قهوجيات: مليونير

كان فتى يافعاً فقير الحال يعمل في محل لبيع الأقمشة بالمفرق. كانت أحلامه كبيرة وخياله واسعاً ولا تسعه دنياه، يحلم بالثروة ويؤمن يقيناً بأنها “لا بد آتية ولو عن أي طريق”.

كان مواظباً على الذهاب صباح كل يوم الى محل الأقمشة وذلك لقاء بدل أسبوعي زهيد جداً.

أحد الأيام لفت نظره بائع للتفاح الأحمر على عربة، تقدم منه وسأله بخفر هل أستطيع شراء تفاحة واحدة؟ ابتسم البائع وقال: تكرم عينك، اختر التفاحة التي تريد. بالفعل اختار فتانا التفاحة ودفع ثمنها قرشاً واحداً فقط، وأخذها مسروراً  ثم أكمل سيره الى محل عمله.

في المحل جلب الفتى قطعة صغيرة من قماش المخمل ليست للبيع وبدأ يمسح بها التفاحة  بكل عناية حتى أصبحت وكأنها تشع بالضوء الأحمر وتلفت النظر عن بعد.

دخل أحد الزبائن المحل فلفتت نظره التفاحة اللامعة، ابتسم ممازحاً وسأل الفتى هل هذه التفاحة هي للبيع؟ فوجئ الفتى ولكنه أجاب: نعم هي للبيع… أما ثمنها فهو قرشان!

باع الفتى التفاحة وسجل ربحاً يعادل ثمنها أي  قرشاً واحداً!

في اليوم التالي مرّ ببائع التفاح الأحمر فركض إليه واشترى منه تفاحتين بقرشين. وقام بالعملية نفسها من مسح بقطعة القماش المخمل وصادفه الحظ وباعها بأربعة قروش فأصبح لديه ثلاثة قروش أرباحاً صافية… وهكذا ما بين شراء تفاحة أو تفاحتين والفتى يحصد القروش… الى أن أصبح بعد ذلك مليونيراً…!!

أحبت إحدى المحطات التلفزيونية  استضافته وسؤاله من مدى الجهاد والنضال في سبيل جمع هكذا ثروة وهل أن توفير أو ربح قرش أو قرشين كل يوم وعلى مدى سنتين ممكن أن يصنع ثروة بحجم ثروتك؟

ثم وصفته بالرجل العصامي الذي بدأ من الصفر. كان السؤال: سيد ابراهيم هل لك أن تحدثنا عن المصاعب التي واجهتكم في الحصول على الثروة، أرجو أن تشرح للسادة والسيدات المشاهدين كيف بدأت من الصفر من قرش واحد أجاب الفتى: لقد بدأت بشراء تفاحة حمراء بقرش ثم بعد تلميعها بعتها بقرشين، وكان هذا بشكل يومي لمدة سنة.

عادت المذيعة وسألت: وهل أن توفير أو ربح قرش واحد أو قرشين على مدى سنة يصنع ثروة بحجم ثروتك سيما وأنك تقول بعدم امتلاكك لموارد أو استثمارات ثانية؟

اعتدل السيد ابراهيم في جلسته وأجاب: هذا صحيح لقد صبرت لمدة سنة وبحماسة شديدة على توفير تلك القروش “التفاحية”، وأصبح تجميعها هو الهاجس الأهم في حياتي، فحافظت عليها، وكبر أملي وتفاؤلي بالثروة.

وفي أحد الأيام ذهبت الى البيت، حيث أعيش وحيداً فوجدت ورقة علّقت على الباب فيها اشعار بضرورة ذهابي الى دائرة البريد.

ذهبت الى المكان المطلوب فسلموني رسالة، فتحتها وإذا بي أتلقى خبراً أن أحد أعمامي الذي لا أعرف عنه شيئاً قد توفي في “غواتيمالا” عن ثروة هائلة ولا وريث له سواي!!!

غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

نجاة عبد الصمد: أعيش بين عين الكتابة ويد الطب

غادة علي كلش:

للطبيبة الروائية السورية نجاة عبد الصمد، درب في التقطير الجمالي والإنساني واللغوي والبلاغي، على مستوى التأليف الروائي. ودرب في الطبابة والجراحة ومعالجة الفقراء،على مستوى العطاء الإنساني. لها عملان روائيان هما: “بلاد المنافي” و”غورنيكات سوريّة”. ولها أيضا أعمال في الترجمة التي تسبر عوالم الآداب الأجنبية، ونبض الإنسان الآخر وأمكنته.

مع الدكتورة عبد الصمد نطلّع في هذا الحوار،على مدارات القلم والمبضع، الدائرة بين  الناس والأحلام  والكوابيس، في قلب الفواجع الكبيرة:

■ طبيبة، روائية، قاصة ومترجمة.أي منبع من هذه المنابع يعطي المحيط أكثر، أو يرضي الذات أكثر، بشكل خاص؟

– تجريب الدخول في عالم الرواية دنيا بديلة مكتفيةٌ بذاتها، وأرحب من دنيانا باتساع النهايات والمصائر. فالروائي طبيبٌ، ومحام، ومحاربٌ من العصور الوسطى، ورئيس عادلٌ  وديكتاتور، وشحاذٌ ومعاق و… والتوليد والجراحة النسائية مهنةُ عقلي ويدي. لو كان اختصاصي في الطب غير التوليد، لسهلت عليّ الإجابة. لكن التوليد ـ من بين علوم الطب ـ فنٌّ كالكتابة والرسم والموسيقى. مع كلّ وليدٍ تستخرجه يداي من حنان الرحم إلى ضباب عالمنا الأرضي أعايش دهشة الخلق. صرخته الأولى تعيد تشكيل روحي، وتأخذها إلى أسر الكتابة… هكذا تكرّ هذه المتوالية كل يوم. يتكثّف الفكرفي لحظةٍ ما، فيصوغ قصةً قصيرة. ويرتاح لأيامٍ فيروح إلى الترجمة التي تحتاج إلى طاقةٍ عالية، إلى حب العمل، إلى صبر أيوب ونزاهته، لإيصال روح المعنى من اللغة الأم إلى اللغة المستضيفة. وعيت على نفسي على مفارق هذا التيه الخالب، ولا أعرف حياةً غير ذلك. أنا أعجز عن إجابة قاطعة.

■ روايتك “بلاد المنافي” هل تماهت بشكل أو بآخر مع الفاجعة الكبرى التي دهمت  وتداهم سوريا اليوم، أم انها زامنتها إسقاطاً واستباقاً؟

 -من قبل أن أولد، ورجال مدينتي “السويداء”، الصغيرة الفقيرة والمهمشة في جنوب سوريا، لا يحلمون إلا بالهجرة للعمل خارج البلاد. حين تسأل أيّ حامل شهادة دكتوراه، أو خرّيج جامعة: ماذا ستفعل؟ يجيبك: إن لم أحصل على فيزا إلى الخليج أو غيره، سأعمل كذا… أستعيد فصول الرواية التي تشتّت أبطالها في القارات الخمس، وأدرك أن ما حدث في سوريا كان يجب أن يحدث. أفضل رجالنا تجنّسوا في المنافي ومنحوها كفاءاتهم، ومات هناك من مات، وعاد بعضهم معطوبين، ومن دون أدنى فوزٍ أو مفخرة؛. كتبتُ روايتي قبل أعوام من بدء الحراك في سوريا، وناديتُ بلادي، بلاد المنافي: “كاد يُبحّ الرجاء: أحبينا وكفي عن تهجيرنا”.حين أقرأ في أدبيات أوروبا واليابان وأميركا اللاتينية، وأرصد واقعهم وأحلامهم، أدرك كم أحلامنا مخنوقةٌ في ظل غياب العيش الكريم وغياب الحريات. أما مروياتي التالية “غورنيكات سوريّة” التي صدرت هذا العام عن “دار مدارك” في الإمارات العربية، فقد أتت حادثاً كتابيّاً كان لابد من وقوعه كإحدى ارتدادات الفاجعة.

■ هل يمكن اعتبار بلاد المنافي موطناً قسرياً للإنسان العربي، أم موئلا لمستقبل مسروق الآمال؟

– حين يختارالإنسان العربي المنفى، لا يفكّر ولا يحلّل. يسري فقط مع التيار. يسافر في الوهم المعشش داخله، في آماله الشاسعة أن يصير المنفى وطنا. المنافي قسريةٌ: نعم! لكنها، على أي حالٍ، لن تصير أوطاناً! لن يرقى الغريب إلى أكثر من مواطن من الدرجة الثانية. لن يكون هواء المنفى عليلاً لرئتيه، ولن يضحك على نكتةٍ تُضحِكُ الناس هناك. لن يعرف أيضاً على أيّ موروثٍ سيربّي أبناءه. وإلى أن يكتشف فداحة الحال يكون العمر ضاع. بماذا تفسّر مثلاً أنك تعيش خمسين سنة في مهجر جميلٍ فيه كل أسباب الحياة، وقد تجني ثروةً معتبرة، لكنك مع المرض أو اقتراب الموت ترمي كل شيء، وتحمل عكازاً يوصلك إلى بيت الأهل، لتجد معظمهم مات، وتجد نفسك “كالمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى”!؟

■ لأسلوبك السردي منمنمات تفصيلية عميقة الكشف والوصف والرهف. إلى أي مدى تزرع البيئة في قلمك كل هذا النماء؟

– الفقر في عيوننا حيث البيئةُ غزيرةٌ في كل مكان. قلةٌ من يصفعها مما وراء ظاهرها. لقلب الكاتب عيونٌ تلتقط ظاهر المشهد على طريقتها، وتتبعها أنامله لترعاها. لن يلحظ كل المارة في السوق مثلاً لطخة العمش التي لا تفارق عين البائع الجوال على مرّ الأيام. عيني التي ستراها اليوم مثلاً مجرد التهاب عين. وغداً، ستحسبه استيقظ وليس في بيته ماء، فأتى إلى السوق من غير اغتسال، أو تراها قبحاً يشبه هذه الشماتة في عينيه بجاره ذي البسطة الفقيرة. وقد تراها أثراً لحسرةٍ لأنه ليس لديه دكانٌ ثابتٌ فيه مدفأةٌ في الشتاء، ومروحةٌ في الصيف. وهي التي تأسف لأن البناء الجديد الشاهق سوف يحجب الشمس عن زريعةٍ بلديةٍ تتعربش على حجر بيتٍ عتيق وحيد الطابق خلف هذا البناء. وهي التي ترى العامل الذي لم يجد من يكتريه اليوم،يبصق على الأرض حقداً على قدره، لا سوءَ تربية. وهي التي تجعلني في عيادتي متطفلةً ثقيلةً تتبع دلالات الكلمات البسيطة التي تسرد بها السيدة المريضة حكاية وجعٍ عاديّ في نقطة ما في خاصرتها اليمنى مثلاً…

■ ما هو الدور الثنائي للكاتب الطبيب في مواجهة مآسي الحروب وويلات الناس من حوله؟ أم هو دور أحادي ملتبس؟

– ليت ساعات اليوم ثمانية وأربعين!كنت سأصرف نصفها في الطب، ونصفها في الكتابة. يعتقد الناس أن الطبيب (في أزمنة السلم) محايدٌ تجاه الألم الذي يعايشه مع مرضاه على مدار الساعة. هذه الفكرة صحيحةٌ نسبياً. فالطبيب يتفهم الألم بعقله لا بقلبه، ويتجاوزه سريعاً إلى العلاج. الطبيب الحقّ حكيمٌ في كل الأزمنة، لكنه في الحرب نبيٌّ. في الحروب تختلف علاقة الطبيب بالألم. الأمر الذي فاجأني أنا، وبقوة الصدمة. في الحرب يتألم الطبيب أكثر من الجميع، ويبكي في السرّ حين لا تسعفه الأدوات في إعادة يدٍ مقطوعة أو عين مفقوءة، أو حياةٍ تسيل من جرح غزير النزف إلى غير عودة. وحين يكون الطبيب كاتباً فألمه مضاعفٌ ألف مرة. وفوق ذلك، عليه أن يتوهم السعادة لأن ما يصدم عينيه أخصبُ مما يطوف في مخيلة كاتب عملاق.عليه أن يستمر في علاج الناس باليد والعقل والكلمة. وأن يكون البثّ الحيّ لآثام معارك الكبار على الأبرياء الضعفاء، وأن يصير الطابور الخامس الذي يدّعي التفاؤل فيما تزكمه رائحة الموت، وعليه أن يشكر الناجين على يديه لأنهم منحوه فرحة النجاح، وأن ينتشل حكاياتهم من الغبن ويسلمها لعدالة الزمن ولو بعد موته. الحرب ربّتنا وصقلتنا، وعلمتنا احترام الألم. وفي هذا لها امتنان.

■ ما هي علاقتك بعواصم عربية، بيروت، القاهرة، بغداد، تونس؟ وسواها. هل من علاقة وجدانية؟

– أول مرة أجتاز الحدود السورية في طريقي إلى لبنان، تراءى لي أنني رأيت أرضه وجباله وأهله من قبل. سطعت في ذاكرتي منمنماتٌ كثيرةٌ وغريبةٌ، لا أدري من أين أتت. واستمرّ زخُّ المشاهد الطارئة بإلحاحٍ حلوٍ حتى بيروت.ربما هي الكتب المشاغبة في رأسي، وربما يصح معتقدنا عن التقمص أنني عشت في زمنٍ ما بعيدٍ وحميم حياةً كاملةً هنا… في بيروت، أحب لو أقطع كورنيش البحر، ودروب بيروت كلها مشياً لا ركوباً، لأزداد امتلاءً بهذه المدينة الحكائية. لن أقول أنني أحببت هندسة العمران في بيروت، لا. بيروت لي هي الحضن الذي آوى منفيي سوريا منذ استقلالها عن فرنسا وحتى اليوم. بيروت لي مكتباتُها، مشفى الجامعة الأمريكية الذي أحلم بالعمل في مؤسسةٍ تضاهيه، لقاءاتي بأصدقائي فيها، مبنى دار الريس التي قرأتُ الكثير من إصداراتها، وغامرت وذهبت إليها حاملةً “بلاد المنافي” لأخرجها إلى النور، ولأحظى برؤية الباب الذي لا بد أن محمود درويش دخل منه إلى الدار حاملاً مخطوطاته… القاهرة: كلها؛ وكل حاضرةٍ فيها،دنيا أنيسة وقريبة من القلب. هي دهشة الماضي الذي يحيا الآن، وبقوة، ومن غير جهد.أوحتْ لي عمّان أنها مدينةٌ مرتاحةٌ لا كما دمشق أو بيروت. أحببت حداثتها، هدوءها، نظافتها، اتساعها. أقمتُ في تونس أسبوعاً، وظلّتْ في خاطري كمدينةٍ تصلح لإقامةٍ دائمة بديلة وهانئةٍ نسبياً. تونس التي أنصفت المرأة بقراراتٍ حكومية. حين تريد الحكومات تنهض المرأة والدولة كلها.حلمي العنيد أن أرىالكرخ ودجلة في بغداد. بغداد أرض الدم الذي لم يجفّ منذ كربلاء. يجيب عن توقي إليها قولُ أحد شعرائنا: ” كلما يمّمتُ أرضاً/ هتف القلب عراق…”. أما حلمي الذي لن يموت؛ فهو أن أزور القدس.

“النفط الصخري”: “بعبع” أميركي في الآبار العربية

كتب رياض الحريري:

لم يعد هناك حاجة للقتال من أجل النفط.  فالولايات المتحدة تتحول قريباً من أكبر الدول المستوردة إلى أكبر الدول المصدرة للنفط.  والفضل يعود لى النفط الصخري، الذي سيكون العامل الأكثر تأثيراً في تغيير سياسات الولايات المتحدة تجاه دول الشرق الأوسط الغنية بالنفط الأسود.

 تأمل الولايات المتحدة في أن تصبح أكبر منتج للنفط في العالم بحلول عام 2017 .  وتبني طموحاتها على مشروعات كبيرة تنفذها في استخراج ما يُعرف بالنفط الصخري.

لكن الخبراء يؤكدون أن استخراج النفط الصخري له تأثيرات سلبية على البيئة، لايوجد مثيل لها في استخراج النفط الأسود.

وتتابع دول الخليج باهتمام بالغ المشروعات الأميركية فيما يتعلق بالنفط الصخري، لاسيما أنها تحتفظ بموقع دولي مميز بسبب ثرواتها النفطية.

بعبع النفط الصخري الأميركي

لقد كثر الجدال والنقاشات في أروقة قطاع الطاقة العالمية عن ظاهرة النفط الصخري الأميركي وتأثير هذه الطفرة النفطية – كما يُطلق عليها – في مستقبل منظمة أوبك. ويشير بعض التقارير إلى احتمال وصول الولايات المتحدة إلى الاكتفاء الذاتي من النفط بعد عقدين من الزمان من خلال تطوير حقولها النفطية الصخرية.

وفي مقال نشرته مجلة “فوربس” الإلكترونية لكاتبه كريستوفر هلمان بعنوان “لماذا طفرة نفط السجيل الصخري الأميركي يمكن أن تنتهي قبل التوقعات؟”، أشار هذا المقال إلى أنه على الرغم من أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط ارتفع بنسبة 43% منذ عام 2008 بسبب تطوير حقولها النفطية الصخرية الكبرى، فإن هذا الإنتاج كان عالي التكلفة حيث كلف الاقتصاد الأميركي أكثر من 186 مليار دولار عام 2012  فقط وبزيادة سنوية تقدر بـ20%.

الملاحظ أيضاً أن أكثر هذه التقارير والدراسات تركز على ذكر احتياطيات النفط الصخري بشكل أكبر من ذكر التحديات الكبيرة والتكلفة العالية جداً لهذا النوع من النفط مقارنة بالبترول التقليدي. إن التحدي الذي تواجهه هذه الصناعة اليوم ليس تقديرات احتياطيات النفط الصخري في الولايات المتحدة والعالم، بل معرفة كم يمكن أن تنتج هذه الحقول بشكل مستدام وبأي ثمن؟ حيث تقدر الكثير من الدراسات تكلفة تطوير وإنتاج الحقول الرئيسية للنفط الصخري إلى 65-70 دولارا للبرميل. ترتفع هذه التكلفة لتصل إلى 100 دولار للبرميل بالنسبة لحقول النفط الصخري الهامشية الصغيرة ذات المكامن المعقدة جداً جيولوجيا وبعيدة العمق. يشير التقرير أيضاً إلى أن ما يجعل هذه الصناعة مستمرة في الولايات المتحدة هو السعر الحالي العالي للنفط في الأسواق العالمية (100 دولار للبرميل). وأضيف كذلك السيطرة الشبه سياسية على المؤسسات البيئية التي تحارب عملية التكسير الهيدروليكي المُتبع في عملية تطوير هذه الأبار لرفع إنتاجها.

ويضيف تقرير فوربس أن متوسط الإنتاج النموذجي اليومي لآبار النفط الصخري الأفقي بعد عملية التكسير الهيدروليكي يقدر بـ 600 برميل مكافئ (النفط + الغاز) مع معدل انخفاض سنوي قد يصل إلى أكثر من 40 %. هذا يعني أنه إذا كان لدينا حقل بترول صخري ينتج 600 ألف برميل يوميا من ألف بئر، سوف نحتاج إلى حفر وكسر هيدروليكي 400 بئرا جديدة كل عام وذلك للحفاظ على مستوى إنتاج الحقل. هذه الأرقام تحتم وجود استثمارات ضخمة مع عدد كبير من وحدات حفر الآبار وكمية وفيرة من الماء لعملية التكسير.

فإلى متى يمكن أن يستمر هذا النمط من الإنتاج ذو الخدمات اللوجستية المعقدة، عالية التكلفة والمخاطر البيئية مدعوماً من قبل المؤسسات المالية ومغفولا عنه من قبل الجمعيات البيئية الأميركية؟

لهذه الأسباب والعوامل يعتقد الكثيرون أن طفرة النفط الصخري الأميركي ستنتهي في وقت أقرب مما هو متوقع.

بالرغم من هذا الطرح الواقعي نجد أن بعض المتفائلين ينظرون للنفط الصخري على أنه تهديد لمستقبل منظمة أوبك التي اتبعت استراتيجية تعتمد على متابعة الأحداث والتطورات لهذا القطاع والتي لا تزال تمتلك الخيار لإخراج هذا النوع من النفط من خريطة النفط العالمية – إن أرادت – من خلال رفع الإنتاج وخفض الأسعار لتصل 70 دولارا للبرميل.

لقد أضحت قضية النفط الصخري قضية جدلية على المستوى العالمي، فلا يمر اجتماع لمنظمة الطاقة الدولية أو لمنظمة البلدان المصدرة للنفط، إلا وكان الحديث عن النفط الصخري وما يمثله من تحديات لبلدان الخليج العربي محوراً لمناقشات واسعة النطاق سواء في جانبها التقني أو السياسي.

أحد وزراء النفط الخليجيين كشف وبشكل صريح خلال أحد مؤتمرات منظمة أوبك عن أن ما وصفه بالتهديد الذي تواجهه المنظمة من نمو إنتاج النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة مسألة كبيرة.

قضية النفط الصخري خاصة في أميركا لا تتعلق فقط بزيادة معدلات الإنتاج وتأثير ذلك في صادرات الدول الخليجية، ومن ثم في عوائدها المالية وخططها التنموية، وما يستتبع ذلك من تغير في سياستها الاقتصادية، بل إن الأمر يفوق ذلك إلى تغيير تام في خريطة الطاقة العالمية وموازين القوى الراهنة سواء على الصعيدين العالمي أو الإقليمي.

ومع إدراك الرياض تحديدا للأهمية المتصاعدة للنفط الصخري فإن الشركة السعودية للصناعات الأساسية ”سابك”، أعلنت قبل عام تقريبا أنها تدرس الاستثمار في ثورة النفط والغاز الصخري الأميركيين.

أغلب التقارير الأميركية تشير إلى أن صادرات الولايات المتحدة ستزيد على ما تستورده بحلول عام 2030 وستصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول 2035، وتعتمد في ذلك على افتراضات متفائلة في مجالات التكنولوجيا وما يستتبعه ذلك من اكتشافات نفطية وبالتالي زيادة ملحوظة في الاحتياطات والربحية.

لكن هذه الأجواء الإيجابية تجاه مستقبل النفط الصخري وتهديده البلدان الخليجية تجد من يشكك فيها ويعتبرها في أفضل التقديرات مبالغات من قبل واشنطن حول قدرتها على تحدي المزايا النسبية للنفط الخليجي.

ويعتقد عدد من المختصين أنه في أفضل السيناريوهات فإن الزيادة في الإنتاج العالمي من النفط الصخري لن تفلح في مواكبة الزيادة الدولية في استهلاك الطاقة جراء النمو المتواصل لعدد سكان الكرة الأرضية، فالتقديرات الراهنة تشير إلى أن البشرية ستبلغ 8.6 مليار نسمة بحلول عام 2035، وهو ما يعني ارتفاع الطلب العالمي من النفط بنحو 20 في المائة، هذا إذا نجحت الجهود الدولية في أوروبا وأميركا والصين في كبح الاستهلاك المفرط في استخدام النفط حالياً.

وعلى الرغم من التقدم المتزايد في تكنولوجيا استخراج النفط الصخري فإن ارتفاع تكلفة إنتاجه مقارنة بالنفط التقليدي تعد حجر عثرة في نظر البعض من إمكانية اعتماد الولايات المتحدة عليه كمصدر للطاقة والتخلي عن الاستيراد من منطقة الخليج العربي وتحديداً السعودية، فبالنسبة لمعظم منتجي النفط الصخري في أميركا فإن التكلفة التشغيلية تراوح في المتوسط بين 65-70 دولارا للبرميل مقارنة بـ 4- 15 دولارا للنفط التقليدي، ولا يحقق هذا السعر أي أرباح بالنسبة للتكلفة الرأسمالية للمشروع أو حتى بالنسبة لقيمة الأرض التي توجد فيها آبار النفط الصخري. وإذا كانت شركات إنتاج النفط الصخري تحقق حالياً ربحية فإن انخفاض أسعار النفط يجعل عملية الإنتاج غير مجدية، مع الأخذ في الاعتبار تزايد التكلفة ارتفاعاً جراء النضوب السريع لآبار النفط الصخري التي تقدر بين 70-90 في المائة بعد العام الأول من الإنتاج.

بعيداً عن الجانب الاقتصادي وتكلفة الإنتاج فإن عددا كبيرا من منظمات البيئة العالمية يعارض التوجهات الأميركية للمضي قدماً في زيادة إنتاجها من النفط الصخري، فالإنتاج يتم عبر ضخ كميات هائلة من المياه المختلطة بالكيماويات، التي تتسرب عبر المسام الصخرية لتختلط لاحقاً بالمياه الجوفية ما يؤدي لتلوثها وتأثيرها في صحة الإنسان وفي مستويات الإنتاج الزراعي، بل والأكثر خطورة وقوع زلازل، وهو ما يؤكده الدكتور ممدوح سلامة مختص النفط العالمي والمستشار في البنك الدولي لشؤون النفط والطاقة في دراسة له عن النفط الصخري، من أن العلماء يربطون بين الضخ المستمر للمياه لإنتاج النفط الصخري في ولاية أوكلاهوما الأميركية والزلزال الذي ضرب الولاية في 2011 بقوة 5.7 درجة بمقياس ريختر.

وتشير التقديرات إلى أن البئر الواحدة من النفط الصخري تتطلب ما بين 4-5 ملايين غالون من المياه، وهو ما يمثل مشكلة حقيقية في المناطق التي تعاني نقص المياه، ولهذا تركز الأبحاث حالياً على التغلب على تلك المشكلة باستخدام مياه الصرف الصحي بعد إعادة تدويرها، لكنها لم تحقق نجاحات ضخمة بعد في هذا السياق، كما أن المشكلة لا تزال قائمة فيما يتعلق بتسرب تلك المياه للآبار الجوفية الصالحة للاستخدام.

ويرى خبراء ان انتاج النفط الصخري قد يشكل خطرا على الصادرات النفطية لدول الخليج التي اكتسبت بفضل الذهب الاسود دورا محوريا في الاسواق العالمية واهمية جيوسياسية.

وقد يؤثر انتاج النفط في الولايات المتحدة في المستقبل على صادرات السعودية التي ضخت للولايات المتحدة 16% من وارداتها العام الماضي.

واطلق الامير والملياردير السعودي الوليد بن طلال تحذيرا من اعتماد السعودية على الصادرات النفطية في دخلها، واعتبر ان النفط الصخري “قادم لا محال”.

الا ان الطلب على المدى المتوسط سيستمر على الارجح، لاسيما بفضل عطش الدول الاسيوية للطاقة، وذلك اذا ما حافظ النمو الاقتصادي على وتيرته الحالية.

وقال صندوق النقد الدولي في تقرير نشر أخيراً: ان السعودية ستحافظ في المدى المتوسط على موقعها المحوري في اسواق النفط العالمية التي ستحدد معالمها عوامل العرض والطلب.

الا انه حذر من امكانية ان تؤدي “ثورة الغاز الصخري في شمال اميركا” الى تخفيض الطلب على المنتجات النفطية في المستقبل.

وتقول كبيرة الخبراء الاقتصاديين في بنك “اي اف جي هيرمس – الامارات” الاستثماري مونيكا مالك ان “الطلب على النفط السعودي والخليجي سيبقى قويا على الارجح في المدى المتوسط بفضل النمو الآسيوي”.  الا انها اعتبرت ان “اي اعتماد كبير على منطقة واحدة يحمل مخاطر في حال حصول ازمة”.  واشارت ايضا الى ان”انتاج النفط الصخري والغاز الصخري مكلف ولن يكون ناجعا اقتصاديا في حال انخفاض الاسعار الى ما دون نقطة معينة”.

وسواء حققت اميركا الاكتفاء الذاتي الكامل ام لا، ففي رأي الخبراء أنها لاتزال بعيدة عن ادارة ظهرها للشرق الاوسط، بل ستواصل القلق على سلامة التموينات في العالم.

وجهات نظر: الحوار

1

«الحوار» موضة عربية درجت وعمَّت.

بدأت في لبنان قبل سبع سنين. وها هي تطل مجدداً بإصرار من قصر بعبدا.

وها هي في سوريا تنتظر تأشيرة دخول إلى سويسرا.

وها هي تظهر وتختفي في مصر.

وها هي تنعقد وتتعقد وتحضر وتغيب في تونس.

وها هي في ليبيا توجه بطاقات للانعقاد لا تجد من يستلمها.

2

اللافت أن ظاهرة الحوار تنتشر في وقت تعطلت فيه لغة الكلام وسادت فيه لغات السواطير والمدافع والصواريخ والسيارات المفخخة.

3

الجميع على حق. المطالبون بالحوار والرافضون له.

هو مضيعة للوقت. ومناسبة للثرثرة. وهو أيضاً الباب الوحيد للتفاهم والنجاة من الغرق في بحر الدماء.

والحقيقة أن الحوار العربي، حيثما انعقد، لا يملك القدرة على نزع الصمغ الذي يلتصق بالمواقف المتطرفة الملتصقة بكل الأطراف.

4

ماذا ينفع الحوار إذا كانت الأفكار الإسمنتية قد أنجزت بناء جدارها الفاصل، الذي يمنع تفاهم الآخر مع الآخر؟.

إذاً لماذا يتحاور العرب وعلى ماذا؟.

لماذا وجميعهم لا حول ولا قوة له إلا بالخارج… ولا قرار له إلا من الخارج؟.

5

ترى أي التوكيلات يمكن اعتبارها نافذة؟.

توكيلات «ثوار» الربيع العربي وحكوماته لدول إقليمية وغربية؟… أم توكيلات هذه الدول لـ«ثوار» الربيع وما أنتج من حكومات؟.

المؤكد أن وكالاتهم الدولية لكم تمنعكم من التصرف، والثابت أن وكالاتكم لهم غير قابلة للعزل.

6

إذاً، ماذا ستفعلون أيها العرب حول طاولاتكم المستديرة، وقد استدرتم جميعاً وتوزعتم الجهات الأربع بمن جاوركم وبمن جار عليكم.

7

وعلى فرض التقيتم واتفقتم، وهذا لن يكون. وعلى فرض أنه كان، فجميعكم يملك مهارات التهرب، والتلاعب على الألفاظ، وابتكار التفسيرات المعطلة.

 8

أنتم لن تتحاوروا بألسنتكم. لقد نمت أنيابكم، وطالت أظفاركم، وتطاير الشر المستطير من عيونكم.

إذاً، لا حوار بينكم إلا بما ملكت أيمانكم من أسلحة القتل والتدمير.

العربية لم تعد لغتكم. والعروبة لم تعد تجمعكم. ولا يملك أي منكم مفتاحاً للحل سوى مفتاح حل رسائل الشيفرة التي تصلكم من قريب منكم وبعيد عنكم.

9

لا تضيعوا أوقاتكم الدامية في الحوار… فما زال في وطننا العربي من ينتظر حتفه… فلا تطيلوا عليه الانتظار.

محمد دكروب الظاهرة: رحيل صاحب الوجد الهائل والقلم الثائر

محمد دكروب ، صرح من صروح القلم في لبنان، هوى عن خمسة وثمانين عاما، وعن قلم زرع الوطن بعصامية الأدب، فامتلك بساتين الكتابة والصحافة، وأثمرصنوبرالنضال وأرزه.

لم يكن دكروب كاتبا ومثقفا ومناضلا وناقدا من الطراز الأول فحسب. إنما كان شخصية فكرية فذة، فلم ينهل من مناهج المدارس والجامعات، ولا من  المراحل والشهادات ، مثلما الجميع قد نهل. إنما   كان منهله نهر المطالعة، وبحرمن التفكر والحواس، ما جعله غواّصا  رائدا في لجى الأدب والنقد الأدبي الرفيع. والفكر السياسي والإعلامي.  لطالما شعرتُ بقامته السامقة في الحوارات التي أجرتها معه “للكفاح العربي” في منزله خلال أعوام مضت . ولطالما شعرت بتواضعه وهدوئه الكبيرين. كان يذكرني كثيرا بتجربة عباس محمود العقاد ذلك العملاق الذي أحببته. فكلاهما تعلما من قراءة الكتب وقراءة الوجود من تلقاء النفس، وخاضا معترك الكتابة بأسلوب فذ ولغة عالية الكشف وغائرة السبر.  كنت أعتز بالرمز الذي يشكله دكروب في دنيا الآداب.سيما وأنه كان يحمل الدليل الأمضى، على أن الكتابة هي فطرة ومعرفة، وليست تعلما وصناعة.

لا شكّ في أن موعد إرتحاله  في الأيام القليلة الماضية،عن وعي الذات والحياة، والذي تزامن مع موعد الإحتفال  بالذكرى التاسعة والثمانين لتأسيس ” الحزب الشيوعي اللبناني” ، له في الضمير القرائي دلالة روحية الأثر. سيما وأن الراحل الكبير، انتسب إلى الحزب في الخمسينيات من القرن الماضي، ووضع كتابا يؤرخ هذا التأسيس، تحت عنوان” جذور السنديانة الحمراء”. وكتب مؤلفات عديدة في الفكر والنقد، وكان مدافعا شرسا عن أفكار الحزب الكبرى، بمواجهة رياح التغيير.

لم يعش دكروب في بدايات حياته، طفولة مرتاحة،فقد ولد في كنف عائلة فقيرة تعمل في أشغال بسيطة. فلم يسعفه الوضع الإقتصادي الصعب لوالده، كي يكمل دراسته، حيث اضطر أبوه الذي كان فوّالا  إلى الإستنجاد به لمعاونته في بيع الفول، فأخرجه من المدرسة وهو في الحادية عشرة من عمره، بعد أن حظي بأربع سنوات دراسية لا غير. ولأن حقائق الأمور ودقائقها تكون أصدق ما تكون على لسان صاحبها، نستحضر ههنا ما جاء على لسان الراحل الكبير في إحدى الحوارات التي أجريت معه، حيث قال:  ” لم تجْدِ الوساطات التي تولى السيد جعفر شرف الدين حيزاً منها في إعادتي إلى المدرسة، بسبب قلة حيلة أبي المادية، لكنني سرعان ما لجأت إلى المطالعة والقراءة بنهم لا يوصف طاولت حتى الكتب التي لم أكن افهمها؛ قرأت من القصص البوليسية وقصص الغرام، إلى كتب عبد الرحمن بدوي الفلسفية، ومنه تعرفت إلى (فريدريك) نيتشه وأفلاطون وسقراط… لأنني قررت أن أعلم نفسي، وصرت استعير الكتب من هنا وهناك وأقرأ حتى خلال سيري على الأقدام، وبقيت هكذا طوال عمري أقرأ الجريدة وأنا أجوب الأرصفة .

بعد  عملي كفوّال، اشتغلت بائع ترمس وخبز وعامل بناء وفي مشتل زراعي. في هذا المشتل كنت أوزع مياه الشفة على العمال، وفي وقت الراحة أقرأ في سلسلة «اقرأ» التي كانت تنشر لطه حسين و(عباس محمود) العقاد و(إبراهيم) المازني وكرم ملحم كرم، وصرت أقرأ في كل يوم كتاباً، حتى شكلت لي هذه المرحلة مخزوناً ثقافياً أفادني إلى وقت طويل. في العام 1945 بدأت تأتي إلى صور مجلة «الكاتب المصري» رئيس تحريرها طه حسين، وصارت تبيع في صور لوحدها 15 عدداً وكنت أنا وكريم مروة وعلي سلامة نشتريها، وكانت أهم مجلة فكرية عربية. لقد شكلت هذه المجلة الركيزة الثقافية الأساسية لثقافة محمد دكروب وأعطتني مخزوناً هائلاً لم أزل استعين به.

عندما أضحيت سمكرياً في دكان أخي، كنت التقي هناك جمعاً من أترابي نتداول القضايا العربية وبدأت تتشكل ميولي السياسية؛ ورحنا نفكر في إنشاء جمعية سرّية في العالم العربي غايتها القيام بثورة تحقق الوحدة العربية، وقتها لم يكن حزب البعث أو حزب القوميين العرب قد ظهرا على الساحة. بعدها بدأت تتكون الأفكار «القومية» عندي، ورحت أناقش القيادي الشيوعي في صور رفلة أبو جمرة (توفي 1995) وكان منفتحاً على مختلف أطياف المدينة السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية، لقد أثّر فيّ رفلة كثيراً، وكان ينهي كل نقاش معي بعبارة: «أنت شيوعيّ يا محمد». فأرد بعصبية: “أنا قومي عربي، وأنتم قياصرة”.

لم ينه خروجي من المدرسة علاقتي بكريم مروة – يضيف دكروب-الذي سافر لاحقاً إلى العراق لإتمام دراسته ونزل في بيت قريبه حسين مروة (1910- 1987)، وصار الأخير يعرفني لكثرة ما تحدث كريم عن «السمكري» الذي يكتب ويقرأ، وصارت بيننا مراسلات. في العام 1949 كنت أشتغل في دكان السمكري، أطرق على إبريق التنك؛ وإذ برجل يقف بالباب، نحيل، وجهه طويل، شفتاه بارزتان، ويقول بصيغة السؤال: «محمد دكروب؟». نظرت نحوه، فقال: أنا حسين مروة. كانت يداي متسختين، وقفت بخجل وارتباك، حاولت مدّ يدي لأسلم عليه، ثم استحيت لما تحمله من زيوت وشحوم. مدّ هو يده وسلّم وقال: أنا صديقك يا محمد. ومنذ تلك الفترة بقيت التقي بحسين مروة حتى آخر رمق من حياته، كانت أجمل صداقة وكان هو أحد أهم السبل التي عبرها وصلت إلى الحزب الشيوعي اللبناني.”

في العام 1951 دبّر لي حسين مروة عملاً في دكان لبيع أكياس الورق و«الطرحيات» في بيروت، فتركت مدينة صور وانتقلت إلى بيروت. هنا تعرفت إلى عدد كبر من الكتّاب. كنت في صور قد التقيت الأديب محمد عيتاني (1926- 1988) معلّماً في المدرسة الجعفرية،  وقد انعقدت بيني وبينه صداقة جميلة. لذلك في بيروت وجدت أجمل صداقات العمر مع محمد عيتاني التي بقيت إلى يوم وفاته، وأنا لم أزل أشعر بوجوده قربي إلى الآن.”

وعن عمله في الإعلام الثقافي، وتحديدا في صناعة مجلة ” الطريق” وإصدار أعدادها العدد تلو الآخر،  أعرب دكروب عن سعادته بنجاحها وبملاقاتها شهرة واسعة. وانتشارها في العالم العربي ، حيث كتب فيها أشهر الكتاب العرب والتقدميين حتى غير اليساريين.

 هذا هو محمد دكروب ظاهرة في تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني ، وعلامة في طريق الصحافة والنقد. وقد أرخّ كتابه” جذور السنديانة الحمراء”  تاريخ نشأة الحزب في لبنان، قابضا على بصمات الذاكرة المخفية.حيث وجد  من خلال تركيزه على الفترة القائمة بين تأسيس الحزب سنة 1924 وسنة 1931،  وهو تاريخ تسلّم خالد بكداش الأمانة العامة للحزب، أن الأخير محا كل الفترة التأسيسية للحزب وكأنها ليست موجودة. لا يوجد فيها لا فؤاد الشمالي ولا يوسف يزبك ولا غيرهما من مؤسسي الحزب. فقرر بينه وبين نفسه إعادة كتابة تاريخ الحزب وتصويبه، لا سيما هذه الفترة الممحوة. التي كانت من أهم الفترات النضالية في حياة الحزب، إن لم تكن الأهم.إذْ أن ستة أشخاص صنعوا حزبا صار ملء لبنان.  حيث يقول دكروب عن فترة التأسيس ورجالها الستّة: “عندما بدأت أكتب شعرت بأنني أتوحد مع هؤلاء الأشخاص الذين كانوا مظلومين، والذي ظلمهم لم يكن حكماً أو حاكماً بل خالد بكداش. لقد مات فؤاد الشمالي من الجوع بعدما اتهمه خالد بكداش بأنه عميل استخبارات فرنسية. وكيف يموت العميل من الجوع؟ هكذا كان خالد بكداش، عندما يريد أن يزيح أحداً كان يرمي عليه تهمة، وهو قد أتى من الاتحاد السوفياتي منصباً أميناً عاماً وبقي كذلك 58 سنة، لا يوجد ملك بقي كل هذه المدة. لم أشعر بأنني أكتب تاريخاً بارداً وموضوعياً، بل تاريخ مناضلين أحببتهم، وكان كتابا موثقاً آخر درجات التوثيق. إنه الكتاب الذي أعتز به من بين كل كتبي وقد كتبته بوجد هائل”.

من مؤلفات الراحل:

–       “جذور السنديانة الحمراء. “

– الادب الجديد والثورة: دراسة نقدية.

– “رؤى مستقبلية في فكر النهضة والتقدم والعدالة الاجتماعية”: دراسة فكرية.

– “وجوه لا تموت” دراسة أدبية.

غ.ع.ك

باميلا الكيك: “جذور” ثبّت “جذوري”

كتب عبد الرحمن سلام:

باميلا الكيك…ممثلة لبنانية شابة من مواليد العام 1988 في جبل لبنان (دير القمر). اشتهرت بأداء الادوار الجريئة، وإنما غير المبتذلة، في العديد من المسلسلات اللبنانية، ما أهلّها الحصول على جائزة “الموريكس الذهبية” في العام 2011، عن فئة “احسن ممثلة مساعدة”.

وباميلا، اكتشفها المخرج سمير حبشي، عندما كانت تتابع دراستها التخصصية (قسم الاخراج) بجامعة “الروح القدس”، حيث كان المخرج استاذاً مدرساً.

تجيد عدة لغات، غير العربية، ومنها: الانكليزية، الفرنسية، والايطالية، اضافة الى بعض الاسبانية والبرتغالية، ومؤخرا، شاركت في اكثر من مسلسل درامي، حققت فيها نجاحا محليا لبنانيا وعربيا، ومنها “عصر الحريم” و”سارة” و”مدام كارمن” (بدور “ناتاشا” المميز). اما الدور الاهم، والذي وجد الصدى وحقق النجاح الاعلى، فكان في مسلسل “اجيال” للكاتبة كلوديا مارشيليان والمخرج فيليب اسمر، حيث ادت “باميلا” دور “تمارا”، الفتاة “الثورجية” التي افتقدت للحب والحنان نتيجة ظروف صعبة عاشتها في طفولتها، حيث تنشأ بينها وبين “اميليا” (لعبت الدور الممثلة كارلا بطرس) علاقة غريبة، فالاخيرة “مثلية الجنس” وأغرمت بصديقتها وتريد ان تبني معها علاقة، وهو ما ترفضه “تمارا”.

في حوارها، أعربت “باميلا” عن فرحة وسعادة كبيرتين، لأنها اولاً، تعيش في الزمن الدرامي الذي تحضر فيه الكاتبة اللبنانية المبدعة كلوديا مارشيليان، وتتألق في كل الادوار التي صاغتها لها هذه المؤلفة، ولأنها ثانيا، لم تقفز الى ادوار البطولة فجأة، أو بضربة حظ، وإنما صعدت السلم درجة درجة الى ان استحقت “الجائزة الكبرى”، البطولة.

■ السؤال البديهي الذي احمله معي من كثيرين من متابعي اعمالك، يقول: هل تعتبرين النجاح الذي تعيشين فرحته، هو ذروة ما يمكن ان تعيشه ممثلة في سنك؟

– بداية، اشكر الله على الموهبة التي منحني اياها، وعلى كل النجاحات التي احرزتها في مسيرتي التمثيلية رغم انني لم اتجاوز الـ25 من عمري بعد. ثم انني، لا اعتبر انني وصلت الى القمة، وإنما اقيم مكانتي بـ”الممثلة الجيدة”، المحظوظة بحب الناس، وبمواكبتهم لأدواري وتسميتهم لي بـ”النجمة”، وهذه مناسبة لاؤكد ان النجاح الذي اعيشه هو نتيجة اجتهاد كبير وعمل دؤوب، اضافة الى فهم عميق للمؤلفة التي افتخر بوجودها، كلوديا مارشيليان، التي ترسم لي شخصياتي بكثير من الاتقان والعناية.

■ البعض يجد انك “قفزت” الى ادوار البطولة؟

– كل دور اديته، نلته عن جدارة، وقدّر لي أن اجسده باتقان. فكل شخصية لعبتها كنت اعتبرها تحديا لقدراتي ولإمكاناتي، وبفضل الله نجحت في ايصال رسالتي الى جمهور المشاهدين، بصدق وسلاسة، ولذلك نلت اعجابه.

وتضيف باميلا: لكنني، لم انسَ يوما ان المشوار  ما زال طويلا، وأن أي نجاح احققه يزيد من الاعباء التي اقدر اهميتها ومسؤوليتها.

■ هل ندمت “باميلا الكيك” الانسانة، على اي دور لعبته “باميلا” الممثلة؟

– ابدا. وأي دور يعرض عليّ، ولا اقتنع بمضمونه او برسالته، ارفضه على الفور، فالعمل الفني لا يقبل المجازفات ولا يرضى بالمسايرات، ولذا، اقول انني لم اندم على اي دور لعبته حتى الآن.

■ أتيت على ذكر المؤلفة كلوديا مارشيليان، ووجهت لها الامتنان الكبير. بل اكثر من ذلك، توجهت بالشكر الى الله سبحانه وتعالى لأنك “تعيشين زمن هذه الكاتبة الدرامي”؟! فماذا تمثل لك الكاتبة كلوديا مارشيليان على المستوى الفني والانساني؟

– أجد فيها كاتبة مبدعة وانسانة رائعة، ووجها ثقافيا ـ سينمائيا وتلفزيونيا دراميا لبنانيا يضاهي كبار كتاب الدراما في العالم العربي، وهي استطاعت  من خلال ما قدمت من مسلسلات درامية تلفزيونية لبنانية ان ترفع كثيرا من شأننا، كفنانين لبنانيين، ومن شأن الدراما اللبنانية، وأذكر فقط بأن مسلسل “مدام كارمن” الذي كتبته، كان اول مسلسل لبناني يعرض على شاشة TF1  في فرنسا، وان مسلسل “جذور” الذي كتبته ايضا اشترت حقوق عرضه القناة التركية، وهذان الأمران يدلان على ان كلوديا مارشيليان نقلت الدراما التلفزيونية الى خارج الحدود. نعم، أنا فخورة بهذه المبدعة، وأعتز بالتعاون معها، لا سيما ان كل الادوار التي كتبتها لي، حفزتني للأداء الافضل، وللعطاء الافضل، وذلك بفضل تنوع نصوصها ومواضيعها، كما ساعدتني على ابراز كل طاقاتي.

■ على ذكر مسلسل “جذور”، ماذا شكل لك دور “كارلا” فيه؟

– أعتبره نقلة مهمة، وتحديا جديدا في مسيرتي الفنية، ان من حيث المضمون، او في الشكل. قد يعتبر البعض ان اداء شخصية “كارلا” عمل سهل، لكنني وجدتها “مركبة” وصعبة، كما اجزم بأنني كنت محظوظة لأنني نجحت في تأديتها، وهذه فرصة لأشكر المخرج “فيليب اسمر” الذي وثق بإمكاناتي ومنحني فرصة لعب هذه الشخصية.

■ تطرقت الى ان قناة TF1 الفرنسية اشترت حقوق عرض مسلسل “اجيال”، وان التلفزيون التركي نال حق عرض “جذور”. فهل تعتقدين ان المسلسل هذا، بشكل خاص، وسواه من المسلسلات اللبنانية، اصبحت قادرة على منافسة المسلسل المصري؟

– بالتأكيد، انما بشرط أن تتوافر لها المقومات المطلوبة، من نص محمل بالافكار الجديدة والمتماسكة دراميا، واخراج واع، وانتاج سخي، وممثلين أكفاء مخضرمين وشباب من لبنان ومصر. فكل هذه العوامل ستعطي، ان وجدت في عمل واحد، النتيجة المرجوة.

وتؤكد باميلا “على وجهة نظرها بالإعلان ان “جذور” وسواه من المسلسلات اللبنانية، اعاد الدراما المحلية الى دائرة المنافسة، بعد مرحلة طويلة من الركود، حيث كانت الاضواء مسلطة على الانتاج الدرامي المصري والسوري، وان الدراما التلفزيونية اللبنانية بدأت تعرف طريقها الى شاشات عرض عربية ـ خليجية، بعد طول انتظار.

■ وكيف ترين الانتاجات المشتركة، اضافة الى تعدد اللهجات العربية في المسلسل الواحد؟ وما هي الفوائد التي تضيفها للممثل اللبناني؟

– انا ارى في تنوع اللهجات في مسلسل عربي واحد “اختلاط” جميل ويعطي “نكهة” للمسلسل. وعلى صعيد القضايا او المشكلات التي طرحتها مثل هذه الانتاجات، فأرى فيها “شمولية اكثر اتساعا” وخروجا عن حدود ضيقة، والكاتبة كلوديا مارشيليان تطرقت الى مثل هذه الاعمال، عربيا وليس فقط لبنانيا، وبنظرة جديدة، ونجحت في تسليط الضوء على العقليات المتنوعة وبعض العادات والمفاهيم المختلفة. ولا شك في ان مثل هذه المسلسلات أسهمت في انتشار الممثل اللبناني، وأظهرت قدراته من خلال اطلالته من نافذة عربية قادرة على نشر العمل بشكل اوسع.

■ تشاركين، ولأول مرة، في الفيلم السينمائي “الصدفة”، وهو، من حسن حظك بالتأكيد، من تأليف كاتبتك المفضلة كلوديا مارشيليان ومن اخراج باسم كريستو، حيث تؤدين فيه دورا مركبا وصعبا لصبية “متوحدة”. فكيف كان اعتمادك فقط على السيناريو المكتوب لهذه الشخصية، ام انك بحثت عن اضافات لها؟

– بداية اقول ان النص المكتوب يبقى الاساس وعلى الممثل الالتزام به، ثم اضيف ان التحضير للشخصية واجب ومسؤولية، فأحيانا يكتسب مفاتيحها من خلال مشاهدات او ابحاث او دراسات. أما انا، فأضيف ايضا الاجتهاد في دراسة “الكاراكتير”، وأبادر الى تمحيص الشخصية بكل ابعادها الشخصية وشكلها وتصرفاتها وأجهد، بأمانة عالية، لأتقنها بحرفية تامة. ومن هذا المنطلق، وبعدما اطلعت على دوري المكتوب في سيناريو “الصدفة” (دور المتوحدة)، توجهت الى جمعيات متخصصة في علاج التوحد، وتعرفت الى نماذج  متعددة لمتوحدين، كما درست نفسياتهم، وطريقة تفكيرهم وتحركاتهم، ثم قرأت الكثير من الدراسات عنهم، وكل هذه الخطوات انجزتها، ثم وظفتها في خدمة الدور الذي اتمنى ان يقنع المشاهدين.

■ كيف ترى “باميلا” السينما اللبنانية اليوم؟

– علينا ان نكون واقعيين وصادقين مع ذاتنا، وأن نعترف ان “تجاربنا السينمائية” ما زالت تعتبر “جديدة” مقارنة بالسينما العربية، حيث لا توجد لدينا افلام سينمائية قادرة على خوض المسابقات الدولية في المهرجانات العالمية او حصد الجوائز. لدينا محاولات جادة ومبشرة، نتوقع ان تتحول الى “صناعة” نفخر بها.

■ وفيلم “الصدفة” اين موقعه من كل ما ذكرت؟

– لا شك في أنه “قوي” و”متكامل”، وأتمنى أن يلاقي التوفيق والنجاح لدى عرضه.

■ حدثينا قليلا عن “المتعة” التي وجدتها في العمل السينمائي التمثيلي؟

– انا لا اعتبر عملي، سواء في المسلسل او الفيلم السينمائي، تمثيلا، وإنما اشعر انني امارس متعة وشغفاً، وأجد في العمل الفني “متنفسا”، لأنه يتيح لي تجسيد شخصيات ربما لا نستطيع القيام بها، او معايشتها في حياتنا الطبيعية.

■ في اي من الاعمال عايشت مثل هذا الاحساس؟

– في “ديو الغرام” على سبيل المثال، حيث كانت شخصية “فودا” بمثابة مناسبة لـ”فش الخلق”. فأنا لا استطيع، ومن المستحيل ان اكون مثل “فودا”، لكنني اوصلت الشخصية بطريقة محترمة.

■ وماذا عن الأدوار التي ترفضين تجسيدها؟

– اولا، ارفض كل دور مكرر سبق ان اديته. وثانيا، اي دور لا يحمل رسالة او هدفا ولا يكون مكتوبا لخدمة قضية معينة انسانية او اجتماعية او… أو… وأخيرا، ارفض اي دور لا يحمل ابعادا في الشخصية.

■ ما الدور ـ الحلم الذي تنتظرينه؟

– كل دور اوافق على لعبه اعتبره بمثابة حلم وتحد، فأجتهد في تأديته لينال اعجاب المشاهدين، وليرضي قناعتي الشخصية.

■ وشخصيتك التي تتحدثين عنها، ما هي ملامحها؟

– التفاؤل. التجدد الدائم. والطموح الذي لا حدود له.

■ تجيدين الرقص والغناء والتمثيل. فهل نتوقع ان نراك في عمل استعراضي، مسرحي او سينمائي او تلفزيوني؟

– بالتأكيد. ومثل هذا العمل حلم من احلامي الذي اتمنى سرعة تحققه. لكن هذا الامر يتطلب امورا كثيرة حتى يتحقق، ولا يكفي ان اتمتع بالمواصفات المطلوبة، وإنما عليّ أنا أجد الفكرة التي سأنطلق منها، وان اخصص الوقت الكافي للتمارين، فالمسرح او العمل السينمائي او التلفزيوني الاستعراضي ليس مجرد رغبة وإنما مسؤولية كبيرة.

■ بعيدا عن الفن، كيف تمضي “باميلا الكيك” اوقات فراغها؟

– ان حدث وتهيأت اوقات الفراغ هذه، اتجه احيانا الى القراءة وأحب مؤلفات التاريخ القديم، وأيضا مشاهدة الأفلام. لا اتبع قاعدة معينة ولست في المقابل روتينية، ولا كلاسيكية، وقد اقضي بعض اوقات فراغي مستمتعة، بين افراد العائلة، او مع الاصدقاء.

أهمّ بلملمة اوراقي بعدما انتهى الحوار، وأستعد لشكر مضيفتي على حسن الضيافة والاستقبال، وعلى الوقت الذي خصصته لي لاتمام هذا الحوار، لكنها تستوقفني مجددا، وهذه المرة لدقائق قليلة، لتذكرني بأن “لبنان غني جدا بالطاقات الابداعية، من مؤلفين ومخرجين وممثلين وصناع سينما ومسلسلات و… و… متمنية عليّ ان ابرز هذه الحقيقة، ومضيفة بأنها، ان هي خصت الكاتبة “كلوديا مارشيليان” بالاشادة، فهذا لا يعني ابدا انها تسقط ابداع بقية المؤلفين من اهتمامها واحترامها وتقديرها، وإنما لأن الظروف حكمت ان تكون كل المسلسلات وبقية الاعمال الدرامية التي شاركت فيها، كانت من تأليف هذه الكاتبة، وهو الامر الذي اتاح لها التعرف الى ابداعها، عن قرب، وبالممارسة، وليس لأي سبب آخر… قاقتضى التوضيح.

لـ«وديع النعيم» ولنا في صوته نعيم آخر

وديع الصافي في صورة من الأرشيف

وديع الصافي في صورة من الأرشيف

من الذي مات؟.

من هذا الذي نعاه لبنان والوطن العربي؟.

من هو الجبل الذي دفناه في جبل نيحا؟.

تقول التلفزيونات والإذاعات وتكتب الصحف ويشير الحزن الوطني إلى أنه وديع الصافي.

هل كانوا يكذبون؟.

نعم وكلا. فهو مات ولم يمت.

لم نعد نراه لأنه مات… لكننا نسمعه لأن صوته حي.

لقد مات بعض منه. ويعيش فينا ومعنا بعضه الباقي الذي لا يموت.

الصوت المجلجل، الشجي، القوي، المتمكن. العبقري.

لكن وقبل أن يودّعنا وديع ويرحل إلى الخلود… أودعنا صوتاً خالداً وأغنيات خالدات.

له النعيم… ولنا في تراثه نعيم آخر.

وليد الحسيني