عزرائيل يخالف قوانين السير

البلد مليء بالسيناريوات. منها المخيف ومنها الظريف… ومنها روايات ليلى عبد اللطيف.

وبما أن الداخلية في خدمة الشعب، فلا بأس أن يكون الشعب في خدمة الداخلية.

وبما أنني «شوارعي»، ومن هذا الشعب، يسعدني تقديم «السيناريو» التالي لخدمة وزارة الداخلية وأجهزتها في محاولة لتبييض وجهها وتعزيز سمعتها لدى اللبنانيين:

لا شك في أن عزرائيل هو من قاد السيارات المفخخة في الرويس ومسجدي التقوى والسلام في طرابلس.

ومن المؤكد أن عزرائيل ليست لديه إجازة سوق لبنانية أو دولية. أي أنه ارتكب مخالفة مرورية.

وعلى ضوء هذه الحقائق أقترح إيقاف رجال المرور المتواجدين في كل من الضاحية وطرابلس ساعة الانفجارات لعدم توقيف عزرائيل ومصادرة سياراته بسبب مخالفته لقوانين السير. وبذلك نمسك بالمتسببين في الانفجارات من رجال المرور الغافلين عن تأدية واجباتهم… بدل أن تنتهي التحقيقات الى قيدها ضد مجهول.

وهكذا تثبت الداخلية أن عيونها ساهرة لا تنام.

«شوارعي»

ثورة على “مهنّد”: قراءة في مقاطعة مصر للدراما التركية

عبد الرحمن سلام:

على اثر الموقف المعادي لثورة 30 يونيو المصرية، والذي اتخذته الحكومة التركية، وقضى بمساندة حكم “جماعة الاخوان المسلمين”، ودعمه بكل الامكانات، اتخذت غالبية الفضائيات المصرية الخاصة، قرارا ذاتيا ينسجم مع رغبة مشاهديها ومطالبتهم بمقاطعة الدراما التركية، بمسلسلاتها كافة، رغم أن هذه الدراما تحظى بمتابعة واسعة بين فئات شعبية كثيرة.

ومن ابرز القنوات التي اتخذت قرار وقف عرض الدراما التركية على شاشاتها، ومقاطعة بث المسلسلات المذكورة: “شبكة قنوات الحياة” و”شبكة قنوات النهار” و”شبكة قنوات الفراعين” و”شبكة قنوات القاهرة والناس” و”شبكة قنوات CBC”، وهذه الاخيرة تعرض حاليا مسلسلين اعتقد الجمهور المشاهد انهما تركيان، الاول بعنوان “لارا”، والثاني بعنوان “اميرة القصر”.

وبسبب الانتقادات الشديدة التي وجهت لشبكة CBC الفضائية المصرية من قبل مشاهديها، سواء بالاتصالات الهاتفية، او عبر مختلف وسائل الاتصال الاجتماعي (انترنت ـ تويتر ـ فايسبوك) والرسائل النصية (SMS)، اضطرت ادارة شبكة هذه القنوات الى اصدار بيان توضيحي، استمر عرضه لأكثر من يوم، وعلى فترات متقطعة، وفيه: الى كل مشاهدي قنوات شبكة CBC الفضائية، ومتابعي مسلسلي “لارا” و”اميرة القصر”: نؤكد ان المسلسل الاول انتاج كرواتي فيما المسلسل الثاني هو انتاج برازيلي، وليس للدراما التركية اي علاقة بهما”.

وما كان ينقص الـ”CBC” سوى نشر صورة عن عقد “حق العرض” الذي يذكر جنسية المسلسلين المذكورين، لـ”يطمئن” قلب مشاهديها الغاضبين، ما يعني ان “نقمة الشارع الشعبي في مصر من الموقف التركي المساند لحركة “الاخوان المسلمين” والمعارض لثورة 30 حزيران (يونيو) عارمة”!!

ويبقى هناك شبكة قنوات “مصر ـ MBC” التي تعرض حاليا اكثر من 4 مسلسلات تركية موزعة على اكثر من قناة تابعة للشبكة هذه، وقد اعلنت بدورها انها تنتظر  انتهاء عرض الحلقات المتبقية من المسلسلات المذكورة، لاتخاذ قرار سيكون بالتأكيد منسجما مع موقف بقية الشاشات، فيما لو استمر موقف الحكومة التركية من الثورة المصرية، على حاله؟

على الجانب الآخر، أثارت دعوات مقاطعة الدراما التركية، وعدم بثها على اي من الشاشات المصرية، جدلا كبيرا في اوساط النقاد والمثقفين، ما بين مؤيد وموافق على مثل هذا الاجراء، ومعارض له، ولكل من الفريقين حجته في موقفه ورأيه.

“فاتحاد كتاب السيناريو العرب” اصدر بيانا ايد فيه مقاطعة الدراما التركية ودعا كل القنوات العربية الى تبنيها، من منطلق موقف الحكومة التركية (المعادي) اولا، وتشجيعا لتكثيف انتاج الدراما العربية (على تعدد مصادرها)، وعرضها، كقيمة ثقافية تتعامل مع الواقع العربي اساسا.

ايضا، سارعت نقابة المهن السينمائية المصرية، في بيان لها اجمع على بنوده كل الاعضاء، والهيئة العامة، بدعوة المشاهدين المصريين (وقد اسمتهم “الرأي العام المصري”)، الى الامتناع عن مشاهدة او متابعة اي دراما تركية، والى مخاطبة  القنوات التلفزيونية، ومطالبتها بوقف عرض هذه الدراما فورا، كنوع من انواع الضغط على الحكومة التركية، وأيضا تشجيعا لصناعة الدراما العربية بشكل عام، والمصرية خصوصا، واعتبر البيان ان هذا الموقف هو “رد” على النظام السياسي التركي الذي “ينكر ارادة شعب مصر”، وينحاز بشكل فاضح لجماعة الاخوان المسلمين.

وبالعودة قليلا الى موقف شبكة قنوات “MBC ـ مصر”، فإن النقابات الفنية “تتفهم” واقعها، كونها اول قناة عربية دعمت ترجمة الاعمال التركية الى العربية، لكنها في المقابل، فإن هذه النقابات، تصر على انضمام الشبكة المذكورة الى “المقاطعة”، تضامنا مع رغبة المشاهدين المصريين، ومن منطلق وحدة الرأي والصف مع بقية القنوات  المصرية، وانها، (النقابات الفنية على اختلاف توجهاتها امهلت شبكة MBC الى حين انتهاء عرض حلقات المسلسلات المدرجة على البرمجة السابقة، لكنها لن تقبل بأي شكل تجديد عروض اي مسلسل تركي آخر، وإلا سيكون لها موقف، يتماشى مع رغبة الشارع المصري، مثل مقاطعة الفنانين (السوريين والمصريين واللبنانيين) لعمليات الدبلجة التي تتم للمسلسلات التركية، وهذه النقطة تحديدا ركزت عليها بيانات “اتحاد كتاب السيناريو العرب”، و”اتحاد النقابات الفنية في مصر”، و”بيان نقابات المهن السينمائية المصرية”، ليتم تتويج هذا الموقف، بتبني “اتحاد الفنانين العرب” لمبدأ المقاطعة. ما يعني بالتالي انضمام شاشات عربية كثيرة الى مبدأ المقاطعة.

اما على الضفة الاخرى من موضوع مقاطعة الدراما التركية، فإن عددا من النقاد والمتابعين يبدون قناعة (ولو جاءت خافتة الصوت في مقابل ارتفاع رأي الشارع) بأن مقاطعة الدراما التركية “لن تكون ذات اثر ايجابي على الدراما العربية”، خصوصا في ظل “الاجواء المفتوحة”، لأن “العمل الجيد سيفرض نفسه بشكل او بآخر”!!

ومن هؤلاء النقاد، على سبيل المثال، طارق الشناوي، الذي اعلن “ان ما يجري من قبل القنوات الفضائية المصرية، من حيث دعوتها لمقاطعة المسلسلات الدرامية التركية، يشكل عملية تزييف للوعي”.

ويضيف ان هذه المقاطعة، لا يمكن اعتبارها صفعة للسياسة التركية المعارضة لرأي الشارع المصري، او ردا على رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان لموقفه المنسجم مع “جماعة الاخوان المسلمين”، المؤيد له، وانما هي تقع تحت بند “النفاق السياسي”؟

ويشرح الناقد السينمائي طارق الشناوي:

–       ما علاقة اردوغان بـ”مهند وفاطمة وكنزي والسلطان سليمان”؟ (اسماء نجوم المسلسلات التركية الاكثر شهرة)، مشيرا كذلك الى ان مسلسل “حريم السلطان” اثار امتعاض رجب طيب اردوغان واعتبره “اهانة للتاريخ التركي”؟

ثم يؤكد الناقد طارق الشناوي بأنه “غير مغرم بالدراما التركية، وانه يرى فيها تطويلا غير مبرر”، ليعود للقول: لكن لا بد من الاعتراف بأن لهذه الدراما جمهوراً مصرياً وعربياً، ومتسائلا: “هل يعتقد احد ان “اردوغان” سوف يستشعر الخطر المحدق بتركيا، وانه سوف يتراجع عن مواقفه السياسية، حماية لانتشار الدراما التركية خارج حدود بلده”؟

رأي الناقد طارق الشناوي، كان اشبه بموقف “الطير الذي يغرد خارج سربه”، ولذا تكاثرت  الردود عليه، من زملاء كثر له، وأيضا من نقابات ينتمي اليها، وفيها تفنيد لكل النقاط التي طرحها.

فالناقد سمير فريد (رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الحالي) تمنى على زميله لو ادرك “ان دعوة الشارع المصري ومختلف النقابات الفنية والمحطات التلفزيونية المصرية، يعتبر رسالة وموقفا”. ويذكره بأن هذه الدراما تغذي الانتاج التركي بملايين الدولارات التي يمكن استغلالها في انتاج مصري ـ عربي لا سيما وان الدراما التركية تطرح الكثير من المفاهيم العلمانية (عائليا وثقافيا بالتحديد) المخالفة للكثير من مفاهيم واقع التربية، والثقافة، والعادات والتقاليد المصرية والعربية.

ويضيف الناقد سمير فريد: لا احد ينكر ان الدراما التركية باتت في السنوات الاخيرة تحظى بمتابعة  واسعة في الوسط الاجتماعي الشعبي المصري، لا سيما بين ربات البيوت اللواتي لا يعملن. ولا ينكر احد ان اسماء بطلات وأبطال هذه المسلسلات، الكلاسيكية عموماً بمواضيعها العاطفية، اصبحت متداولة على نطاق واسع. وانما في المقابل علينا ان نعترف ان هذه “النجاحات” ليس سببها “عبقرية” هذه الدراما، وانما هو ابتعاد الدراما المصرية خصوصا، والعربية بشكل عام، عن تناول هذه النوعيات من المسلسلات التلفزيونية الكلاسيكية، وأي متابع لما كانت شاشات  تلفزيون مصر تعرضه من مسلسلات، في سنوات السبعينيات والثمانينيات ووصولا حتى نهاية التسعينيات من القرن المنصرم، يعلم كل العلم ان هذه المسلسلات (وبعضها كان في اجزاء متعددة) تفوقت، وحققت شهرة اين منها شهرة الدراما التركية حاليا، كما كانت مترابطة، لا مجال للملل او التطويل فيها، وكما هو حادث اليوم في الدراما التركية!

وينعش الناقد السينمائي سمير فريد ذاكرة زميله طارق الشناوي، ويذكره، وهما من جيل متقارب  جدا، كيف كانت شوارع مصر والكثير من العواصم العربية، تخلو من الناس تماما، عندما ان يحين موعد عرض مسلسلات مصرية، مثل: “الشهد والدموع” و”الايام” و”ليالي الحلمية” و”رحلة ابو العلا” و”بوابة الحلواني” و”أرابيسك” و”زيزينيا” و”العائلة” وسواها الكثير من المسلسلات المصرية التي صاغ فكرها مؤلفون وكتاب مصريون، لم يخرجوا يوما عن ثقافة وتربية الآباء والاجداد، وفي مقدمة هؤلاء الراحل الكاتب اسامة انور عكاشة ووحيد حامد ومحمود ابو زيد وعشرات سواهم من صناع وكتاب الدراما المصرية والعربية.

وينهي الناقد  سمير فريد بسؤال: هل يمكن للزميل، او لأي من متابعي الدراما التركية ان يذكر او يتذكر اسم اي مؤلف واحد او مخرج واحد لهذه الدراما؟! بالتأكيد لا، لأن ما يشغلهم فقط هو “المشاهدة المجردة”، من اجل ملء فراغ لن يتأثر ان تعددت الاحاديث في خلال العرض؟

اما الناقد السينمائي محمود قاسم، مؤلف “موسوعة الافلام العربية”، فتناول رأي زميله طارق الشناوي، من زاوية تتعارض تماما مع رأي “نجاح  الدراما التلفزيونية التركية بسبب خصائصها”، وهو الرأي الذي عوّل عليه طارق الشناوي في معرض تقييمه للدراما المذكورة. محمود قاسم، اعاد اولا اسباب انتشار (وليس نجاح كما اكد) المسلسلات التركية الى تواضع مضامينها وسذاجة طروحاتها، مضيفا ان هذين العاملين ينسجمان ويتلاقيان مع “ثقافة” امهات جيل لم تبلغ ثقافتهن العلمية حدودها الدنيا، وهن يمضين معظم اوقاتهن امام الشاشات، اذ ان لا عمل لهن سوى “التدبير المنزلي” من طبخ ونظافة وتأمين حاجات اطفالهن وأزواجهن؟! ما يعني ان مثل هذه الدراما يصلح فيها وصف لـ”العرض المنزلي”؟! نافيا بذلك اي ابداع فيها، بدليل قابليتها للتطويل وبلوغ عدد حلقات المسلسل الواحد، الـ100 حلقة (او اكثر) في كثير من الاحيان.

ويتساءل الناقد محمود قاسم: ماذا لو تمت دبلجة بعض الافلام التركية السينمائية، وطرحت للعرض في مصر؟ هل ستحظى بالنجاح والقبول بمثل ما هو حادث مع الدراما التلفزيونية التركية؟ بالتأكيد لا، وان مثل هذه التجربة ستلقى الفشل، لأنها ستكون عندئذ مصنفة تحت بند “اختيار المشاهدة المدفوعة الثمن”.

ويتابع الناقد محمود قاسم: وهي، اي السينما التركية، اذاً التوجه للشريحة الاجتماعية ذاتها، في مصر، وأيضا في بقية عواصم البلد العربي، ستفقد الكثير من مقوماتها، لأن ما يعرض على مدى “100 ساعة من المشاهدة” يستحيل حصره في ساعتين من الزمن او اقل، اضافة الى ان المضامين التي ستطرحها هذه السينما، ستكون في معظمها تكرارا لكل ما سبق للسينما المصرية ان قدمته في سنوات الثلاثينيات والاربعينيات وصولا الى نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم (افلام الابيض والاسود)، وكلها من نوع الدراما العاطفية الكلاسيكية؟!

وينهي الناقد محمود قاسم، بالاعلان ان الدراما التركية ليست سوى “موجة”، طال عمرها بسبب نقص الانتاج الدرامي المصري في السنوات الثلاث الماضية (منذ بدء احداث يناير 2011)، وبسبب ارتفاع سعر المسلسلات المصرية التي باتت ميزانياتها تبلغ عشرت ملايين الجنيهات، فيما شراء المسلسلات التركية يتم ببضعة آلاف من الدولارات الاميركية، لا سيما وان عرض هذه المسلسلات في مصر، قد يكون العرض “الثالث” او حتى “الرابع” لأنها من انتاج سنوات عدة مضت حيث بات معلوما ان الشركات المنتجة للاعمال الدرامية تستمر في استغلال انتاجها (تلفزيونيا وسينمائيا) حتى الرمق الاخير؟

قفزة “فيليكس”

منذ مدة شهدنا على شاشات التلفزة نقلاً مباشراً لقفزة “فيليكس” التاريخية، وكانت من على ارتفاع 39 كيلو متراً عن  سطح الأرض، حيث أضافت جديداً على القوانين العلميّة. لم تكن مجرد قفزة جريئة وخطرة في الهواء، ولم تكن- بالتأكيد- قفزة في المجهول، وإنما كانت قمة في الشجاعة المرتكزة على التخطيط المسبق في سبر المجهول ومحاولة جعله على قدر الإمكان معلوماً.

لقد تزامنت هذه القفزة مع اسبوع منح جائزة “نوبل” للمنجزين الكبار على صعيد العلوم والآداب الإنسانية. إنها أيضاً قفزات رائعة حققّت الكثير في سبيل الانسانية جمعاء بعيداً عن اصطفاف أو مآرب شخصية أو قومية أو سياسية. إنها قفزات لأفراد مميّزين عابرة للأيديولوجيات والعقائد بكل تصنيفاتها ومبرراتها…

في ذلك الاسبوع الذي حفل بالانجازات التاريخية التي لن تتوقف عند حدود لأن أبواب العلم مفتوحة الى ما لا نهاية، طالعتنا وكالات الأنباء بأخبار متنوعة، وكأنها تود أن تجري بعض المقارنات أو بالأحرى المفارقات التي تندرج تحت عنوان انجازات غرائبية. فقد قرأنا أن المواطن الباكستاني “سعدي محمد” قد دخل موسوعة “غينيس”، حيث استطاع أن يلهب حماسة الجماهير عندما تمكن من جرّ شاحنة زبالة بواسطة “شواربه” لمسافة ستين متراً!!! كما استطاع مواطنه “مشتاق مصطفى” أن يسحب خلفه “أوتوبيس” مع كامل ركابه بواسطة “أذنيه” لمسافة سبعين متراً!!

وفي الوقت نفسه مرّت ببالي انجازات عدة قمنا في بلادنا بها مثل: تصنيعنا لأكبر قرص فلافل بقطر عشرة أمتار!! نجاحنا في انجاز أطول سندويش حوالى 120 متراً!! ثم أكبر صحن فول وأكبر منسف… هذا الى جانب مئات القفزات التي لم يسبقنا الى تحقيقها أحد، لا في الشرق ولا في الغرب.

لقد حفل تاريخنا الحديث بقفزات غرائبية، كانت أقرب الى “النطنطة”، حتى تحولت اليوم الى نوع من الرقص الهستيري.. الذي يملأ شاشاتنا على مدار الساعة، حتى أن أحد السياسيين الغربيين علّق على هذه الظاهرة” النطناطة” فقال: إن العرب بشكل عام سعداء رغم ما يمر يومياً على أرضهم من مجازر ومآسٍ وضحايا من الاطفال والنساء… ورغم وجود ملايين الأميين المنتشرين على كل التراب العربي! فما نفع أن يكثر عدد الجامعات في بعض بلداننا ويتقهقر العلم؟ بلأمس احتفل في بيروت بأحد الاشخاص المتمولين، فأقيم على شرفة عشاء تكريمي القيت فيه كلمات ومدائح على انجازات وهمية و”قفزات” تنموية لم تحدث على الاطلاق، ولكن ما استدعى انتباه بعض الصحفيين كلمة أحد الخطباء الذي قال: هذا الرجل النبيل قد غيرّ مجرى التاريخ!!! بعد هذه “الهمروجة” التكريمية تبيّن أن هذا “الجهبذ” المتفردّ، والذي ساواه الخطيب المنافق بعظماءلا يتكررون، هو التاجر المستورد للمواد الغذائية وكذلك الادوية واللحوم… وأنه بكل شجاعة يسهر الليالي على “تغيير” تواريخها لأنها فسدت بمرور الزمن ثم وضع تواريخ جديدة “مستقبلية” عليها!! وهكذا فانه يكون بذلك قد غيرّ التاريخ!!!

أيها القارئ العزيز تصوّرت انه في اللحظة التي وقف فيها “فيليكس” على باب مركبته استعداداً للقفزة التاريخية، كان السيد “سعدي محمد” يجر شاحنة زباله مربوطة بشاربيه ومواطنه “مشتاق مصطفى” يسحب الاوتوبيس المربوط بأذنيه، والرجل المكرّم يغيرّ مجرى التاريخ!!!

قلت لصديقي: لا تقل الى أين يأخذنا العلم. بل قل بذعرالى أين يأخذنا الجهل!!

د.غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

“رقصات التيه”: رقصٌ تائِه في سجون تائِهة

غادة علي كلش:

يخوض الروائي اللبناني سامي معروف في روايته الجديدة ” رقصات التيه”الصادرة عن ” دار الفارابي” في بيروت لجى السجون وبراكينها التي تقذف حمماً بين فترة وأخرى. عاملا على ربط أدوار الإعلام والسلطة والمؤسسات الإجتماعية، في شبكة من الأحداث التثويرية ضد منظومة السجون البالية، والتي تعزز بسياستها الهوجاء، ، نِسب الجريمة والمجرمين.

عن عمله الروائي الأول، بعد صدور مجموعات قصصية سابقة له، كان لنا مع الكاتب سامي معروف،  هذا الحوار:

 

■ تبدو روايتك “رقصات التيه” محطة حياة شائكة وصاخبة، عنوانها “السّجن بكلّ خطوطه التحتيّة، وأمكنته العفنة، ومعاملاته اللامتحضّرة”.هل أردتها ثورة روائيّة على نظام السّجون؟ وإلى أيّ مدى يؤثرالسّرد الرّوائيّ على الواقع؟

“- رقصات التيه” رواية تعكس ما يحدث على أرض الحقيقة. هي كاميرا تصوّر المشاهد المأساويّة المتناثرة في رحاب شرقنا البائس. ليست الغاية البكاء ورثاء الذات البتة، بل خلق حالة رافضة لكلّ “الستاتيكوات” المزمنة التي تقيّد شوق الأمّة إلى التطوّر والرقيّ. فإذا كانت الأحداث صاخبة ومعقدة، والشخصيّات ثائرة ناقمة.. فهذا هو الفصل التراجيديّ الذي نعيشه الآن في واقعنا الرّاهن. ممّا لا شكّ فيه أنّ الشّرق متخلف… بل هو موغل في تخلفه! والأسباب كثيرة. أنا أردت في روايتي أن أسلـّط الضّوء على نقطة واحدة تمثل جانباً واحداً من تخلفنا هي “السّجن”. في السّجن تنحشر آفات المجتمع كلها، بل السّجن هو مجسّم لبكتيريّاته المتنوّعة. وهو الصّورة السّالبة لديناميّة المجتمع ومستوى وعيه ورقيّه. والسّجن أداة حادّة! إذا أحسنا استخدامَها تكنِ الثمارُ مباركة، أو أسأنا استخدامها تكنِ النتيجة “مصنعاً للجريمةِ” مخيفاً مرعباً. تقولين “ثورة روائيّة”! وهل هناك تغيير بلا ثورة؟ التاريخ في كلّ فصوله ومحطاته يؤكد لنا أنّ الثورة هي ديناميّة وروح الحياة. لا تثب الحياة وثبة واحدة إلى الأمام بلا ثورة، لأنّ الثورة ألمٌ وشوق في آنٍ معاً. المتألـّم ثائر، والمُشَوَّق أيضاً ثائر.وأبطال الرّواية أناس عانوا آلاماً وظلماً مزمناً. فدفن الظلمُ في خوابي وعيهم مارداً ناريّاً غاضباً، ينتظر بفارغ

سامي معروف

سامي معروف

الصّبر تلك السّاعة التي يُطلقُ فيها إلى الحريّة. لماذا أسلوب الرّواية في المعالجة؟ لأنّ الرّواية هي الحياة. الرّواية تقول للناس كيف يحيون. ونحن عندما نروي نقول للناس هكذا أنتم تعيشون. هذا حسن فاعملوه وذاك سيّء فاجتنبوه. القصّة مرآة الحياة، لذلك هي خارقة إلى أعماق الذات أكثر بكثير ممّا تفعله الخطبة أو السّجال أو الحجّة أو المقالة أو الإعلان.. إنّها تأخذ القارئ إلى عالمِها الخاصّ وموحياته الممتعة… هناك أراد الكاتب تصويب الوجدان إلى فصل من فصول معاناة الإنسان وجهاداته في هذا العالم.

■ عنوان الرّواية يعاكس خشونة الأحداث وظلاماتِها ومعاناة شخوصها. هل التيه الرّاقص هو بوارق الأمل والحبّ التي عاشها ناجي وسحر في رحلة بحثهما عن الحقيقة؟

“- رقصات التيه” عنوان يحوي التناقض الحقيقي المرّ. الحياة حُلوة ومُرّة في آنٍ معاً. الحياة صراع مستمرّ بين الحياة والموت، بين النور والظلمة، النجاح والإخفاق، الحريّة والعبوديّة، الأمل واليأس… إلخ. الرّقص يرمز إلى الفرح، والتيه إلى الفشل والخيبة والكآبة. إذاً هكذا هي حياتنا في هذا العالم (رقص تائِه). حقيقة موجعة! بيد أنّ أكثر صور الوجع هذا تتجسّد في حياة السّجين. إنّ الشّابّ الذي عمره 45 عاماً مثلاً، منذ عشريناته وهو داخل خارج من السّجون، كأنّ شبابه ليس له بل لآخر.. هذا هو الرّقص التائه. السّجين مقامر بحياته، يلعب بأعوامِه لعبة آثمة غبيّة، ولا يدرك أنه على قاب قوسين أو أدنى من الهاوية. إنّ العنوان سيّدتي يعكس بالضّبط هذه الدّراما الناشبة في ظلامات ووحشة أقبية السّجون. ناجي وسحر هما أيضاً دراما أخرى نُسجَت من مأساة السّجن. ربّما هما سجينا الغرام! أو الظـّلم، أو الإهمال والتسيّب الإداريّ. ناجي سجين مزمن بريء، وسحر صحافيّة ثائرة.. ولكنّ أخاها مجرم خطير من “فبركة السّجن” وهو ليس مجرماً أصلاً. قصّة حبّ بوليسيّة طريفة شَكـَلت حكاية الظلم بحكاية الاهمال الإداري، فتشكَّـلَ الملفّ العاطفيّ الملغوم بين الاثنين ليصلَ في نهاية المطاف  إلى الزّواج رغم عقبة فارق السِّنّ.

■ ثمّة دعوات عمليّة تضمنتها فصول الرّواية لتغيير أنظمة السّجون البالية في لبنان. منها ضرورة اعتبار المجرم مريضاً يحتاج الى العلاج وليس إلى التأديب. وضرورة توقـّف إدارة السّجون بممارساتها التطبيقيّة، عن “المشاركة بتصنيع الجريمة” وإنتاجها باستمرار. هل يمكن للمنظمات الإعلاميّة والأهلية والأكاديميّة أن تغيّر واقع السّجون، وفقاً لمسَار الرّواية ومُجرياتها؟

– هناك حروبٌ مشتعلة في كلّ مكانٍ من العالم حاليّاً. والسّلاح الأقوى الأكثر فعاليّة وإنتاجيّة في قلبِ موازين وخلق موازين أخرى هو وبلا منازع (الإعلام). الإعلام ساحرٌ بارعٌ مخيف. وطالبُ التغيير يكون مخطئاً إذا أهمل استخدام هذه الوسيلة المؤثرة. سحر صحافيّة ثائرة. وثورتها العنيدة أوصلتها إلى قُبلةِ أحلامها ورؤاها. الرّواية صوّرت سحر “مُناضلة أسطوريّة”، وحصلت على مبتغاها في تغيير واقع السّجون في شكل مبالغ فيه. لا بدّ من قول الأشياء بمبالغة أحياناً لشدِّ الإنتباه، أو إعلاء الصّوت لإسماع القادة والمسؤولين. أرجو أن أكون في بعض علاجاتي وطروحاتي المبالغ فيها في نهاية الرّواية قد خلقت شوقاً وحماسة لاستيلادِ سَحَر ما بل سَحَرات في شرقنا العربي يحمِلن لواءَ سحر سالم بطلة الرّواية ويمشين وراءَها.

■ بين الظلم والحرمان، والخطيئة والتوبة،والسّياسة والجريمة،تمضي خيوط “رقصات التيه”.إلى أيّ مدى تقاربُ هذه الخيوط سيرة أناس حقيقيّين؟

– إذا كانت الرّواية تحاكي الحياة، فيجب أن تتحدّث عن كلّ مضامينِها ومكوّناتِها. ممّا تتألـّف الحياة؟ الناس والسّاسَة والانحِراف والعِقاب والخطيئة والإيمان والظلم والحبّ والتسامح والثورة. لقد عرضتُ كلّ هذا في الرّواية. كنت أقول رأيي في كلّ شيء في الحياة من خلال القضيّة المحور (السّجن)، وأحياناً رأيي في أمور دنيويّة أخرى أكثر أهميّة من السّجن. موضوع شهوة الانتقام والغفران مثلاً. موضوع فارق السنّ في الحبّ، ثمّ موضوع توبة الإنسان وهي ليست منه بكاملها! بل هي عمل إلهي سماويّ خارق في أعماق الذات. وعملُ السّماء دائماً يُحيّر العقل. والسّؤال: هل شخصيّات الرّواية حقيقيّة؟ أقول لكِ أنّ الرّواية لم تأتِ من العدَم. ما شاهدته داخلَ السّجن، وأنا أعمل هناك، وآلمني كثيراً، كان حافزاً وملهماً قويّا لأن أكتبَ ما كتبت. لقد صوّرت أناساً حقيقيّين، وآخرين أنصاف حقيقيّين، وآخرين يُشبهون الحقيقة، وآخرين من بنات الخيال. الأسماء مبتكرة والأزمنة مختلفة والأمكنة ليست كما هي. ولكنّي كنت أروي واقعاً حقيقيّاً مُرّاً. وكنت أسعى لاكتشاف رؤيا ما أو حلّ.

■ لِفسادِ الطبقة السياسية دورٌ بارزفي أحداث الرّواية. نعلم أن علم السّياسة يُكتسَب بالدّراسات العُليا والمُمارسات الحكيمة الذكيّة.أين السياسيّ في لبنان من ذلك كلـِّه؟ هل تاهَ في نظامٍ سياسِيّ متوارث إقطاعيّاً؟

– سيّدَتي، ليسَ هناك من نظريّة أو مبدأ أو عقيدة أو ناموس يُطبّق! بالكاد يمارس الإنسان 40 % من هذه الأطر والمواثيق الذي ابتكرها للأسف، هو. ولو طبّق السّاسة أصول السياسة لما كان هناك مشكلة. لقد انحرفت السيّاسَة عن معناها الحقيقي وهو (إدارة حاجات وأمور الناس)، وأصبحت كلمة سياسَة توازي المفردات التالية: ثعلب، نمر، أسد، داهية، ديكتاتور، بازار، بيع وشراء، كول وطعمي، نفوذ وسيطرة، غلبة الأقوى، الزواريب الضيّقة، لعبة الأمم، مصالح الكبار، الصّراع الاستراتيجي… إلخ. لقد ولـّى زمنُ القادة العظماء الذين صنعوا الشّعوب والأمم وأمجادَها. وباتت السّياسة لعبة مراوغة ومداورة “متثعلبة” في أزقـّة حسابات الرّبح والخسارة. ومعاناة الجماهير إن هي إلاّ ورقة لاعبة فوق الطاولة أحياناً وتحت الطاولة أحايين أخرى، بل همُ الوقود الحقيقيّون لنار تذاؤبِ الذواتِ الكونيّةِ الكبرى.

■ روايتك تغزل خيوطَ الثورة على أوضاع السّجون في لبنان. خاصّة وأنّ “عدوى الإجرام في السّجون متداولة”.وعملك الرّوائِيّ يؤكـّد على أنّ مكوّنات المجتمع الأهليّ هم أبطال ملحمة الثورة، لا السُجناء أنفسهم فقط. هل يفلح الأمر برأيك؟

– أنا لست شخصيّة ثوريّة بالمفهوم التقليدي للثورة، وأرفض العنف بكلّ مظاهره. هل تعلمين أنّ للمحبّةِ ثورة؟! غاندي!! يوحنّا المعمدان!! في أحيان كثيرة الأدوات الثقافيّة للثورة أكثر إنتاجيّة. هناك ثورة على طريقة لينين، وثورة على طريقة جمال عبد الناصر، وثورة على طريقة غاندي، وثورة على طريقة بشير الجميّل، وثورة على طريقة أبراهام لنكلن. بيد أنّ أيّ إنسان يملك حسّاً إنسانيّاً وأخلاقيّاً مرهفاً يرى بأمّ عينِه يوميّات سجون الشّرق.. إلاّ وتمور في دمِه نار الثورة حتى ولو كان ذو مزاج وشخصيّة فاترة. قال الشّاعر خليل حاوي واصفاً الإنسان الشّرقيّ: “لا البطولاتُ تنجّيهِ ولا ذلُّ الصّلاة”. أيّ يأس هذا! بيد أنّ الحراك الشّعبيّ الحاليّ مع ما فيه من شوائب وضعف وهشاشة في الوعي الثقافي الضّروري للتغيير.. إلاّ أنّه صنع تغييراً ما، وبعد عقودٍ من الرّكود والاستسلام. لا ثورة حقيقيّة صحيحة قبل مرحلةِ تجهيز الوعي الثقافيّ ومرحلة الثورة الفكريّة.. أو النهضة الفكريّة. لقد مهّد المفكـّرون للثورات في التاريخ: فلاسفة الثورة الأميركيّة، فلاسفة الثورة الفرنسيّة، فلاسفة القوميّة الألمانيّة.. ولم تنجح ثورة لينين إلاّ بعد ثمانين عاماً من التثقيف الماركسي. وكذلك الثورة المسيحيّة في القرن الأوّل احتاجت إلى عقود من النضج قبل انفجارها في رحاب العالم القديم آنذاك. إذاً الثورة الثقافيّة تمهّد للثورة العَمَليّة. ويا ويل أمّة تثور لا تحضيراً فكريّاً يمخضُها ولا ثوابت تؤكـّدها وتواكبها. كرجل يريد أن يشارك في أعظم سباقات السيّارات ولم يتعلـّم القيادة بعد. وفي النتيجة الثورة هي مطلب وحراك المجتمع بكاملة. الثورة يصنعها الأفراد وليس القادة. الثورة تصنع القادة وليس القادة من يصنعون الثورة. بيد أنّ جوهر الثورة هو ثورة على الذات أوّلاً… ثمّ على الشرّ والظلم والتخلف والجشع والاستزلام والاهمال والعصبيّة والفقر والمحسوبيّات وشهوة السّلطة وإله المال. كلّ هذه أصنام خبيثة تحتاج إلى ثائر نبيّ يحطـّمها بشجاعةٍ رسوليّة.. مفسحاً في المجال لقيام مجتمع حديث منتج يواكب الرّكب الحضاري.

■ هلْ يُمكن إدراج هذه الرّواية في خانةِ أدَب السّجون، أم أنّ لك إطلاقاً آخر؟

– الفكرة الرّئيسيّة في الرّواية هي السّجن. فالكتابة إذاً هي من أدب السّجون. ولكن كيف لي أن أعالج قضيّة السّجن في شكلٍ روائيّ؟! أحتاج إلى قصّة وحبكة وأشخاص. خصوصاً أنّ موضوع السّجن ليس شيّقاً. الجمهور يحبّ حكايات الغرام، والصّراعات السّياسيّة، والمؤامرات، والألغاز البوليسيّة، وحركيّة الأحداث المدهشة فلا يشعر بالملل. لقد قدّمت للقارئ فكرة لا يحبُّها في قالب الموضوعات التي يحبُّها. قدّمت فكرة السّجن إلى جانب الحبّ والسّياسة والإيمان والمؤامرة، مستخدماً كلّ الأدوات الإنشائيّة: السّرد والتأمّل والحوار والحبكة الذكيّة غير المتوقعة، المقالة، الخطبة، الحكمة، الخاطرة، المونولوغ، الشّعر. وأعتقد أنّ هذا التنوّع في الأساليب الكتابيّة يجعل القراءَة ممتعة مشوّقة. أمّا عن أهداف أخرى سوى السّجن، فقد تكلـّمت عن التعذيب في السّجون والأساليب البدائيّة في الاستنطاق وأخذ المعلومات. وتكلمت عن الغفران والانتصار على شهوة الانتقام، وهذه لا يستطيعها الإنسان من ذاته، برأيي، فهو يحتاج إلى طاقةونعمة إلهيّة. وجوهر محبّة الله للإنسان هي في مسامحته لخطاياه. وتكلمت أيضاً عن فارق السِّن بين الحبيبين. لقد خلقت “كونتراستاً” قويّاً بين الخير والشرّ في الرّواية لأظهر الشرّ شريراً كثيراً والخير خيِّراً كثيراً. لا بل جعلت الخير غالباً في نهاية المطاف، وعلى يد أشخاص ضُعفاء جعل الألمُ منهم أناساً أفذاذاً. وعندي أنّ آلام الإنسان في الحياة هي التي تصوغ شخصيّته وتحدّد له خياراته. وأرجو أن أكون قد وفقت في مسعاي هذا، والله وحده وليّ التوفيق.

لبنان مواطن في دولة الإرهاب

هل تحوّل لبنان من وطن إلى مواطن في دولة الإرهاب؟

هل تحوّلت مبادئ “القاعدة” إلى دستور؟

هل تحوّلت رسائل أيمن الظواهري الصوتية إلى سلطة تشريعية؟

هل تحوّلت السيارات المفخخة إلى سلطة تنفيذية؟

هل تحوّلت “المحاكم الشرعية” إلى سلطة قضائية؟

إذا لم يصل لبنان بعد إلى هذا الحد، فانتقاله إليه أسرع من تنقّل السيارات المفخخة في أراضيه.  خصوصاً وأن نبوءات وزير داخليته أكثر تشاؤماً وترويعاً من نبوءات ليلى عبد اللطيف … حتى ولو صدقت عندما تدّعي وتكذب!

وبين أن نكون طعماً للفتنة وطعاماً للموت العشوائي، أو لا نكون … لا تزال هناك فرصة سانحة للنجاة وإن ضاقت.

والفرصة السانحة عمرها قصير، وقصير جداً.  فقد تكون ضحية سيارة مفخخة تالية … أو ضحية تلك التي تليها.  خصوصاً وأن الشائعات عن “المفخخات” تتوالى، وهناك أكثرية تُصدّق وقلة تُكذّب.

والفرصة سانحة للبنانيين وقياداتهم سوية.

إذا نسي اللبنانيون ما جرى لهم في حربهم الأهلية الماضية، وهو صورة هزلية أمام ما ينتظرهم في حربهم المذهبية المقبلة، فإن عليهم معالجة عيونهم المصابة بعمى الدماء السورية والعراقية والليبية والمصرية.

إن العمى الشعبي عن رؤية أنهار الدم العربي المتدفق في بلاد “الربيع العربي”، يمنعنا من رؤية حافة الهاوية التي نقف عليها، والتي ستقودنا عمى البصيرة إلى الوقوع في برك دمائنا، التي قد تتحول بسرعة قياسية إلى أنهار، كما في العراق وسوريا.

أما إذا فتحنا أعيننا على هذه المشاهد الوحشية والإجرامية، ولم نستوعب دروسها، ولم نرتدع عن المضي حثيثاً باتجاهها، فهذا يعني أننا كالثيران التي يحوّلها الذعر إلى قطعان هائجة، تبحث عن النجاة بإلقاء نفسها في نهر تتربص فيه التماسيح القاتلة.

إذا كان هذا هو واقع أكثرية اللبنانيين، فإن ثمة أملاً في أكثرية زعماء لبنان إذا ما قرروا اللجوء إلى الحكمة والعقل والتعقل.  وذلك بالإحجام عن الإثارة والأفعال المثيرة، وبالإمتناع عن الإصرار على تشكيل حكومة النار والبنزين، والقبول بحكومة إطفاء للحرائق اللبنانية المتنقلة.

وهذه قرارات تحتاج إلى تغليب مصلحة الوطن، لا إلى تغليب المصالح على الوطن.

وعلى عاتق هؤلاء الزعماء يقع إنقاذ لبنان من أن يتحوّل من وطن إلى مواطن في دولة الإرهاب.

وهذا يتطلب التنازل عن شهوة السلطة والتسلط.  أما إذا كانت شهوة الحكم والتحكم هي الغاية، فعندئذ لن نستغرب إذا تحوّلت شوارع لبنان ومدنه وبلداته وقراه إلى غابة تتقاتل فيها المذاهب، وتصبح بالتالي، شهوة الذبح أقوى وأبقى من شهوة الحكم.

سامر الحسيني

 

رحيل”عاشق مصر” محمد رفيق الصبان

عبد الرحمن سلام:

شيع منذ ايام في القاهرة، جثمان فقيد السينما العربية الناقد الدكتور محمد رفيق الصبان، السوري المولد المصري الاقامة، عن عمر 82 عاما، أمضى اكثر من نصف عمره في القاهرة، يعمل في مجال الادارة والكتابة والنقد.

وكان الراحل السينمائي القدير قد ادخل قبل اسبوع من وفاته الى الرعاية المركزة بمستشفى “السلام” بالمعادي (من ضواحي القاهرة) بسبب تدهور حالته الصحية، إلا ان مشيئة رب العالمين كانت الاعلى، حيث رحل، تاركا فراغا كبيرا في الوسط السينمائي ـ النقدي ـ الاكاديمي، لما تميز به على مدى عمره، من رؤية ووجهة نظر علمية ـ فنية، وهو الفراغ الذي استدعى مختلف النقابات الفنية الى نشر نعي، تعبيرا عن حزن الوسط السينمائي على هذا الرحيل، ومن هؤلاء المخرج خالد الحجر الذي كان اول المسارعين الى نعي الدكتور محمد رفيق الصبان، ثم جمعية نقاد السينما المصريين التي اصدرت بيانا دقيق الكلمات، بالغ الحزن والاسى، ثم رئيس مهرجان الاقصر للسينما الافريقية السيناريست سيد فؤاد الذي لم يكتف بمجرد ابداء الحزن والالم، بل تعداه الى وصف الراحل بـ”عاشق السينما، الاستاذ الذي تعلمنا على يديه الكثير في معهد السينما”، ومعلنا ان “مهرجان الاقصر للسينما الافريقية سيتم اهداء دورته الثالثة الى روح الراحل الفقيد”.

كذلك، نعت جمعية بيت السينما “رئيسا وأعضاء” فقيد النقد والسينما الدكتور محمد رفيق الصبان”.

ولا شك في ان وفاة الدكتور محمد رفيق الصبان تشكل خسارة وصدمة كبيرة للوسطين الفني النقدي والسينمائي، فالراحل حائز على وسام الفنون والآداب الفرنسي من درجة فارس، بدأ مشواره الفني من موطنه الاول سوريا، فأخرج  العديد من الاعمال المسرحية، منها: “العادلون”، “الخروج الى الجنة”، “براكسا جورا”، “تارقوف”، “بنادق الأم امينة”، “حكاية حب”، “الزير سالم” وسواها. وبعد تلك الرحلة مع المسرح، كمخرج وكمترجم ومعرِّب، انتقل الدكتور محمد رفيق الصبان الى القاهرة ليرتدي ثوب كاتب السيناريو، حيث قدم عدة مسلسلات وسهرات تلفزيونية درامية، ليدخل من ثم الى عالم السينما الذي كان يعشقه، وليقدم اولى تجاربه الروائية السينمائية الطويلة من خلال فيلمه المحفور في “سجل تاريخ السينما العربية ـ المصرية”: “زائر الفجر” (العام 1972) من بطولة  ماجدة الخطيب وعزت العلايلي وشكري سرحان ومديحة كامل ويوسف شعبان وتحية كاريوكا، ومن اخراج ممدوح شكري، وفيه، رصد السيناريست الكاتب الدكتور محمد رفيق الصبان، فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث: السنوات الاخيرة من حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والسنوات الاولى من حكم الرئيس محمد انور السادات (قبل انتصار اكتوبر 1973)، حيث وصف “مجتمع يشعر بالهزيمة بعد نكسة العام 1967، وسيطرت خلالها مشاعر الغضب على مختلف فئات الشعب المصري المطالب بتحرير سيناء ورد الاعتبار لكرامته وكرامة القوى المصرية المسلحة (الجيش)، في ظل ممارسات السلطة، كاعتقال الوطنيين بتهم مفبركة، او التجسس على المواطنين من قبل اجهزة المخابرات. لكن الراحل الدكتور محمد رفيق الصبان لم يهنا بالاشادات النقدية التي حصدها عمله السينمائي الاول، حيث تم منع عرض “زائر الفجر” بعد اسبوع واحد فقط من بدء عرضه (بحجة اعتراضات امنية)، ولم تسمح الرقابة، يومذاك، بإعادة الاخراج عن الفيلم، وعرضه، إلا بعد حوالى ثلاث سنوات، وبعد ان تم حذف الكثير من مشاهده؟!

يومذاك، انتاب المؤلف السيناريست الدكتور محمد رفيق الصبان حزنا شديدا، لم يخفف من تأثيراته سوى اشادة زملائه الكتاب والنقاد بما قدم، وتأكيدهم له انه  سيكون صاحب شأن كبير في مجال كتابة السيناريو السينمائي، لينطلق، وليكتب بعد ذلك اكثر من 25 فيلما، غلب  على بعضهم الطابع السياسي، فالراحل كان دائم الاهتمام بشؤون وشجون الوطن العربي، وبالحرية المفقودة عند شعبه، تحت وطأة الانظمة المختلفة، وأيضا، في ظل الصراعات العربية ـ العربية التي قضمت الكثير من احلام الناس، اضافة الى انشغاله بموضوع الصراع العربي ـ الاسرائيلي، حيث كتب عنه فيلم “فتاة من اسرائيل”، من دون ان نغفل كتاباته السينمائية التي لم تخلو من لمحات اجتماعية، ومنها، فيلمه “الاخوة الاعداء” من بطولة حسين فهمي ونور الشريف وميرفت امين وعماد حمدي، عن قصة للمؤلف الروسي ديستويفسكي.

وفي مسيرة السينمائي ـ الناقد الدكتور محمد رفيق الصبان عدة افلام رومانسية تعتبر علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية ـ العربية، منها على سبيل المثال، “حبيبي دائما” (1980) بطولة نور الشريف الذي قدم له ايضا فيلم “ليلة ساخنة” (1996)، كما قدم من اخراج ايناس الدغيدي فيلمه “الباحثات عن الحرية”.

وبخلاف مشواره مع عالم الكتابة النقدية والتأليف، تتوجب الاضاءة على دوره كأستاذ  لمادة السيناريو بمعهد السينما في مصر.

اما من ابرز المفارقات في مسيرة الدكتور محمد رفيق الصبان، فهي حكاية مجيئه الى القاهرة بطريق “المصادفة”، وذلك قبل 41 عاما (العام 1972، حيث مر بالعاصمة المصرية وهو في طريقه الى باريس 0حصل من جامعتها على شهادة الدكتوراه) ليستكمل حياته فيها، على اثر قرار اتخذه وقضى بمغادرة وطنه سوريا، إلا ان عمله على كتابة سيناريو اول فيلم له “زائر الفجر”، بدل كل مشاريعه وخططه، حيث  استمر مشواره مع السينما، ثم في تدريس كتابة  السيناريو، وكتابة المقالات النقدية، والالتحاق بعضوية اكثر من مهرجان سينمائي، وهو الذي سبق ان اعلن بأنه “لم يستطع الافلات من جاذبية المناخ الفني المصري الذي يحمل جينات الابداع ويمنحها لمن يعيش على ارض الكنانة”.

ورغم ان الراحل السينمائي الكبير الدكتور محمد رفيق الصبان لم يحمل الجنسية المصرية، إلا انه كان يحسب على المصريين في كل مشاركاته بلجان التحكيم الدولية والعربية، وكان الوحيد (غير مصري) الذي حصل على عضوية “نقابة السينمائيين المصرية” و”الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما”، وهو ما اتاح له في ذات يوم من العام 1992، ان يقف مساندا للفيلم القومي “ناجي العلي” وان يواجه بأعلى صوته من على منبر نقابة الصحفيين المصريين، وزير الثقافة يوم ذاك، معلنا: “عار على السينمائيين والاعلاميين المصريين الاحرار الرضوخ لقرار يمنع فيلما عربيا قوميا من المشاركة في عروض المهرجان القومي للسينما” الذي تشرف عليه وتقيمه وزارة الثقافة في مصر.

رحم الله الدكتور محمد رفيق الصبان الذي امضى اكثر من نصف عمره في مصر المحروسة، وأعطاها كل ابداعه، وتفاعل مع شعبها وكل مفردات حياتها السياسية والاجتماعية، فبادلته حبا بحب: نعته نقاباتها الفنية، واحتضنت ثراه ارضها الطاهرة، وسكنت ذكره في ذكراه ناسها.

نيكول سابا: لا كرامة لنبي في وطنه

عبد الرحمن سلام

كشفت الفنانة اللبنانية نيكول سابا عن عتبها الشديد على الاعلام اللبناني، بسبب “عدم تكريمها” أو “تقدير نجاحاتها الفنية” بعد، من قبل بلدها لبنان الذي “تمثله” في الخارج.

وفي معرض عتبها، اعلنت نيكول سابا ان المثل المعروف “لا كرامة لنبيّ في وطنه” ينطبق عليها، وتضيف: ربما يعتبرونني في لبنان “مصرية”. لقد بدأت أشك ان كان اللبنانيون يعرفون انني لبنانية.

وتعلق الفنانة نيكول سابا في حوارها مع “الكفاح العربي”: ورغم هذا التجاهل، لن اتوقف عند موضوع التكريم، والاصح ان اقول “الانصاف” والجائزة التي ستعطى لي لن تمنحني الرضا الذاتي، فانا راضية جدا عن نفسي، وعن كل ما حققته من نجاحات وخطوات على طريق الفن، وواثقة بأن الجميع يعلم انني ناجحة.

 

اللبنانيون يعتبرونني مصرية وأشك ان كانوا يعرفون أنني لبنانية

اللبنانيون يعتبرونني مصرية وأشك ان كانوا يعرفون أنني لبنانية

برأيك، الى ماذا تعيدين هذا التجاهل الذي تشكين منه؟ هل هو “حرب” عليك من جهات  اعلامية ـ فنية، ام لأن بدايتك السينمائية امام نجم كبير (عادل امام في فيلم “التجربة الدنمركية) اثارت غيرة كثيرات يتمنين مثل هذه البداية؟

– سأكون صريحة جدا في ردي، وهذه الصراحة قد تطاولك شخصيا ايضا، لأنني اشتم من السؤال “زكزكة” مبطنة، خصوصا وان رأيك الشخصي بدوري في فيلم “التجربة الدنمركية” ما زلت احتفظ به في ارشيفي الصحفي، حيث انك انتقدت بشدة الدور الذي اديته، واعتبرته “الطريق الاسهل لبلوغ النجومية”. بداية، اقول انني لست نادمة، كما حاول البعض تأكيده. لا على الدور الذي مثلته، وبالتأكيد، لا على وقوفي امام النجم الكبير عادل امام. ولكي اكون واقعية، اعترف بأنني تمنيت لو كنت تعمقت في الدور اكثر، وأتمنى من كل قلبي ان اعيد تجربة الوقوف امام النجم الكبير، وإنما في ادوار “اوسع” من شخصيتي في “التجربة الدنمركية”.

وتتابع نيكول سابا: في المقابل، كنت اتمنى على كل من انتقد حضوري في “التجربة الدنمركية” ان يأخذ بعين الاعتبار ان عرض النجم الكبير عادل امام لي، واختياره لي للوقوف امامه، كانت اولى تجاربي السينمائية، وان هذه التجربة هي التي فتحت امامي كل ابواب الستوديوات السينمائية، وجعلت مني “نجمة” بكل ما للكلمة من معنى. وإذا كنت قد اعطيت تنازلا محددا عند قبولي الدور، فهذا ليس نهاية المسار، وغالبية الطامحات للنجومية يبحثن عن الشهرة في مقابل تنازلات اكبر بكثير.

■ هل افهم من كلامك، ندمك على قبول حضورك بـ”التجربة الدنمركية”، وبالشكل الذي تم تقديمك به؟

– بداية، اسمح لي ان اقول ان “الكل” يحلم بالوقوف امام “الزعيم”. امس واليوم وغدا. وأنا اعتبر انني كنت سعيدة الحظ بالوقوف امامه في اول عمل سينمائي لي. فكيف تريدني ان اندم؟ وكيف تريدني ان لا اشكر هذا الفنان الذي نقلني بسرعة الصاروخ الى عالم النجومية؟! ثم ان الشخصية التي قدمتها، لم تكتب بالاصل لي، ولم يكن في مخيلة المؤلف اسم نيكول سابا عندما كتبها، لأن النجم عادل امام، وبعدما اطلع على السيناريو، هو من رشحني للدور، وترشيحه توافق مع رأي المخرج والمؤلف. وبالنسبة الى موضوع الندم، فأنا بالفعل  نادمة لأنني لم اكن راضية عن ادائي، وكنت اتمنى لو اجتهدت اكثر لأكون “ممثلة” اكثر من “موديل” تتحدث بلغة الجسد فقط، وهذا ما سعيت اليه في كل الاعمال التي تلت… ونجحت.

■ ما هي مقومات النجاح السينمائي بالنسبة الى الممثلة، من وجهة نظرك؟

– انا اؤمن بأن ليس هناك “دور سيء” وإنما هناك “ممثل سيء”. وأعتقد ان على الفنان التركيز جيدا على نوعية الشخصية التي يختارها، وليس على مساحة الدور الذي سيلعبه.

اما سر النجاح، فموجود في السيناريو الجيد، والمخرج القدير، وهذان هما ابرز اسس نجاح اي عمل سينمائي.

■ هناك “نظرية” اصبحت مرتبطة بالفنانات اللبنانيات اللواتي شاركن في اعمال سينمائية مصرية، وتكاد ان تتحول الى “شبهة” التنافس على قبول الادوار الاكثر ميلا للاثارة الجنسية، وانه، لهذا السبب، تتم الاستعانة بهن في افلام وأدوار بات لها تصنيفها السيئ؟!

– هذا صحيح. وهي ليست “نظرية” بقدر ما هي، وللأسف، حقيقة، وغالبية “الممثلات اللبنانيات” اصبحن يسعين لهذه النوعية من الادوار والافلام، لاعتقادهن بأنها ستمنحهن الشهرة السريعة، ومهما كانت التنازلات، ويعولن على “تصحيح المسار”  في القادم من الادوار. وفي هذا المجال، اسمح لنفسي، وبناء على تجربتي الشخصية ان اقول بأن لباب الشهرة “مداخل” عدة!! وان التجربة علمتني ان صعود السلم درجة درجة، وبهدوء، قد يكون اكثر تعبا، ويحتاج الى وقت اطول، لكنه اكثر امانا وثباتا من “القفز”، حيث يمكن “كسر الرقبة والقدمين”، فيصعب بالتالي النهوض مجددا. ولا يعود للندم اي مكان، او حتى فرصة، لتصحيح ما انكسر؟!

■ اليوم، وبعدما اصبح لك العديد من التجارب والافلام، كيف ترين المسيرة؟ وهل تطبقين بالفعل ما تحدثت عنه، من حيث “التركيز على الاختيار”؟

– ذكرت ان لي العديد من التجارب. واعتقد ان اي مراقب منصف تابع هذه التجارب، سيضعني، وسيؤكد على الكثير من الايجابيات التي اكتسبتها على مدى مشواري مع السينما في مصر، كما سيلحظ ان التنوع الذي بحثت عنه متوافر في كل هذه الادوار، حيث فيها الكوميدي، والأكشن، والرومانسي و… و… العديد من النوعيات.

وتضيف الفنانة نيكول سابا، مؤكدة على ما اشارت اليه في بدء الحوار:

-كذلك، سيتأكد لهذا “المراقب المنصف” ان دوري في فيلم “التجربة الدنمركية”، كان اشبه بـ”الصاروخ” الذي وضعني في مدار النجومية، ومنحني بالتالي حرية “الاختيار” بدليل تعدد الادوار التي اخترت تقديمها، وكذلك تنوع الشخصيات التي مثلتها.

■ لننتقل قليلا الى “الغناء”، خصوصا وان مجيئك للسينما كان من خلال حضورك الغنائي مع فريق الـ”4 Cats”، كمغنية؟ فالملاحظ انك، ومنذ اولى ادوارك السينمائية وحتى الاخيرة منها، اصبحت بعيدة كل البعد عن اي دور تمثيلي ـ غنائي. فهل اعتزلت الغناء نهائيا؟

– وجودي مع فريق الـ4 Cats” في بداية مشواري الفني، لم يكن حضورا غنائيا بالمفهوم الكامل للكلمة، وإنما كنت واحدة من ضمن مجموعة صبايا، نتشارك معاً في غناء ما يمكن تسميته  بـ”الاسكتش الغنائي” حيث لم يكن لأي منا غناء خاص او اغنية خاصة، وهذا النوع من الغناء يحمل في ذاته مواصفات محددة، كنا جميعنا نتمتع بها، ومنها: جمال الشكل… حسن التعبير… جمال الاداء وتناسق الاصوات.

■ وفي المحصلة، هل يمكن ان نقول ان نيكول سابا تخلت عن الغناء لصالح التمثيل؟

– بالتأكيد لا. فأنا لم أتخل عن الغناء، ومنذ ايام قريبة كانت لي مشاركة جيدة جدا في احدى ليالي مهرجان الاغنية الشرقية التي اقيمت في العاصمة بيروت، كما كان لي في مصر عشرات الحفلات  الغنائية. وما يمكن قوله هو انني سأستمر في مجالي التمثيل والغناء، وقد يكون التمثيل العنصر الطاغي في المرحلة المقبلة، مع تمنياتي بالحضور في افلام غنائية استعراضية.

■ وماذا عن تجربتك كمذيعة ومقدمة برامج، حيث كانت لك اطلالة في المجالين، عبر برنامج حمل اسم “تفاحة” على احدى الفضائيات العربية؟

– هذا كان في العام 2012، وهذه التجربة اعتبرها ناجحة ومميزة، لا سيما وانها قدمتني بشكل لائق لجمهور عربي كبير، كما عرفتني على نخبة مميزة من النجوم، حلوا ضيوفا على حلقات البرنامج، ولا شك في أن كل هذه المقومات، بالاضافة الى النجاح الذي تحقق لي وللبرنامج على مدى كل الحلقات، اسعدتني للغاية، وأرضتني، على المستويين الشخصي والفني.

■ نيكول… من الذي يحكم على نجاح برنامج تلفزيوني ما. وعلى مقدمة هذا البرنامج؟

– عوامل كثيرة، ابرزها رأي النقاد، ثم رأي الفنانين الضيوف، ثم نسبة الاعلانات التي تأتي للبرنامج، والاهم، نسبة المشاهدين المتابعين للحلقات. وبناء على كل هذه العوامل، استطيع القول، وبثقة شديدة، ان برنامج “تفاحة” كان ناجحا بكل المقاييس، فالنقاد اشادوا بفكرة البرنامج غير المسبوقة، وكل الفنانين الذين استضفتهم عبروا عن سعادتهم بالمشاركة بدليل تلقائيتهم التامة التي برزت لكل المشاهدين، ومن خلال هذه التلقائية والعفوية كشفوا عن جوانب انسانية، سواء في علاقتهم الاسرية، او في آرائهم السياسية تجاه ما كان يحدث في مصر، في فترة تقديم البرنامج، من احداث.

وتتابع نيكول سابا “تفنيد” اسباب نجاح برنامجها التلفزيوني “تفاحة”:

-اما بالنسبة الى الحضور الاعلاني، وبشهادة القيمين على القناة التي عرضت وانتجت البرنامج، فكان مكثفا ونشيطا ومشهودا له على الهواء مباشرة، فيما نسبة المشاهدة، وبحسب الاحصائيات التي تولتها ادارة الشاشة، فكانت اكثر من موفقة ولله الحمد.

■ نيكول… لنكن واقعيين وحرصاء. الواضح تماما، بعد كل حديثك عن النجاحات والاعمال التي احاطت بمسيرتك السابقة، غيابك تماما عن الساحة اللبنانية. ومع ذلك، وجهت اللوم للاعلام اللبناني عن هذا الغياب؟

– وهل يتم تجاهلي فنيا، وتجاهل اعمال، لمجرد انني كنت خارج لبنان لتنفيذ مشاريعي السينمائية والفنية؟ وهل عليّ التواجد الاعلامي في بلدي، على حساب تواجدي الفني في مصر؟ ثم أليس من مهام الاعلام اللبناني مواكبة نشاط  اي فنان عربي بشكل عام، ولبناني خصوصا، وبغض النظر ان كان هذا النشاط يتم في لبنان او خارجه؟!

■ لكنك كنت شبه منقطعة. حتى عن مجرد التواصل عبر اي وسيلة من وسائل الاتصال؟

– ربما يكون هذا صحيحا. ولكن، هل هذا يعني ان اواجه بمثل هذا الجفاء؟ وهل على الفنان طرق الابواب الاعلامية بشكل مستمر؟ تواصلي مع الصحافة والصحفيين حدث كثيرا قبل اضطراري للاقامة في مصر على فترات متقطعة كانت تطلبها ضروريات العمل، وكنت “اعوّل” على ما بنيت من علاقات وصداقات مع اهل الصحافة في بلدي، لكنني وللأسف، فوجئت بأن “البعيد عن العين، بعيد عن القلب”؟!

■ هل صحيح ما يقال عن نيكول سابا بأنها دائمة التغيير في شكلها؟

– اعترف بأن هذا ليس اتهاما بقدر ما هو حقيقة، فأنا، بطبعي وطبيعتي، لديّ هوس بالموضة، ولهذا تراني امضي بعض اوقات فراغي في التسوق، حيث اختار ما يناسبني. ومن هنا يأتي حرصي الشديد والدائم على ان ابدو بـ”لوك” مختلف، في كل عمل سينمائي اقدمه، ولا شك في ان مثل هذا التغيير، يرضي جمهوري.

■ ألا تشعرين أن هذا “التغيير” يسبب لك احيانا انتقادات قد تكونين في غنى عنها؟

– انتقادات من اي نوع؟

■ البعض يرى في “جرأة اللوك” التي تظهرين به، بين الحين والآخر، خروجا عن عادات وتقاليد مجتمعنا؟

– هذا استنتاج غير سليم، وغير صحيح، لأن مفهوم “الجرأة” عندي، لا يعني على الاطلاق كسر القيم او تجاوز العادات التي تسود مجتمعنا الشرقي. صحيح انني اسعى وراء  “الموضة المتجددة” وإنما ضمن حدود اللياقة والاصول والقواعد الشرقية المحافظة على ما اكتسبته تربيتنا. ثم اسمح لي ان اقول لمن ينتقد “اطلالاتي المتجددة”، ان ارتداء “الملابس الكاشفة” او استخدام الالوان “الصارخة”، تجافي واقع تكويني الجسدي، وكل ما اقدم عليه هو ارتداء الجميل والانيق، وغير المرفوض اجتماعيا.

■ وماذا عن “انجذابك الكبير” للأحذية، وانك تخصصين لها غرفة خاصة في منزلك؟

– صحيح. انا مهووسة بشراء واختيار واقتناء الاحذية. وصحيح ان لدي غرفة خاصة بها.

■ من ابرز محطاتك الحوارية المتلفزة، مشاركتك للمقدم الشهير الدكتور باسم يوسف بإحدى حلقات برنامجه المعروف “البرنامج”، وهذا في حد ذاته يعتبر خطوة مهمة في مسيرتك، ويعبر ـ وهذه حقيقة ـ عن موقعك المتقدم على الساحة الفنية. لكن ما اثار دهشة المشاهدين، كان قبولك المشاركة في حلقة مخصصة لـ”التحرش الجنسي”؟!! ألا تعتقدين ان هذا الاختيار قد يؤكد حضورك في ذهن المشاهد، وكأنك ما زلت “الجميلة الدنمركية” المتخصصة في شؤون الجنس؟!

– بداية، اود ان اؤكد ان ظاهرة التحرش الجنسي باتت تعتبر من اخطر الظواهر التي تعانيها المجتمعات، وتحديدا تلك التي لديها “هوس” او نقص واضح في “الثقافة الجنسية”، او معتقدات رجعية متخلفة، عن جسد المرأة. كان بامكاني الاعتذار عن المشاركة في الحلقة المذكورة، وهذا الاعتذار كان اسهل الطرق لتجنب اي رد فعل سلبي او اتهام، لكنني وافقت بسبب اهتمامي بمحاربة تلك الظاهرة، لعلي انجح، ولو بجزء بسيط، في كشف عيوبها، وتقديم رسالة الى كل متحرش، بأن جسد المرأة “خط احمر”، ممنوع التعرض له او الاعتداء عليه الى حد التحريم الديني والاخلاقي، سواء باللمس الحرام او بالنظرة المريبة، وانه لا بد من ردع هذا التحرش باعتباره جريمة، كما يجب معاقبة اي متحرش على هذا الاساس، وفي المقابل، على القانون ان يؤدي  كل واجبه في هذا المجال، كما على الاعلام تعميم فكر حضاري ومفهوم علمي لموضوع الجنس بشكل خاص، والمرأة بشكل عام.

■ زواجك من الممثل يوسف الخال، شكل مفاجأة، لا سيما وأنه حدث من دون سابق اعلان؟

– هذا ما اتفقت عليه مع يوسف. تعمدنا سويا عدم لفت الانتباه، وعدم التحدث عن مشروع زواجنا كي لا ننشغل بردود الفعل التي قد تصدر من هنا او من هناك، وإلى ان ينتهي كل واحد منا من انجاز ما كان لديه من أعمال، وهذا ما حدث، وأعلن الخبر في الوقت المناسب.

■ زواجك، هل “اقتطع” من نشاطك الفني؟

– لا شك في ان الزواج يؤثر في مسيرة الفنان، ولكن، بالتفاهم، وتنسيق المواعيد والاعمال، يمكن حل هذا الامر، خصوصا وان زوجي فنان ويتفهم مصاعب  المهنة.

■ اليوم، وبعدما اصبحت اماً للطفلة “نيكول” الصغيرة، هل بدأت الحرص على اختيار الادوار والاعمال السينمائية؟

– ولماذا تقول “اليوم”، وكأنني في “الامس” وما قبله كنت اؤدي ادوارا سينمائية مخجلة؟!

انا فخورة بكل ما قدمت من ادوار، ولكن يمكن القول انني اصبحت “اشد حرصا” وسعيا وراء الادوار التي تغني ارشيفي الذي ستفخر به ذات يوم ابنتي.