محمد دكروب الظاهرة: رحيل صاحب الوجد الهائل والقلم الثائر

محمد دكروب ، صرح من صروح القلم في لبنان، هوى عن خمسة وثمانين عاما، وعن قلم زرع الوطن بعصامية الأدب، فامتلك بساتين الكتابة والصحافة، وأثمرصنوبرالنضال وأرزه.

لم يكن دكروب كاتبا ومثقفا ومناضلا وناقدا من الطراز الأول فحسب. إنما كان شخصية فكرية فذة، فلم ينهل من مناهج المدارس والجامعات، ولا من  المراحل والشهادات ، مثلما الجميع قد نهل. إنما   كان منهله نهر المطالعة، وبحرمن التفكر والحواس، ما جعله غواّصا  رائدا في لجى الأدب والنقد الأدبي الرفيع. والفكر السياسي والإعلامي.  لطالما شعرتُ بقامته السامقة في الحوارات التي أجرتها معه “للكفاح العربي” في منزله خلال أعوام مضت . ولطالما شعرت بتواضعه وهدوئه الكبيرين. كان يذكرني كثيرا بتجربة عباس محمود العقاد ذلك العملاق الذي أحببته. فكلاهما تعلما من قراءة الكتب وقراءة الوجود من تلقاء النفس، وخاضا معترك الكتابة بأسلوب فذ ولغة عالية الكشف وغائرة السبر.  كنت أعتز بالرمز الذي يشكله دكروب في دنيا الآداب.سيما وأنه كان يحمل الدليل الأمضى، على أن الكتابة هي فطرة ومعرفة، وليست تعلما وصناعة.

لا شكّ في أن موعد إرتحاله  في الأيام القليلة الماضية،عن وعي الذات والحياة، والذي تزامن مع موعد الإحتفال  بالذكرى التاسعة والثمانين لتأسيس ” الحزب الشيوعي اللبناني” ، له في الضمير القرائي دلالة روحية الأثر. سيما وأن الراحل الكبير، انتسب إلى الحزب في الخمسينيات من القرن الماضي، ووضع كتابا يؤرخ هذا التأسيس، تحت عنوان” جذور السنديانة الحمراء”. وكتب مؤلفات عديدة في الفكر والنقد، وكان مدافعا شرسا عن أفكار الحزب الكبرى، بمواجهة رياح التغيير.

لم يعش دكروب في بدايات حياته، طفولة مرتاحة،فقد ولد في كنف عائلة فقيرة تعمل في أشغال بسيطة. فلم يسعفه الوضع الإقتصادي الصعب لوالده، كي يكمل دراسته، حيث اضطر أبوه الذي كان فوّالا  إلى الإستنجاد به لمعاونته في بيع الفول، فأخرجه من المدرسة وهو في الحادية عشرة من عمره، بعد أن حظي بأربع سنوات دراسية لا غير. ولأن حقائق الأمور ودقائقها تكون أصدق ما تكون على لسان صاحبها، نستحضر ههنا ما جاء على لسان الراحل الكبير في إحدى الحوارات التي أجريت معه، حيث قال:  ” لم تجْدِ الوساطات التي تولى السيد جعفر شرف الدين حيزاً منها في إعادتي إلى المدرسة، بسبب قلة حيلة أبي المادية، لكنني سرعان ما لجأت إلى المطالعة والقراءة بنهم لا يوصف طاولت حتى الكتب التي لم أكن افهمها؛ قرأت من القصص البوليسية وقصص الغرام، إلى كتب عبد الرحمن بدوي الفلسفية، ومنه تعرفت إلى (فريدريك) نيتشه وأفلاطون وسقراط… لأنني قررت أن أعلم نفسي، وصرت استعير الكتب من هنا وهناك وأقرأ حتى خلال سيري على الأقدام، وبقيت هكذا طوال عمري أقرأ الجريدة وأنا أجوب الأرصفة .

بعد  عملي كفوّال، اشتغلت بائع ترمس وخبز وعامل بناء وفي مشتل زراعي. في هذا المشتل كنت أوزع مياه الشفة على العمال، وفي وقت الراحة أقرأ في سلسلة «اقرأ» التي كانت تنشر لطه حسين و(عباس محمود) العقاد و(إبراهيم) المازني وكرم ملحم كرم، وصرت أقرأ في كل يوم كتاباً، حتى شكلت لي هذه المرحلة مخزوناً ثقافياً أفادني إلى وقت طويل. في العام 1945 بدأت تأتي إلى صور مجلة «الكاتب المصري» رئيس تحريرها طه حسين، وصارت تبيع في صور لوحدها 15 عدداً وكنت أنا وكريم مروة وعلي سلامة نشتريها، وكانت أهم مجلة فكرية عربية. لقد شكلت هذه المجلة الركيزة الثقافية الأساسية لثقافة محمد دكروب وأعطتني مخزوناً هائلاً لم أزل استعين به.

عندما أضحيت سمكرياً في دكان أخي، كنت التقي هناك جمعاً من أترابي نتداول القضايا العربية وبدأت تتشكل ميولي السياسية؛ ورحنا نفكر في إنشاء جمعية سرّية في العالم العربي غايتها القيام بثورة تحقق الوحدة العربية، وقتها لم يكن حزب البعث أو حزب القوميين العرب قد ظهرا على الساحة. بعدها بدأت تتكون الأفكار «القومية» عندي، ورحت أناقش القيادي الشيوعي في صور رفلة أبو جمرة (توفي 1995) وكان منفتحاً على مختلف أطياف المدينة السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية، لقد أثّر فيّ رفلة كثيراً، وكان ينهي كل نقاش معي بعبارة: «أنت شيوعيّ يا محمد». فأرد بعصبية: “أنا قومي عربي، وأنتم قياصرة”.

لم ينه خروجي من المدرسة علاقتي بكريم مروة – يضيف دكروب-الذي سافر لاحقاً إلى العراق لإتمام دراسته ونزل في بيت قريبه حسين مروة (1910- 1987)، وصار الأخير يعرفني لكثرة ما تحدث كريم عن «السمكري» الذي يكتب ويقرأ، وصارت بيننا مراسلات. في العام 1949 كنت أشتغل في دكان السمكري، أطرق على إبريق التنك؛ وإذ برجل يقف بالباب، نحيل، وجهه طويل، شفتاه بارزتان، ويقول بصيغة السؤال: «محمد دكروب؟». نظرت نحوه، فقال: أنا حسين مروة. كانت يداي متسختين، وقفت بخجل وارتباك، حاولت مدّ يدي لأسلم عليه، ثم استحيت لما تحمله من زيوت وشحوم. مدّ هو يده وسلّم وقال: أنا صديقك يا محمد. ومنذ تلك الفترة بقيت التقي بحسين مروة حتى آخر رمق من حياته، كانت أجمل صداقة وكان هو أحد أهم السبل التي عبرها وصلت إلى الحزب الشيوعي اللبناني.”

في العام 1951 دبّر لي حسين مروة عملاً في دكان لبيع أكياس الورق و«الطرحيات» في بيروت، فتركت مدينة صور وانتقلت إلى بيروت. هنا تعرفت إلى عدد كبر من الكتّاب. كنت في صور قد التقيت الأديب محمد عيتاني (1926- 1988) معلّماً في المدرسة الجعفرية،  وقد انعقدت بيني وبينه صداقة جميلة. لذلك في بيروت وجدت أجمل صداقات العمر مع محمد عيتاني التي بقيت إلى يوم وفاته، وأنا لم أزل أشعر بوجوده قربي إلى الآن.”

وعن عمله في الإعلام الثقافي، وتحديدا في صناعة مجلة ” الطريق” وإصدار أعدادها العدد تلو الآخر،  أعرب دكروب عن سعادته بنجاحها وبملاقاتها شهرة واسعة. وانتشارها في العالم العربي ، حيث كتب فيها أشهر الكتاب العرب والتقدميين حتى غير اليساريين.

 هذا هو محمد دكروب ظاهرة في تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني ، وعلامة في طريق الصحافة والنقد. وقد أرخّ كتابه” جذور السنديانة الحمراء”  تاريخ نشأة الحزب في لبنان، قابضا على بصمات الذاكرة المخفية.حيث وجد  من خلال تركيزه على الفترة القائمة بين تأسيس الحزب سنة 1924 وسنة 1931،  وهو تاريخ تسلّم خالد بكداش الأمانة العامة للحزب، أن الأخير محا كل الفترة التأسيسية للحزب وكأنها ليست موجودة. لا يوجد فيها لا فؤاد الشمالي ولا يوسف يزبك ولا غيرهما من مؤسسي الحزب. فقرر بينه وبين نفسه إعادة كتابة تاريخ الحزب وتصويبه، لا سيما هذه الفترة الممحوة. التي كانت من أهم الفترات النضالية في حياة الحزب، إن لم تكن الأهم.إذْ أن ستة أشخاص صنعوا حزبا صار ملء لبنان.  حيث يقول دكروب عن فترة التأسيس ورجالها الستّة: “عندما بدأت أكتب شعرت بأنني أتوحد مع هؤلاء الأشخاص الذين كانوا مظلومين، والذي ظلمهم لم يكن حكماً أو حاكماً بل خالد بكداش. لقد مات فؤاد الشمالي من الجوع بعدما اتهمه خالد بكداش بأنه عميل استخبارات فرنسية. وكيف يموت العميل من الجوع؟ هكذا كان خالد بكداش، عندما يريد أن يزيح أحداً كان يرمي عليه تهمة، وهو قد أتى من الاتحاد السوفياتي منصباً أميناً عاماً وبقي كذلك 58 سنة، لا يوجد ملك بقي كل هذه المدة. لم أشعر بأنني أكتب تاريخاً بارداً وموضوعياً، بل تاريخ مناضلين أحببتهم، وكان كتابا موثقاً آخر درجات التوثيق. إنه الكتاب الذي أعتز به من بين كل كتبي وقد كتبته بوجد هائل”.

من مؤلفات الراحل:

–       “جذور السنديانة الحمراء. “

– الادب الجديد والثورة: دراسة نقدية.

– “رؤى مستقبلية في فكر النهضة والتقدم والعدالة الاجتماعية”: دراسة فكرية.

– “وجوه لا تموت” دراسة أدبية.

غ.ع.ك

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s