لبنان في مواجهة “السياسات المفخخة”

من تفجري طرابلس

من تفجري طرابلس

الجميع يعترف أن واقع لبنان اليوم سيء… وأن المتوقع غداً أسوأ.

الخلافات السياسية تزداد حدة. والأوضاع الاقتصادية تزداد انهياراً. والاستقرار الأمني يزداد تراجعاً. وخطر الحرب مع إسرائيل يزداد اقتراباً. ومبادرات التوافق تزداد إفلاساً.

في هذه الأجوءا السلبية يتوالى وضع العصي في عجلة المؤسسات، ويكاد الفراغ يملأ الدولة، بدل أن تملأ الدولة الفراغ.

يتمادى رجال السياسة في ممارسة سياسة “عض الأصابع”، مع علمهم بأن الخطر “يعض” لبنان بأنياب حادة، عندما تنشب فسوف تمزق الأمن والاستقرار والاقتصاد ووحدة المجتمع.

وفي نظرة شاملة للمشهد اللبناني نجد أن الأزمات المعقدة تنحو الى مزيد من التعقيد. وإذا كان وجود حكومة كاملة الصلاحيات، هو الخطوة الأولى نحو الحل، فإن الوضع السياسي “المكرسح” لا يوحي بأن ثمة من يستطيع أن يخطوها.

كل ما يتم تسويقه من مبادرات، وهي كثيرة هذه الأيام، محكومة بالموت وهي جنين. وذلك إما لأنها مربوطة باقتراحات مرفوضة، وإما لأنها صادرة عن جهات مرتبطة بأصحاب الشروط التعجيزية.

مبادرة الرئيس بري مثلاً، تطرح  حلاً، يحقق لفريق 14 آذار أقل شروطه أهمية، ويحقق لحزب الله أكثر شروطه تشدداً.

أما مبادرة رئيس الجمهورية، فهي من نوع من يفسر الماء بالماء. حيث لا تقدم جديداً. وتكتفي باستعراض مخاطر الأزمة والالحاح على تشكيل الحكومة. أي أنها تندرج في قائمة التمنيات الطيبات.

ومن بين المبادرات، التي كان من الممكن أن تشكل حلاً حقيقياً، مبادرة الرئيس الحريري بتخلي فريقي آذار عن دخول الحكومة. لكنها مبادرة تم رفضها فوراً واعتبرها المعترضون مؤامرة على المقاومة.

تبقى مبادرات وليد جنبلاط الممسكة بشعرة معاوية، فهي ما تكاد ترتخي أمام شروط حزب الله، حتى تجد نفسها مضطرة للتشدد، ارضاء لشروط 14 آذار ونصائح المملكة العربية السعودية. وهي بهذه الطريقة تكسب المحافظة على وسطيتها… وتخسر نجاح وساطتها.

كل هذا يؤكد عدم جدوى المبادرات، حتى ولو حققت خرقاً جنبلاطياً برفع الحظر عن مشاركة حزب الله في الحكومة الموعودة، لأن شرطي الثلث المعطل وثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، مسلحان بعناد لا يمكن اختراقه. أي أن البلد سيبقى بلا حكومة وسيبقى متورطاً في مخاطر أحداث المنطقة، من دون ان يجد من يدير أزمة المخاطر ومعالجة آثارها الجهنمية على الصعد كافة.

أما الحديث عن تشكيل حكومة “الأمر الواقع”، فهو أمر لن يقع. لأن حساباته الأمنية تفوق حساباته السياسية. والأمن كما لا يحتمل السيارات المفخخة، فمن باب أولى أن لا يحتمل القرارات السياسية المفخخة.

وسط هذا التخبط المتمادي، تطل القوى الاقتصادية، في إجراء أقرب الى الهزل منه الى الجد، فتعلن الاضراب العام في محاولة للضغط على أفرقاء السياسة لتشكيل حكومة تجنباً للكارثة الاقتصادية. ومن الغرور أن تعتقد الهيئات الاقتصادية أنها تشكل “لوبي” تستجيب الزعامات السياسية لضغوطه. لأنها زعامات تخضع لضغوط اقليمية أكثر نفوذاً وقدرة على التأثير. والأهداف السياسية في هذه المرحلة الخطرة، أكبر من أن تستمع الى صرخات التجار والصناعيين وصغار الكسبة… أو كبارها.

إذاً، لن يجد لبنان منفذاً يخرجه من صراع الانتماءات الخارجية. وفي ضوء ذلك يتحول البحث عن حلول محلية عملية عبثية طالما أن الأزمة اقليمية وحلولها خارجية.

وإذا تراجعت هواجس السيارات المفخخة بعد أن زرعت الرعب في جميع الأراضي اللبنانية، فلا أحد يستطيع أن يتنبأ متى تعود وأين وإلى من تبعث برسائلها؟.

بذلك يمكن التأكيد أن سياسة “النأي بالنفس” قد سقطت نهائياً. وأن إعادة الدعوة لها لن يكون أكثر من إدعاء بالحيادية لقوى لم يعد فيها من محايد، بعد أن تقاسمت اللبنانيين، قيادات ومواطنين، أحقاد متوحشة ومصالح عمياء.

وسط هذه الأجواء المستعصية على الحل، يبقى الانتظار هو الحل… وهذا إذا لم نسهم في استعجال المصائب الكبرى، على اعتبار أن وقوعها اهون من انتظارها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s