رحيل”عاشق مصر” محمد رفيق الصبان

عبد الرحمن سلام:

شيع منذ ايام في القاهرة، جثمان فقيد السينما العربية الناقد الدكتور محمد رفيق الصبان، السوري المولد المصري الاقامة، عن عمر 82 عاما، أمضى اكثر من نصف عمره في القاهرة، يعمل في مجال الادارة والكتابة والنقد.

وكان الراحل السينمائي القدير قد ادخل قبل اسبوع من وفاته الى الرعاية المركزة بمستشفى “السلام” بالمعادي (من ضواحي القاهرة) بسبب تدهور حالته الصحية، إلا ان مشيئة رب العالمين كانت الاعلى، حيث رحل، تاركا فراغا كبيرا في الوسط السينمائي ـ النقدي ـ الاكاديمي، لما تميز به على مدى عمره، من رؤية ووجهة نظر علمية ـ فنية، وهو الفراغ الذي استدعى مختلف النقابات الفنية الى نشر نعي، تعبيرا عن حزن الوسط السينمائي على هذا الرحيل، ومن هؤلاء المخرج خالد الحجر الذي كان اول المسارعين الى نعي الدكتور محمد رفيق الصبان، ثم جمعية نقاد السينما المصريين التي اصدرت بيانا دقيق الكلمات، بالغ الحزن والاسى، ثم رئيس مهرجان الاقصر للسينما الافريقية السيناريست سيد فؤاد الذي لم يكتف بمجرد ابداء الحزن والالم، بل تعداه الى وصف الراحل بـ”عاشق السينما، الاستاذ الذي تعلمنا على يديه الكثير في معهد السينما”، ومعلنا ان “مهرجان الاقصر للسينما الافريقية سيتم اهداء دورته الثالثة الى روح الراحل الفقيد”.

كذلك، نعت جمعية بيت السينما “رئيسا وأعضاء” فقيد النقد والسينما الدكتور محمد رفيق الصبان”.

ولا شك في ان وفاة الدكتور محمد رفيق الصبان تشكل خسارة وصدمة كبيرة للوسطين الفني النقدي والسينمائي، فالراحل حائز على وسام الفنون والآداب الفرنسي من درجة فارس، بدأ مشواره الفني من موطنه الاول سوريا، فأخرج  العديد من الاعمال المسرحية، منها: “العادلون”، “الخروج الى الجنة”، “براكسا جورا”، “تارقوف”، “بنادق الأم امينة”، “حكاية حب”، “الزير سالم” وسواها. وبعد تلك الرحلة مع المسرح، كمخرج وكمترجم ومعرِّب، انتقل الدكتور محمد رفيق الصبان الى القاهرة ليرتدي ثوب كاتب السيناريو، حيث قدم عدة مسلسلات وسهرات تلفزيونية درامية، ليدخل من ثم الى عالم السينما الذي كان يعشقه، وليقدم اولى تجاربه الروائية السينمائية الطويلة من خلال فيلمه المحفور في “سجل تاريخ السينما العربية ـ المصرية”: “زائر الفجر” (العام 1972) من بطولة  ماجدة الخطيب وعزت العلايلي وشكري سرحان ومديحة كامل ويوسف شعبان وتحية كاريوكا، ومن اخراج ممدوح شكري، وفيه، رصد السيناريست الكاتب الدكتور محمد رفيق الصبان، فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث: السنوات الاخيرة من حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والسنوات الاولى من حكم الرئيس محمد انور السادات (قبل انتصار اكتوبر 1973)، حيث وصف “مجتمع يشعر بالهزيمة بعد نكسة العام 1967، وسيطرت خلالها مشاعر الغضب على مختلف فئات الشعب المصري المطالب بتحرير سيناء ورد الاعتبار لكرامته وكرامة القوى المصرية المسلحة (الجيش)، في ظل ممارسات السلطة، كاعتقال الوطنيين بتهم مفبركة، او التجسس على المواطنين من قبل اجهزة المخابرات. لكن الراحل الدكتور محمد رفيق الصبان لم يهنا بالاشادات النقدية التي حصدها عمله السينمائي الاول، حيث تم منع عرض “زائر الفجر” بعد اسبوع واحد فقط من بدء عرضه (بحجة اعتراضات امنية)، ولم تسمح الرقابة، يومذاك، بإعادة الاخراج عن الفيلم، وعرضه، إلا بعد حوالى ثلاث سنوات، وبعد ان تم حذف الكثير من مشاهده؟!

يومذاك، انتاب المؤلف السيناريست الدكتور محمد رفيق الصبان حزنا شديدا، لم يخفف من تأثيراته سوى اشادة زملائه الكتاب والنقاد بما قدم، وتأكيدهم له انه  سيكون صاحب شأن كبير في مجال كتابة السيناريو السينمائي، لينطلق، وليكتب بعد ذلك اكثر من 25 فيلما، غلب  على بعضهم الطابع السياسي، فالراحل كان دائم الاهتمام بشؤون وشجون الوطن العربي، وبالحرية المفقودة عند شعبه، تحت وطأة الانظمة المختلفة، وأيضا، في ظل الصراعات العربية ـ العربية التي قضمت الكثير من احلام الناس، اضافة الى انشغاله بموضوع الصراع العربي ـ الاسرائيلي، حيث كتب عنه فيلم “فتاة من اسرائيل”، من دون ان نغفل كتاباته السينمائية التي لم تخلو من لمحات اجتماعية، ومنها، فيلمه “الاخوة الاعداء” من بطولة حسين فهمي ونور الشريف وميرفت امين وعماد حمدي، عن قصة للمؤلف الروسي ديستويفسكي.

وفي مسيرة السينمائي ـ الناقد الدكتور محمد رفيق الصبان عدة افلام رومانسية تعتبر علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية ـ العربية، منها على سبيل المثال، “حبيبي دائما” (1980) بطولة نور الشريف الذي قدم له ايضا فيلم “ليلة ساخنة” (1996)، كما قدم من اخراج ايناس الدغيدي فيلمه “الباحثات عن الحرية”.

وبخلاف مشواره مع عالم الكتابة النقدية والتأليف، تتوجب الاضاءة على دوره كأستاذ  لمادة السيناريو بمعهد السينما في مصر.

اما من ابرز المفارقات في مسيرة الدكتور محمد رفيق الصبان، فهي حكاية مجيئه الى القاهرة بطريق “المصادفة”، وذلك قبل 41 عاما (العام 1972، حيث مر بالعاصمة المصرية وهو في طريقه الى باريس 0حصل من جامعتها على شهادة الدكتوراه) ليستكمل حياته فيها، على اثر قرار اتخذه وقضى بمغادرة وطنه سوريا، إلا ان عمله على كتابة سيناريو اول فيلم له “زائر الفجر”، بدل كل مشاريعه وخططه، حيث  استمر مشواره مع السينما، ثم في تدريس كتابة  السيناريو، وكتابة المقالات النقدية، والالتحاق بعضوية اكثر من مهرجان سينمائي، وهو الذي سبق ان اعلن بأنه “لم يستطع الافلات من جاذبية المناخ الفني المصري الذي يحمل جينات الابداع ويمنحها لمن يعيش على ارض الكنانة”.

ورغم ان الراحل السينمائي الكبير الدكتور محمد رفيق الصبان لم يحمل الجنسية المصرية، إلا انه كان يحسب على المصريين في كل مشاركاته بلجان التحكيم الدولية والعربية، وكان الوحيد (غير مصري) الذي حصل على عضوية “نقابة السينمائيين المصرية” و”الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما”، وهو ما اتاح له في ذات يوم من العام 1992، ان يقف مساندا للفيلم القومي “ناجي العلي” وان يواجه بأعلى صوته من على منبر نقابة الصحفيين المصريين، وزير الثقافة يوم ذاك، معلنا: “عار على السينمائيين والاعلاميين المصريين الاحرار الرضوخ لقرار يمنع فيلما عربيا قوميا من المشاركة في عروض المهرجان القومي للسينما” الذي تشرف عليه وتقيمه وزارة الثقافة في مصر.

رحم الله الدكتور محمد رفيق الصبان الذي امضى اكثر من نصف عمره في مصر المحروسة، وأعطاها كل ابداعه، وتفاعل مع شعبها وكل مفردات حياتها السياسية والاجتماعية، فبادلته حبا بحب: نعته نقاباتها الفنية، واحتضنت ثراه ارضها الطاهرة، وسكنت ذكره في ذكراه ناسها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s