تسوية “ألف ألف”: هل ينجح روحاني في “تخصيب” العلاقات الايرانية – الأميركية؟

كتب كريم الخطيب:

هل بدأت مرحلة “ألف ألف”؟  فعملية كسر الجليد الإيراني – الأميركي تنبئ بـ”ربيع” فارسي في المنطقة قد يمهد إلى ما يسمى بـ”الصفقة الكبرى” التي تعيد رسم خريطة “سايكس بيكو” بنفوذ روسي جديد يمتد من إيران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان.  والفضل بذلك إلى “الدبلوماسية الناعمة” التي انتهجها الرئيس الايراني حسن روحاني … لـ”إعادة الروح” إلى العلاقات مع الغرب.

روحاني في الأمم المتحدة

روحاني في الأمم المتحدة

تبدو طهران مستعجلة لكسر الجليد مع الخصوم والأعداء.  فالرئيس حسن روحاني المحصّن بدعم داخلي مطلق من المرشد الأعلى للثورة الايرانية، لم يجد أي عائق في ممارسة “سحره” الدبلوماسي على الغرب.  فكلماته وأفعاله في الجمعية العامة للأمم المتحدة دفعت بالرئيس الأميركي باراك أوباما بإجراء الاتصال الهاتفي الأول مع نظيره الايراني منذ أكثر من 30 عاماً.  وجعلت أشهر المحللين الغربين أن يدقّوا في مقالاتهم الأجراس لقرب التسوية المريحة التي يخرج منها الجميع بمكاسب لم يكونوا ليحصلوا عليـــها وهم علـــى طرفـــي النقـــيض.

بالنسبة إلى أميركا، تبدو إيران أكثر انفتاحاً على الحلول، لكن ذلك لا يعني تراجعاً على صعيد المبادئ. إيران تعلم بأن هناك تبادلاً لانعدام الثقة بينها وبين الولايات المتحدة، وهي تقول إن السبب الرئيسي لهذا الأمر هو قرار الولايات المتحدة منذ قيام الثورة، بأن الجمهورية الإسلامية عدوها، وعلى الصعيد السياسي والأمني إصرار واشنطن على دعم إسرائيل ورفض إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، إلى جانب ذلك إصرار واشنطن على رفض المشروع النووي الإيراني.

أما الملف السوري، فهو وإن قسم الكرة الأرضية بين مؤيد ومعارض وداعم ومتحفظ، فيبدو أنه للمرة الأولى قرب بين الإيرانيين والأميركيين، عبر حملة العلاقات العامة النشطة التي قام بها روحاني وفريقه في أروقة الأمم المتحدة مع زعماء ووزراء غربيين، الأمر الذي اعتبره المراقبون بأنه يدل إلى حل يدور في فلك السياسة.

جسور روحاني

وإذا كان الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد قد أثار موجة من الاستياء لإبداء رأيه حول المحرقة، فإن الرئيس الايراني الجديد اغتنم فرصة وجوده في نيويورك ليقول ان “كل جريمة ضد الانسانية، بما فيها الجرائم التي ارتكبها النازيون ضد اليهود، تستحق الشجب والادانة”.

وهنا يقول المحلل في مؤسسة “راند كوربوريشن” للبحوث علي رضا نادر أن روحاني “يعرف ما يقلق الولايات المتحدة، ويعرف ايضا كيف يجتذب الاخرين وكيف يستخدم الدبلوماسية”. واضاف انه “يتفهم هواجس الغربيين ووسائل الاعلام اكثر بكثير من معظم المسؤولين الايرانيين”، مذكرا بأن روحاني انهى قسما من دروسه في اسكوتلندا. لكنه لفت الى ان “لكلا البلدين مصالح مختلفة والجاذبية وحدها لا يمكن ان تؤدي الى اتفاق دبلوماسي”.

من جهته يعتبر المدير التنفيذي لـ”مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات” مارك دوبوفيتز ان “من وجهة نظر روحاني، سجل أسبوعه في الامم المتحدة نجاحا باهرا، وبلغت انعطافة روحاني ذروتها”. لكنه لاحظ “انقضى الاسبوع ويمكن ان تكون هذه الانعطافة قصيرة المدى”.

ويلاحظ رئيس مجلس الشورى الايراني المحافظ علي لاريجاني ان “لهجة المسؤولين الاميركيين تغيرت في هذه الايام الاخيرة لكن يتعين ان يظهروا في الواقع انهم غيروا فعليا سياستهم حيال ايران”. واضاف “يجب ان لا يتصورا اننا تحت الضغط وتعبنا من المقاومة، على العكس، والحل الوحيد بالنسبة للولايات المتحدة هو التخلي عن استخدام لغة التهديد”.

كما يحذر محمد علي بصيري استاذ العلاقات الدولية في مقال في صحيفة اعتماد من “المتطرفين” المعارضين للاتصالات بين قادة البلدين. واوضح انه “اضافة الى المتطرفين (داخل البلاد) المناهضين لتحسن العلاقات بين ايران والولايات المتحدة هناك ايضا معارضون في المنطقة. فالكثير من الدول وخصوصا النظام الصهيوني، ترى ان مصالحها ستكون في خطر في حال تم تطبيع العلاقات بين ايران والولايات المتحدة، وتسعى الى منع ذلك”.

لكن المحلل السياسي سعيد ليلاز يرى انه “ما من داع للقلق من المتطرفين (في الداخل) اذا استمر انسجام الحكومة مع المرشد الاعلى بشأن السياسة الداخلية والخارجية” وان “عتاة المتشددين يمكن السيطرة عليهم”.

ويؤكد الناطق باسم لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى حسن نجفي من جهته ان “روحاني يملك تفويضا (من المرشد الاعلى) للحوار مع اوباما”.

الهاجس الاسرائيلي

لكن في إسرائيل رأي آخر أكثر تحفظاً وتشكيكاً في الانفتاح الايراني على الغرب. إذ يرى المحللون الاسرائيليون أن روحاني “سيحافظ على ابتسامته حتى تنتهي طهران من صنع القنبلة”.

ورغم الخوف الإسرائيلي من إيران، إلا أن التغيير العربي يساعد السياسة الإسرائيلية بشكل كبير، إذ يلحق الجيش المصري الأذى بحركة حماس، من خلال قطع الأنفاق على الحدود مع قطاع غزة، وتستمر من جهة أخرى محادثات السلام الفلسطينية (رغم أن المسؤولين الفلسطينيين يرون أنها لن تفضي لأي حل).  كما أن اهتزاز أكبر جيشين في المنطقة، السوري والعراقي، يصب في المصلحة الإسرائيلية، وتبدو ثقة تامة على أوجه المسؤولين الإسرائيليين بقدرتهم على منع أي تهريب لسلاح كيميائي إلى حزب الله، في الوقت الذي يبدون فيه واثقين أيضاً من احتواء أي حركة سنية متشددة، يمكنها أن تنشأ في سوريا.

الواضح حتى الآن، ان الاستراتيجية الإيرانية الجديدة في التفاوض، انتجت شكوكاً لدى الطرف الاسرائيلي تجاه خلفيات الموقف الأميركي الذي قد يبني مسارات جانبية مع طهران. مسارات قد تأتي على حساب حلفائها الآخرين، وهو ما عكسته «معاريف» التي كشفت عن خشية اوروبية من ان تكون الولايات المتحدة وايران تؤسسان بينهما قناة ثنائية للمحادثات المباشرة، التي ستقود الى تفكيك مجموعة «5+1». وفي حال حصول ذلك، فإن كلاً من بريطانيا وفرنسا والمانيا، ستُدفَع الى الزاوية. انطلاقاً من المخاوف نفسها، سمع مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى من نظرائهم الأوروبيين تحذيرات من موقف الادارة الاميركية التي قد توافق على اقتراح إيراني جزئي للرقابة على المنشآت النووية، في مقابل تخفيف العقوبات، التي تشكل أحد الانجازات النوعية للدبلوماسية الاسرائيلية.

في سياق متصل، رجّح المبعوث الأميركي السابق للشرق الاوسط دنيس روس، في مقالة نشرتها «واشنطن بوست» ونقلتها «معاريف»، ان يدفع الغاء الضربة العسكرية ضد سوريا، اسرائيل، الى القيام بعمل عسكري ضد ايران، معتبراً ان ذلك يعود لسببين: الأول، انه في اللحظة التي سيتضح فيها ان الولايات المتحدة غير قادرة على استخدام القوة ضد سوريا، سيضعف موقف الرئيس الايراني، الذي ما انفك منذ صعوده الى سدة الحكم يُرسل اشارات عن رغبته بالتوصل إلى صفقة تتعلق بالملف النووي لبلاده. ونتيجة ذلك، يصبح بإمكان صقور الحرس الثوري والدائرة المحيطة بالزعيم الروحي الايراني علي خامنئي، الادعاء أن مواصلة ايران السعي إلى امتلاك السلاح النووي لن تجعلها تدفع ثمناً عسكرياً لامتلاكها، وان ذلك سيقتصر على عقوبات اقتصادية، وهو ما سيعزز موقعها في المنطقة ويزيد قوتها على الردع، فيما سيرى العالم ان العقوبات فشلت وانه ان الاوان لقبول الامر الواقع. في الوقت نفسه، ستصطدم ادعاءات روحاني حول المجازفة وتعريض استقرار النظام للخطر بواقع اسقاط الخيار العسكري، ما يعني التسليم بقبول ايران نووية. وفي ضوء ذلك اسرائيل لن تقبل هذا الواقع. السبب الثاني، بحسب روس، يتمثل بأن عدم التصديق على ضربة عسكرية أميركية ضد سوريا، سيجعل اسرائيل تشعر بأن لا مبرر للانتظار، ولا يوجد ما يدعو لإعطاء فرصة للدبلوماسية، والتصديق بأن تقوم الولايات المتحدة بمعالجة القضية.

ايران – السعودية

وإلى جانب الهواجس الاسرائيلية من روحاني، لا بد من تسليط الضوء على العلاقات المسمومة بين طهران والرياض، والتي تسمم بدورها أي تسوية في المنطقة.

ففي سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين تدعم كل من السعودية وايران قوى بالوكالة في صراعات إما مستترة أو علنية يروح ضحيتها الالاف شهريا.

لكن روحاني يقول إنه يريد أن يقيم علاقة ودية مع السعودية. ومما يبعث على الامل في حدوث ذلك خبرة الرئيس الإيراني الجديد في التفاوض مع الرياض.  لكن لا يرى كثيرون أن بمقدور روحاني أن ينزع السم من الخصومة القائمة بين الدولتين.

وعندما كان روحاني رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران في العام 1998 قضى ليلة بأكملها في التفاوض مع الأمير نايف وزير الداخلية السعودي الراحل بشأن اتفاقية أمنية مع المملكة بعد توتر دام سنوات.

وبتوقيع هذه الاتفاقية تغاضى الملك عبد الله عن شكوك سعودية وأميركية في مسؤولية إيران عن تفجير ثكنات أميركية بمدينة الخبر السعودية عام 1996. كما نحت إيران جانبا ذكريات ما حدث في موسم الحج عام 1987 عندما قتل المئات من حجاجها في اشتباكات مع قوات الأمن السعودية.

يقول روبرت غوردان سفير الولايات المتحدة في الرياض من عام 2001 إلى 2003 “الملك عبد الله يعرف روحاني منذ فترة. أعتقد أن علاقتهما طيبة وأفضل بكثير من علاقته بأحمدي نجاد. يمتلك الاثنان قدرة على التواصل بقدر من الاحترام.”

لكن رغم أن التاريخ قد يبشر بانفتاح في الجانبين إزاء فكرة التعاون يرى محللون ومسؤولون ودبلوماسيون أن فرصة التقارب محدودة.  فالظروف ساءت بكثير عما كانت عليه عند توقيع الاتفاق الأمني قبل 15 عاما مع كثرة الحروب الأهلية والانتفاضات بالمنطقة.

ولا تعقد السعودية آمالا. وشبه عبد الله العسكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي الفارق بين روحاني وأحمدي نجاد بالفارق بين “كوكاكولا وبيبسي.”  وقال لرويترز “لا أعتقد أنه سيفعل مثلما فعل أحمدي نجاد ويتحدث بغلظة… لكن عندما يصل الأمر إلى الملفات الرئيسية أعتقد أنه سيعمل داخل إطار يرسمه خامنئي.”

ولأنه من غير المرجح أن يعدل روحاني عن السياسات التي تعارضها السعودية بشدة لا يبدو هناك مجال كبير لحدوث تقدم بخلاف وجود نبرة أقل عدائية.  إذ يقول علي أنصاري أستاذ التاريخ الايراني في جامعة سانت اندروز البريطانية “إن مستوى الضرر الذي حدث في فترة الثماني إلى العشر سنوات الماضية غير عادي مما يثير سؤالا عما إذا كان الايرانيون يعتقدون أن بإمكانهم تجميل الأمر وحسب أم أنهم مستعدون لاجراء تغييرات حقيقية.”

ومع هذا فإن اتخاذ إيران خطوات مثل استخدام لغة أكثر ميلا للمصالحة في البث الاعلامي المتعلق بالبحرين ودول خليجية أخرى ووقف دعم جماعات يمنية قد تلطف الموقف.  ولا يتوقع دبلوماسيون في الخليج تحركا يذكر في قضايا هامشية ولا يرون فرصة كبيرة في استجابة الرياض لمبادرات إيران دون حدوث تغيير كبير في السياسة.

عزلة إيران النووية

لا شك في أن فوز حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية أثار آمالا عريضة بوجود فرصة لإحراز تقدم فيما يتعلق بإيجاد حل للتوترات التي تكتنف البرنامج النووي في إيران.

ويتفق الخبراء على أنه ورغم كل المعوقات التي تحول دون الوصول إلى صفقة ما، فإنه يجب استغلال هذه اللحظة من قبل جميع الأطراف.  وبحسب ترتيا بارسي، مؤسس المجلس الوطني الإيراني الأميركي ورئيسه، فإن تلك “قد تكون هي آخر أفضل فرصة” فيما يخص هذه القضية.

وقال بارسي “كانت المباحثات قد وصلت بين الطرفين خلال الأعوام القليلة الماضية إلى طريق مسدودة، إلا أن الاحتمالات بانفراجة أصبحت قائمة الآن”.

ويشاركه في وجهة النظر هذه مارك فيتزباتريك، وهو أحد العاملين في برنامج حظر الانتشار ونزع السلاح بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن.

وقال فيتزباتريك “يعتبر هذا الوقت وقتا فريدا يظهر فيه الطرفان استعدادا للتعاون. وعادة في السابق، وعندما كان أحد الطرفين يظهر استعدادا للمفاوضات الجادة، كان الطرف الآخر لا يبدي ذلك الاستعداد. أما الآن، فإن كلا من واشنطن وطهران تبحثان عن سبيل للمضي قدما من خلال السبل الدبلوماسية”.

وأضاف فيتزباتريك “من ناحية واشنطن، فإنه سيكون عليها أن تقبل بتخصيب إيران لليورانيوم بدرجة معينة إلى جانب رفع جزء من العقوبات الاقتصادية عن هذه الأخيرة، وهو ما يتخطى بكثير المفاوضات التي كانت قد طرحت في السابق”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s