هيلين توماس: البيت الأبيض يفقد “ضميره”

قبل ثلاث سنوات من رحيلها، قالت ببساطة وشفافية ما يعجز عنه الأبطال التاريخيون: قل لهم (أي الاسرائيليين) أن يغادروا فلسطين… أن يعودوا الى ديارهم في بولونيا وألمانيا والولايات المتحدة وسواها. قالت كلمتها ومشت. هي ابنة عائلة انطونيوس اللبنانية الطرابلسية، قالتها بصدق وجرأة من داخل البيت الأبيض، واليوم يتذكّر العالم كله انه “ضمير” البيت الأبيض … هيلين توماس.

هيلين توماس

هيلين توماس

قبل أيام من بلوغها الـ93 رحلت توماس هيلين. والدها جورج هاجر من طرابلس يوم كان عمره 17 سنة، والدتها ماري أيضاً لبنانية. استقرت العائلة في ديترويت ودرست هيلين في جامعة وين ستيت. بدأت «مراسلة أخبار» في جريدة «واشنطن ديلي نيوز» في العام 1941، وانضمت الى فريق «يونايتد برس» سنة 1943 وغطت اخبار البيت الأبيض منذ كان جون كيندي رئيساً. ثم إنها كانت أول صحفية ترافق الرئيس نيكسون في رحلته التاريخية الى الصين في العام 1971، ورافقت كذلك الرؤساء فورد، كارتر،  ريغان، جورج بوش الأب، كلينتون وبوش الابن.

وهيلين توماس هي اول صحفية تتولى رئاسة نادي الصحافة القومي في واشنطن، وقد تركت عملها في «يونايتد برس» لتعمل في مؤسسة «هيرست» الصحفية، وهي تحمل اكثر من 30 جائزة صحفية، وشهادات جامعية فخرية، بينها دكتوراه فخرية من جامعتها، جامعة دين ستيت، وقد صنفت قبل اعوام واحدة من الـ 25 سيدة الاكثر تأثيراً في العالم.

والقصة ليست هنا. القصة أنها سئلت في 27 أيار (مايو) الماضي، في  مقابلة مع موقع «رابي لايف» اليهودي، ما اذا كان لديها تعليق حول تصدي اسرائيل لـ»أسطول الحرية» فردت بكل بساطة: قل لهم أن يخرجوا من فلسطين… يجب ان نتذكر أن هؤلاء الناس محتلون، وأن فلسطين ليست ديارهم، وأن عليهم أن يعودوا الى ديارهم في بولونيا واميركا وألمانيا والبلدان الأخرى التي قدموا منها، وأي مكان آخر.

هذا الكلام لصحفية اميركية امضت خمسين عاماً من عمرها تغطي اخبار البيت الابيض، وعايشت خلالها عشرة رؤساء اميركيين، احدث ما يشبه العاصفة في الاوساط اليهودية الاميركية وعلى كل المستويات، لا سيما بعدما نقل بواسطة موقع «يو تيوب» عبر شبكات الانترنت الى العالم كله. وكان من الطبيعي في مجتمع يسيطر عليه الاعلام اليهودي ان توجه اليها انتقادات لاذعة. وفي محاولة لاحتواء الهجمة الشرسة التي تعرضت لها، أصدر مجلس اتحاد مراسلي البيت الابيض، بيانا دان فيه تصريحاتها ووصفها بانها «لا يمكن الدفاع عنها، ومؤسفة، نظرا  لمركزها كقدوة  في البيت الابيض». غير ان توماس، التي يطلق عليها لقب «سيدة البيت الابيض الأولى»، اصدرت تعليقا على موقعها الالكتروني الرسمي، قالت فيه: اشعر بالأسف العميق للتصريحات التي ادليت بها قبل ايام حول الاسرائيليين والفلسطينيين، لقد قلت ما اؤمن به وهو ان السلام سيأتي الى الشرق الاوسط فقط حين يعترف جميع الاطراف بالحاجة الى الاحترام والتسامح المتبادل، وانا اتمنى ان يأتي هذا اليوم قريبا.

يذكر ان هيلين توماس تعمل مراسلة في البيت الابيض منذ العام 1961، وذلك لصالح وكالة «يونايتد برس انترناشونال» قبل ان تصبح كاتبة عمود في صحف «هيرست» قبل عشر سنوات. وفي كتابها بعنوان «الصف الاول في البيت الابيض: حياتي واوقاتي»، ذكرت هيلين توماس ان والدها جورج، هاجر الى اميركا سنة 1892، اي قبل ثلاثين سنة تقريبا من ولادتها. وكان عمره 17 سنة وهو يحمل في جيبه «بضعة سنتات، وكيساً فيه ملابسه وكتاب صلاة مسيحية باللغة العربية». وفي وقت لاحق استقر في ولاية كنتاكي مع أقارب له، وبدأ يبيع الخضروات والفواكه والحلوى والسجائر، على عربة يجرها حصان تجوب الريف الاميركي ومثل سائر المهاجرين تردد جورج في البقاء في اميركيا وعاد الى لبنان، حيث تزوج ماري اللبنانية ايضا، وانجب البنت الاولى كيت. ثم بدل رأيه، مرة اخرى، وعادا الى ولاية كنتاكي، حيث انجبا هيلين وبقية اخوتها واخواتها.

وفي كتابها تقول هيلين ايضا انها لا تتذكر متى قررت ان تصبح صحفية، وتضيف قائلة ذكرت لي صديقة الطفولة، ليلي شيفرت، ان عمري كان 12 سنة عندما قلت لها اني اريد ان اكون صحفية، وبعد سنوات قليلة في المدرسة الثانوية نشرت هيلين اول تقرير في «انديان» جريدة المدرسة. وتذكرت في وقت لاحق، في كتابها: رؤية اسمي في الجريدة، افرحتني الى حد لا يوصف.

صحيفة «تايمز» قالت عن هيلين توماس: في هذه الصحفية الاميركية، اللبنانية الاصل، تواضع قوي وبرودة بسيطة، وتمرد عروبي تحمله من شوارع طرابلس. وهي تريد ان يحفظ التاريخ عنها، اسئلتها المحرجة التي طاردت الرؤساء الاميركيين. وقد عملت مع عشرة رؤساء ابتداء من جون كيندي وصولا الى باراك اوباما. وكانت اول امرأة تحتل مقعدا في نادي الصحافة القومية، بعدما فتح بابه امام النساء في الستينيات، وبعدها، اول امرأة تصبح رئيسة لجمعية مراسلي  البيت الابيض في العام 1975. وهي غطت جريمة اغتيال جان كيندي  وسقوط ريتشارد نيكسون، وخيانات بيل كلينتون، الذي قال عنها يوما: الرؤساء يأتون ويرحلون، لكن هيلين هنا منذ 40 سنة.

وصدر لهيلين توماس، كتاب بعنوان: «اسمع سيدي الرئيس: كل شيء اردت دائما ان يفعله ويعمله رئيسك»، بالتعاون مع الصحفي كريغ كروفورد، يتضمن روايات ودروساً، عن البيت الابيض، وما تتطلبه الرئاسة من مهارات شخصية وسياسية. وعن السبب الذي دفعها الى اصدار هذا الكتاب تقول هيلين: لدينا رئيس جديد وتغيير تاريخي في الرئاسة لناحية وجود اول رئيس اسود. وهذا كتاب ممتع، نحاول فيه تقديم نصيحة الى الرئيس، نعتقد انها عادلة ومتوازنة. وردا على السؤال عن رأيها في الرئيس الحالي، باراك اوباما قالت: انه ضمير حي لكن بلا شجاعة. ويجب ان يكون لدينا برنامج تأمين حكومي… علينا الخروج من افغانستان…  وما كان علينا الذهاب الى العراق, علينا ان نخرج من العراق ايضا. فليس لنا حق في ان نكون في بلدان اخرى. وعن سياسة اوباما في الشرق الاوسط، تقول  توماس: اعتقد ان الاسرائيليين لا يعرفون ماذا يفعلون. كان من المفترض فيهم اولا تجميد الاستيطان، لكنهم الآن، يساومون قليلا هنا، وقليلا هناك… يؤجلون اتخاذ القرار لمدة عام فيما يسمحون في بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية لليهود، ويطردون العرب خارج بيوتهم لمدة قرن من الزمن هذا خطأ، وسيكون دائما خطأ، وسيكون ذلك في غير مصلحة الاسرائيليين. وعن تأثير اصلها العربي – اللبناني على نظرتها الى السياسة الاميركية، تقول توماس: بدون شك، كل منا يتأثر بمن هو، وبأصله. وانا اتحدر من خلفية عربية، ومن المؤكد ان لدي تعاطفا عظيما مع ما يحصل للعرب، فالارض تؤخذ منهم، والمياه تؤخذ منهم، ومنازلهم دمرها غرباء من كل انحاء العالم: والعرب لم يتماسكوا معا بما يكفي… لديهم الكثير من الدكتاتوريات، ولو انهم اهتموا بعضهم ببعض ، لما كانوا استسلموا الى مشيئة اسرائيل.

الى ذلك، تذكر هيلين انها شعرت بالتمييز المزدوج في مهنتها، كونها امرأة اولا ومن اصل عربي ثانيا. لكنها تؤكد: اشعر انني اميركية ولا يستطيع احد ان يتحداني لانني ولدت هنا.

اما عن الرئيس جورج دبليو بوش فقالت هيلين يوماً: انني اغطي اسوأ رئيس في التاريخ الاميركي. فهو اراد غزو العراق منذ اللحظة  التي دخل فيها البيت الابيض. وترى توماس ان بوش فشل في كل المحاولات، من السياسة الخارجية، حيث قام بغزو بلد لم يفعل شيئا له، واحرجنا بفضيحة التعذيب. كما حرمنا من حقوقنا المدنية، ووضع اللوم في كل ما يحصل على احداث 11/9 ووضع الناس في  السجون وازدهرت في عهده الجرائم وعمليات القتل والمحاكمات.

وترى هيلين ان الاعلام الاميركي دخل في موت سريري بعد احداث 2001 /11/9، ولم يخرج من غيبوبته تلك الا في العام 2006. وفي حرب تموز 2006 على لبنان، قالت هيلين: كان في وسع الولايات المتحدة ان توقف القصف الاسرائيلي ضد البنى التحتية في لبنان، لكن واشنطن ذهبت الى العقاب الجماعي ضد كل الناس في لبنان وفلسطين.

وقد اصدرت هيلين اربعة كتب في مسيرتها العملية، كان آخرها كتاب «كلاب حراسة الديمقراطية، انتقدت فيه دور وسائل وشبكات الاعلام الاميركية في فترة رئاسة جورج بوش، وقد وصفت وسائل الاعلام الكبرى منها، على وجه الخصوص بأنها تحولت من «سلطة رابعة وكلاب تحرس الديمقراطية، ومراقب على الديمقراطية الى كلاب أليفة».

ولهيلين مواقف اخرى حول احداث الشرق الاوسط، يمكن تلمسها من خلال هذا الحوار الذي اجرته معها إحدى الصحف العربية:

■ وصفتك آن كوتلر، المعلقة الصحافية اليمينية، بأنك «عربية عجوز»، لكن خدمة نشر تعليقاتها بدلته الى «عجوز تجبر الشخص على التقيؤ»، غير أن موقعها في الانترنت أبقى على «عربية عجوز»؟

ـ أنا فخورة بجذوري العربية، لكن ليس عندي تعليق على مثل هذه الاشياء، وافضل عدم التعليق عليها.

■ هل كان الاعلام الاميركي محايدا في تغطية التدخل الاميركي في العراق، وفي تغطية حرب الارهاب؟

ـ تزايد الروح الوطنية وسط الصحافيين ، خلال الحرب شيء طبيعي لأن الصحافيين، مثل غيرهم، يميلون الى تأييد حكومتهم ورفع شعارات الوطنية عندما تشترك بلادهم في حرب، وهذا شيء مفهوم، لكن ليس معنى هذا انهم يجب ان يفعلوا ذلك.

■ إذا استمرت حرب الارهاب الى لانهاية، هل معنى ذلك ان يستمر انحياز الإعلام الأميركي بلا نهاية؟

ـ قد يغير الشعب الاميركي رأيه، ويلزم حكومته بإعادة النظر في سياستها

■ هل سيستغرق ذلك وقتا طويلا؟

ـ حرب فيتنام استمرت سبع سنوات حتى بدأ الشعب الاميركي يغير رأيه فيها. لن يدوم كل شيء.

■ هل يميل الاعلام الاميركي الى اليمين، خصوصا بعد ظهور قنوات تلفزيون مثل «فوكس» التي تؤيد البيت الابيض في كل شيء؟

ـ «فوكس» لا تؤيد البيت الابيض، إنها جزء منه. وآمل ان يسترد الاعلام الاميركي صدقيته، عندما تنتهي الحرب.

■ هل يسهل على الصحافي أن يسأل أسئلة محايدة؟

ـ كنت أفعل ذلك لستين سنة.

■ وماذا عن آرائك عن مشاكل الشرق الأوسط عندما تطرحين سؤالا؟

ـ انهم لا ينتقدونني لأن اسئلتي غير محايدة، انهم لا يريدون مني أن اسأل عن هذه الاشياء، لأنها تضايقهم ويتمنون لو انهم لم يسألوا عنها.

■ ولكنك، بعد ستين سنة في جمع الاخبار، وبعد ان انتقلت من وكالة اخبار «يونايتد برس» الى مؤسسة «هيرست» الصحافية، بدأت تكتبين آراء، وهم يقولون ان اسئلة كاتب الرأي ليست مثل اسئلة المخبر؟

ـ لا تصدقهم إنهم يعرفون من هي هيلين توماس.

■ ما رأيك في حملة الحكومة الأميركية على قنوات تلفزيون عربية معينة؟

ـ لا أريد أن أدخل في هذا الجدل، ولا أريد أن أؤيد قناة ضد أخرى، لكني أشيد بظاهرة انتشار هذه القنوات التلفزيونية، واعتقد انها شيء مهم ومفيد. ولم اشهد مثلها في حياتي الطويلة. وآمل ان تصحبها حريات سياسية.

حديث الشارع: رابعة العدوية

رابعة العدوية

رابعة العدوية

يقول ذلك الزمان أن لصاً خطف رابعة العدوية وباعها كجارية لتاجر فاسق ظالم من آل عتيق.

ويقول هذا الزمان أن الإخوان خطفوها اليوم واعتصموا بديارها.

كما بدأت… بدأوا.

بدأت حياة الصخب بالغناء والعبث بعقول الرجال فازدهرت بفضل صوتها جلسات المجون.

وبدأوا حياة الاعتصام بديارها بالزعيق والعبث بعقول الرجال. فازدهرت بفضل أفكارهم جلسات الجنون.

بدأت رابعة العدوية عدوة لأوامر الله وانتهت إلى أن تكون رائدة «العشق الإلهي».

أما الإخوان فقد بدأوا «العشق الإلهي» وانتهوا الى ما بدأت رابعة.

هي اعتصمت بحبل الله… وهم «اعتصموا» بحبل المرشد.

«شوارعي»

احتضار المؤسسات: هل ينفجر تحالف عون ـ «حزب الله»؟

الجيش اللبناني في عبرا

الجيش اللبناني في عبرا

الدولة مفرغة. والمؤسسات معطلة. وعلاقات السلطات الثلاث مقطوعة.

هذه هي حقيقة الحكم في لبنان.

إن المجلس النيابي الذي نجا من «الموت الدستوري»، باغتيال «المحكمة الدستورية»، يموت ثانية بمقاطعة الحكومة الميتة له.

البلد يعيش عصر الموت. فانتخاباته المقبلة تجري بقانون الستين الميت. وسياحته تعاني سكرات الموت. واقتصاده على مشارف الموت. وهو مهدد بمذهبيات وتنظيمات وميليشيات تنذر اللبنانيين بالموت الجماعي… حتى الفرج بحكومة حية، يؤكد الطب السياسي أنها ستولد ميتة.

يبدو أن عزرائيل هو الحاكم الحقيقي في لبنان، الذي يدعي شعبه حب الحياة.

وعزرائيل اللبناني يملك الكثير من الأدوات الحية التي لا تموت. فالمذهبية تجرب سيوفها في معارك صغرى، تدور ما بين عرسال وباب التبانة وجبل محسن وعبرا، استعداداً للمعركة الكبرى. وما يسقط في هذه المعارك التحضيرية من أرواح، يعرف عزرائيل كيف يحولها من أرواح طاهرة لشهداء أبرار، الى أرواح شريرة. فالشهيد يحرض أهله على الانتقام. والانتقام يحرض على القتل. والقتل يحرض على الفتنة. والفتنة تحرض على الحرب الأهلية. والحرب الأهلية تنتظر الفرج بالافراج عن القرار الدولي الذي يأمر بانطلاقتها الدموية.

من خلال هذا المصير التراجيدي الزاحف إلينا حثيثاً، تتابع السياسة لعبتها غير مكترثة بما هو كائن وبما سيكون.

نبدأ بالرئاسة الأولى، حيث أخذتها الشكوى ضد سوريا، الى علاقات سيئة مع فريق 8 آذار عموماً، وبحزب الله خصوصاً. وبذلك فقد الرئيس وسطيته وبدا تباعده مع 8 آذار تقارباً مع فريق 14 آذار. وبذلك تكون وسطية الرئيس متهمة، على الأقل من البعض، بالانحياز.

ومتابعة لتراجع الوسطية، فإن الخلاف المفاجئ بين ميقاتي وبري حول شرعية الجلسات النيابية التشريعية، أعتبر أيضاً من اشكال الاخلال بوسطية ميقاتي، وبالتالي، اتهامه بالاقتراب، أو التقرب، من فريق 14 آذار.

يبقى من الوسطية وسطية وليد جنبلاط الحائرة والمتنقلة. فما يكاد المراقب يراها وسيطاً بين هذا الفريق وذاك، حتى يراها في وسط هذا الفريق مرة، وفي وسط الفريق الثاني مرة أخرى.

وهكذا تكون الوسطية في طريقها الى الغياب عن المشهد السياسي. مما سيعزز الانقسام الحاد داخل المجتمع اللبناني.

ومع هذا الانزلاق الخطير في العلاقات السياسية، تلوح علامات انشقاقية واضحة بين التيار العوني وحزب الله، قد تؤدي الى نهاية تفاهم كنيسة مار مخايل بين التيار والحزب.

لقد عمل حزب الله على ارضاء التيار الوطني الحر في تلبية كل مطالب الجنرال تقريباً. وكان ذلك يتم على حساب الحزب وعلاقاته مع حلفائه، بما في ذلك الحليف الرئيسي نبيه بري.

حافظ «حزب الله» على سياسة الاستجابة لمطالب «الحبيب المدلل» الى أن طالب الجنرال برأس قائد الجيش رافضاً التمديد له.

هنا حشر حزب المقاومة. فقائد الجيش لم يتهاون في إزالة الموانع من مد جبهة الممانعة في سوريا بمقاتلي الحزب وسلاحه. والحزب لا يمكنه انكار دور الجيش الإيجابي في عرسال وعبرا. خصوصاً وأن تطور انعكاسات القضاء على ظاهرة الشيخ أحمد الأسير، وما يمكن أن تنتج عنها من تداعيات في صيدا وطرابلس والبقاع الغربي، ستضع على كاهل الجيش مهمات لا يرغب الحزب بتوليها، تاركاً مسؤوليات مواجهتها للأمن الشرعي. وبذلك يستحيل على حزب الله مسايرة الجنرال عون في معركته لإزاحة قائد الجيش واستبداله بجنرال موال له.

في المقابل يستحيل على الجنرال التراجع عن الامساك بهذا الموقع العسكري الماروني، الذي يرى أنه تحول الى عرف لبناني يقود الى قصر بعبدا، حيث ما زال طموحه استعادة ما افتقده باخراجه القسري من القصر الرئاسي قبل ما يقارب الـ23 سنة، ليقول ما قاله الجنرال غورو على قبر صلاح الدين «ها قد عدنا يا… علي ديب». (على ديب هو اللواء السوري الذي قاد الحملة العسكرية ضد الجنرال عون في بعبدا).

ومهما قيل بأن الخلاف على قيادة الجيش لن يفسد التحالف بين الفريقين، فلا شك في أن وصول الاستحقاق الى نهايته، سيكون نهاية لهذا التحالف. وعندئذ ربما نجد أن لبنان قد أصبح ثلاث فرق بإضافة فريق تيار عون الذي خرج من تحالفه مع فريق 8 آذار، والذي يستحيل أن يدخل في تحالف مع فريق 14 آذار. وبذلك يكون الجنرال قد دخل في منافسة مع وليد جنبلاط في الاستيلاء على «بيضة القبان»، التي جعلت من الزعيم التقدمي حاكماً ومتحكماً في الأكثرية. والذين يقرأون جيداً في كتاب الجنرال عون يعرفون أنه إذا امتلك «بيضة القبان» فسريعاً سوف يكسر البيضة وربما القبان أيضاً… فالرجل لا يملك الصبر على المناورة الذي يملكه وليد جنبلاط.

إذاً يمكن اختصار التراجيديا اللبنانية بـ :

1-  رئاسة أولى مسلوبة السلطات.

2-  مجلس نواب مسلوب الصلاحيات التشريعية.

3-  حكومة مسلوبة من اتخاذ القرارات.

4-  حكومة أسيرة أحلام رئيسها المكلف.

5-  فراغ يهدد المؤسسة العسكرية.

6-  انفجارات أمنية متنقلة.

7-  تطرف مذهبي.

8-  استيراد فتن وحرائق خارجية.

كل هذا وثمة من يسأل… كيف يحكم عزرائيل لبنان؟.

حرب أهلية مموهة

لسنا بحاجة إلى عبوات وصواريخ وكلاشنيكوفات وحواجز الخطف لنقول أن في لبنان حرباً أهلية.

نحن، ومنذ اغتيال الشهيد رفيق الحريري، نعيش حرباً أهلية مموّهة بحكومات الوحدة الوطنية، ومؤتمرات الحوار الوطني، ووسطية رئيس الجمهورية، ووسطية رئيس حكومة تصريف “الإهمال”، ورئيس حكومة تأليف الأحلام.

إن الاستقرار القلق الذي يسود لبنان شكلاً، يمكن أن نعتبره نعمة، مع ثقتنا بأن النعم لا تدوم.  خصوصاً وأن إسفنجة الجيش، مهما كبرت ونفشت، ليس بمقدورها امتصاص مياه الفتنة العكرة، التي تفيض في الشارع اللبناني.

إن عودة الأمن إلى صيدا، لم يقنع اللبنانيين بالأمان.  فهم يعرفون جيداً أن ظواهر التطرف تتكوّن من جديد.  وأن الخلايا النائمة، في مناطق لبنانية عدة، لم تدخل الكهف لتنام كأهله، وهي قد تستيقظ في أي لحظة.

الوطن يعيش حالة من الخوف الدائم من اهتزازات أمنية مفاجئة، تؤكد أن تحت هذا الاستقرار الهش، الكثير من النيران المحلية والاقليمية، المغطاة بقشرة رقيقة من رماد الاستقرار المزعوم.

أما في السياسة، فهناك تكمن الطامة الكبرى والخطر الأكبر.  فالانقسامات أشهرت تفكك الشارع السياسي.  والخلافات أكّدت أن فرص تسويات الضرورة ووفاق تجنب الصدام، قد أصبحت من الماضي الذي لن يعود.

يضاف إلى ما سبق سباق الضغوط القسرية الإقليمية التي لا يملك الأفرقاء اللبنانيين إلا النصياع لها، مسقطة بذلك كل ادعاء باستقلالية القرار.

ألا تعني علامات الحرب الأهلية هذه بأن شيئاً مخيفاً يعدّ للبنان؟

ألا يعني كل هذا أن أبواب الحرب الأهلية مخلعة، ويمكن أن تفتحها أي يد ترغب في إشعالها؟

ندرك أن هذه المخاطر يغذيها انحراف اللبناني نحو طائفته.  ومن يقرأ ارتباطات الداخل بالخارج، ومن يتابع تردي الوضع الاقتصادي، ومن يشاهد حرائق “الربيع العربي”، ومن يرصد ترددات ما يجري في سوريا على لبنان، وكيف تحوّل ذلك إلى فرز شيعي سني مرعب، في حين أن هذا الفرز لم يحدث في سوريا نفسها وهي أرض الصراع.

من يقرأ ويشاهد ويتابع سيدرك أن لبنان يعيش فعلاً حرباً أهلية مموهة، لا يحتاج اندلاعها سوى إلى سقوط الأقنعة عن الرؤوس المقنّعة بأدوارها، التي تؤديها بحرفية واحتراف.

سامر الحسيني

«العروبة النكراء»!

 العروبة انتماء مهين!!!.

كم هذه العجوز كريهة ومكروهة؟!!.

لأنها كذلك، بات حقاً علينا أن ننبذها، وأن نستل ألسنتنا وأقلامنا لفضحها وتعريتها!!!.

هذه العاهرة أنستنا أنفسنا. قضينا سنوات العمر تحت أطراف نوافذها. نغني لها ونتغنى بأمجادها.

لحقناها في الشوارع، وأهملنا كرمى لعينيها ملذات الدنيا وحوريات الليل.

الحب أعمى.

ولأنه كذلك… منعنا من عشق تلك السيدة القوية النافذة الى قلوب زعامات عربية ودولية.

ولأن الحب أعمى، إنحزنا الى العروبة، على عجزها، من دون أن نلتفت الى تلك السيدة المتفجرة بشبق العصر، والتي تهيج الأمن العالمي. وبتجاهلها أغضبناها وأثرنا أحقادها علينا.

ماذا منحتنا العروبة غير الانكسار والهزائم والتخلف والفوضى والحرمان؟!!.

ماذا منحتنا العروبة غير استعداء الولايات المتحدة أميرة الكون وسيدة الأقمار؟!!.

كيف نصل بعد هذا الانحياز الأحمق للعروبة، الى بريق العيون الأميركية… كيف السبيل إليها… وإلى صدرها «الحنون»؟!!.

لا تقبل أميركا بأقل من إعلان البراءة من هذا المرض الجاهلي الضارب في عصر المعلقات وسيوف خالد بن الوليد وصلاح الدين.

لا بد لنا لكسب الرضى الأميركي من خيانة العروبة.

لا بد من أن نتحول الى أسوأ الناس وأغدر الرعاع.

أليست هي العروبة التي اتكأنا عليها وأسلمناها أمورنا وانتظرنا الانتصارات بلا جدوى؟.

ألم نشعل حولها أعظم الكلام؟.

لقد أحطناها بعيون الشعر وأعظم ما غنيناه. ولم نسمح لخمور الأرض أن تغيبها من ذاكرتنا. ولم نسقطها من صلاة ليلية في بار ليلي.

فعلنا كل هذا بإصرار وقوة… لكنها، مع كل هذا الحب العظيم، لم تستعد لنا فلسطين. ولم تشد مفاعلاً نووياً. ولم تقذف بقمر عربي الى الفضاء.

هذه العروبة العاجزة لماذا نستمر على حبها؟!!.

نحن المصابين بدائها، لا نملك دواء للشفاء من إدمان عشقها.

سننتظر أولئك الذين يقفزون اليوم الى سيدة العالم. ونراقبهم وهم يزهرون ربيعاً بعد آخر، لنقل شعوبنا الى ديمقراطيات تغلب ديمقراطية السويد، وإلى اقتصاد يتفوق على اقتصاد ألمانيا، وإلى علم لم تصله اليابان، وإلى قوة لم تملكها الولايات المتحدة نفسها!!!.

نتمنى لـ«زهور الربيع العربي» أن تزهر بعد أن خذلتهم العروبة… على أمل أن لا تخذلهم أميركا.

أما نحن فسنبقى نقاتل من أجل العروبة… حتى ولو استسلمت.

وليد الحسيني

الشريف حسن بوغزيل: “بائع اليقظة” دعوة ليقظة مستمرة

كتبت غادة علي كلش:

يحرص الشاعر الليبي الشريف حسن بوغزيل في قصائد ديوانه “بائع اليقظة” الصادر باللغتين العربية والفرنسية على رصد الوعي اليقظ بالسردية الذاتية والوجودية للانسان الخطيب والمخاطب معاً، وذلك ضمن التحام المعاصرة بالأسطورة والتحام النضال بالتاريخ المتصل، اللامنفصل في الهوية الوطنية من جهة، وفي هوية الانسان من جهة ثانية.

في حوارنا مع الشريف بوغزيل، نرصد تلك المعالم وفقاً للأسئلة والردود الآتية:

 

■ يأتي عنوان ديوانك ” بائع اليقظة”، بعكس الوارد في ذهنية المتلقي. أي عكس المفترض السائد مثل “بائع الأحلام” أو “بائع الكلام”. ثمّة تميّز شعري ههنا يتحرّك بدءاً من العنوان. هل العناوين في رأيك يمكن أن تكون شعراً، وهل اليقظة هنا هي حلم اليوتوبيا الأشهر؟

– إنَّها البيئة اليقظة.التي أعيشها و هذا الإمتداد الجميل الذي دعاني يوما أن أقول… (إن تكُن هُنا فأنتَ في بِدايةِ العالم وإن تكُن هُنا فأنتَ في نِهاية العالم) وبين البِدايةِ والنهاية فعل بِحجمِ هذهِ الحضارة. عِندما إلتحمتِ الحضارةُ الإغريقيَّة بالحضارة الليبية القديمة فكانت الفلسفة، الشعر، المسرح؛ الفن والجمال (إنَّها أثينا وشقيقُها قورينا) وذلِكَ المتوسط السابِحُ بينهُما، إنَّها مطامر الأوذيسة وخطوات أبولو النبع النَّاعس. وسيد الشعر كاليماخوس وركحه وأمازونات يعزفن الريح  وإيقاع المعركة وأفروديت  تغزل أشعة الشَّمس وتؤلف موائد الميعاد وأعراس الذئب لحظة الضُحى المهيب لِتَصنع أشرِعة الإنطلاق.

كُلُّ هذا كانَ دعوةً لِيقظة مُستمِرَّة. نبيعها للرِّيح لتسمع الحياة أُنشودتنا في الحياة. لِهذا أتت نُصوص تُحاكي المعنى وإن لم تنطق قصائدي بها لكِنَّها تدقُّ نواقيس اليقظة وتبيع أصداءها للمارِّين سعياً لِعالمٍ أكثرَ نقاء قبل أن يُفنِّي الوجود .

لنُؤكِّد لهُ أنَّنا كُنَّا هُنا بِجمالِنا ونُبلِنا وفِعلِنا الَّذي خُلِقنا لأجله  (الانسان).

■ قصيدتك التي يقول مطلعها “ليلة اكتمل فيها القلب…” تركتها انت بلا عنوان. هل ابتغيْت من ذلك عدم حدّ هذه القصيدة  برمز ما، ولماذا؟

– لا أُنكِرُ نرجسيَّتي الفطرة.ولا أُصادِرُ اناي بحُجَجٍ واهِية،بل أعشقُ الإنسان فيَّ. ورغبتي في الوصُول قبل الأوان وإن تأخَّرتُ قليلاً أو كثيراً ولِكَوني أهتمُّ بالإنسانِ والمُخاطِبِ لدى هو الإنسان المُطلق الَّذي يُشبِهُ الكثيرُ مِن ملامِحي لم أتردَّدُ كثيراً في ترجمةِ ديواني بائعُ اليقظة والفضلُ هُنا يرجِعُ للشَّاعِرة المُترجِمة الجَّميلة منية بوليلة الَّتي قامت بترجمتِهِ وتغنَّت بِهِ في أحياءِ باريس ودُوَلِ الفرنسية وبالفعل راضٍ على وُصُولِ الصَّدى الجَّميل عربياً وعالميَّاً .

■ ديوانك هذا نشر باللغتين العربية والفرنسية، هل لك عين على القارىء العربي وعين على القارئ الأجنبي، وأي العينين أمضى مفعولا برأيك؟

–  ديواني كان تحت عنوان (نثر وسرد) بائع اليقظة …

ولأنني أؤمِنُ بانناعندما ننطِق فنحنُ نسرد، نسرُدُ ذواتِنا مشاعِرنا أعماقِنا المُتطاحِنة والمُتسامِحة… قد تكون الومضةَ الشِّعريَّة طريقاً والنَّثر طريقاً والروايةَ والقصة والخاطِرة… إلخ طريقاً، لكِنَّني أبداً لا أُؤمِنُ بالقوالِبِ الأدبيَّة الَّتي تأسِرُ النصَّ وتؤطِّرُهُ وتجعلُ الجميعَ يتصارعُونَ لنَيلِ ذلِكَ اللَّقب و غيرهِ لِهذا إخترتُ لِنفسي طريقاً. وأعتبِرُ ديوان بائعُ اليقظة أوَّلَ ديوان عربي صريحُ يحمِلُ إسمَ (نثر وسرد).

أشعُرُ بِأنَّ النصُّ الأدبي يحمِلُ في مُفرداتِهِ سردُ الحِكاية والزمن الرِّوائي والخبر الصحفي والصورة الشعريَّة والحدث التَّاريخي أو الإسطُوري والزَّمن السينمائي لهذا أجِدُ نفسي أكتُبُ مُتحرِّراً مِن كُلِّ القيود طالما أنَّ اللُّغة هِيَ أداتي والفِكرة هِي مُنطلَقي وشعوري بِالعالمِ وإحساسي بِهِ مُلكي …

■ “الشاعر السارد”، هذا ما تصف به نفسك.وفعلا أنت تسرد في قصائدك جزئيات وامضة من سرديات مختزلة بجمالية ووجع، عن الواقع والوطن، والفكر والبؤس والحلم، والعاطفة والعطاء، وذلك ضمن لغة راقية المفردة عميقتها. هل باستطاعة الشعر أن يقتنص السرد السوبر إختزالي؟

– أنا مِن الجيل الَّذي نطق بالثمانِينيَّات وأوَّل مُعلِّم بعدَ مقاعِدِ الدَّرس كانت (فيروز) ترسُمُ حينا بِمُنتهى الدقَّة وكأنَّها تُغنِّي لِمدينتي القصيدة المُبتدِئة .

قطفتُ مِن شُعراء أغانيها صُوري ومِن صوتِها نشيدي الأبدي (الإنسان) وحينَها كانَ لبيروت وللجنوب وقعُ القلب والعشق .

عرفت كُل شُعراء العِشقُ والمُقاومةِ والجَّسدِ العربيُّ المُلتهِبُ مِن فِلسطين حتَّى لُبنان،درويش علَّمني كيفُ أنطُقُ دونما تردُّد وخليل حاوي علَّمني كيف أعشقُ قبل أن أُعلن الموت للحياة. ونزار ربت

على قلبي وعلمني كيف افوز بالنجمة القصيّة.

عرفتُ حِينها كُل من كتبَ لبيروت جمالها وحرقتها عرفت سعدى يوسف ونزيه أبو عفش وعزالدين المناصرة وامجد ناصر وعرفتُ أيضاً الأديب اللِّيبي سالم الهنداوي والشَّاعر الجميل صديقي وتجرُبتي، مفتاح العماري وورفيق الدرس والقافية فرج العربي .

هكذا كانت البِداياتِ تُشبِهُ البِداياتِ تماماً

 أمّا عن قصيدتي أوليبيا هِي سِرُّ أنثروبلوجي لِتاريخ ليبيا هذه الفاتِنة الَّتي مرَّت بِها العديد مِنَ الحضارات والأنماط البشريَّة ورُغمَ كُلِّ ذلِكَ إحتفظَت بِملامِحِها اللِّيبيَّة العريقة .

اللِّيبيُّونَ صارعُواْ رِياحَ القبلي كما صارعُواْ الجُيُوشَ والطُّغاةَ عبر كلِّ الحِقب .

اللِّيبيُّونَ حارَبُواْ مَعَ مُرقُص الإنجيلي وشيخِ الشُّهداء عُمرَ المُختارَ وطردواْ الرُّومانَ، اللِّيبيُّونَ أسَّسُواْ لحضارةِ بِلونِ وطعمِ الحُرِّيَّةِ حتَّى خلاصهم من آخرِ الطُغاة .

لِهذا كانت قصيدةُ أوليبيا أشبهُ بِنُبُوءَةِ القصيدةِ الَّتي أجْبَرَت نفسها على أن تكُونَ هكذا أو رُبَّما دُون وعيٍ حتَّى مِن شاعِرِها فانتصرتِ القصيدةُ على خوفِ الشَّاعِرِ في زمنٍ كانَ الخوفُ سيمته .

■ إلى أي جيل في الشعر الليبي والعربي تنتمي ،وهل تعتبر قصيدتك” أو ليبيا” عكست تأثّر القصيدة الليبية بالمخاض الذي مرت وتمر بها ليبيا اليوم؟

– أعتقِدُ أنَّ ديوانَ الشَّاعِر رُؤيتِهِ بل رِوايتِهِ الَّتي سردَها بِطريقتِهِ الَّتي أُملِيَت عليهِ بل أملاها عليهِ إيقاعُهُ الدَّاخليُّ …

قد يفتقِدُ الدِّيوانُ للتكنك الرِّوائي،ولكن كُلُّ مشاعِرهِ تُخاطِبُ ذاتَ الزَّمن الرِّوائي.

لَو أخذنا على سبيلِ المِثال الرِّوائي العالمي ماركيز .. سنجِدُهُ أسيرُ الصُّورة الشِّعريَّة الَّتي تُحرِّرُ ذاتها وصولاً إلى حدث قِصَصي أو رِوائي ولو أخذنا محمود درويش سنجِدُهُ يروي لنا حَكَايا أُمِّهِ وإنسانيَّةٌ بِسردِها في مسيرتِهِ الشِّعريَّة الملحميَّة وإن كانت تأتينا على هيئةِ قصائِد إلا أنَّها ذات القصيدة الَّتي لا تنتهي إلاَّ فينا .

تارِكه فِعلها كما آخرُ سطرٍ في رواية أو مشهد سينمائي وكذلِكَ نجد الرِّوائي واسيني الأعرج والدكتورة الشَّاعرة زينب الأعوج مِنَ الجَّزائِر ..

 قصيدةُ زينب تُحاكي الزَّمنَ الرِّوائي ورِوايةُ واسيني تُحاكي الصُّورة الشِّعريَّة أمَّا السِّرُّ في أنَّنا نعيشُ زمَنَ الرِّوايةَ رُبَّما يرجِعُ إلى سُرعةِ وزحمةِ الأحداثِ الَّتي نعيشُها .

لا أُؤمِنُ كثيراً بِالأطوارِ الحياتِيَّة لِلمُجتمعات كما حدَّدها إبن خلدُون وكونت واميل دوركايم بِأنَّ المُجتمع بلِ الإنسانِيّة تسيرُ وِفقَ حتميةٍ تنطلِقُ من النَّشأة والتَّكوين ثُمَّ النُضجُ والإكتِمالُ ومِن ثَمَّ الإنهِيار إلا أنَّنا بالفعل نُشاهِدُ الآنَ معالِمَ لِنِهاياتٍ قد لا تكُون إنهِيار رُبَّما ستُضفي على عالمٍ مِن نوعٍ آخر. لِهذا الإحساس بِالنِّهايةِ يسكُنُ الفرد العادي كما يسكُنُ المُثقَّف غيرَ أنَّ وعيُ المُثقَّفِ بِهِ أكثرُ قلقاً فنجِدُهُ يُسارِعُ في رصدِ كُلِّ الأحداث فنجِدُ القصيدة تروي أحداثاً وأحداثاً وكأنَّها لا تُريدُ أن تنتهي تضلُّ مفتُوحةً على كُلِّ التغيُّرات فنجِدُ رُوحَ الرِوايةِ يطغى والسَّردُ هُو أساسُها وبِشكلٍ غيرُ إرادِيٍ نجِدُ الرِّوايةَ تسكُنُ ملامِحَ الحِقبةِ وتفرِضُ إيقاعَها ومنهَجَها حتَّى على القصيدةِ وأحياناً تتعدَّى ذلِكَ لِلمقالةِ والخاطِرة .

هوامش:

قورينا… هي مدينة نسبة للملكة قورينا. تقع بليبيا على قمم الجبال وهي شقيقة اثينا حضاريا.

ابولو… هو النبع الذي تزوج عليه باتيوس قورينا بعد النبوءة.

كاليماخوس… شاعر ليبي عرف بالحضارتين.

أريتا. فيلسوفة ليبية ابنة الفيلسوف ارستيبوس صاحب مذهب اللذة. تلميذ ارسطو وصديق افلاطون… وتعني اريتا الفضيلة.

الامازونات… هن مقاتلات ليبيات ممسوحات النهد جميلات . بارعات برماية الرمح.