عندما ينطق الحجر: جدار بانكسي”يجمع” العالم

فنان يحيط نفسه بالكثير من الغموض كي لا يقول سوى ما يرسم. لا يريد لملامحه ولا لهيئته ولا لشيء غير الغموض أن يعبر عنه.  كل ما استطاعت أن تحصل عليه وسائل الإعلام هو اسمه: روبرت بانكسي أو روبين غونينغهام. وقد وصل به المكوث في الظل واتخاذه الفن هويته الوحيدة، إلى تخليه عام 2007 عن حضور تسليمه الجائزة التي تمنحها قناة “أي تي” لأعظم فنان يعيش في بريطانيا.

ليس هناك فنان معاصر يثير السخرية واللغط والضوضاء حوله أينما حلّ ويرمي المفاجآت هنا وهناك أكثر من الرسام البريطاني “بانكسي”، الساحر والمتمرد على كل شيء ، حيث يقدم أعمالاً تثير الفضول وتقترح تساؤلات كثيرة بخصوص الفن ودوره في حياتنا ودور الناس أو الجمهور في التفاعل مع هذا النوع الذي يقدمه من الفن.

هذا الفنان المولود سنة 1973 في مدينة بريستول، خرج من المرسم التقليدي وحرّك أصابعه على جدران المدن وناصيات الشوارع المهملة ليطرح أفكاره الفنية بروح تحمل الكثير من الطرافة وهو يمد لسانه على قيم وكليشيهات بالية، حسب اعتقاده.

بانكسي المعروف على صعيد العالم الآن كان قد بدأ كفنان غرافيتي تقليدي، ثم مزج بين الغرافيتي وبعض القوالب التي يحفرها ويكوّنها من الكارتون ليطبع أشكالها على الحيطان بواسطة البخاخ، وقد انتشرت أعماله في معارض عدة على حيطان مدن كثيرة في أوروبا وأميركا وصولاً الى الشرق الأوسط ، وحتى فلسطين المحتلة.

توصل بانكسي الى تقنيته المميزة، حسب قوله، وهو مختبىء في حاوية لجمع القمامة هرباً من الشرطة التي كانت تطارده مثل أغلب رسامي الغرافيتي. حينها فكر بالقوالب المحفورة التي تتيح له العمل بسرعة بعيداً عن أية رقابة أو مطاردة. أعماله فيها الكثير من السياسة والطرافة والمفارقة.

إضافة الى الأشكال التي يرسمها، وظّف شعارات تناسب طريقة تفكيره واختياره للموضوع. يرسم هذا الفنان في أعماله عادة رجال الشرطة، الجيش أو الأطفال كذلك الحيوانات مثل القردة والفئران وغيرها. ومن أعماله الشهيرة ، مجموعة من الرسوم على الجدار العازل الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية، ويظهر في إحداها صبي فلسطيني صغير وهو يصنع فتحة كبيرة في الجدار. كما تميّز بعمله الذي يصوّر ثلاثة أفارقة في غابة وهم يصوبون رماحهم نحو فريسة، وعندما ننظر الى الفريسة جيداً نراها ثلاث عربات فارغة من عربات السوبرماركت.  وأيضاً الطفل الذي يسرق أحدى الدوائر الأولمبية الخمس الشهيرة المرسومة على جدار، ليجعل منها عجلة يلعب بها، أو الرجل المشرد الذي ينام في الشارع وتظهر له أجنجة وسط الظلام.

وفي عمل طريف آخر يرسم امرأة تنشر على حبل غسيلها، الخطوط السوداء لحمار وحشي، والحمار يقف عارياً بجانبها. ويظهر في لوحة أخرى شاب ملثم يتصدى لقوة احتلال وما شابه ذلك وهو يمسك بشيء بقوة ويحاول أن يقذفه، وحين نمعن النظر نراه يمسك باقة زهور بدل الحجارة.

أغرب ما قام به الفنان بانكسي أخيراً ( وهو ربما أغرب ما قام به فنان على الإطلاق) أنه وضع كشكا صغيرا مؤقتا في أحد شوارع نيويورك المزدحمة، وملأها بأعماله المعلقة على كل الجوانب على طريقة رسامي مونمارتر . جلس هناك رجل عجوز يبيع هذه الأعمال وعلقت يافطة كبيرة مكتوب عليها أن سعر اللوحة الواحدة هو 60 دولاراً . الناس تمر بجانبه من دون إهتمام واضح من الصباح الى المساء وكل ساعتين تقريباً يتوقف أحدهم لشراء واحدة أو أثنتين ، وفي النهاية باع العجوز ثمانية أعمال فقط من أعمال بانكسي الأصلية بسعر 60 دولارا للوحة الواحدة بينما سعرها الحقيقي هو مائتي ألف دولار للوحة. الطريف أن امرأة توقفت وبعد تردد أشترت عملين وقالت للعجوز ( أحتاج الى شيء أعلقه في غرفة أطفالي ) وهي لا تعلم بأنها حصلت على كنز حقيقي يقدر بـ400 ألف دولار.

وكان قد احتل رسام الغرافيتي الشهير بانكسي قبل شهرين شوارع نيويورك في مشهد غير مسبوق يجعل محبي فن الشارع «ستريت آرت» يجوبون أرجاء المدينة.

رسومه الموهوبة المعروفة بطابعها الساخر ومغزاها السياسي جعلت منه رساماً شهيراً. وأخذت بعض هذه الرسوم عن الجدران التي رسمت عليها وبيعت في مزادات على بعد آلاف الكيلومترات من مكان إنجازها بمئات آلاف الدولارات.

لكن العرض النيويوركي وهو بعنوان “بيتر آوت ذن إن” (أفضل في الخارج منه في الداخل) مجاني ومفتوح أمام الجميع شرط أن يصل الشخص إليه في الوقت المناسب.

وينجز بانكسي رسمه سراً ويعلن عنه لاحقاً عبر الإنترنت. وينبغي عندها على محبي هذا الفن أن يهرعوا إلى المكان قبل أن يغطى الرسم بالطلاء أو أن يعمد فنانون منافسون إلى الرسم فوقه بعد ساعات قليلة على إنجازه. ويثير المشروع ضجة كبيرة عبر الإنترنت.

رسمه الأول في إطار هذا العرض مثل طفلاً على ظهر طفل آخر يحاول التقاط بخاخ الطلاء الوارد على لوح حقيقي يؤكد أن الغرافيتي جريمة. وقد غطي الرسم بعد ذلك بطلاء ابيض.

ومن رسومه النيويوركية الأخيرة، كان رسما يمثل كلباً اسود يتبول على مخرج مياه لفرق الإطفاء مع عبارات “أنت تكملني”، وقد جذب الكثير من الأشخاص من مراهقين وفنانين ومهنيين تهافتوا لالتقاط صور له. وقد التقطت صور لأشخاص وهم يداعبون رأس الكلب في الرسم.

من برلين إلى الضفة

بالنسبة لكثيرين، ليس جدار برلين مجرد بناء اسمنتي ثقيل يَقسم برلين وألمانيا وأوروبا والعالم فحسب، بل هو سور قبيح يغتصب الحريات.

هذا رأي فنانين كثيرين ذهبوا إلى الجدار ليقولوا إنهم يرفضونه، باستخدام ريشتهم. لكن عدة قيود منعت الفنانين من الرسم على جدار برلين.  ففي الجانب الشرقي كان من الصعب أن تسمح السلطات في ألمانيا الشرقية بالوصول إلى الجدار أساساً، ناهيك عن أن يتمكن المرء من الرسم عليه. أما في الجانب الغربي، ورغم المحاولات العديدة للرسم على الجدار، فإن أعمال الرسم لم تبدأ حتى عام 1975.  لكن مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي لفت الجدار نظر فناني غرافيتي مثل الفرنسي تيري نوار والأميركي كيث هارنغ، فاستغلوا المساحة الواسعة التي يتيحها الجدار ليرسموا حول الحب والحرية والسلام. إلا أن ذلك لم يصمد طويلاً، ليس لأن تلك الأعمال كانت عرضة للتخريب من قبل الآخرين، بل لأن الجدار انهار بعد ذلك بسنوات قليلة.

لكن أبرز الأعمال الفنية التي يحملها جدار برلين حتى الآن رسمت بعد هدمه بعام تقريباً.  فبعد هدمه عام 1989، ظل 1300 متر من جدار برلين واقفة دون هدم. في العام التالي قامت بلدية برلين بدعوة 118 فنانا من حول العالم للرسم على الجانب الشرقي للتعبير عما عناه وجود الجدار وعدم وجوده.

استجاب 100 من الفنانين، وخلال أشهر نشـأ في برلين معلم سياحي وفني جديد اسمه “معرض الجانب الشرقي”، احتوى رسوماً مليئة بالرمزية من أشهرها السيارة التي تخترق الجدار، واليد التي ترفع علامة النصرعبر قضبان السجن، ولعل أشهرها رسم الزعيمين الشيوعيين السابقين الألماني الشرقي إيريك هونيكر والسوفيتي ليونيد بريجينيف يقبلان بعضهما البعض بحميمية.

لكن هذه الرسوم تعرضت للكثير من التخريب وأثرت عليها عوامل الزمن بشكل جعل بعض الأعمال تختفي تقريباً، مما دفع السلطات الألمانية الى ترميم وإنقاذ تلك الأعمال الفنية في معرض الجانب الشرقي.

وكما في برلين، كذلك في فلسطين حيث تحوّل الجدار الإسرائيلي في الضفة الغربية في جانبه الشرقي إلى معرض مفتوح لأعمال فنية عدة تتكرر فيها المواضيع التي شهدها جدار برلين. من أبرز رساميها فنان الغرافيتي البريطاني بانكسي الذي اشتهر برسوم تفتح ثغرات في الجدار نحو عالم جميل حرم منه الفلسطينيون.

ويعد الممثلان أنجيلينا جولي وبراد بيت من المعجبين بهذا الفنان البريطاني المتحدر من بريستول (جنوب غرب انكلترا) واسمه الحقيقي روبين غونينغهام.

وفي العام 2012، رسم بانكسي عملا بعنوان “سليف ليبور” (عمل عبد) يظهر فيه صبي يصنع على آلة للخياطة وهو راكع أعلاما بريطانية صغيرة على حائط في حي شعبي في شمال لندن، للتنديد بعمالة الأطفال.

لكن الرسم أزيل في السر عن الحائط وبيع في مزاد فني مقابل أكثر من 750 ألف جنيه استرليني (880 ألف يورو).  وقد أثارت هذه الخطوة غضب السكان الذي شعروا بأنهم سلبوا أحد ممتلكاتهم.

ويرى ريتشارد هاورد-غريفين مدير “ستريت آرت لندن” التي تنظم زيارات مع دليل سياحي في لندن للتعرف إلى فنون الشارع أن هذه المزادات هي “رأسمالية بحتة تعكس جشع الانسان. فهي شرعية تماما في نظر القانون، لكنها فعليا انحطاط أخلاقي”.

ولا تعود أرباح المزادات إلى الفنان نفسه، بل إلى مالك الفسحات التي رسم عليها الغرافيتي.

ويقول بانكسي في هذا الخصوص:”بدأت دور المزادات الشهيرة فجأة ببيع فنون الشارع ، واصبح الأمر فجأة يتمحور على المال، مع أنه لم يكن يوما كذلك”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s