رحلة التكفير: كيف حوّل الإخوان الفن الحلال إلى حرام؟

عبد الرحمن سلام:

على شاشات الفضائيات التي تتبع “جماعة الاخوان المسلمين” في مصر، وجّه احد اعضاء  هذه الجماعة الى النجمة السينمائية الهام شاهين، اتهامات تمس العرض والسمعة والكرامة، من دون ان يقيم اي دليل على اتهاماته، ما اثار حفيظة اهل الوسط الفني، فتوحدوا حول زميلتهم، وهاجموا من هاجمها، حيث خرجت كل الاقلام تدافع عنها، وعن حرية الابداع الذي قدمته في جميع أعمالها السينمائية، ورافضة الوصاية على الفن، وكذلك الاتهامات التي تطلق بحق الفنانين والفنانات، معلنين بالتالي رفضهم التام لـ”اخونة” الفن.

ورغم أن الاخوان يطيعون مرشدهم طاعة عمياء، فإنهم لم يطيعوه في تلك المسألة، وإنما لجأوا الى العنف في التعبير عن رفضهم للتمثيل وللممثلات، من دون ان يكلفوا انفسهم مشقة البحث عن علاقة مرشدهم الاول مؤسس حركة  الاخوان المسلمين، حسن البنا، بالفن والفنانين، وكان من نتيجة تصرفاتهم الشاذة ان قامت النجمة الهام شاهين برفع دعوى سب وقذف وتشهير ضد عضو الجماعة، انتهت بمعاقبته بالحبس والغرامة، في برهان اضافي على غلوهم.

ورغم لقاء  الرئيس (قبل عزله) محمد مرسي، مع العديد من نجوم التمثيل، فإن جماعة الاخوان لم ينطقوا بكلمة، ولم “يهاجموا رئيسهم” الذي استقبل الممثلات، وصافحهن.

وهذا اللقاء، لم يلغِ تخوّف اهل الفن من رغبة ونية الاخوان من “اخونة” الابداع.

الباحث المصري محمود خليل (باحث في التاريخ) تتبع تاريخ مؤسس حركة الاخوان ومرشدها الاول الشيخ حسن البنا، وأيضا تاريخ الجماعة، حيث لا يمكن فصل احدهما عن الآخر، وكشف في دراسته عن الوجه الآخر للمرشد حسن البنا وجماعته بعنوان “البنا والاخوان تاريخ اسود مسكوت عنه”. وقد يكون هذا التاريخ معروفا لدى البعض، غير ان الكثيرين يجهلونه، ويسعى “الاخوان” (الحاليين) الى طمسه، ومهاجمة كل من يحاول فتح ذاكرة التاريخ ليضيء على الماضي، ومنه، علاقة حسن البنا، والكثير من رموز الاخوان، وبعض مشايخ الازهر الشريف، بالفن والفنانين، وهو ما نتناوله في تحقيقنا هذا.

فنانات ضد الاخوان

فنانات ضد الاخوان

علماء الأزهر يرتادون دار الأوبرا

في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي، كان عدد من علماء الازهر يذهبون الى دار الاوبرا المصرية، ويقيمون علاقات صداقة وتعارف بالفنانين، من اصحاب الفن المحتشم، كالشيخ محمد مصطفى المراغي (شيخ الازهر) الذي ارتاد لمرات دار الاوبرا المصرية وحضر فيها بعض الاحتفاليات، ولم ينتقد هذا الامر اي من علماء عصره. ثم جاءت مرحلة الثمانينيات لتكتب مجلة “التوحيد” التي تصدر عن “جماعة انصار السنة” في مصر، ولتنبش في ماضي الرجل، وتهاجمه هجوما حادا تحت عنوان “عمائم في الاوبرا”،  ما اضطر ابنه الدكتور اسماعيل المراغي ان يكتب توضيحا عن الفارق بين “اوبرا الماضي” و”أوبرا الحاضر”، وان الاولى كانت تراعي البيئة والالتزام في كل ما كانت تقدم من فنون راقية، محترمة، وغير مسفة.

ايضا، كان الشيخ مصطفى عبد الرازق (شيخ الازهر) معروفا بعلاقته مع كثير من الفنانين، وعلى رأسهم محمد عبد الوهاب وأم كلثوم. كما كان بين الفنانين، ملحنون وشعراء ومطربون وعازفون، بعضهم يحمل لقب “شيخ”، ويباهي به، وأيضا، ينادى به، من دون اي حرج، ومن دون ان تستنكف الطبقة الفنية من ذلك، أو تلفظه، أو ترفضه، او حتى تحتج مجرد احتجاج عليه، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ سلامة حجازي والشيخ زكريا احمد والشيخ امام عيسى وصولا الى آخر مطرب برتبة المشايخ، الملحن والعازف والمطرب الشيخ سيد مكاوي.

التلمساني: تعلمت الرقص

ويضيف المؤرخ محمود خليل: في كتاب “ذكريات لا مذكرات”، قال عمر التلمساني (من مرشدي جماعة الاخوان السابقين): ان في حياتي  ما لا يرضي المتشددين من الاخوان او غيرهم، كالرقص الغربي، والموسيقى، وحبي للانطلاق. تعلمت الرقص “الافرنجي” في صالات “شارع عماد الدين” وكان تعليم الرقصة الواحدة في مقابل ثلاث  جنيهات. تعلمت “الشارلستون” و”التانغو” و”الدن سيت” و”الفوكس تروت”، وأيضا العزف على العود. ولئن سألوني عن الهوى، فأنا الهوى وابن الهوى وابو الهوى وأخوه؟!

وتحت عنوان “صليت في السينما” يذكر عمر التلمساني: “لما كنت اباشر عملي كمحام وانزل يوم الجمعة لاشاهد بعض الافلام السينمائية، “كنت انتهز فرصة الاستراحة لأصلي الظهر والعصر مجموعين مقصورين في أحد أركان السينما التي اكون فيها”.

فرق مسرحية “اخوانية”

في كتابه “خصائص الفن عند البنا” يقول الكاتب عصام تليمة: قد يستغرب القارئ، للوهلة الاولى، من عنوان الفصل. فما شأن حسن البنا والفن؟! وهل فعلا كان للبنا تجربة في الفن؟ وهل هذه التجربة غنية الى حد ان يتم تناولها ويجعلها مادة تستحق البحث؟ لقد رأيت بالفعل ان الامر جدير بالبحث، والمناقشة لا سيما وان الموضوع (والكلام دائما للكاتب عصام تليمة) كان دائما من الموضوعات التي نأى الباحثون بأنفسهم وأقلامهم عن البحث فيها، أما لوضع نتائج مسبقة قبل البحث بأن علاقة حسن البنا بالفن لن تتجاوز حدود اصدار فتوى، أو ملامسة الموضوع عن بعد من حيث “الحلال والحرام” وليس اكثر؟! لكن الحقيقة تؤكد ان المرشد مؤسس حركة الاخوان، جعل للفن مساحة ليست بالصغيرة في “جماعته”، فأنشأ فرقة مسرحية. بل فرقا مسرحية، لعل ابرزها وأشهرها “فرقة القاهرة”. فقد أنشأ مرشد الاخوان حسن البنا في معظم شعب الاخوان المسلمين، فرقا مسرحية، رغم ان اول رسالة صدرت تهاجم الفن والتمثيل عند “جماعة الاخوان” كانت بسبب مسرحية قدمتها شعبة “محافظة طنطا” وفيها قدمت قصة “الذبيح اسماعيل” عليه السلام، حيث احضرت الفرقة كبشا، ومثلوا شخصية اسماعيل عليه السلام.

علاقة البنا بالفنانين

وفي كتابه عن المسرح عند “الاخوان”، يقول الكاتب محمود عبد الحليم: اقام حسن البنا علاقات مع الفنانين تركت اثرا طيبا عن دعوة الاخوان في نفوس اهل الفن، سواء كانت العلاقة بلقاء عابر لا يفوتهم فيه غرس معنى من معاني الاسلام الحسنة، او بإقامة علاقة ود، ومن ابرز هؤلاء الفنانين ثلاثة، عرفتهم من خلال البحث، أولهم الفنان انور وجدي الذي كان له صيت ذائع في الاربعينيات من القرن المنصرم، وكان يلقب بـ”فتى الشاشة”، وله جمهوره المتابع لفنه.

ويروي القيادي الاخواني الدكتور محمود عساف  كيف توجه بصحبة المرشد حسن البنا الى البنك العربي لفتح حساب للاخوان، اذ لم يكن لهم حساب بأي بنك، بعد، ولدى وصولنا، كان هناك رجل جالس على مقعد مجاور لمقعد المدير “شومان بك”. وما انتهت المقابلة بين الاثنين، حتى التفت الرجل تجاهنا وهو يعلن بصوت مسموع: “حسن بك. اهلا وسهلا”. ثم تقدم نحونا مصافحا الإمام، ومقدما نفسه لي: أنا انور وجدي المشخصاتي (ضاحكا) يعني الممثل. طبعا انتم تنظرون الينا ككفرة نرتكب المعاصي في كل يوم، مع انني والله اقرأ القرآن الكريم وأصلي.

ورد عليه الامام حسن البنا: يا اخ انور. انتم لستم كفرة. ولا عصاة بحكم عملكم، فالتمثيل ليس حراما في حد ذاته، لكنه حرام اذا كان موضوعه حراما، وأنت واخوانك الممثلون تستطيعون ان تقدموا خدمة عظمى للاسلام اذا عملتم على انتاج افلام ومسرحيات تدعو الى مكارم الاخلاق، بل ستكونون الاكثر قدرة على نشر الدعوة الاسلامية من كثير من الوعاظ وأئمة المساجد. فأنت مرحب بك عندنا وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الاخوان بـ”الحلمية الجديدة” (منطقة في وسط القاهرة) لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة والدعوة الى الله.

وينهي محمود عبد الحليم بأن انور وجدي وعلى اثر اللقاء المذكور، كان له اكثر من زيارة الى مقر “الجماعة”، وأنه، قدم من ثم، ومثل وأخرج فيلم “ليلى بنت الفقراء”.

اما الفنان الثاني، فهو المخرج والمنتج والمؤلف والممثل السينمائي حسين صدقي الذي ميّز مسيرته السينمائية بعشرات الأفلام الملتزمة بالدعوة الى الاخلاق، وكان بينه وبين  جماعة الاخوان عموما، والمرشد حسن البنا بشكل خاص، علاقة في سنوات الاربعينيات من القرن المنصرم، وهذا الفنان، ادخل الى منهج حياته الفنية، منذ ظهوره وحتى رحيله عن هذه الدنيا، الكثير من المفاهيم، كما اتجه، في آخر انتاجاته السينمائية الى تقديم الافلام التاريخية التي تروي الفتوحات الاسلامية، ومنها على سبيل المثال، فيلم “خالد بن الوليد”، وكان انتاجا ضخما، بالالوان وبالسينما سكوب، كما شيد مسجدا قرب منزله، حمل اسمه.

أما الفنان الثالث الذي يبدو ان المرشد حسن البنا وجماعة الاخوان بنوا معه علاقة ود، ورأى منهم سلوكيات طمأنته الى موقفهم  تجاه الفن، ما انعكس ايجابيا على رأيه فيهم، فكان النجم العربي العالمي عمر الشريف (اللبناني الاصل المسيحي الديانة الذي اشهر اسلامه في القاهرة) فعندما هاجت الدنيا، على اثر فوز جماعة الاخوان في انتخابات البرلمان المصري (تشرين الثاني ـ نوفمبر 2005)، تخوفا من موقفهم تجاه الفن والثقافة، ويومذاك، انبرى عمر الشريف ليصرح في اكثر من مناسبة، بأن “لا اساس لهذا الخوف من الاخوان” فهو يعرفهم منذ سنوات، وهم ليسوا ضد الفن او الفنانين”.

ولا شك في أن هذا الفهم تكوّن لديه منذ نهاية الاربعينيات وبدايات الخمسينيات (كما ذكر) خصوصا وان الاخوان غابوا بعد ذلك، ولزمن، وراء قضبان السجون (منتصف السبعينيات).

والامر المستغرب، ان الاخوان المسلمين، في مرحلة مرشدهم الاول الشيخ حسن البنا، وأيضا في مرحلة مرشدهم التلمساني، اظهروا انفتاحا على الحركة الفنية وعلى الفنانين، بينما اختلف الامر في ازمنة بقية المرشدين الذين توالوا على شؤون الاخوان فيما بعد، فرأيناهم يهاجمون، على سبيل المثال وليس الحصر، الشيخ المقرئ الجليل محمود خليل الحصري، بسبب اتجاه ابنته المطربة (المعتزلة) ياسمين الخيام (اسمها الحقيقي افراج محمود خليل الحصري)، فكان ان تصدت لكل الحملات التي حاولت النيل من والدها رحمه الله، بأن اعلنت في أكثر من مناسبة، ان والدها المقرئ الجليل هو مرشدها، وموجهها، وناصحها، وأنه اوصاها باجتناب الوعورة في طريق الغناء، وأنه لطالما اكد لها على ضرورة افادة الناس من موهبتها الغنائية، ولطالما طالبها بإتقاء الله بها، ولذا، فإن عطاءها (قبل وبعد الاعتزال) كان في حب الله، وحب ابناء وطنها.

مسلك اتهام الفنانين؟

وفي اتجاه تجييش الرأي العام ضد الفن والفنانين، سلك الاخوان، في السنوات الاخيرة، مسلك اتهام اصحاب الاسماء المعروفة في العديد من المجالات الاجتماعية ـ المهنية، بعلاقات ما، مع فنانات معروفات، اضافة الى محاولات تشويه السمعة، وهو السلاح الذي اتبع مع النجمة الهام شاهين أخيرا، ومع الممثلة المعتزلة ايمان الطوخي منذ سنوات، عندما اشاعوا كذبا وافتراء عن علاقة الشيخ المنشد الديني محمد الطوخي والممثلة ايمان الطوخي، حيث ذكروا ان الممثلة هي ابنة غير شرعية للشيخ المقرئ الديني، ما اضطر معه الشيخ المقرئ الجليل الى نفي الخبر جملة وتفصيلا على صفحات مجلة “الاعتصام”، فيما توجهت الممثلة المحترمة (المعتزلة) ايمان الطوخي برفقة محاميها، الى القضاء، حيث لا تزال دعواها منظورة أمامه.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s