وكتاب صلاة مسيحية باللغة العربية». وفي وقت لاحق استقر في ولاية كنتاكي مع أقارب له، وبدأ يبيع الخضروات والفواكه والحلوى والسجائر، على عربة يجرها حصان تجوب الريف الاميركي ومثل سائر المهاجرين تردد جورج في البقاء في اميركيا وعاد الى لبنان، حيث تزوج ماري اللبنانية ايضا، وانجب البنت الاولى كيت. ثم بدل رأيه، مرة اخرى، وعادا الى ولاية كنتاكي، حيث انجبا هيلين وبقية اخوتها واخواتها.

وفي كتابها تقول هيلين ايضا انها لا تتذكر متى قررت ان تصبح صحفية، وتضيف قائلة ذكرت لي صديقة الطفولة، ليلي شيفرت، ان عمري كان 12 سنة عندما قلت لها اني اريد ان اكون صحفية، وبعد سنوات قليلة في المدرسة الثانوية نشرت هيلين اول تقرير في «انديان» جريدة المدرسة. وتذكرت في وقت لاحق، في كتابها: رؤية اسمي في الجريدة، افرحتني الى حد لا يوصف.

صحيفة «تايمز» قالت عن هيلين توماس: في هذه الصحفية الاميركية، اللبنانية الاصل، تواضع قوي وبرودة بسيطة، وتمرد عروبي تحمله من شوارع طرابلس. وهي تريد ان يحفظ التاريخ عنها، اسئلتها المحرجة التي طاردت الرؤساء الاميركيين. وقد عملت مع عشرة رؤساء ابتداء من جون كيندي وصولا الى باراك اوباما. وكانت اول امرأة تحتل مقعدا في نادي الصحافة القومية، بعدما فتح بابه امام النساء في الستينيات، وبعدها، اول امرأة تصبح رئيسة لجمعية مراسلي  البيت الابيض في العام 1975. وهي غطت جريمة اغتيال جان كيندي  وسقوط ريتشارد نيكسون، وخيانات بيل كلينتون، الذي قال عنها يوما: الرؤساء يأتون ويرحلون، لكن هيلين هنا منذ 40 سنة.

وصدر لهيلين توماس، كتاب بعنوان: «اسمع سيدي الرئيس: كل شيء اردت دائما ان يفعله ويعمله رئيسك»، بالتعاون مع الصحفي كريغ كروفورد، يتضمن روايات ودروساً، عن البيت الابيض، وما تتطلبه الرئاسة من مهارات شخصية وسياسية. وعن السبب الذي دفعها الى اصدار هذا الكتاب تقول هيلين: لدينا رئيس جديد وتغيير تاريخي في الرئاسة لناحية وجود اول رئيس اسود. وهذا كتاب ممتع، نحاول فيه تقديم نصيحة الى الرئيس، نعتقد انها عادلة ومتوازنة. وردا على السؤال عن رأيها في الرئيس الحالي، باراك اوباما قالت: انه ضمير حي لكن بلا شجاعة. ويجب ان يكون لدينا برنامج تأمين حكومي… علينا الخروج من افغانستان…  وما كان علينا الذهاب الى العراق, علينا ان نخرج من العراق ايضا. فليس لنا حق في ان نكون في بلدان اخرى. وعن سياسة اوباما في الشرق الاوسط، تقول  توماس: اعتقد ان الاسرائيليين لا يعرفون ماذا يفعلون. كان من المفترض فيهم اولا تجميد الاستيطان، لكنهم الآن، يساومون قليلا هنا، وقليلا هناك… يؤجلون اتخاذ القرار لمدة عام فيما يسمحون في بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية لليهود، ويطردون العرب خارج بيوتهم لمدة قرن من الزمن هذا خطأ، وسيكون دائما خطأ، وسيكون ذلك في غير مصلحة الاسرائيليين. وعن تأثير اصلها العربي – اللبناني على نظرتها الى السياسة الاميركية، تقول توماس: بدون شك، كل منا يتأثر بمن هو، وبأصله. وانا اتحدر من خلفية عربية، ومن المؤكد ان لدي تعاطفا عظيما مع ما يحصل للعرب، فالارض تؤخذ منهم، والمياه تؤخذ منهم، ومنازلهم دمرها غرباء من كل انحاء العالم: والعرب لم يتماسكوا معا بما يكفي… لديهم الكثير من الدكتاتوريات، ولو انهم اهتموا بعضهم ببعض ، لما كانوا استسلموا الى مشيئة اسرائيل.

الى ذلك، تذكر هيلين انها شعرت بالتمييز المزدوج في مهنتها، كونها امرأة اولا ومن اصل عربي ثانيا. لكنها تؤكد: اشعر انني اميركية ولا يستطيع احد ان يتحداني لانني ولدت هنا.

اما عن الرئيس جورج دبليو بوش فقالت هيلين يوماً: انني اغطي اسوأ رئيس في التاريخ الاميركي. فهو اراد غزو العراق منذ اللحظة  التي دخل فيها البيت الابيض. وترى توماس ان بوش فشل في كل المحاولات، من السياسة الخارجية، حيث قام بغزو بلد لم يفعل شيئا له، واحرجنا بفضيحة التعذيب. كما حرمنا من حقوقنا المدنية، ووضع اللوم في كل ما يحصل على احداث 11/9 ووضع الناس في  السجون وازدهرت في عهده الجرائم وعمليات القتل والمحاكمات.

وترى هيلين ان الاعلام الاميركي دخل في موت سريري بعد احداث 2001 /11/9، ولم يخرج من غيبوبته تلك الا في العام 2006. وفي حرب تموز 2006 على لبنان، قالت هيلين: كان في وسع الولايات المتحدة ان توقف القصف الاسرائيلي ضد البنى التحتية في لبنان، لكن واشنطن ذهبت الى العقاب الجماعي ضد كل الناس في لبنان وفلسطين.

وقد اصدرت هيلين اربعة كتب في مسيرتها العملية، كان آخرها كتاب «كلاب حراسة الديمقراطية، انتقدت فيه دور وسائل وشبكات الاعلام الاميركية في فترة رئاسة جورج بوش، وقد وصفت وسائل الاعلام الكبرى منها، على وجه الخصوص بأنها تحولت من «سلطة رابعة وكلاب تحرس الديمقراطية، ومراقب على الديمقراطية الى كلاب أليفة».

ولهيلين مواقف اخرى حول احداث الشرق الاوسط، يمكن تلمسها من خلال هذا الحوار الذي اجرته معها إحدى الصحف العربية:

■ وصفتك آن كوتلر، المعلقة الصحافية اليمينية، بأنك «عربية عجوز»، لكن خدمة نشر تعليقاتها بدلته الى «عجوز تجبر الشخص على التقيؤ»، غير أن موقعها في الانترنت أبقى على «عربية عجوز»؟

ـ أنا فخورة بجذوري العربية، لكن ليس عندي تعليق على مثل هذه الاشياء، وافضل عدم التعليق عليها.

■ هل كان الاعلام الاميركي محايدا في تغطية التدخل الاميركي في العراق، وفي تغطية حرب الارهاب؟

ـ تزايد الروح الوطنية وسط الصحافيين ، خلال الحرب شيء طبيعي لأن الصحافيين، مثل غيرهم، يميلون الى تأييد حكومتهم ورفع شعارات الوطنية عندما تشترك بلادهم في حرب، وهذا شيء مفهوم، لكن ليس معنى هذا انهم يجب ان يفعلوا ذلك.

■ إذا استمرت حرب الارهاب الى لانهاية، هل معنى ذلك ان يستمر انحياز الإعلام الأميركي بلا نهاية؟

ـ قد يغير الشعب الاميركي رأيه، ويلزم حكومته بإعادة النظر في سياستها

■ هل سيستغرق ذلك وقتا طويلا؟

ـ حرب فيتنام استمرت سبع سنوات حتى بدأ الشعب الاميركي يغير رأيه فيها. لن يدوم كل شيء.

■ هل يميل الاعلام الاميركي الى اليمين، خصوصا بعد ظهور قنوات تلفزيون مثل «فوكس» التي تؤيد البيت الابيض في كل شيء؟

ـ «فوكس» لا تؤيد البيت الابيض، إنها جزء منه. وآمل ان يسترد الاعلام الاميركي صدقيته، عندما تنتهي الحرب.

■ هل يسهل على الصحافي أن يسأل أسئلة محايدة؟

ـ كنت أفعل ذلك لستين سنة.

■ وماذا عن آرائك عن مشاكل الشرق الأوسط عندما تطرحين سؤالا؟

ـ انهم لا ينتقدونني لأن اسئلتي غير محايدة، انهم لا يريدون مني أن اسأل عن هذه الاشياء، لأنها تضايقهم ويتمنون لو انهم لم يسألوا عنها.

■ ولكنك، بعد ستين سنة في جمع الاخبار، وبعد ان انتقلت من وكالة اخبار «يونايتد برس» الى مؤسسة «هيرست» الصحافية، بدأت تكتبين آراء، وهم يقولون ان اسئلة كاتب الرأي ليست مثل اسئلة المخبر؟

ـ لا تصدقهم إنهم يعرفون من هي هيلين توماس.

■ ما رأيك في حملة الحكومة الأميركية على قنوات تلفزيون عربية معينة؟

ـ لا أريد أن أدخل في هذا الجدل، ولا أريد أن أؤيد قناة ضد أخرى، لكني أشيد بظاهرة انتشار هذه القنوات التلفزيونية، واعتقد انها شيء مهم ومفيد. ولم اشهد مثلها في حياتي الطويلة. وآمل ان تصحبها حريات سياسية.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s