جوزيف مجدلاني: العثور على الحلقة المفقودة في علوم الإنسان

غادة علي كلش:

الدكتور جوزيف مجدلاني غنيٌّ عن التعريف ولا يحتاج إلى تقديم. فبفضله تأسست علوم الإيزوتيريك في لبنان في منتصف الثمانينيات وانتشرت في العالم العربي تحت عنوان علم الباطن الخفي، علم الوعي-الإيزوتيريك. وهو علم الإنسان من مجمل جوانبه البشرية والإنسانية الظاهرة والخفية على حد سواء. باختصار الإيزوتيريك هو تطوُّر في الوعي، ووعي في التطوُّر، تطبيقاً عملياً، لإيصال المرء إلى مراحل اكثر تقدماً في وعي غوامض الحياة.

 مؤلفات د. مجدلاني (التي يذيِّلها بتوقيعه ج ب م) تعالج الخفايا وبواطن المعرفة في الإنسان والحياة، تعدَّت الثمانين كتاباً حتى تاريخه باللغتين العربية والإنكليزية. هذا إضافة إلى الكتب التي تمَّت ترجمتها من العربية والإنكليزية إلى اللغات الفرنسية والإسبانية والبلغارية والروسية. فالإيزوتيريك علوم متطورة في بواطن المعرفة الحياتية والكونية. وهي تقدّم منهجاً دقيقاً وتقنية عملية في تفتيح الوعي الإنساني وتطوير الفكر.

  مع الدكتور مجدلاني كا

جوزف مجدلاني

جوزيف مجدلاني

ن لنا هذا الحوار، حول كتابه “قصتي مع العِلْم…” بشكل خاص، وكتبه بشكل عام.

 

■ بداية، ماذا تصنف علم الإيزوتيريك في عالم المعرفة؟ أهو عقيدة أو ممارسة أو رياضة فكرية أو ما شابه؟ وإذا كان الإيزوتيريك علماً، فما هي المناهج والوسائل العلمية المتبعة؟

– قبل الاجابة، دعيني اعرّف لكِ معنى كلمة إيزوتيريك. فهي كلمة يونانية المنشأ، تعني داخلي، جوّاني، باطني؛ إستخدمها فلاسفة الإغريق للإشارة إلى كل ما هو خفي… على عكس كلمة إكزوتيريك التي تعني خارجي، ظاهري. ثم شاع إستعمالها في اللغات الحديثة.

الإيزوتيريك هو عقيدة المعرفة وإيديولوجيتها… والتحقق في الممارسة. هو الفكر العميق القوي والواسع المستنير الذي يسبر الآفاق. هو مجموعة علوم الإنسان في شموليتها، والحياة في أسرارها، والطبيعة في غوامضها، والفضاء في خفاياه… وكل ما تتعلّق معرفته بالإنسان-المحور لكل شيء، بهدف توسيع آفاق وعيه وذلك بالتحقق بنفسه.

مؤلفاتي المتنوعة المواضيع تشرح بالتفصيل أكثر مما تقدَّم… تشرحه بالمنطق العلمي الرصين، والمنطق  هو الطريق العملي إلى البرهان عبر التطبيق. كما أنّها تقدّم وسائل عملية للممارسة في مناهج علمية تطبيقية للتأكيد. فإنسان الإيزوتيريك هو المختبِر والمختبَر للوصول إلى التحقق بنفسه…

أهم ما يعلّمه الإيزوتيريك هو تقوية الفكر وبناء الشخصية القوية المُحبَّة والمحبوبة… وهذا ما لا تدرِّسه الجامعات ولا يفطن إليه علم النفس. إنّه بإختصار طريقة حياة كاملة مكتملة تساعد المرء على تطوير وعيه والارتقاء بعيشه – هدف الإيزوتيريك. فالإنسان هو الهدف دائماً وابداً.

 

■ وجَدَ بطل رواية “قصتي مع العِلْم… ” في بحوثه ودراساته الإيزوتيركية والتي استغرقته ثلاثة أعوام، “الحلقة المفقودة”، التي لم يجدها خلال ثلاثين عاماً في الدراسة العلمية الأكاديمية. فما هي هذه الحلقة المفقودة، وما أهميتها بالنسبة لأمراض العصر  والعصور المقبلة؟

– الإيزوتيريك هو علم الإنسان الداخلي، هو العلم الشامل الذي لا يناقض ولا ينقد ولا ينتقد العلوم الأخرى. مختبره الإنسان بكليته… أي الجانب المرئي المادي منه… وأيضاً الجانب اللامرئي اللامادي منه. فهذا الجزء اللامادي هو علّة وجود الجسد… لا بل الجسد يعكس ما يعتمل في باطنه… الجسد يراه العلم المادي، أمّا النفس والذات فلا يراهما…. ومعرفته بهما لا تتعدى القشور… العلوم الأكاديمية تبحث وتختبر وتتقصى في نطاق الجسد المادي المنظور. علماً أنّ هذا الجسد هو جزء من الكيان الإنساني. فهو يحوي أيضاً أجهزة الوعي اللامادية في الإنسان. علماً أنّ الذات ليست النفس في مفهوم الإيزوتيريك. فالنفس البشرية تحوي المشاعر والأفكار الأرضية، بينما الذات هي الإنسان الحقيقي، الإنسان الذي لا يحوي سوى الحق والخير والجمال في وحدة متناغمة… من هنا يُقال ’أمراض نفسية‘ وليس ’أمراضاً ذاتية‘، ’وتحقيق الذات‘ وليس ’تحقيق النفس‘. بعبارة أخرى هذه “الحلقة المفقودة” هي “وجود عناصر لامادية” في الإنسان وفي الوجود… هذه العناصر اللامادية هي:

أولاً: الأجسام الباطنية أو أجهزة الوعي في الإنسان؛ وهي الهالة الأثيرية أو الـ Bioplasma بلغة العلم،  وهي عبارة عن ذبذبات كهرومغنطيسية لا تختلف عن الذبذبات أو الذرات المادية الكثيفة إلا من حيث رقة تكوينها فقط. يلي الهالة الأثيرية جهاز أو جسم المشاعر، يليه الجسم العقلي. ومن ثم جسم المحبة تليه الإرادة وأخيراً الروح. فالتفاصيل عن أجهزة الوعي هذه شرحتُها في كتابي”علم الألوان (الأشعة اللونية الكونية والإنسانية). وهذا الكتاب نشر في الانكليزية تحت عنوان “The Science of Colours: The Cosmic and Human Colour Rays” .

ثانياً: البحث في واقع تكرار الحيوات المتعاقبة على الأرض.

ثالثاً: قانون الثواب والعقاب، قانون السببيّة، قانون الفعل وردة الفعل (أو قانون الكارما).

فالعلم الأكاديمي بفروعه كافة ولا سيما الطبية، لن يتوصل إلى كشف النواحي الغامضة في الإنسان، والأمراض، وعلم الوراثة، الخ… إلا بعد اعترافه بواقع وجود العناصر اللامادية (الذبذبية التكوين) الآنفة الذكر. فحينها يتوصل الى حقيقة الانسان بأنّه مخلوق خاص لا يُستنسخ.

كما تؤكد علوم الإيزوتيريك أنّ النفس هي سبب الأمراض… وتحديداً السلبيات الكامنة في باطن النفس البشرية التي يتصرف من خلالها السواد الأعظم من البشر… فتظهر افرازاتها صداعاً وأوجاعاً وقلقاً ونكداً وأمراضاً وضغوطات حياتية وكل الحالات غير المستحبة… وأيضاً النفس البشرية هي مصدر الصحة السليمة. فالنفس الصاحية الواعية اليقظة التي تتحصّن بالمحبة العملية والمعاملة الحسنة والرقة والتواضع تتميز بمناعة قوية ضد الأمراض.

■ تقدِّم في روايتك العلمية والحياتية القيّمة “قصتي مع العِلْم… ” نظرية طبية تطبيقية، من خلال علم الإيزوتيريك. إلى أي مدى ترتبط علوم الفلسفة وعلم النفس وسائر العلوم والفنون بعلم الطب البشري؟

– إنَّ كتاب “قصتي مع العِلْم… ” يقدِّم مقارنة بين العلم الأكاديمي وعلم الإيزوتيريك كما يرويها طبيب أمضى ما يناهز ثلاثة عقود في حقول العلوم الأكاديمية والبحث العلمي، لكنّه لم يصل إلى الحقيقة التي لطالما بحث عنها… حتى وصل به المطاف إلى علوم الإيزوتيريك-علوم الباطن الانساني حيث تقبع كل حقيقة… قدمتُ في الكتاب حقائق إنسانية تُكشف للمرة الأولى بهدف إزاحة النقاب عن تلك “الحلقة المفقودة” التي تربط بين ظاهر الانسان (كجسد) وباطنه (كنفس وعقل). تلك الحلقة التي لو وعاها العلم الأكاديمي واعترف بوجودها لقطع أشواطاً طويلة في فهم النفس البشرية، وفي إدراك أسباب أمراضها وإستدراك علّلها.

أما سؤالك عن مدى ارتباط الفلسفة وسائر العلوم والفنون بعلم الطب البشري… فإنّ الإيزوتيريك يعزو هذه العلاقة إلى الإنسان نفسه… فلولا الإنسان لما وُجد اي شيء… إذ إنّ الخلق برمته كان من أجل الإنسان، وكل وجود أو كائن أو علم أو فنّ موجود بفضل وجود الإنسان. لذلك ألا يبدو منطقياً إدراك الوجود والعلوم قبل فهم الإنسان أولاً؟!!!

إنّ الفلسفات والعلوم والأديان وحتى الفنون كما فسرتُها في كتاب “الإيزوتيريك علم المعرفة ومعرفة العلم” تشكّل أبعاد المعرفة الكاملة… وهذه الأجزاء كانت موحدة ضمن “المعرفة الأم” حين كان الإنسان يعمل على تطوير وعيه على الصعيدين الباطني والمادي، أي حين كان يستعمل ما يقارب نسبة سبعين في المئة من مجمل وعيه (مقارنة بالخمسة في المئة المفعلة عند انسان اليوم). لكن حين آثر الإنسان التطور في الجانب المادي فقط، بدأ يتقهقر في الوعي إلى أن حدث الطوفان الأكبر الذي عرفته بشرية الأرض، طوفان قارة الأتلنتيد… فمع اندثار هذه القارة، هبط وعي الإنسان إلى الحضيض… وبات غير قادرٍ على استيعاب المعرفة كاملة إلا عن طريق تجزئتها… فتجزأت إلى فلسفات وعلوم وفنون…

■ بما أنّك تكلمت عن الألفية الثالثة، لديّ فضول لمعرفة ما سيميزها عن الألفية السابقة؟

– العصر الحالي يُعرف بعصر السرعة. أمّا العصر المقبل فسيُعرف بعصر تركيز السرعة– تركيز طاقات الظاهر والباطن باتحادهما معاً. فالسرعة وحدها لا تكفي إن لم تكن وجهة المسير متوازية ومتكاملة، والتخطيط تظلّله الرؤيا الشاملة والهدف الواعي… فما الجدوى مثلاً من اختصار الوقت عبر وسائل النقل السريعة، ثم اضاعته في عمل ناقص أو فكر محدود؟! فالتركيز أهم من  السرعة لأنّه قادر على توليد السرعة. والعكس غير صحيح.

اضف الى التركيز التنظيم الذي يشكل الخطوة الاولى نحو اختصار الوقت واتقان العمل. يلي ذلك محبة العمل التي تجعل من التنظيم والتركيز والسرعة فسحة للتعمق في إنسانية الإنسان، لا بل سرعة للتعبير عنها… يتوّج كل ذلك حكمة الانجاز. لأنّ خلاصة توافر هذه الشروط في كل عمل يقوم به المرء، لا بد وأن تظلّله الحكمة قولاً وتخطيطـًا وفعلاً. وإذا ما عدنا الى هذه الركائز الأربع (تركيز، تنظيم، محبة وحكمة) نستشف منها شعاعاً باطنياً هو بمثابة السهل الممتنع للانجاز الرائع…. لأنّ إنسان الزمن الحاضر يجهل مدى فاعلية هذه القاعدة في حياته، وفي أعماله. والى أن تصبح هذه الركائز- الصفات قاعدة العمل في المستقبل، تغدو علوم الباطن الانساني المحرّك لعلوم الظاهر المادي، الذي سيعي بُعدا جديداً– إن لم يكن أبعاداً في المادة– أهمها مدى تجاوبها (المادة) وتفاعلها مع الباطن وهو يتغلغل فيها. بذلك يمكن التحكّم في المادة.

■ المصادفة حدث  لم نضرب له موعداً. وفي  هذا الكتاب، عاين بطل الرواية هذه المسألة من خلال رصد نظام الحياة. ما هي الخلاصة الألمع التي توصل إليها في هذا الصدد؟ وما رأي الإيزوتيريك في مسألة المصادفة والحظ؟!

–  تؤكّد علوم الباطن الإنساني-الإيزوتيريك أنّه لا وجود للمصادفة في حياة المرء. لا بل لا مجال للفوضى والفرضية والعشوائية في نظام الحياة العادل المتناهي الدقة. وعكس ذلك يعني الشك في العدل الالهي ونظام الحياة… وهذا ما توصل إلى اختباره بطل الرواية حيث توعّى إلى أنّ عدم مقدرة المرء على الربط بين احداث حياته، وعجز وعيه عن استيعاب الزمن في وحدته كماضٍ، وحاضر ومستقبل هو ما يجعله يعزو الأحداث إلى الصدف والحظ… أمّا من انتهج درب الإيزوتيريك أسلوب حياة كما اختبر البطل، فيتوعّى أنّه هو نفسه محور أحداث حياته، وأنّ لكل حدث أو حادثة عبرة ينقصه التوعي إليها أو فهمها… فالتجربة، أي تجربة، ما وُجدت إلا ليفهمها المرء ويستخلّص العبرة منها… بحسب حاجة وعي المرء لاختبارها.

■ كتابك بعنوان “رسول عصر الدلو”، كيف يتقاطع و”قصتي مع العِلْم…”، وأين يلتقيان من حيث الأهداف والمعادلات؟

– تجدر الإشارة أنَّ مؤلفات الإيزوتيريك والتي بلغت الثمانين مؤلفاً حتى تاريخه، تشكل جميعها حلقات في سلسلة. تتكامل فيما بينها ولا تتعارض. إذ إنّ موضوع بحثها الإنسان، ومختبرها الإنسان وغايتها اكتشاف المجهول في الإنسان. لأنّ الإنسان هو الهدف دائماً وابداً. وكل ذلك بهدف تطوير وعي الإنسان على الدوام. أما بالنسبة لكتاب “رسول عصر الدلو”،  فيكشف ما سيكون عليه العصر المقبل… تبرز خلاله ملكة الذكاء الإنساني الراقي لدى المريدين. ما سيخوّل إنسان عصر الدلو بلوغ مراقي “الفهم المباشر”، أي الفهم الذي سيتخطى الحواس.

         

 

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s