التأليف المستحيل والاعتذار الصعب

إذا كان تمام سلام ملك “الصبر”، فعليه أن يدرك بأن صبر اللبنانيين قد نفد.

لا هو قادر على تأليف الحكومة، ولا هو قابل بالاعتذار.

لا شك في أنه باعتذاره يكون قد أغلق الباب على مستقبله السياسي.

لكنه لو فعلها واعتذر، لن يكون الأول.  فقد اعتذر قبله ثلاثة رؤساء هم:  الشهيد رفيق الحريري الذي سجّل أول اعتذار في تاريخ تشكيل الحكومات، وذلك في زمن الرئيس إميل لحود في العام 1998.

تلاه الرئيس عمر كرامي معتذراً عن تأليف حكومة كلف بتشكيلها، بعد أكثر من شهر بقليل على استقالته، وكلن ذلك في نيسان من العام 2005.

ثالث المعتذرين كان الرئيس سعد الحريري الذي اعتذر في 10 أيلول من العام 2009، ليعاد تكليفه مرة ثانية بعد أسبوع من الاعتذار.

والفرق بين الاعتذارات السابقة، والاعتذار المنتظر، أن تلك تمّت من موقع القوة، في حين أن اعتذار تمام سلام، إذا وقع، فهو يأتي من موقع الإفراط بالضعف، حتى ولو كانت المصلحة الوطنية إحدى مبرراته.

ولإنصاف الرجل، فإن اتهامه بالضعف لا يعود لشخصه، بل يعود لهرطقات دستورية، في ظل ديمقراطية لبنانية غريبة عن الديمقراطيات التي يعرفها العالم.

في ديمقراطيتنا العجيبة، تتحوّل الأكثرية إلى حالة معنوية، يتباهى فيها الأكثري على الأقلي، لكنهما في الواقع يتساويان في النفوذ وفي القدرة على التعطيل، حتى من دون الثلث المعطّل، وهذا هو المأزق الذي يتخبّط فيه الرئيس المكلّف.

المعضلة أننا قرأنا الفقرة “ياء” من مقدمة الدستور، وفسّرناها وفق مصالحنا المذهبية.

تقول “الياء” أن “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. لا ندري سرّ التمسّك بـ”الياء”، وسرّ إهدار “الدال” من المقدمة نفسها، التي تقول أن “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية”، أي عبر الانتخابات… أي عبر الأكثرية، والأكثرية فقط.

“العيش المشترك” لا يعني المشاركة في السلطة.  وعندما يمارس الشعب السلطة، فهذا يعني، بالضرورة، أن الحكم لمن له الأكثرية في مجلس النواب.

بين التوسّع في تفسير “الياء” والتعمّد في تضييق الخناق على “الدال”، يكون العقل اللبناني قد ابتكر ديمقراطية مضادة للديمقراطيات.

هذا الافتراء على الدستور، هو وراء تعطيل تشكيل الحكومات، ومن ثم، تعطيل الحكم والاستقرار ومصالح الناس، وصولاً إلى تهديد الوطن.

بذلك نكون قد حمّلنا الدستور ما ليس فيه … ونكون قد حمّلنا تمام سلام ذنوباً لم يرتكبها.

سامر الحسيني

تسوية “ألف ألف”: هل ينجح روحاني في “تخصيب” العلاقات الايرانية – الأميركية؟

كتب كريم الخطيب:

هل بدأت مرحلة “ألف ألف”؟  فعملية كسر الجليد الإيراني – الأميركي تنبئ بـ”ربيع” فارسي في المنطقة قد يمهد إلى ما يسمى بـ”الصفقة الكبرى” التي تعيد رسم خريطة “سايكس بيكو” بنفوذ روسي جديد يمتد من إيران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان.  والفضل بذلك إلى “الدبلوماسية الناعمة” التي انتهجها الرئيس الايراني حسن روحاني … لـ”إعادة الروح” إلى العلاقات مع الغرب.

روحاني في الأمم المتحدة

روحاني في الأمم المتحدة

تبدو طهران مستعجلة لكسر الجليد مع الخصوم والأعداء.  فالرئيس حسن روحاني المحصّن بدعم داخلي مطلق من المرشد الأعلى للثورة الايرانية، لم يجد أي عائق في ممارسة “سحره” الدبلوماسي على الغرب.  فكلماته وأفعاله في الجمعية العامة للأمم المتحدة دفعت بالرئيس الأميركي باراك أوباما بإجراء الاتصال الهاتفي الأول مع نظيره الايراني منذ أكثر من 30 عاماً.  وجعلت أشهر المحللين الغربين أن يدقّوا في مقالاتهم الأجراس لقرب التسوية المريحة التي يخرج منها الجميع بمكاسب لم يكونوا ليحصلوا عليـــها وهم علـــى طرفـــي النقـــيض.

بالنسبة إلى أميركا، تبدو إيران أكثر انفتاحاً على الحلول، لكن ذلك لا يعني تراجعاً على صعيد المبادئ. إيران تعلم بأن هناك تبادلاً لانعدام الثقة بينها وبين الولايات المتحدة، وهي تقول إن السبب الرئيسي لهذا الأمر هو قرار الولايات المتحدة منذ قيام الثورة، بأن الجمهورية الإسلامية عدوها، وعلى الصعيد السياسي والأمني إصرار واشنطن على دعم إسرائيل ورفض إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، إلى جانب ذلك إصرار واشنطن على رفض المشروع النووي الإيراني.

أما الملف السوري، فهو وإن قسم الكرة الأرضية بين مؤيد ومعارض وداعم ومتحفظ، فيبدو أنه للمرة الأولى قرب بين الإيرانيين والأميركيين، عبر حملة العلاقات العامة النشطة التي قام بها روحاني وفريقه في أروقة الأمم المتحدة مع زعماء ووزراء غربيين، الأمر الذي اعتبره المراقبون بأنه يدل إلى حل يدور في فلك السياسة.

جسور روحاني

وإذا كان الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد قد أثار موجة من الاستياء لإبداء رأيه حول المحرقة، فإن الرئيس الايراني الجديد اغتنم فرصة وجوده في نيويورك ليقول ان “كل جريمة ضد الانسانية، بما فيها الجرائم التي ارتكبها النازيون ضد اليهود، تستحق الشجب والادانة”.

وهنا يقول المحلل في مؤسسة “راند كوربوريشن” للبحوث علي رضا نادر أن روحاني “يعرف ما يقلق الولايات المتحدة، ويعرف ايضا كيف يجتذب الاخرين وكيف يستخدم الدبلوماسية”. واضاف انه “يتفهم هواجس الغربيين ووسائل الاعلام اكثر بكثير من معظم المسؤولين الايرانيين”، مذكرا بأن روحاني انهى قسما من دروسه في اسكوتلندا. لكنه لفت الى ان “لكلا البلدين مصالح مختلفة والجاذبية وحدها لا يمكن ان تؤدي الى اتفاق دبلوماسي”.

من جهته يعتبر المدير التنفيذي لـ”مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات” مارك دوبوفيتز ان “من وجهة نظر روحاني، سجل أسبوعه في الامم المتحدة نجاحا باهرا، وبلغت انعطافة روحاني ذروتها”. لكنه لاحظ “انقضى الاسبوع ويمكن ان تكون هذه الانعطافة قصيرة المدى”.

ويلاحظ رئيس مجلس الشورى الايراني المحافظ علي لاريجاني ان “لهجة المسؤولين الاميركيين تغيرت في هذه الايام الاخيرة لكن يتعين ان يظهروا في الواقع انهم غيروا فعليا سياستهم حيال ايران”. واضاف “يجب ان لا يتصورا اننا تحت الضغط وتعبنا من المقاومة، على العكس، والحل الوحيد بالنسبة للولايات المتحدة هو التخلي عن استخدام لغة التهديد”.

كما يحذر محمد علي بصيري استاذ العلاقات الدولية في مقال في صحيفة اعتماد من “المتطرفين” المعارضين للاتصالات بين قادة البلدين. واوضح انه “اضافة الى المتطرفين (داخل البلاد) المناهضين لتحسن العلاقات بين ايران والولايات المتحدة هناك ايضا معارضون في المنطقة. فالكثير من الدول وخصوصا النظام الصهيوني، ترى ان مصالحها ستكون في خطر في حال تم تطبيع العلاقات بين ايران والولايات المتحدة، وتسعى الى منع ذلك”.

لكن المحلل السياسي سعيد ليلاز يرى انه “ما من داع للقلق من المتطرفين (في الداخل) اذا استمر انسجام الحكومة مع المرشد الاعلى بشأن السياسة الداخلية والخارجية” وان “عتاة المتشددين يمكن السيطرة عليهم”.

ويؤكد الناطق باسم لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى حسن نجفي من جهته ان “روحاني يملك تفويضا (من المرشد الاعلى) للحوار مع اوباما”.

الهاجس الاسرائيلي

لكن في إسرائيل رأي آخر أكثر تحفظاً وتشكيكاً في الانفتاح الايراني على الغرب. إذ يرى المحللون الاسرائيليون أن روحاني “سيحافظ على ابتسامته حتى تنتهي طهران من صنع القنبلة”.

ورغم الخوف الإسرائيلي من إيران، إلا أن التغيير العربي يساعد السياسة الإسرائيلية بشكل كبير، إذ يلحق الجيش المصري الأذى بحركة حماس، من خلال قطع الأنفاق على الحدود مع قطاع غزة، وتستمر من جهة أخرى محادثات السلام الفلسطينية (رغم أن المسؤولين الفلسطينيين يرون أنها لن تفضي لأي حل).  كما أن اهتزاز أكبر جيشين في المنطقة، السوري والعراقي، يصب في المصلحة الإسرائيلية، وتبدو ثقة تامة على أوجه المسؤولين الإسرائيليين بقدرتهم على منع أي تهريب لسلاح كيميائي إلى حزب الله، في الوقت الذي يبدون فيه واثقين أيضاً من احتواء أي حركة سنية متشددة، يمكنها أن تنشأ في سوريا.

الواضح حتى الآن، ان الاستراتيجية الإيرانية الجديدة في التفاوض، انتجت شكوكاً لدى الطرف الاسرائيلي تجاه خلفيات الموقف الأميركي الذي قد يبني مسارات جانبية مع طهران. مسارات قد تأتي على حساب حلفائها الآخرين، وهو ما عكسته «معاريف» التي كشفت عن خشية اوروبية من ان تكون الولايات المتحدة وايران تؤسسان بينهما قناة ثنائية للمحادثات المباشرة، التي ستقود الى تفكيك مجموعة «5+1». وفي حال حصول ذلك، فإن كلاً من بريطانيا وفرنسا والمانيا، ستُدفَع الى الزاوية. انطلاقاً من المخاوف نفسها، سمع مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى من نظرائهم الأوروبيين تحذيرات من موقف الادارة الاميركية التي قد توافق على اقتراح إيراني جزئي للرقابة على المنشآت النووية، في مقابل تخفيف العقوبات، التي تشكل أحد الانجازات النوعية للدبلوماسية الاسرائيلية.

في سياق متصل، رجّح المبعوث الأميركي السابق للشرق الاوسط دنيس روس، في مقالة نشرتها «واشنطن بوست» ونقلتها «معاريف»، ان يدفع الغاء الضربة العسكرية ضد سوريا، اسرائيل، الى القيام بعمل عسكري ضد ايران، معتبراً ان ذلك يعود لسببين: الأول، انه في اللحظة التي سيتضح فيها ان الولايات المتحدة غير قادرة على استخدام القوة ضد سوريا، سيضعف موقف الرئيس الايراني، الذي ما انفك منذ صعوده الى سدة الحكم يُرسل اشارات عن رغبته بالتوصل إلى صفقة تتعلق بالملف النووي لبلاده. ونتيجة ذلك، يصبح بإمكان صقور الحرس الثوري والدائرة المحيطة بالزعيم الروحي الايراني علي خامنئي، الادعاء أن مواصلة ايران السعي إلى امتلاك السلاح النووي لن تجعلها تدفع ثمناً عسكرياً لامتلاكها، وان ذلك سيقتصر على عقوبات اقتصادية، وهو ما سيعزز موقعها في المنطقة ويزيد قوتها على الردع، فيما سيرى العالم ان العقوبات فشلت وانه ان الاوان لقبول الامر الواقع. في الوقت نفسه، ستصطدم ادعاءات روحاني حول المجازفة وتعريض استقرار النظام للخطر بواقع اسقاط الخيار العسكري، ما يعني التسليم بقبول ايران نووية. وفي ضوء ذلك اسرائيل لن تقبل هذا الواقع. السبب الثاني، بحسب روس، يتمثل بأن عدم التصديق على ضربة عسكرية أميركية ضد سوريا، سيجعل اسرائيل تشعر بأن لا مبرر للانتظار، ولا يوجد ما يدعو لإعطاء فرصة للدبلوماسية، والتصديق بأن تقوم الولايات المتحدة بمعالجة القضية.

ايران – السعودية

وإلى جانب الهواجس الاسرائيلية من روحاني، لا بد من تسليط الضوء على العلاقات المسمومة بين طهران والرياض، والتي تسمم بدورها أي تسوية في المنطقة.

ففي سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين تدعم كل من السعودية وايران قوى بالوكالة في صراعات إما مستترة أو علنية يروح ضحيتها الالاف شهريا.

لكن روحاني يقول إنه يريد أن يقيم علاقة ودية مع السعودية. ومما يبعث على الامل في حدوث ذلك خبرة الرئيس الإيراني الجديد في التفاوض مع الرياض.  لكن لا يرى كثيرون أن بمقدور روحاني أن ينزع السم من الخصومة القائمة بين الدولتين.

وعندما كان روحاني رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران في العام 1998 قضى ليلة بأكملها في التفاوض مع الأمير نايف وزير الداخلية السعودي الراحل بشأن اتفاقية أمنية مع المملكة بعد توتر دام سنوات.

وبتوقيع هذه الاتفاقية تغاضى الملك عبد الله عن شكوك سعودية وأميركية في مسؤولية إيران عن تفجير ثكنات أميركية بمدينة الخبر السعودية عام 1996. كما نحت إيران جانبا ذكريات ما حدث في موسم الحج عام 1987 عندما قتل المئات من حجاجها في اشتباكات مع قوات الأمن السعودية.

يقول روبرت غوردان سفير الولايات المتحدة في الرياض من عام 2001 إلى 2003 “الملك عبد الله يعرف روحاني منذ فترة. أعتقد أن علاقتهما طيبة وأفضل بكثير من علاقته بأحمدي نجاد. يمتلك الاثنان قدرة على التواصل بقدر من الاحترام.”

لكن رغم أن التاريخ قد يبشر بانفتاح في الجانبين إزاء فكرة التعاون يرى محللون ومسؤولون ودبلوماسيون أن فرصة التقارب محدودة.  فالظروف ساءت بكثير عما كانت عليه عند توقيع الاتفاق الأمني قبل 15 عاما مع كثرة الحروب الأهلية والانتفاضات بالمنطقة.

ولا تعقد السعودية آمالا. وشبه عبد الله العسكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي الفارق بين روحاني وأحمدي نجاد بالفارق بين “كوكاكولا وبيبسي.”  وقال لرويترز “لا أعتقد أنه سيفعل مثلما فعل أحمدي نجاد ويتحدث بغلظة… لكن عندما يصل الأمر إلى الملفات الرئيسية أعتقد أنه سيعمل داخل إطار يرسمه خامنئي.”

ولأنه من غير المرجح أن يعدل روحاني عن السياسات التي تعارضها السعودية بشدة لا يبدو هناك مجال كبير لحدوث تقدم بخلاف وجود نبرة أقل عدائية.  إذ يقول علي أنصاري أستاذ التاريخ الايراني في جامعة سانت اندروز البريطانية “إن مستوى الضرر الذي حدث في فترة الثماني إلى العشر سنوات الماضية غير عادي مما يثير سؤالا عما إذا كان الايرانيون يعتقدون أن بإمكانهم تجميل الأمر وحسب أم أنهم مستعدون لاجراء تغييرات حقيقية.”

ومع هذا فإن اتخاذ إيران خطوات مثل استخدام لغة أكثر ميلا للمصالحة في البث الاعلامي المتعلق بالبحرين ودول خليجية أخرى ووقف دعم جماعات يمنية قد تلطف الموقف.  ولا يتوقع دبلوماسيون في الخليج تحركا يذكر في قضايا هامشية ولا يرون فرصة كبيرة في استجابة الرياض لمبادرات إيران دون حدوث تغيير كبير في السياسة.

عزلة إيران النووية

لا شك في أن فوز حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية أثار آمالا عريضة بوجود فرصة لإحراز تقدم فيما يتعلق بإيجاد حل للتوترات التي تكتنف البرنامج النووي في إيران.

ويتفق الخبراء على أنه ورغم كل المعوقات التي تحول دون الوصول إلى صفقة ما، فإنه يجب استغلال هذه اللحظة من قبل جميع الأطراف.  وبحسب ترتيا بارسي، مؤسس المجلس الوطني الإيراني الأميركي ورئيسه، فإن تلك “قد تكون هي آخر أفضل فرصة” فيما يخص هذه القضية.

وقال بارسي “كانت المباحثات قد وصلت بين الطرفين خلال الأعوام القليلة الماضية إلى طريق مسدودة، إلا أن الاحتمالات بانفراجة أصبحت قائمة الآن”.

ويشاركه في وجهة النظر هذه مارك فيتزباتريك، وهو أحد العاملين في برنامج حظر الانتشار ونزع السلاح بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن.

وقال فيتزباتريك “يعتبر هذا الوقت وقتا فريدا يظهر فيه الطرفان استعدادا للتعاون. وعادة في السابق، وعندما كان أحد الطرفين يظهر استعدادا للمفاوضات الجادة، كان الطرف الآخر لا يبدي ذلك الاستعداد. أما الآن، فإن كلا من واشنطن وطهران تبحثان عن سبيل للمضي قدما من خلال السبل الدبلوماسية”.

وأضاف فيتزباتريك “من ناحية واشنطن، فإنه سيكون عليها أن تقبل بتخصيب إيران لليورانيوم بدرجة معينة إلى جانب رفع جزء من العقوبات الاقتصادية عن هذه الأخيرة، وهو ما يتخطى بكثير المفاوضات التي كانت قد طرحت في السابق”.

مقارنة بين ثعلبين

منذ القديم كُتب الكثير عن ضرب الامثال وايراد الحِكَم والمقولات الشعبية على لسان الحيوان.

كًتب ابن المقفع في كتابه “كليله ودمنه” شتى انواع المناظرات والمحاكمات بين الحيوانات، وذلك في سبيل اطلاق حكمةٍ ما، أو عبرةٍ يأخذ بها الناس، وأحياناً هي للفت نظر وتنبيه أهل السلطة والسلطان. ولقد قيل الكثير عن مكالمة “سليمان” للحيوانات وخصوصاً الطير، وأُخذ هذا المنطق في التورية ومقاربة الحقائق من باب آمن في عهود الجور والظلم والاستبداد. ومن المفكرين من سلك هذا الدرب ولكن من باب تصّوفي عميق “كمنطق الطير” لفريد الدين العطار.

ولقد غلب على كل هذه الكتابات نوع من الفكاهة “المبّطنة”. في العصور الحديثة ظهرت كتابات الفرنسي “لافونتين” بعنوان: اساطير وحكايا “لافونتين”. هذا الكتاب أخذ شهرة عالمية وزيّن صفحاته بشكل رائع الرسام الفرنسي”غوستاف دوريه” وقد حفل بجميع انواع المحاورات بين الحيوانات.

لقد ذكر الجميع شخصية “الثعلب” الموصوفة بالاحتيال والمكر وسرقة الطيور وخصوصاً الدجاج وكل ذي منقاد وريش.

كان الثعلب يعرف كيف يتخلص من الكمائن التي يحوكها له الانسان، ويعرف كل أساليب الغش والخداع.

يبدو أن هناك منافسة قوية وضارية كانت ولا تزال قائمة بين  مدى مكر الانسان ومدى مكر الثعلب. ويبدو أيضاً أن هناك لغة باطنية بين ثعالب العالم بالرغم من اختلاف الجغرافيا والجنس وحتى “القوّمية”!!.

نحن نرى الثعلب في كتاب “كليله ودمنه” يتكلم اللغة العربية رغم أنها لغة معّربة، ونرى أنه في أساطير “لافونتين” يتكلم الفرنسية، أما في أيام “سليمان” فقد كان هناك كما يبدو لغه اسمها لغة الطير…

وعندما يْذكر الثعلب والدجاجة فإن الناس تقف مؤيدة الى جانب الدجاجة بوصفها الاضعف وأنها لا تملك سلاحاً دفاعياً. وأظن بأن الدجاجة هي أغبى أنواع الطيور، فهي تملك جناحين ولا تطير!!.. والظاهر أنها كانت في البدء تطيرولكنها رضيت أن تكون “أرضية” ففقدت مع الزمن القدرة على الطيران واورثته الى كل بني دجاج!!

في دراستنا المتوسطة كان المنهاج الدراسي يتضمن قراءة وشرح وتحليل كتاب “كليله ودمنه” باللغة العربية وأيضاً كتاب الشاعر الفرنسي “لافونتين” باللغة الفرنسية وكان علينا أن نحفظ غيباً عن ظهر قلب بضع قصائد وباللغة الفرنسية طبعاً.

وللحقيقة فقد كنا نسعد في شرح ما وَردَ “كليله ودمنه” ونغتبط عند استظهارنا لقصائد “لافونتين”، وكانت المتعة الكبيرة حين كان يُطلب منّا اجراء بعض المقاربات بين قصص هذين الكتابين.

في أحد الدروس كانت مقاربة بين ثعالب ودجاج ابن المقفع من جهة وثعالب ودجاج “لافونتين” من جهةٍ ثانية وبنتيجة النقاش والتحليل تبيّن أنه رغم أن ثعلب لافونتين يتكلم اللغة الفرنسية، وثعلب ابن المقفع يتكلم العربية، وينتميان الى قوميتين مختلفتين، ولا صلة نسب أو قرابة بينهما، إلا أنهما يشتركان بمهاجمة وأكل الدجاج الذي يتكلم بكل اللغات ومنها بطبيعة الحال اللغة العربية.

د.غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

رجل «التغيير»

رفع أوباما شعار «التغيير» (CHANGE) ففاز برئاستين على التوالي.

ومن يومها والرئيس الأميركي متمسك بـ«التغيير» ومعترف بجميله.

من يومها والرجل «يغير» آراءه.

من يومها والرجل «يغير» قراراته.

من يومها والرجل «يغير» وعوده.

لكن المسكين متورط بأمور أخرى كان يتمنى أن يدخلها في برنامجه «التغييري»… إلا أنه «غير» رأيه وأبقى عليها قسراً… وربما كرهاً.

كأن «يغيّر» زوجته ميشال مثلاً.

وكأن «يغير» لون جلدة وجهه مثلاً.

وكأن «يغير» إسم والده حسين مثلاً.

… وهكذا سيبقى رجل «التغيير» زعيماً لـ«التغيير»… الى أن «تغيره» الانتخابات الأميركية المقبلة.

«شوارعي»

جيان ترمي “كرتها”

فقدت رجليها لكنها لم تفقد الأمل.  إنها الطفلة الصينية جيان هونغيان التي بُترت ساقاها إثر تعرضها لحادث سيارة في العام 2000، عندما كانت في الرابعة من عمرها.  وقد تحوّلت قصة جيان إلى مثال للأمل في العالم، إذ أثارت صورها وهي تتحدى الحياة عبر العيش في كرة سلة، الكثير من التعاطف الانساني مع هذه الطفلة.

وفي صور التقطت العام 2005 وهي في العاشرة من عمرها، تظهر جيان وهي تمشي على يديها مستعينة بعكازتين خشبيتين صغيرتين صنعتهما في منزلها وبنصف كرة سلة للحفاظ على توازنها، وقد لقّبت حينها بـ”فتاة كرة السلة”.

وإثر انتشار صورها المؤثرة في وسائل الاعلام الصينية، قام مركز البحوث لإعادة التأهيل الصيني، بتبني معالجة جيان التي تركت عائلتها الريفية وسافرت إلى بكين لتركيب ساقين اصطناعيتين في العام 2007 تمكناها من الوقوف مجدداً على قدميها.

ورغم ابتعادها عن زملائها في الدراسة بسبب علاجها الطويل، إلا أن جيان تمكّنت من الالتحاق بنادي سباحة للمعوقين.  وتقول جيان: لم أستطع العوم في البداية، فقد كنت أختنق تحت الماء كلما حاولت النزول إلى المسبح”.  إلا أنها لم تيأس، وتمكنت بعد فترة طويلة من التدريب (أربع ساعات يومياً) لأن تصبح إحدى أشهر الرياضيات في الصين، وهي تحلم اليوم بالفوز بميدالية لبلادها في الألعاب الأولمبية للمعوقين.

جيان تلهو أمام منزلها الريفي

جيان تلهو أمام منزلها الريفي

تستعين بكرة السلة للحفاظ على توازنها

تستعين بكرة السلة للحفاظ على توازنها

تحلم بأن تكون سباحة أولمبية

تحلم بأن تكون سباحة أولمبية

تقف مجددا

تقف مجددا

لبنان في مواجهة “السياسات المفخخة”

من تفجري طرابلس

من تفجري طرابلس

الجميع يعترف أن واقع لبنان اليوم سيء… وأن المتوقع غداً أسوأ.

الخلافات السياسية تزداد حدة. والأوضاع الاقتصادية تزداد انهياراً. والاستقرار الأمني يزداد تراجعاً. وخطر الحرب مع إسرائيل يزداد اقتراباً. ومبادرات التوافق تزداد إفلاساً.

في هذه الأجوءا السلبية يتوالى وضع العصي في عجلة المؤسسات، ويكاد الفراغ يملأ الدولة، بدل أن تملأ الدولة الفراغ.

يتمادى رجال السياسة في ممارسة سياسة “عض الأصابع”، مع علمهم بأن الخطر “يعض” لبنان بأنياب حادة، عندما تنشب فسوف تمزق الأمن والاستقرار والاقتصاد ووحدة المجتمع.

وفي نظرة شاملة للمشهد اللبناني نجد أن الأزمات المعقدة تنحو الى مزيد من التعقيد. وإذا كان وجود حكومة كاملة الصلاحيات، هو الخطوة الأولى نحو الحل، فإن الوضع السياسي “المكرسح” لا يوحي بأن ثمة من يستطيع أن يخطوها.

كل ما يتم تسويقه من مبادرات، وهي كثيرة هذه الأيام، محكومة بالموت وهي جنين. وذلك إما لأنها مربوطة باقتراحات مرفوضة، وإما لأنها صادرة عن جهات مرتبطة بأصحاب الشروط التعجيزية.

مبادرة الرئيس بري مثلاً، تطرح  حلاً، يحقق لفريق 14 آذار أقل شروطه أهمية، ويحقق لحزب الله أكثر شروطه تشدداً.

أما مبادرة رئيس الجمهورية، فهي من نوع من يفسر الماء بالماء. حيث لا تقدم جديداً. وتكتفي باستعراض مخاطر الأزمة والالحاح على تشكيل الحكومة. أي أنها تندرج في قائمة التمنيات الطيبات.

ومن بين المبادرات، التي كان من الممكن أن تشكل حلاً حقيقياً، مبادرة الرئيس الحريري بتخلي فريقي آذار عن دخول الحكومة. لكنها مبادرة تم رفضها فوراً واعتبرها المعترضون مؤامرة على المقاومة.

تبقى مبادرات وليد جنبلاط الممسكة بشعرة معاوية، فهي ما تكاد ترتخي أمام شروط حزب الله، حتى تجد نفسها مضطرة للتشدد، ارضاء لشروط 14 آذار ونصائح المملكة العربية السعودية. وهي بهذه الطريقة تكسب المحافظة على وسطيتها… وتخسر نجاح وساطتها.

كل هذا يؤكد عدم جدوى المبادرات، حتى ولو حققت خرقاً جنبلاطياً برفع الحظر عن مشاركة حزب الله في الحكومة الموعودة، لأن شرطي الثلث المعطل وثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، مسلحان بعناد لا يمكن اختراقه. أي أن البلد سيبقى بلا حكومة وسيبقى متورطاً في مخاطر أحداث المنطقة، من دون ان يجد من يدير أزمة المخاطر ومعالجة آثارها الجهنمية على الصعد كافة.

أما الحديث عن تشكيل حكومة “الأمر الواقع”، فهو أمر لن يقع. لأن حساباته الأمنية تفوق حساباته السياسية. والأمن كما لا يحتمل السيارات المفخخة، فمن باب أولى أن لا يحتمل القرارات السياسية المفخخة.

وسط هذا التخبط المتمادي، تطل القوى الاقتصادية، في إجراء أقرب الى الهزل منه الى الجد، فتعلن الاضراب العام في محاولة للضغط على أفرقاء السياسة لتشكيل حكومة تجنباً للكارثة الاقتصادية. ومن الغرور أن تعتقد الهيئات الاقتصادية أنها تشكل “لوبي” تستجيب الزعامات السياسية لضغوطه. لأنها زعامات تخضع لضغوط اقليمية أكثر نفوذاً وقدرة على التأثير. والأهداف السياسية في هذه المرحلة الخطرة، أكبر من أن تستمع الى صرخات التجار والصناعيين وصغار الكسبة… أو كبارها.

إذاً، لن يجد لبنان منفذاً يخرجه من صراع الانتماءات الخارجية. وفي ضوء ذلك يتحول البحث عن حلول محلية عملية عبثية طالما أن الأزمة اقليمية وحلولها خارجية.

وإذا تراجعت هواجس السيارات المفخخة بعد أن زرعت الرعب في جميع الأراضي اللبنانية، فلا أحد يستطيع أن يتنبأ متى تعود وأين وإلى من تبعث برسائلها؟.

بذلك يمكن التأكيد أن سياسة “النأي بالنفس” قد سقطت نهائياً. وأن إعادة الدعوة لها لن يكون أكثر من إدعاء بالحيادية لقوى لم يعد فيها من محايد، بعد أن تقاسمت اللبنانيين، قيادات ومواطنين، أحقاد متوحشة ومصالح عمياء.

وسط هذه الأجواء المستعصية على الحل، يبقى الانتظار هو الحل… وهذا إذا لم نسهم في استعجال المصائب الكبرى، على اعتبار أن وقوعها اهون من انتظارها.

حرب سيناء: هل سقط “الوطن البديل” بسقوط الاخوان؟

كتب كريم الخطيب :

ما هي شبكة المصالح التي تربط الإخوان مع واشنطن؟  وما هي الاسباب الحقيقية لتأييد الولايات المتحدة تحرك الجيش المصري ضد حسني مبارك ومعارضتها الشرسة لعزل محمد مرسي؟  وهل كانت جماعة الإخوان في مصر “المتعهد” الرسمي لتنفيذ مخطط “الوطن البديل” للفلسطينيين في سيناء؟

بداية، فإن جذور العلاقة الاخوانية – الأميركية ترجع الى فترة تاريخية سابقة حين كانت الولايات المتحدة تمتلك إزدواجية في الرؤية ترى من خلالها ان الجماعة تمثل قوى مجتمعية مهمة وتدرك في الوقت ذاته ان الضباط الاحرار والقوات المسلحة هي القوة الفاعلة في السياسة المصرية.

وتشير تقارير أعلامية مصرية الى ان عبد المنعم عبد الرؤوف عضو التنظيم السري للاخوان وأحد الضباط الاحرار كان على اتصال دائم بالاميركيين وتم تنظيم لقاءات بينه وبين مسؤولين في واشنطن في منزل صحفي شهير بحضور مسؤول في المخابرات الاميركية. لكن كان التقدير الاميركي يقوم على ان حكم الجنرالات يمكن التعامل معه سواء في فترة الرئيس الراحل انور السادات او الرئيس المخلوع حسني مبارك.

في الثمانينيات، بدأت اللقاءات بين الاميركيين والاخوان في لندن وفي بانكوك وميونيخ حيث توجد فروع لتنظيم الاخوان بعيدا عن القاهرة. وفي عهد مبارك ظلت العلاقة ترتفع وتهبط حت

مشاريع إخوانية مشبوهة في سيناء

مشاريع إخوانية مشبوهة في سيناء

ى جاءت السفيرة الاميركية مارجريت سكوبيي التي كانت ترى ان الاخوان قوة مهمة في المجتمع المصري غير انهم لا يمكن الوثوق بهم.

 وبحسب وثائق ويكيليكس قبل ثورة يناير بثلاث سنوات، فإن الشكوك بين الاخوان والولايات المتحدة واسرائيل تزايدت بسبب خداع الاخوان للشارع وتغنيهم بالعداء تجاه اميركا واسرائيل.

وعندما جاءت السفيرة الاميركية آن باترسون، تغيّرت العلاقة بين الجانبين، في ضوء ثلاث ركائز أساسية: أولها  الدراسة التي أعدها مركز “اميركان انتربرايز” وهو مركز يميني قريب من الحزب الجمهوري وقال فيها ان جماعة الاخوان يمكنها ان تقود الاسلام السني في المنطقة. الدراسة الثانية أعدها “مركز راند” وهو مركز أسسه سلاح الدفاع الجوي الاميركي، وتحدث عن أن سطوة العسكريين في الشرق الاوسط تقل وانه لابد من الاعتماد على مجموعات لها رصيد شعبي. الامر الثالث هو تولي السفيرة آن باترسون مهامها، فهي صاحبة خبرة في باكستان وتعلمت كيف يمكن الرهان على الاسلام السياسي بدلا من الجيش.

إحدى وثائق ويكيليكس التي ظهرت بعد ثورة يناير تقول: ان جماعة الاخوان المسلمين طلبت من مبارك بعض المطالب الخاصة بها مستغلة خوف الحكومة من امتداد ثورة تونس اليها، حيث كانت المطالب تتمثل في حل مجلس الشعب وحل الحكومة واجراء انتخابات برلمانية مبكرة وتشكيل حكومة وفاق وطني وانهاء حالة الطوارئ وتعديل المادتين 76 و77 المتعلقتين بالانتخابات الرئاسية – أي انه لم يكن ضمن مطالب الاخوان وقتها اقالة مبارك فهم كانوا قابلين بالتعامل معه.

وكي ندرك المخطط الأميركي – الاخواني في سيناء، لا بد أولاً من العودة إلى اوراق الحكم القضائي الصادر من محكمة جنح مستأنف اسماعيلية في تموز (يوليو) 2013 أي في فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي، حول المجموعة الاخوانية التي خرجت من سجن وادي النطرون.

 ووفقا للحكم، فان المجموعة خرجت من السجن بواسطة “حماس” وقوى اسلامية اخرى في عملية عسكرية مخطط لها من قبل. وبحسب ما جاء في حيثيات الحكم، فان احد المساجين قرر انهم عندما كانوا في السجن سمعوا تبادل لاطلاق النار بين مجموعة مسلحة وقوات تأمين السجن، وان المسلحين اجبروهم على الخروج من السجن وانه شاهد اعرابا ملثمين من البدو يقومون بتكسير ابواب السجن وجزء من سيارات الأمن.

ويتابع الحكم : المسلحين الذين كان بعضهم غير مصري اقتحموا مخازن السلاح وخزنة السجن، وهم ممن تسللوا عبر الانفاق، واخرجوا مرسي، حيث سيكون لهم دور آخر فيما بعد في سيناء.

بداية الانفصال

في نهاية 2010 ، بدأ ظهور ما يسمي بالمحاكم الشرعية على غرار المحاكم الموجودة في الصومال، وتحديدا في منطقة الجورة والشيخ زويد، حيث تم إسقاط سلطة الدولة فكان المواطنون يجبرون على الاحتكام لهذه المحاكم العرفية ولا يلجأوا لمحاكم الدولة. إحدى هذه المحاكم كان يرأسها شخص يسمى الشيخ ابو ايوب ويراس الثانية ابو سليمان والثالثة ابو اسكندر وهؤلاء ينتمون للسلفية الجهادية وتمويلهم من الاخوان ومن حماس، وفق التقارير الاعلامية المصرية.

وقتها صرّح الشيخ ابو ايوب  وبشكل علني، “انه لدينا 3500 مقاتل لا يعترفون بالدولة ويسعون لاقامة امارة اسلامية في سيناء. وفي شهر تموز (يوليو) 2012  أعلنت “امارة المقاطعة” الاسلامية وتم تعيين امراء في مناطق الجورة والجميعي والطويل ونجع شبانة، ولم تتحرك الرئاسة الإخوانية بقيادة مرسي للتعامل مع هذه الحركة الانفصالية في سيناء.

كانت المليشيا التابعة لهذه المحاكم تنزل المدن تجول فيها بالسيارات رافعة اعلام القاعدة، وعناصرها الملثمون يتحركون بحرية مطلقة، في ظل غياب التعليمات للجيش او الشرطة بالتصدي لهم.

التغييب المتعمد لسلطة الدولة في هذه المناطق، سمح للمسلحين بإقامة معسكرات علنية للتدريب في المقاطعة والجورة.

ووفق التقارير، تتكون مليشيا سيناء من 3500 عنصر على النحو التالي: 2000 شخص ممن افرج عنهم مرسي بعفو رئاسي تحت مسمى الافراج عن المعتقلين السياسيين. و1000 من الجهادية السلفية.  و500 من تجار السلاح وتجار انفاق.

سمح لهؤلاء باستخدام الانفاق تحت حجة عدم خنق “الاخوة” في غزة، وكانت العناصر تدخل عبر الانفاق ولا تعلم السلطات المصرية بتحركها داخل مصر.

القرار الخطير كان اعطاء 50 الف فلسطيني جنسيات مصرية، علما بانه لم يكن يسمح بان يحصل الفلسطينيون على الجنسيات العربية حفاظا على قضيتهم من التآكل وهو موقف يتماشى مع القرار الدولي بحق العودة. اجمالي ما كان يسمح به سنويا في مصر لم يكن يتخطى 1000 الى 1500 مجنس، ولكن تم منح الجنسيات للفلسطينيين كي يحق لهم تملك العقارات والاراضي.

 كانت العلاقات بين هذه المجموعات وجماعة الاخوان تدار عن طريق الدكتور صفوت حجازي، فهو كان دائم التردد على سيناء لنقل وتوصيل المعلومات من والى الاخوان، وهو قال انه تاجر في السلاح المنقول الى سوريا لكنه لم يتحدث عن دوره في هذا البيزنيس في سيناء. عندما كان حجازي يتردد إلى سيناء كان يعقد لقاءات دورية في قرية بصاطة مع ثلاثة افراد من قيادات السلفية الجهادية وهم محمد عبد ربه، وفيصل حمدين، واسعد البيك، وكان يحضر اللقاءات معه عبد الرحمن الشوربجي عضو حزب الحرية والعدالة الاخواني.

وتشير التقارير إلى ان التفجيرات الـ14 لخط الغاز بين مصر واسرائيل والاردن كانت تتم بتعليمات من القاهرة. والقناة العاشرة الاسرائيلية اذاعت تسجيلا صوتيا رصدته المخابرات الاسرائيلية بعد خطف الجنود السبعة وخطف الصينيين، تم رصد مكالمة بين الخاطفين والدكتور صفوت حجازي يقولون له ان الجيش نزل سيناء ويجري عمليات تمشيط فقال لهم اطمئنوا فالتعليمات الصادرة لهم بالا يتعرضوا لكم.. وله تسجيل اخر عن ضرورة تنفيذ عملية ضد خط الغاز وتم تنفيذها بعد 24 ساعة.

وكان المهندس خيرت الشاطر حاول إقامة منطقة حرة بعمق 10 كيلومترات على جانبي الحدود بين مصر وغزة بدعوى التنمية. ولكي تستكمل الاجراءات جاءت شركة بريطانية اسمها “البراق” وعرضت تنفيذ مليون وحدة سكنية في سيناء، لكن عندما تتبعت اجهزة المخابرات الشركة وجدت انها مملوكة بالكامل لفلسطينيين، ولمن لا يعلم ان مليون وحدة سكنية رقم كبير جدا فاجمالي الطلب في سوق العقار المصري سنويا 500 الف وحدة. هنا تدخلت اجهزة الأمن ورفضت الموضوع وحصلت خلافات مع الرئاسة كانت ستحسم لصالح رغبة الرئاسة في وقت قريب او بعيد، وسيتم العصف بمن اعترض عليها. هذا هو الوطن البديل للفلسطينيين في غزة، حيث اعلى المناطق في العالم كثافة للسكان.

الدور الاميركي

هنا ياتي الحديث عن السيناتور الاميركي جون ماكين وهو من صقور الحزب الجمهوري، وهو كان دائم التردد إلى مصر.  أول زياراته كانت في شباط (فبراير) 2011  ثم توالت الزيارات، ثم جاءت زيارته في 2012 لمناقشة قضية الجمعيات الاهلية والتقى حينها خيرت الشاطر تحت لافتة الوساطة لدى المجلس العسكري للافراج عن المتهمين في القضية، وهنا كانت بداية العلاقة الطيبة بينه وبين الاخوان.

في 15 كانون الثاني (يناير) 2013 جاء ماكين وقابل مرسي وهشام قنديل وعصام الحداد الذي كان قد ساعده ليكون أول مسؤول مصري ليس على مستوى رئيس جمهورية يدخل البيت الابيض.

 بدأ ماكين يتحدث عن سيناء وحماس واثنى كثيرا على موقف مرسي من الوساطة بين حماس واسرائيل.

إن المشكلة الحقيقية في ما حدث في 30 يونيو والتي ازعجت واشنطن هي انها قضت على التصور الاميركي في التعامل مع جماعة الاخوان والذي يقوم على  انك بدلا من التعامل مع فروع التنظيم يمكنك التوصل لاتفاقات مع الرأس مباشرة ممثلة في المرشد العام.

وهنا لا بد من الاضاءة على طبيعة العلاقة بين مصر وسيناء. فهناك نظرية من ايام الكولونيل سيف ايام الحملة الفرنسية على مصر تقول ان من يسيطر على المضايق في سيناء يسيطر على قناة السويس، ومن يسيطر على القناة يسيطر على الشرق الاوسط كله، ومن يتحكم في مضايق سيناء يتحكم في جبال طوروس ومن يتحكم فيها فقد تحكم في الشرق الاوسط.

فاذا لو تحولت سيناء إلى وطن بديل وخرجت من سيطرة مصر والجيش المصري؟ وماذا لو كان المشروع ليس مجرد احداث عمليات عنف وارهاب في سيناء، بقدر ما هو مرتبط بالنتائج الغامضة للمفاوضات الفلسطينية مع اسرائيل التي تم استئنافها على عجل من دون أي برنامج واضح للتسوية؟

الهجرة من غزة

في صيف 2009، لم تتورع حركة «حماس» عن دكّ مسجد ابن تيمية فوق رؤوس عبد اللطيف موسى وأنصاره؛ المسلحون من جماعة حركة «جلجلت»، التي أعلنت قيام إمارة إسلامية في رفح الفلسطينية، ذات الهوى الجهادي والتكفيري والخالية من النفوذ الأيديولوجي لـ«حماس». حدثت الهجرة العكسية من غزة إلى المنطقة الحدوية من شمال سيناء في رفح والشيخ زويد، حيث عاد الهاربون من ملاحقات (2004 – 2006) وبصحبتهم التكفيريون الهاربون من «حماس»، ومعهم الخبرة القتالية العالية.

ومعروف أن السلاح في سيناء في يد الجميع، لكن الفرق في الكمية والنوع والاستخدام. فالطفرة النوعية التي شهدتها سوق السلاح في سيناء عقب الثورتين المصرية والليبية ضاعفت كميات السلاح في شبه الجزيرة وقفزت بأنواعه إلى السلاح الثقيل المضاد للطائرات والمركبات والمجنزرات والصواريخ البعيدة المدى، فضلاً عن قذائف «آر بي جي» المضادة للدبابات.

لكن الحديث عن ارتباط الأزمة السياسية في مصر عموماً بالعمليات المسلحة في سيناء يقودنا إلى بحث علاقة «الإخوان المسلمين» بما يمكن أن يوصف بـ«السلاح الأيديولوجي». الواقع أن ارتباط السلاح بالأيديولوجيا في سيناء أوسع من دائرة الصراع السياسي بين «الإخوان» والعسكر داخل مصر، ويمتد ليشمل ما هو خارج الحدود المصرية.

وهنام أربعة تنظيمات سلفية جهادية هي: جماعة «أنصار بيت المقدس»، وتنظيم «مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس»، وتنظيم رخو أضعف من سابقيه يصدر بياناته الإعلامية باسم «السلفية الجهادية»، وأخيراً بقايا تنظيم «التوحيد والجهاد» الذي أسسه الزعيم الجهادي الراحل خالد مساعد، والذي يتقاطع فكرياً مع التكفير الصريح. يعد «أنصار بيت المقدس» و«شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس» أقوى تنظيمين جهاديين في سيناء وأكثرها فاعلية. وهما التنظيمان اللذان يعلنان عملياتهما ضد إسرائيل، سواء باستهداف إيلات («أم الرشراش» المصرية المحتلة) أو بتفجير خط الغاز المصري المصدّر إلى دولة الاحتلال.

أما المقاتلون المرتبطون بـ «القاعدة» فترمي استراتيجيتهم الى انشاء «إمارة» مستقلة وإحياء الخلافة.  وكان هذا مسعى الجهاديين في العراق وليبيا ومالي وفي سوريا. واليوم، يضع هؤلاء الرحال في شمال سيناء حيث تدور فصول نزاع قديم بين البدو والحكومة يهدد المنطقة بتحويلها ساحة الجهاديين الأبرز.

ولطالما كانت سيناء اكثر المناطق المصرية المهملة. فالسكان، خصوصاً القبائل البدوية ينظرون الى الحكومة على انها قوى احتلال اجنبية تشغلها مصالح القاهرة أكثر من أحوالهم وتتفشى الجريمة المنظمة، وعمليات تهريب السلاح والسلع إلى غزة مزدهرة. وتظهر السوابق التاريخية أن الجمع بين هذه العناصر- أي عدم الثقة بالحكومة وذيوع الشبكات الإجرامية والقمع الحكومي- هو تربة غنية للتمرد، وهذه حال سيناء اليوم.