نجاة عبد الصمد: أعيش بين عين الكتابة ويد الطب

غادة علي كلش:

للطبيبة الروائية السورية نجاة عبد الصمد، درب في التقطير الجمالي والإنساني واللغوي والبلاغي، على مستوى التأليف الروائي. ودرب في الطبابة والجراحة ومعالجة الفقراء،على مستوى العطاء الإنساني. لها عملان روائيان هما: “بلاد المنافي” و”غورنيكات سوريّة”. ولها أيضا أعمال في الترجمة التي تسبر عوالم الآداب الأجنبية، ونبض الإنسان الآخر وأمكنته.

مع الدكتورة عبد الصمد نطلّع في هذا الحوار،على مدارات القلم والمبضع، الدائرة بين  الناس والأحلام  والكوابيس، في قلب الفواجع الكبيرة:

■ طبيبة، روائية، قاصة ومترجمة.أي منبع من هذه المنابع يعطي المحيط أكثر، أو يرضي الذات أكثر، بشكل خاص؟

– تجريب الدخول في عالم الرواية دنيا بديلة مكتفيةٌ بذاتها، وأرحب من دنيانا باتساع النهايات والمصائر. فالروائي طبيبٌ، ومحام، ومحاربٌ من العصور الوسطى، ورئيس عادلٌ  وديكتاتور، وشحاذٌ ومعاق و… والتوليد والجراحة النسائية مهنةُ عقلي ويدي. لو كان اختصاصي في الطب غير التوليد، لسهلت عليّ الإجابة. لكن التوليد ـ من بين علوم الطب ـ فنٌّ كالكتابة والرسم والموسيقى. مع كلّ وليدٍ تستخرجه يداي من حنان الرحم إلى ضباب عالمنا الأرضي أعايش دهشة الخلق. صرخته الأولى تعيد تشكيل روحي، وتأخذها إلى أسر الكتابة… هكذا تكرّ هذه المتوالية كل يوم. يتكثّف الفكرفي لحظةٍ ما، فيصوغ قصةً قصيرة. ويرتاح لأيامٍ فيروح إلى الترجمة التي تحتاج إلى طاقةٍ عالية، إلى حب العمل، إلى صبر أيوب ونزاهته، لإيصال روح المعنى من اللغة الأم إلى اللغة المستضيفة. وعيت على نفسي على مفارق هذا التيه الخالب، ولا أعرف حياةً غير ذلك. أنا أعجز عن إجابة قاطعة.

■ روايتك “بلاد المنافي” هل تماهت بشكل أو بآخر مع الفاجعة الكبرى التي دهمت  وتداهم سوريا اليوم، أم انها زامنتها إسقاطاً واستباقاً؟

 -من قبل أن أولد، ورجال مدينتي “السويداء”، الصغيرة الفقيرة والمهمشة في جنوب سوريا، لا يحلمون إلا بالهجرة للعمل خارج البلاد. حين تسأل أيّ حامل شهادة دكتوراه، أو خرّيج جامعة: ماذا ستفعل؟ يجيبك: إن لم أحصل على فيزا إلى الخليج أو غيره، سأعمل كذا… أستعيد فصول الرواية التي تشتّت أبطالها في القارات الخمس، وأدرك أن ما حدث في سوريا كان يجب أن يحدث. أفضل رجالنا تجنّسوا في المنافي ومنحوها كفاءاتهم، ومات هناك من مات، وعاد بعضهم معطوبين، ومن دون أدنى فوزٍ أو مفخرة؛. كتبتُ روايتي قبل أعوام من بدء الحراك في سوريا، وناديتُ بلادي، بلاد المنافي: “كاد يُبحّ الرجاء: أحبينا وكفي عن تهجيرنا”.حين أقرأ في أدبيات أوروبا واليابان وأميركا اللاتينية، وأرصد واقعهم وأحلامهم، أدرك كم أحلامنا مخنوقةٌ في ظل غياب العيش الكريم وغياب الحريات. أما مروياتي التالية “غورنيكات سوريّة” التي صدرت هذا العام عن “دار مدارك” في الإمارات العربية، فقد أتت حادثاً كتابيّاً كان لابد من وقوعه كإحدى ارتدادات الفاجعة.

■ هل يمكن اعتبار بلاد المنافي موطناً قسرياً للإنسان العربي، أم موئلا لمستقبل مسروق الآمال؟

– حين يختارالإنسان العربي المنفى، لا يفكّر ولا يحلّل. يسري فقط مع التيار. يسافر في الوهم المعشش داخله، في آماله الشاسعة أن يصير المنفى وطنا. المنافي قسريةٌ: نعم! لكنها، على أي حالٍ، لن تصير أوطاناً! لن يرقى الغريب إلى أكثر من مواطن من الدرجة الثانية. لن يكون هواء المنفى عليلاً لرئتيه، ولن يضحك على نكتةٍ تُضحِكُ الناس هناك. لن يعرف أيضاً على أيّ موروثٍ سيربّي أبناءه. وإلى أن يكتشف فداحة الحال يكون العمر ضاع. بماذا تفسّر مثلاً أنك تعيش خمسين سنة في مهجر جميلٍ فيه كل أسباب الحياة، وقد تجني ثروةً معتبرة، لكنك مع المرض أو اقتراب الموت ترمي كل شيء، وتحمل عكازاً يوصلك إلى بيت الأهل، لتجد معظمهم مات، وتجد نفسك “كالمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى”!؟

■ لأسلوبك السردي منمنمات تفصيلية عميقة الكشف والوصف والرهف. إلى أي مدى تزرع البيئة في قلمك كل هذا النماء؟

– الفقر في عيوننا حيث البيئةُ غزيرةٌ في كل مكان. قلةٌ من يصفعها مما وراء ظاهرها. لقلب الكاتب عيونٌ تلتقط ظاهر المشهد على طريقتها، وتتبعها أنامله لترعاها. لن يلحظ كل المارة في السوق مثلاً لطخة العمش التي لا تفارق عين البائع الجوال على مرّ الأيام. عيني التي ستراها اليوم مثلاً مجرد التهاب عين. وغداً، ستحسبه استيقظ وليس في بيته ماء، فأتى إلى السوق من غير اغتسال، أو تراها قبحاً يشبه هذه الشماتة في عينيه بجاره ذي البسطة الفقيرة. وقد تراها أثراً لحسرةٍ لأنه ليس لديه دكانٌ ثابتٌ فيه مدفأةٌ في الشتاء، ومروحةٌ في الصيف. وهي التي تأسف لأن البناء الجديد الشاهق سوف يحجب الشمس عن زريعةٍ بلديةٍ تتعربش على حجر بيتٍ عتيق وحيد الطابق خلف هذا البناء. وهي التي ترى العامل الذي لم يجد من يكتريه اليوم،يبصق على الأرض حقداً على قدره، لا سوءَ تربية. وهي التي تجعلني في عيادتي متطفلةً ثقيلةً تتبع دلالات الكلمات البسيطة التي تسرد بها السيدة المريضة حكاية وجعٍ عاديّ في نقطة ما في خاصرتها اليمنى مثلاً…

■ ما هو الدور الثنائي للكاتب الطبيب في مواجهة مآسي الحروب وويلات الناس من حوله؟ أم هو دور أحادي ملتبس؟

– ليت ساعات اليوم ثمانية وأربعين!كنت سأصرف نصفها في الطب، ونصفها في الكتابة. يعتقد الناس أن الطبيب (في أزمنة السلم) محايدٌ تجاه الألم الذي يعايشه مع مرضاه على مدار الساعة. هذه الفكرة صحيحةٌ نسبياً. فالطبيب يتفهم الألم بعقله لا بقلبه، ويتجاوزه سريعاً إلى العلاج. الطبيب الحقّ حكيمٌ في كل الأزمنة، لكنه في الحرب نبيٌّ. في الحروب تختلف علاقة الطبيب بالألم. الأمر الذي فاجأني أنا، وبقوة الصدمة. في الحرب يتألم الطبيب أكثر من الجميع، ويبكي في السرّ حين لا تسعفه الأدوات في إعادة يدٍ مقطوعة أو عين مفقوءة، أو حياةٍ تسيل من جرح غزير النزف إلى غير عودة. وحين يكون الطبيب كاتباً فألمه مضاعفٌ ألف مرة. وفوق ذلك، عليه أن يتوهم السعادة لأن ما يصدم عينيه أخصبُ مما يطوف في مخيلة كاتب عملاق.عليه أن يستمر في علاج الناس باليد والعقل والكلمة. وأن يكون البثّ الحيّ لآثام معارك الكبار على الأبرياء الضعفاء، وأن يصير الطابور الخامس الذي يدّعي التفاؤل فيما تزكمه رائحة الموت، وعليه أن يشكر الناجين على يديه لأنهم منحوه فرحة النجاح، وأن ينتشل حكاياتهم من الغبن ويسلمها لعدالة الزمن ولو بعد موته. الحرب ربّتنا وصقلتنا، وعلمتنا احترام الألم. وفي هذا لها امتنان.

■ ما هي علاقتك بعواصم عربية، بيروت، القاهرة، بغداد، تونس؟ وسواها. هل من علاقة وجدانية؟

– أول مرة أجتاز الحدود السورية في طريقي إلى لبنان، تراءى لي أنني رأيت أرضه وجباله وأهله من قبل. سطعت في ذاكرتي منمنماتٌ كثيرةٌ وغريبةٌ، لا أدري من أين أتت. واستمرّ زخُّ المشاهد الطارئة بإلحاحٍ حلوٍ حتى بيروت.ربما هي الكتب المشاغبة في رأسي، وربما يصح معتقدنا عن التقمص أنني عشت في زمنٍ ما بعيدٍ وحميم حياةً كاملةً هنا… في بيروت، أحب لو أقطع كورنيش البحر، ودروب بيروت كلها مشياً لا ركوباً، لأزداد امتلاءً بهذه المدينة الحكائية. لن أقول أنني أحببت هندسة العمران في بيروت، لا. بيروت لي هي الحضن الذي آوى منفيي سوريا منذ استقلالها عن فرنسا وحتى اليوم. بيروت لي مكتباتُها، مشفى الجامعة الأمريكية الذي أحلم بالعمل في مؤسسةٍ تضاهيه، لقاءاتي بأصدقائي فيها، مبنى دار الريس التي قرأتُ الكثير من إصداراتها، وغامرت وذهبت إليها حاملةً “بلاد المنافي” لأخرجها إلى النور، ولأحظى برؤية الباب الذي لا بد أن محمود درويش دخل منه إلى الدار حاملاً مخطوطاته… القاهرة: كلها؛ وكل حاضرةٍ فيها،دنيا أنيسة وقريبة من القلب. هي دهشة الماضي الذي يحيا الآن، وبقوة، ومن غير جهد.أوحتْ لي عمّان أنها مدينةٌ مرتاحةٌ لا كما دمشق أو بيروت. أحببت حداثتها، هدوءها، نظافتها، اتساعها. أقمتُ في تونس أسبوعاً، وظلّتْ في خاطري كمدينةٍ تصلح لإقامةٍ دائمة بديلة وهانئةٍ نسبياً. تونس التي أنصفت المرأة بقراراتٍ حكومية. حين تريد الحكومات تنهض المرأة والدولة كلها.حلمي العنيد أن أرىالكرخ ودجلة في بغداد. بغداد أرض الدم الذي لم يجفّ منذ كربلاء. يجيب عن توقي إليها قولُ أحد شعرائنا: ” كلما يمّمتُ أرضاً/ هتف القلب عراق…”. أما حلمي الذي لن يموت؛ فهو أن أزور القدس.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s