قهوجيات: رياضات

منذ القديم ومنذ استتباب نفوذ الامبراطورية الرومانية على العالم شاعت المنافسات والمراهنات في كل شيئ، قمة ذلك كانت في المباريات حتى الموت بين الأسرى وبين الحيوانات الضارية كالسباع والنمور. كانت حفلات هذا النوع من المصارعة تقام في الملاعب الكبيرة حيث كان الامبراطور يتصّدر الاحتفال الدموي الرهيب.

لقد شعر الرومان بفائض القوة مع انحسار متزامن للحس الانساني لديهم. ومع أن التشريعات الرومانية في الحقوق قد رَفدت العالم بالقوانين الا أن الممارسات الموروثة كانت مناقضة للحق والعدل والشعور الانساني.

هذا النوع من المجازر كان يسمى “رياضة”! تلهب حماسة المشاهدين وترفع من منسوب المتعه لديهم وخصوصاً بحضور الامبراطور.

ولقد انتهج الانسان على مر العصور انواعاً عدة من الرياضة ذلك  قبل سيطرة الرومان على العالم، وكانت كلها ذات أهداف نبيله وأخلاقية، فقد شكل اليونان ما يسمى بالالعاب الاولمبية وكان شعارها: الاقوى، الأسرع،  الأعلى، ويكلّل البطل المنتصر بأكليل الغار، فلا دماء ولا أشلاء ولا موت…

ومع ذلك، فبعد العهود الرومانية ومطالع القرون الوسطى ظهرت رياضة “مصارعة الثيران” وفيها تذكير صارخ لما كانت عليه المنافسات الرومانية. فما معنى أنه يقتل المصارع ” الماتادور” الثور الذي يقابله، وما هي المتعه التي يجنيها المشاهد من رؤية الحيوان وقد انغرست في ظهره السهام وبدأ يسيل دمه الى أن يصل الى الموت فتحي الجماهير بملء حناجرها المصارع المنتصر.

لست أدري ما هو الهدف والمعنى من هذه الألعاب التي اطلق عليها اسم “رياضات”، فما أعرفه وأفهمه واستوعبه هو أن الرياضة هي لصلاح الجسد والعمل على توازنه وانسجام وقوة عضلاته، فعندما نقول رياضة يتبادر فوراً الى اذهننا جسم الانسان، اذ لا رياضة بمعزل عن هذا الجسم لذلك كان ولا يزال هدفها بناء انسان سليم وهي كما يقولون- غذاء للروح وفهم النظام العام وتهذيب وتشذيب بعض العادات السيئة والابتعاد عن كل ما هو رديء وغير أخلاقي.

كنت دائماً- ولا زلت- أصاب بالحيرة عند رياضة الملاكمة: أثنان يصعدان الى حلبة يتصافحان ثم عند الاشارة يبدأن باللكم والضرب فتسيل دماء وتنكسر أنوف وغياب عن الوعي.. مع أنهما لا يعرفان بعضهما بعضا ولم يسبق أن تقابلا أو التقيا!!

هناك مثلاً سباق الموتوسيكلات، ما هو الهدف منه؟ وكذلك السيارات، حتى تسلق الجبال عبر المخاطر وعبور جرف جبلي ما، فالمتسلق في تلك الحالة لا يسعى لانقاذ انسان آخر وانما فقط للتحدي والمتعة ومجابهة خطر السقوط! اعتقد بأن الحفلات الرومانية مع ما خلّفت من ضحايا، وما تركته من ثقاقه العنف، لا زالت جذوتها غير خامدة الى اليوم حيث دخل السلاح الفتاك بكل الانواع ليكون في منافسة دموية مع الانسان. إنها رياضة فائض القوة من قبل السلطات الديكاتورية والمستعمرة.

هناك العديد من أنواع الرياضة “الانسانية” التي لها علاقة بالاخلاق وتهذيب النفس. نحتاج اليوم الى مفهوم جديد للرياضة ينمو معها العقل أكثر من نمّو العضلات وحس المغامرات القاتلة.

د.غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s