قفزة “فيليكس”

منذ مدة شهدنا على شاشات التلفزة نقلاً مباشراً لقفزة “فيليكس” التاريخية، وكانت من على ارتفاع 39 كيلو متراً عن  سطح الأرض، حيث أضافت جديداً على القوانين العلميّة. لم تكن مجرد قفزة جريئة وخطرة في الهواء، ولم تكن- بالتأكيد- قفزة في المجهول، وإنما كانت قمة في الشجاعة المرتكزة على التخطيط المسبق في سبر المجهول ومحاولة جعله على قدر الإمكان معلوماً.

لقد تزامنت هذه القفزة مع اسبوع منح جائزة “نوبل” للمنجزين الكبار على صعيد العلوم والآداب الإنسانية. إنها أيضاً قفزات رائعة حققّت الكثير في سبيل الانسانية جمعاء بعيداً عن اصطفاف أو مآرب شخصية أو قومية أو سياسية. إنها قفزات لأفراد مميّزين عابرة للأيديولوجيات والعقائد بكل تصنيفاتها ومبرراتها…

في ذلك الاسبوع الذي حفل بالانجازات التاريخية التي لن تتوقف عند حدود لأن أبواب العلم مفتوحة الى ما لا نهاية، طالعتنا وكالات الأنباء بأخبار متنوعة، وكأنها تود أن تجري بعض المقارنات أو بالأحرى المفارقات التي تندرج تحت عنوان انجازات غرائبية. فقد قرأنا أن المواطن الباكستاني “سعدي محمد” قد دخل موسوعة “غينيس”، حيث استطاع أن يلهب حماسة الجماهير عندما تمكن من جرّ شاحنة زبالة بواسطة “شواربه” لمسافة ستين متراً!!! كما استطاع مواطنه “مشتاق مصطفى” أن يسحب خلفه “أوتوبيس” مع كامل ركابه بواسطة “أذنيه” لمسافة سبعين متراً!!

وفي الوقت نفسه مرّت ببالي انجازات عدة قمنا في بلادنا بها مثل: تصنيعنا لأكبر قرص فلافل بقطر عشرة أمتار!! نجاحنا في انجاز أطول سندويش حوالى 120 متراً!! ثم أكبر صحن فول وأكبر منسف… هذا الى جانب مئات القفزات التي لم يسبقنا الى تحقيقها أحد، لا في الشرق ولا في الغرب.

لقد حفل تاريخنا الحديث بقفزات غرائبية، كانت أقرب الى “النطنطة”، حتى تحولت اليوم الى نوع من الرقص الهستيري.. الذي يملأ شاشاتنا على مدار الساعة، حتى أن أحد السياسيين الغربيين علّق على هذه الظاهرة” النطناطة” فقال: إن العرب بشكل عام سعداء رغم ما يمر يومياً على أرضهم من مجازر ومآسٍ وضحايا من الاطفال والنساء… ورغم وجود ملايين الأميين المنتشرين على كل التراب العربي! فما نفع أن يكثر عدد الجامعات في بعض بلداننا ويتقهقر العلم؟ بلأمس احتفل في بيروت بأحد الاشخاص المتمولين، فأقيم على شرفة عشاء تكريمي القيت فيه كلمات ومدائح على انجازات وهمية و”قفزات” تنموية لم تحدث على الاطلاق، ولكن ما استدعى انتباه بعض الصحفيين كلمة أحد الخطباء الذي قال: هذا الرجل النبيل قد غيرّ مجرى التاريخ!!! بعد هذه “الهمروجة” التكريمية تبيّن أن هذا “الجهبذ” المتفردّ، والذي ساواه الخطيب المنافق بعظماءلا يتكررون، هو التاجر المستورد للمواد الغذائية وكذلك الادوية واللحوم… وأنه بكل شجاعة يسهر الليالي على “تغيير” تواريخها لأنها فسدت بمرور الزمن ثم وضع تواريخ جديدة “مستقبلية” عليها!! وهكذا فانه يكون بذلك قد غيرّ التاريخ!!!

أيها القارئ العزيز تصوّرت انه في اللحظة التي وقف فيها “فيليكس” على باب مركبته استعداداً للقفزة التاريخية، كان السيد “سعدي محمد” يجر شاحنة زباله مربوطة بشاربيه ومواطنه “مشتاق مصطفى” يسحب الاوتوبيس المربوط بأذنيه، والرجل المكرّم يغيرّ مجرى التاريخ!!!

قلت لصديقي: لا تقل الى أين يأخذنا العلم. بل قل بذعرالى أين يأخذنا الجهل!!

د.غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s