“عيدية الإرهاب”

من تفجير ستاركو

من تفجير ستاركو

أي “عيدية” في بلاد تطرد الأعياد؟

وأين هي الأيام التي نسأل الله أن يعيدها علينا باليمن والبركات؟

لا “عيدية” للبناني غير ما يهديها إليه الإرهاب.

والإرهاب يقدّم لنا هداياه في الأعياد وخارجها.  فكل فرصة تتيح له وضع سيارة مفخخة هي، بالنسبة له، عيد يستحق “عيدية”.

وآخر معايداته، بين عيدي الميلاد ورأس السنة، متفجرة “ستاركو” التي أودت بحياة ثمانية أبرياء بينهم رأس محمد شطح، “رأس الحكمة” السياسية في بلاد تعيش بلا حكمة ولا حكومة ولا حكم.

يحدث هذا، وقد حدث كثيراً من قبل، لأننا نمدّ للإرهاب يد المساعدة ليحضر إلى لبنان ويحضّر عملياته السوداء.

نحن الذين نغريه في استيطان بلادنا الخضراء.

نبثّ الشائعات، ونكيل الاتهامات، ونسترسل في حملات التخوين، وننقب عن الفتنة، ونردح بالسباب والقدح والذم.

نحن الذين نوفّر البيئات الحاضنة.  ففي كل مكان في لبنان، للإرهاب مكان آمن … فيه ومنه يضرب الأمن والأمان.

هو عدو، لكننا نستعين به على “الأعداء”.

منذ أن مزّقنا “حصر إرث الميثاق الوطني”، ومنذ أن “بلّينا اتفاق الطائف بالماء وشربناه”، ومنذ أن اختلطت أنسابنا ولم نعد نميّز بين أمنا لبنان وبين أمهاتنا بالتبني غرباً بالولاء، وشرقاً بالتبعية … منذ أن كان كل هذا، أصبحت أعيادنا مناسبات للقتل وتقبل العزاء.

مع هذا الخليط من الولاء والتبعية، جفّت عواطف الأبوة والأمومة والأخوة، وأصبح الوطن لقيطاً يتعامل معه الجميع على أنه إبن حرام.

ومن عجائب اللبناني وغرائبه، أنه بدل العمل على التهدئة والتوافق والاستقرار، يفعل كل ما يزيد قلقه قلقاً، ومخاوفه خوفاً.

يعاند ذاكرته، فلا هو يسمح لها في إنعاش الماضي الذهبي في مرحلة ما قبل اغتيال الشهيد رفيق الحريري، للبنان الإعمار والإزدهار.  ولا الذاكرة تجد في رأسه المغلق مكاناً لصورة واحدة من آلاف الصور المأساوية والمرعبة، التي عاشها خلال الحرب الأهلية، والتي يصرّ على عودتها، فيما تصرّ هي على أن لا تعود.

يجب علينا الاعتراف بأننا نتكاره إلى حد الاقتتال.  ونختلف إلى حد الخيانة.  ونكذب إلى حد القضاء على الحقيقة.

إننا مجتمع مشوّه ومجنون، رغم كل ما نعيشه من تحضّر ومعرفة وثقافة. فضميرنا الوطني لا يكاد يستيقظ للحظات، حتى يعود إلى السبات لسنوات.

نتعصّب في أغانينا للبنان، ولا نستغني عن تعصّبنا لمذاهبنا وطوائفنا وجعلها أعلى من قمم جبالنا الشامخة، وأبقى من أرزنا الخالد.

لولانا، لما نجح الإرهاب في تفخيخ أعيادنا، ولما نجح في توزيع “عيدياته” علينا في الأضرحة والمقابر.

سامر الحسيني

قهوجيات: أزمة أخلاق

في أحد الأيام أُقيم احتفال خطابي كبير لتكريم أحد التجار الموسرين، بعد أن إتخذ قراراً بدخول الحياة السياسية، وقد تبارى الخطباء في إختراع وابتداع مآثر المكرَّم واعتباره من الذين يعوَّل عليهم في كتابة تاريخ جديد للبلد، وذلك لما يزخر به فكره إلى جانب طموحاته من آراء وأفكار تغييريَّة، حيث عرفنا فيما بعد أن هذا التاجر هو بذاته قد دُوهمت مستودعاته في السنة الماضية وضُبِطَ بالجرم المشهود وهو يغيِّر “تواريخ” المعلبات الفاسدة التي لديه بتواريخ جديدة!!

ويبدو أن حماسته الوطنية – ولا ننسى القومية – لتغيير التاريخ بدأت من المستودعات حيث أنه من هنا سيبني المسيرة على أسس فاسدة وينشر فساداً للأجيال القادمة تساهم في استرداد فلسطين إلى جانب رفع سقف الحريات.. ومع ذلك فقد دخل هذا الفاسد المفسد مع غيره من الانتهازيين عالم السياسة وأصبح عضواً في البرلمان يشارك في التشريع وسن القوانين!

هناك مَثَل أو بالأحرى قول تشبيهي مفاده: إذا كان هناك برتقالة – من بساتين لبنان – فاسدة في صندوق مملوء بالبرتقال الجيِّد، فإنها تُفسد كل البرتقالات الموجودة. من جانب آخر، إذا وضعنا برتقالة جيدة – أيضاً من بساتين لبنان – في صندوق مملوء بالبرتقال الفاسد، فإنها لا تستطيع أن تجعل كل برتقالات الصندوق جيّدة، بل ستفسد بدورها، وذلك بفعل الغالبية الفاسدة!

يتبيَّن لنا من هذا الكلام – وللأسف – أن مكوِّنات الفساد وركائزه هي الأقوى والأفعل، ولو اقتصر الأمر على البرتقال والتفاح وعلى ما ينتجه البلد من فاكهة، لربما تحاشينا الوقوع في الأخطاء وانتبهنا لعمليات التوضيب، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسياسة وباللغة التغييرية الآنفة الذكر، ووصول الفاسدين كالتسونامي إلى مراكز القرار وانتشار الرشوة والنفاق والمحسوبية، وتوتر الأعصاب الطائفية والمناطقية وكل العلل المخفيّة، ونهب مقدرات الدولة، والارتهان للخارج تحت عناوين متعددة، فإن الخوف يصبح على الوطن نفسه كدولة، لا بل كوجود.

منذ القديم ابتكر الإنسان ما يُسمى “بالأخلاق”، وذلك ليحمي نفسه ومجتمعه من هجوم وتعديات من فقدوا الحس الإنساني والاعتراف بحقوق الآخرين، ومنذ البدء اعتبر أن الأخلاق هي الرادع للتجاوزات، وهي جوهر القوانين، وهي التي عليها بَنَت الرسالات السماوية نهجها، وكذلك الفلسفات ومبادئ السلام والعدل والحرية.. .

كنا نقول – وما زلنا – بأن فلاناً: شاطر، ذكي، لمَّاح، حربوق لا يُشق له غبار. يعرف من أين تؤكل الكتف، داهية، بيجيبها من قلب السبع… وغيرها من الأوصاف، مع أننا وبكل بساطة نستطيع اختصارها كلها بكلمة واحدة وهي: حرامي!! وسُميّ حرامي – أطال الله أعمار المسروقين- لأنه يستولي وينهب من “حَلاَل” غيره! ومع الوقت شكَّل هؤلاء “الحرامية” طبقة سيطرت على البلد واستطاعت نشر وتعميم الفساد وتطبيقه، لا بل قامت بتصديره إلى أكثر من مطرح مرتكزة على مقولة: إن الفساد يسند بعضه بعضاً من دون أن يكون هناك معرفة بين الفاسدين! لقد دخل هؤلاء عالم السياسة وأصبحوا من أصحاب الأمر وذلك بوكالة من الناخبين عن طريق ما يسمونه انتخابات، فقد استعملوا بمهارة وأمانة تلك الوكالة وقاموا ببيع البلد للخارج وبالتقسيط المريح!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

ليلى مولاي تتحدّى: خلعت “الملحفة” فعرّت الاسلاميين

ليلى مولاي

ليلى مولاي

لم تعد ليلى مولاي مجرّد مغنية موريتانية شابة.  فتحدّيها للتقاليد المجحفة بحق المرأة، بعد ظهورها بلباس غير تقليدي في شريط فيديو غنائي، سرعان ما حوّلها إلى رأس حربة في معركة الحريات بين المحافظين وبين المنادين بالتحرر الثقافي والفكري في الشارع الموريتاني.

قصة ليلى مولاي بدأت عندما نشرت شركة “موريماكس” أخيراً فيديو كليب بالإنكليزية بعنوان “بدأ في موريتانيا” للمغني الشاب حمزة براين، تظهر فيه الفنانة الموريتانية وقد تخلت عن اللباس التقليدي الموريتاني (الملحفة) وظهرت بثياب عصرية.

وانتشر الكليب بشكل كبير على المواقع الاجتماعية، وهاجم المتشددون جميع المشاركين في الفيديو، ورأوا فيه دعوة صريحة لنشر ثقافة الانحلال الأخلاقي في المجتمع الموريتاني.

ودافعت الشركة عن عملها الجديد وأكدت أنه يهدف لتلبية أذواق شريحة كبيرة من المجتمع الموريتاني، مؤكدة أن القصد من الأغنية لم يكن سوى تأكيد قدرتها على إنتاج فيديو كليب بمستوى عالمي.

وأكدت مولاي أنها لم تأبه لبعض التهديدات التي تلقتها من المشددين، وأنها ستشارك في أعمال جديدة من هذا النوع، داعية الشباب الموريتاني إلى إبراز طاقاته والتجديد في الفن.

وتعاني المرأة الموريتانية صعوبات كبيرة في مجتمع ذكوري محافظ يحرم عملها في بعض الميادين كالفن والإعلانات وعروض الأزياء وغيرها باعتبارها خطا أحمر يتجاوز التقاليد ويسيء للدين والأخلاق.

ونددت حركة “لا للإباحية” الناشطة في مناهضة “التفسخ الأخلاقي في المجتمع الموريتاني” بفيديو ليلى الجديد، معتبرة أن منتجيه يروّجون للتفسخ والانحلال الأخلاقي.

وفيما يعتبر البعض فيديو كليب ليلى “عملاً فنياُ تحتاج إليه موريتانيا، ويسمح بتفجير طاقات شابة هائلة وخلق حركية وحيوية في مجال الانتاج الفني”، يرى البعض الآخر أن “طبيعة الملابس والكلمات والمناظر والإيقاع والتصوير ودرجة الخلاعة تجعل الفيديو كليب الجديد عملا إبداعيا بالنسبة للأميركيين والفرنسيين وغيرهم، وتجعله نشازا في موريتانيا التي يخرج قطعيا عن تقاليد وأعراف مجتمعها المحافظ المحتشم”.

الكاتبة مريم بنت عينية اعتبرت أن ما قام به حمزة براين وليلى مولاي “لا يخدش الحياء، فلا هما تبادلا القبل ولا مارسا الجنس”، وأكدت أن عرض الفيديو اقتصر على المواقع الاجتماعية، مشيرة إلى أن من يدّعي بأنه خدش حياءه أو أساء إلى أخلاقه بإمكانه عدم مشاهدته مجددا.

وأضافت في مقال بعنوان “أرفع قبعتي لحمزة براين” بصحيفة “تقدمي”: يا لكِ من أخلاق، يفسدها ضرب كف حمزة بكف ليلى على شاطئ محيط نواكشوط، ويصلحها رئيس حزب اسلامي تزوج على أم عياله، ثم طلق الثانية وأرجع الأولى، ومفكر إسلامي طلق زوجته الأولى، وتخلى عن أبنائه منها ليتزوج من يكبرها بقرابة عشرين عاما، بعد أن تخرجت من جامعة أميركية ووجدت عملا مجزيا في عاصمة دولة خليجية”.

يذكر أن الفنان حمزة براين أكد مؤخرا أنه ليس نادما على نشر الفيديو كليب، مشيرا إلى أن عمله الجديد يشكل نهوضا بالمستوى المتدني الذي تعيشه الموسيقى في موريتانيا.  وأضاف لموقع “اكريديم” الناطق بالفرنسية “أتحمل كامل مسؤوليتي (عن الفيديو). وعلى كل حال أنا بشر، وإني آسف إن كنت صدمت بعض الناس، كما أشكر كل الذين ساندوني وشجعوني. أولئك الذين يؤمنون بموريتانيا موحدة ومنفتحة”.

المرأة الموريتانية

 ويرى الباحث الاجتماعي، خالد مولاي إدريس، بأن الحراك الحالي يمثل هبة من المجتمع المحافظ الذي بات يشعر بأن قيمه تتعرض لهزات قوية بسبب ثقافة المدينة التي تفرض مقاربات مختلفة بشان التعاطي مع حرية المرأة، فوجود مثقفين يقولون بأحقية المرأة في مزاحمة الرجل في شتى المجالات خلق نوعا من التصادم بين النظرتين التقليدية والعصرية للمرأة. وهذا التصادم يبرز على السطح في شكل حركات اجتماعية تسعى للمحافظة على عقليتها التقليدية عن طريق رفع شعار التشبث بالدين في وجه الانحراف الذي هو بالنسبة لها الدعوات التقدمية التي ترفع شعار مشاركة المرأة في جهود التنمية والوصول لمراكز القرار.

ورغم إقرار قانون يلزم الأحزاب السياسية في موريتانيا، بضرورة أن تشكل النساء نسبة ما لا يقل عن 20 % من المرشحين للانتخابات البرلمانية والمحلية، فإن المرأة في هذا البلد الفقير مازالت تسعى إلى مزيد من الحقوق السياسية.

وتحتل المرأة في موريتانيا مكانا اجتماعيا مرموقا في الحياة البدائية التي يعيشها شعب هذا البلد، أما في المجال السياسي فالنساء يرين أنهن لم يحصلن بعد على حقوقهن الكاملة، في مجتمع ما زال يقاوم فكرة تصدر المرأة للمشهد السياسي.

ثورة، إعلام، حرية: الانترنت يهدم جدار الفضائيات والصحف الحكومية

حمل “الربيع العربي” في طياته الكثير من التغييرات، التي تباينت من دولة لأخرى، وشملت النظام السياسي والعلاقات بين الدولة والمجتمع، إلا أن التغييرات التي طرأت على ميدان الإعلام والإتصال في هذه الدول تبقى الأهم والأبرز.

بقدر ما كان الإعلام عموما مجسَّدا للواقع العربي وقهْره وتخلُّفه، كان الإعلام، خاصة الرسمي منه، إعلاما متخلِّفا وغير مِهني وأحادي الرأي.  في المقابل، لعب الإعلام غير الرسمي، والحديث منه (عبر الوسائط الحديثة والإنترنت عموما) دورا مهمّا في “الربيع العربي”، سواء تعلق الأمر بإشعال شرارته الأولى أو باستِمراره وانتِشاره، بل بات بعد حصول التغيير في البلدان المعنية، المُعبِّر الأول عن مدى تجسيد هذه الشِّعارات على أرض الواقع.

 ما قبل الثورات

كانت وسائط الإعلام والإتصال الوطنية الرسمية (صحف، إذاعات، فضائيات)، تابعة للحكومات التي تعكِس من خلالها رُؤيتها ومقاربتها لتدبير الشأن العام، وسائط محلية تتسم بالتخلّف وعدم الحرية والرأي الواحد الوحيد وعدم المِهنية وتزييف الحقائق، لأنها تعكِس نظْرة الحكومات لشعوبها وتعتبرها قاصِرة لا حقّ لها بالمبادرة والتعبير عن رأيها.

بموازاة ذلك، كانت هناك وسائط إعلام واتصال وطنية غير حكومية، تأسست (أساسا الفضائيات) بمبادرة من أصحاب رأس المال المقرّبين في معظم الأحيان من حكام أو أحزاب أو مهنيين (أساسا الصحف)، تحاول أن تتلمّس فضاءً بمِهنية أعلى، أكثر اتِّساعا من الفضاء السائد. وفي هذا السياق، يُسجّل للفضاء المصري نجاحه باستيعاب هذه المبادرات وتطويرها قبل 25 يناير، وإن كان يسجل عربيا للفضاء اللبناني رِيادته في هذا المجال.

حاولت الحكومات العربية، قبل اندلاع “ثورة الحرية الكرامة” في تونس، عدم المُمانعة في إصدار صحف وإنشاء فضائيات، مع سقْف محدود من الحرية أو حتى (فضائيا) تحديد برامج المنوّعات أو البرامج الخفيفة.

ورغم الصعوبات التي كانت تُواجه هذه الوسائط، إلا أنها لعِبت دورا ملموسا في مُتابعة تطوّرات ما يجري في الشوارع والساحات، وحاولت الذهاب إلى أكثر من ذلك نحو نقل حقيقة ما يجري وآراء الشباب الذين أطلقوا نسائم الربيع، لكنها ظلت محكومة بالقوانين التي أصدرتها الحكومات قبل سقوطها.

الإنترنت سيد الاعلام

جاء “الربيع العربي”، في وقت حقّقت فيه البشرية تقدّما عِلميا هائلا في تكنولوجيا الإتصالات، أدى إلى تقليص تكلفة التواصل مع المُتلقّي بوسائط البث الفضائي، ثم تبعه الهاتف النقال فالإنترنت، سيد التكنولوجيا المعاصِرة، الذي أصبح عنوانا لهذا الربيع، نُسب إليه الفضل في الكثير مما عرفته الجغرافيا العربية من أحداث وتطوّرات وتغييرات.

لكن، بحُكم تفشّي الأمية والفقر في المجتمعات العربية، كانت الفضائيات سيِّدة الموقف، وتحديدا الفضائيات العابِرة للحدود الوطنية. والملفت أن الصور والتقارير التي كان يتلقّاها المشاهد العربي أولا بأول لما يجري بشارع بورقيبة بتونس أو في ساحة التحرير بالقاهرة أو بساحة التغيير في صنعاء، كانت تأتي مباشرة من عواصم، غيْر تلك التي نهضت بربيعها، عبْر فضائيات احتلّت طوال السنوات الماضية الحيِّز الأكبر من مساحة المشاهدين في تلك الجغرافيا، المُمتدّة من البحرين إلى نواكشوط، وأثبتت – رغم بعض الهنات – أن المِهنية تتطور في ظل وجود هامش من الحرية.

عربياً، ظهرت وسائل الإعلام العابرة للحدود الوطنية، بعد أن نجحت قناة “سي ان ان” الأميركية في أن تكون مرجعِية الأخبار في حرب الخليج الثانية التي تلت احتلال العراق للكويت (آب / أغسطس 1990 – شباط / فبراير 1991)، وبعد أن اكتشفت الدول العربية الغنية بالنفط حالة العداء المُستشري لسياساتها ومواقفها، في الأوساط الشعبية العربية، إلا أن التِزام هذه الوسائط العربية بالسّقف الذي حدّدته سياسات الدول الراعية والمالكة لها، وعدم اختلافها في أي شيء (باستثناء برامج المنوّعات والمِهنية الصحفية) عن القنوات الوطنية في تلك الدول، أفقدها شيئا فشيئا قوة التأثير السياسي المطلوب.

التحوّل الرئيسي بالفضاء السّمعي المرئي كان بإطلاق قناة “الجزيرة” من دولة قطر في تشرين الثاني / نوفمبر 1996، لتحتلّ بسرعة المرتبة الأولى من بين الفضائيات العربية، بعد أن نجحت في استثمار طاقات إعلامية عربية اكتسبت خِبرة في الإعلام الغربي مع حرية واسعة في التعاطي مع كل القضايا، بدون حدود وبدون سقْف، مع الإلتِزام بالمِهنية والحِرص على التعددية، بشعارها “الرأي والرأي الآخر”، مع تكسير “المقدّسات السياسية” والإقتِراب ممّا كان يُوضع في خانة المحرّمات، دون السقوط في الإسفاف أو القذف أو التهجّم والشتائم.  لكن مع الشرارة الأولى لثورتي تونس ومصر، واجهت الجزيرة هجرة جماعية لمشاهديها، بعدما انكشف دورها التحريضي والموظّف في خدمة مشروع الاخوان المسلمين في السيطرة على دول الربيع.

في الوقت نفسه، ذكّرت الفضائيات العابِرة للحدود الوطنية المُتلقّي العربي بوسائط أخرى (الإذاعات الدولية والموجّهة تحديدا) لعِبت أدوارا مُشابهة في العقود السابقة، من بينها إذاعة “بي بي سي” وإذاعة “صوت العرب” وإذاعة “مونتي كارلو” وغيرها.

بعد التغييرات السياسية والمجتمعية التي عرفتها بلدان “الربيع العربي”، تراجَع بشكلٍ ملحوظ انتشار ونسبة مشاهدة القنوات الفضائية العابِرة للحدود، خاصة في هذه البلدان، لصالح القنوات الوطنية، التي كانت تبثّ قبل ثورة 14 يناير بتونس وثورة 25 يناير في مصر أو القنوات التي تناسلت بعد ذلك، وهو ما حفّز شبكات القنوات العابِرة للحدود لقنوات خاصة بمصر.

تجدر الإشارة إلى أن الهيمنة السابقة للقنوات العربية العابِرة للحدود، كانت تعود، بالإضافة إلى المِهنية والحُرية والإنفتاح (التي بات يتمتّع بها اليوم نِسبيا الإعلام الوطني)، إلى إيلاءها اهتماما بارزا بالقضايا الساخنة العربية والإسلامية، مثل القضية الفلسطينية والعراق ولبنان وأفغانستان، وهي قضايا توارت إلى الخلف بسبب التحوّلات الجارية في المشهد السياسي العربي، فيما تصدّرت المشهد القضايا المحلية.

الثورات حطّمت الاعلام التقليدي

الثورات حطّمت الاعلام التقليدي

ثورات الإنترنت

ما من شك في أن الوسائط العربية والدولية الناطقة بالعربية والعابرة للحدود، لعبت دورا أساسيا في “الربيع العربي” وثورات الشباب التي رافقته، إلا أن الفضل الأساسي لانطلاقتها يعود للإنترنت عموما ولشبكات التواصل الإجتماعي خصوصا.

وفي هذا السياق، لعبت القنوات الفضائية دوْر مكبِّر صوت لحركة الشارع العربي، وكانت طلقة في الهواء وأحدثت ضجّة كبيرة ووجدتها مادّة استهلاكية مهمّة، لذلك نالت حِصّة الأسد من المُشاهدة.

 إن مبادرة تحريك الشارع العربي انطلقت من شبكات وسائل الإتّصال الاجتماعي، بل أن صحيفة لوموند الفرنسية قالت “إن الثورات العربية بِنْتُ الإنترنت”.

يد عاملة من حديد: آلات تحيل البشر إلى التقاعد المبكر

روبوت طائر لتوصيل البريد

روبوت طائر لتوصيل البريد

يحلّ الانسان الآلي مكان البشر في الكثير من مجالات العمل، ما يمكن أن يؤدي إلى فقدان العاملين الكثير من وظائفهم.

ففي العام 2013 حققت التكنولوجيا تطورًا هائلًا جعلها تستبدل البشر في الكثير من الوظائف.

لكن، إلى جانب المهام الخطيرة التي يسر الانسان أن يتم استبداله فيها بالروبوتات والآلات، يبدو أن هذه المخلوقات الحديدية بدأت منافسته في المجالات الحياتية الأخرى، ما أدى إلى انقراض وظائف عفا عليها الزمن خلال هذا العام.

إرسال البريد

تتجه بعض الشركات العملاقة للاعتماد على طائرات من دون طيار لنقل البضائع إلى الزبائن. هل يمكن تطبيق ذلك، أم أن الأمر لا يعدو كونه حملة علاقات عامة؟

في العام 2012، كلفت شركة “أمازون” كيفا سيستمز، الصانعة للروبوتات، بصنع آلات يمكن برمجتها لالتقاط الأوامر عن الانترنت ونقلها من المستودع إلى نقاط المغادرة. وتمتلك الشركة الآن 1382 آلة في ثلاثة مراكز، ما يعني أنه في نهاية المطاف قد تستبدل الآلات عشرات الآلاف من العمال الموقتين، الذين ينتظرون موسم العطلات المزدحم لتأمين معيشتهم.

ولكن ما الجدوى الاقتصادية من هذه العملية؟ يقول هربرت كوتسب، عالم الاقتصاد و الخبير في الشؤون اللوجستية من جامعة بريمن: “الأمر مثير على أي حال، فإدخال الطائرات من دون طيار في خدمة التوصيل قد يخفف من الزحام في شوارع المدن الكبرى، التي تكتظ بسيارات توصيل الطلبيات”.

ربما تشكل الطائرة من دون طيار بديلاً محتملاً لسيارات توصيل البضائع والطلبيات للمناطق النائية كالموجودة في استراليا أو الدول الاسكندينافية. فاستخدام السيارات لتوصيل طلبيَّة واحدة لهذه المناطق يعتبر من الناحية الاقتصادية مكلف جداً. يعود الخبير كوتسب ويعقب على هذه النقطة قائلاً: “هذا الاستخدام للطائرات من دون طيار لن يحل مشكلة الازدحام، بل سينقل المشكلة من الأرض إلى الجو إذ أننا سنحتاج لقواعد ناظمة لحركة المرور في الجو عند ذاك. أما من الناحية التقنية فيمكن استخدام نظام الملاحة الجوية  GPSللتحكم بالطائرة وتوجيهها. ولأسباب تتعلق بالأمن يجب أن لا تحلق الطائرة على ارتفاعات عالية، ويجب أن تبقى على مرأى الملاح الأرضي.

تكنولوجيا الطائرات بدون طيار مفيدة جدا بعد وقوع الكوارث، فهذه التقنية يمكنها البحث بشكل أكثر كفاءة بين الحطام وتحديد الطرق الواضحة للوصول إلى بعض الأماكن التي يصعب الوصول إليها، إضافة إلى قدرتها الفعالة على تحديد حجم الأضرار البشرية والمادية .

هذه الطائرة يمكنها أن تقلع و تهبط عموديا تماما كما يفعل طائرة الهليكوبتر وهي صديقة للبيئة حيث تعمل بالطاقة الكهربائية من خلال بطارية تزن 100 كيلوغرام ويمكنها التحليق على ارتفاع 2000 متر وتقطع مسافة 100 كيلومتر في الساعة.

يأمل الفريق المصمم لبيع الفولوكابتر بحلول العام 2015 ، وكل طائرة يمكن أن يصل سعرها إلى حوالي 250000 يورو، ويتوقع العلماء أن تحدث هذه الطائرة تغييرا هائلا في الطريقة التي نتحرك بها في هذا الكوكب الواسع.

تسخين الطعام

تلقت محلات الوجبات السريعة تحذيرات من الباحثين من أن الطهاة المكلفين يمكن الاستعاضة عنهم بسهولة بالروبوتات. وعلى الرغم من أن هذا لم يحدث تمامًا حتى الآن، إلا أن هناك شركة واحدة على الأقل تعمل بجد لجعل ذلك ممكنًا. وتقوم سلسلة مطاعم ماكدونالدز باستبدال الصرافين بشاشات تعمل باللمس في أوروبا، وللاستعاضة عن العمال بالآلات في مجالات أخرى.

مبيعات الملابس

تتزايد التجارة الإلكترونية باطراد بعيدًا عن المخازن والواجهات في الأسواق، لكن الظاهرة التي بدأت بالانتشار في الآونة الأخيرة هي سلسلة من الأعمال التي نقلت تجارة التجزئة إلى الآلات والروبوتات.

“أميريكان جاينت” على سبيل المثال هي الممون الأساسي للملابس عالية الجودة، التي بدأت بصنع منتوجاتها خارج سان فرانسيسكو، عن طريق آلات أقل تكلفة وتسويقها أيضًا عبر الانترنت.  هذا يعني أن الزبون صار مكينًا من الحصول على سترة صوفية حاكتها الآلات بجودة عالية وبسعر تنافسي، إنما يعني أيضًا أن الناس الذين اعتادوا صنع وبيع هذه القطع فقدوا وظائفهم.

قيادة الشاحنات

تكنولوجيا مركبات التحكم الذاتي في تسارع مستمر، وتركز الآن على سيارات الركاب. لكن النقص الحقيقي في اليد العاملة هو في مجال النقل بالشاحنات لمسافات الطويلة، الأمر الذي يدفع الشركات إلى التوجه نحو الأتمتة لقيادة أكثر أمانًا وتحكمًا من قبل الروبوت الذي لا يشعر بالتعب. وهذا يعني أن نحو ستة ملايين شخص يقومون بهذه المهمة سيضطرون إلى إيجاد طريقة جديدة لكسب العيش.

المعدات الزراعية

لمجال الزراعة حكاية طويلة مع التشغيل الآلي، إلى حد أنه بالكاد يوجد بشري يعمل في هذه الصناعة في الولايات المتحدة.

الاستثناء الوحيد كان يفترض أن يكون أولئك الناس الذين يديرون أو يقودون هذه الآلات المستخدمة لحرث التربة وحصاد المحاصيل، لكن حتى هؤلاء لم يعودوا في أمان مع ظهور الجرارات، التي يمكن تحريكها عبر الحقول عن طريق الكمبيوتر أو من خلال برمجة الإحداثيات بشكل مسبق.

العمل في المختبرات

في مركز تريانغل بارك للبحوث في كارولينا الشمالية شركة تدعى  LabCorp، تعمل بجد على تطوير آلات لفرز وتقسيم عينات الدم، وهي وظيفة بسيطة يعتمد عليها الآلاف من العمال لكسب قوتهم. لكن يبدو الآن أن الروبوتات قادرة على أن تحل محلهم بطريقة أكثر كفاءة وأقل كلفة.

من يعلم إلى أي مدى ستتطور التكنولوجيا في السنوات المقبلة، والمجالات التي ستنافس فيها البشر. فما هي الميزة التي سترجح بقاء الانسان مسيطرًا على العالم أمام آلة من اختراعه؟

حديث الشارع: وليد جنبلاط

غير قابل للتقليد.

لا يشبهه أحد. لأن لا أحد يجرؤ أن يكون مثله.

مواقفه تتبدَّل و«الجينز» هو الثابت الوحيد.

يغضب فلا يخفي غضبه، ولو أدى إلى نسف الجسور السياسية.

يتنقل في مواقعه من مراهن على الأحلام إلى مستيقظ على الحقيقة.

لا يغش. فهو عندما يعلن عن موقف يكون قد اتخذه فعلاً. وعندما ينقلب إلى موقف آخر يكون قد قرر اتخاذه فعلاً.

لا يخشى ارتكاب الأخطاء الكبيرة، ولا يتوانى عن الاعتراف بها علناً وبالصوت العالي.

لا يلعب تحت الطاولة بأوراق مستورة. فهو يصالح ويعادي فوق الطاولة وبأوراق مكشوفة. أي أنه لا يمارس الخداع، لكنه شغوف بالمفاجآت.

شاطر جداً في كسب الأعداء… وهو الأشطر في إعادة الصداقات.

إنه وليد جنبلاط.

ولأنه كذلك لا يشبهه أحد.

«شوارعي»

العدد السنوي: “نجم” الثورة

كتب المحرر الثقافي:

“نجم” أضاء بشعره النزق وبذاءته الطريفة طريق الدفاع عن الإنسانية.  هويته المصرية والعربية، أُمميته، تقدميته، موقفه الطبقي، ثوريته، لغته الشعرية الخصبة الثرية المتنوعة، اتساع مساحته الإيقاعية ورونق جملته الأخاذ، سخريته، تناقضاته أيضاً. كل ما سبق، جعله أحمد فؤاد نجم (1929 – 2013).

 

أحمد فؤاد نجم صاحب القصائد الثورية التي كانت وقود شعارات “ثورة 25 يناير”. تنبأ بالثورة منذ السبعينيات حين كتب عن انتفاضة 1979 يقول: “كل ما تهل البشاير/ من يناير كل عام/ يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف الظلام”.

إنه أحد أعمدة الثورات والاحتجاجات المصرية منذ أيام الإنتداب الإنكليزي. فأرشيفه الشعري يؤكد أنّه “الفاجومي” الذي هجا الرؤساء وهم في عز عنفوانهم وقوتهم، فسجن في عهدي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، واستمرت انتقاداته للسلطة في عهدي حسني مبارك ومحمد مرسي.

“مصر يا أما يا بهية / يا أم طرحة وجلابية/ جاية فوق الصعب ماشية/ واحتمالك هو هو/ وابتسامتك هي هي”.

هكذا عرَّف أحمد فؤاد نجم، الصعلوك، الفاجومي، الوطن.. امرأة عادية، تحمل قوة التحمّل، وضعف الصابرين، وابتسامة الشقاء، مصر دون تفخيم، أو مبالغة، بتوصيف بسيط، يجعلنا أكثر قدرة على الإمساك بمعناها، فهي ليست “أول نور في الدنيا” ولا “أم الدنيا” ولا ترغب في قهر الدنيا، بل أم المقهورين، لا أوهام في حبها، فقط مطالب مشروعة بالحياة الكريمة.

عندما اختار الجميع الغناء بعد انتصار أكتوبر للرئيس السادات، غنى أحمد فؤاد نجم للجندي، ابن الفلاحين، المهزوم الذي انتصر، محوّلا تساؤله عن “هما مين وإحنا مين”، الذي قصد به التفريق بين قلة تتحكم في كل شيء وبين ملح الأرض، ليذكرنا به مرة أخرى في أغنية “دولا مين ودولا مين دولا ولاد الفلاحين” التي غنتها سعاد حسني، ليذكرنا أن ملح الأرض هو الذي انتصر لا “الأمرا ولا السلاطين”.

يشدو الشيخ إمام رفيق عمره، في عام 1962، عقب خروج نجم من السجن، الذي خبره مرات مع رفيقه بعد ذلك، وعندما غنى إمام للشيخ زكريا أحمد، سأله نجم، لماذا لا تغني من ألحانك؟، فأجابه إمام: لأنه لا يجد الكلمة التي يقتنع بها، لتبدأ رحلة الثنائي الذي ألهم العشاق قدر ما ألهم المناضلين، بدآ معا بأغنيات عاطفية “أنا أتوب عن حبك”، و”ساعة العصاري” و”عشق الصبايا”.

مع نكسة 1967، تغيرت اللغة من النعومة والغزل، لتحمل بندقية وسوطا ساخرا فيغنيان معا “الحمد لله خبطنا/تحت بطاطنا/ يامحلا رجعة ظباطنا من خط النار”.

نجم لم يرفض فقط أن يحتويه سجانه، بل رفاقه أيضا، فقد رفض كل محاولات المنظمات الشيوعية لضمه لعضويتها، ليكون صوتها، حرصا على استقلاله كشاعر شعبي، كان أهم عنده من علاقاته بتلك المنظمات التي توترت لا لشيء إلا لرغبة في سجن صوته.

كانت أغنية بقرة حاحا، كما يقول الكاتب صلاح عيسي في كتابه “أحمد فؤاد نجم.. شاعر تكدير الأمن العام” والتي كتبت في 1967، أول بيانات الرد على الهزيمة، فيما كانت أغنية “الحمد لله خبطنا، تحت بطاطنا” بعد أن اتضح حجم الهزيمة، أول البلاغات الحربية التي صدرت من غرفة عمليات “حوش قدم” كما علق هو بنفسه ذات مرة.

عندما قامت ثورة 25 يناير، كانت قصيدة نجم “كل ما تهل البشاير/ من يناير كل عام/ يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف الظلام” أيقونة لنبوءة أطلقها في السبعينيات، أيقونة انتصار، وعقيدة لا تقبل المساومة.

عندما أعلنت مؤسسة كلاوس الهولندية، منح نجم جائزتها، في أيلول (سبتمبر) الماضي، والتي منعه الموت عن تسلمها بنفسه، قالت المؤسسة إن الجائزة تأتي تقديرا لمساهماته وأشعاره باللهجة العامية المصرية، التي ألهمت ثلاثة أجيال من المصريين والعرب، وتميزت بحس نقدي ساخر، بتأكيدها على الحرية والعدالة الاجتماعية.

طغى الشعر القومي والقريب من الناس على أشعار نجم الذي رافق الشيخ إمام في معظم أعماله للتعبير عن السخط والاحتجاج الذي تلا نكسة حزيران (يونيو) 1967، ما دفع الرئيس الراحل أنور السادات إلى إطلاق لقب “الشاعر البذيء” على الشاعر الذي لم يستطع أن يتوافق مع أي حكومة أو سلطة مصرية.

دخل نجم في خلافات مستفيضة وعميقة مع كبار المسؤوليين السياسيين في البلاد في أكثر من مرحلة تاريخية، ومنها ما يحدث اليوم في مصر. وإبان انطلاق حملة “تمرد”، أكد على تمرده مرة أخرى، فثار على السلطة المصرية بقيادة الرئيس محمد مرسي. وعلق على ذلك، قائلاً: “طبعاً تمردت، وأتمنى منكم أن توقعوا على استمارات الحملة، فلو لم نتمرد نحن، من سيفعلها؟ الإخوان؟”.

وعلى رغم مرور سنوات عدة، حفظ الجسد النحيل لنجم، حتى رحيله، آثار التعذيب التي تعرض له.

تحركاته الشعبية وتضامنه مع حقوق “الغلابة” ولغته العامية في الكتابة جعلته أقرب إلى الناس ومطالبهم، فاعترف به الكثيرون كأب لـ”ثورة الكلمة”، ما جعله يكتسب لقب “سفير الفقراء” من جانب المجموعة العربية لصندوق مكافحة الفقر في الأمم المتحدة.

ولد أحمد فؤاد نجم في 22 أيار (مايو) العام 1929 في قرية كفر أبو نجم. بدأ العمل وهو في السادسة من عمره بعد وفاة والده محمد عزت نجم الذي كان ضابطاً في الشرطة المصرية.

تزوج مرات عدة. فاطمة منصور كانت زوجته الأولى، وأنجب منها ابنته عفاف. كما تزوج من الفنانة عزة بلبع والكاتبة صافيناز كاظم وأنجب منها ابنته نوارة. ثم من الممثلة الجزائرية صونيا ميكيو. وأخيراً من السيدة أميمة عبد الوهاب التي أنجب منها زينب.

تعرّف إلى عمال المطابع الشيوعيين في مدينة فايد على قناة السويس، وشارك في التظاهرات في العام 1946. وحكم عليه، في العام 1959 بالسجن 33 شهراً. وبعد إلغاء المعاهدة المصرية الإنكليزية، دعت الحركة الوطنية العاملين في المعسكرات الإنكليزية إلى تركها فاستجاب للدعوة، وعينته حكومة الوفد كعامل في ورش النقل الميكانيكي.

التقى في السجن الكاتب الروائي عبد الحكيم قاسم، وبدأ كتابة القصائد بعدما شجعه أحد ضباط السجن ونسخ له قصائده على الآلة الكاتبة وأرسلها إلى وزارة الثقافة المصرية، ففاز ديوانه “صور من الحياة في السجن” بالجائزة الأولى. ونشرت الوزارة الديوان العام 1962.

التقى بالشيخ إمام العام 1962، وكانت توأمة فنية بين الاثنين انتهت العام 1984 بعد رحلة قاما بها إلى باريس والجزائر وتونس ولبنان وسوريا واليمن. وعاد الشيخ إمام، بعد الجولة، إلى مصر وحده.

دخل الشاعر السجن تسع مرات، كان أطولها ثلاث سنوات في عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي أمر بسجنه والشيخ إمام بعد صدور أغنيتهما “الحمد الله” التي هاجم فيها السلطات بعد نكسة 1967. وصدر الحكم عليه بالسجن المؤبد، الا أنه خرج من السجن بعد رحيل عبد الناصر. وتراوحت الفترات التي أمضاها في السجن بين أسبوعين وثلاث سنوات. وقد كتب نجم في ذكرى رحيل عبد الناصر الأخيرة في 28 أيلول (سبتمبر) الماضي في تغريدة على “تويتر”، “عمل حاجات معجزه وحاجات كثير خابت وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت وان كان جرح قلبنا كل الجراح طابت”.

وفي تشرين الثاني 1977، قبض عليه ووجهت إليه تهمة تلاوة قصيدة “بيان هام” في إحدى كليات جامعة عين شمس، ثم أصدر الرئيس أنور السادات قراراً بإحالته إلى المحكمة العسكرية التي أصدرت عليه حكما بالسجن لمدة عام.

عام 2004، وبعد تأسيس حركة “كفاية” صار من أبرز رموز التحركات الشعبية التي انتعشت في مصر. وكتب ضد جمال مبارك قصيدة لاذعة بعنوان: “عريس الدولة”.

وبعد ثورة “25 يناير” ساهم في تأسيس حزب المصريين الأحرار.

من أشهر مؤلفاته: سلام للأرض، نويت أصلي، الفرعون الأكبر خوفو، جائزة نوبل، صياد الطيور، كلمتين الى مصر، كلب الست، نوارة، إصحي يا مصر، الجدع جدع، الحمد لله، الخواجة الأمريكاني، جنوب لبنان، غيفارا مات، عريس الدولة، بيان هام، موال فلسطيني مصري، نكسون، يا عرب.

العدد السنوي: ما لم يتعلّمه العرب من مانديلا

كتب كريم الخطيب:

الحرية بالنسبة لنيلسون مانديلا “لا تعطى على جرعات”.  فرئيس جنوب أفريقيا الراحل حديثاً لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل كان صاحب تجربة عالمية فريدة في حل “النزاعات الإثنية” وإعادة البناء الوطني.

 

تكتسب تجربة مانديلا (1918 – 2013) في جنوب أفريقيا أهميتها الكبرى من أنها أرست وقت تحقُّقها في التسعينيات، نقيضاً لما كان سائداً، من ضرب لوحدة المجتمعات على قاعدة “التعددية الثقافية الليبرالية”، وفرط للعديد من بلدان العالم إلى مكوناتها “الإثنية”.

وحده مانديلا، في قيادة دولة جنوب أفريقيا، أصرّ على الإبقاء على نموذج الدولة الوطنية وتجديده.

خلال سنوات سجنه الممتدة على ثلاثة عقود، أُتيح له الاختلاء طويلاً بنفسه، ما أعطاه كل ذلك السلام الداخلي الذي كان يشع منه، ويلمسه من يلتقي به.

كانت ذروة الانتصار للمسار الذي أرساه مانديلا، انتخابه رئيساً للجمهورية بـ60% من الأصوات، على أساس النظام الأكثري التقليدي، في مواجهة مع الأقلية البيضاء وجنونها وعنصريتها ورفعها كل الحواجز، وإقامتها كل أنواع التمييز بين المواطنين.  أصر مانديلا على أن الكلّ متساوون، ولم يشأ إدخال أي تمييز على أسس عرقية أو ثقافية في نظامه.

إنجازه الآخر الهائل هو إقامة «لجنة الحقيقة والمصالحة»، التي كانت لجنة قضائية تستمع إلى اعترافات المنخرطين في أعمال العنف السابقة، وبينهم مجرمون وأعداء للإنسانية. لم تكن اللجنة تحاكمهم، بل تفسح المجال لكي يتواجهوا مع ضحاياهم السابقين. كانت الاعترافات بالجرائم المرتكبة تحصل أمام المجتمع بأسره. والقاعدة أن المجرم السابق، كان يبكي أمام الجمهور، ويُعلن التوبة ويطلب الصفح.

تمتع مانديلا بصفات شخصية أتاحت له أن يقرأ بدقة معنى التطورات في بلاده والعالم. سواء في مرحلة النضال المسلح أو مرحلة السجن أو مرحلة الحوار والمصالحة. لقد خبر بنفسه معنى القهر البشري الذي يولده التمييز العنصري، والاستغلال المادي الذي وفره نظام الأقلية البيضاء منذ وصول الحزب الوطني العنصري إلى الحكم في 1947 في جنوب أفريقيا. وأدرك أنه لا يمكن تحريك النضال ضد هذا النظام المتكامل، قانونياً وسياسياً واقتصادياً، من دون اكتساب الأصدقاء والحلفاء في الداخل والخارج. ليجعل من قضية السود في جنوب أفريقيا جزءاً من قضية التحرر في العالم، خصوصاً القارة الأفريقية، في خمسينات وستينات القرن الماضي. فاشترك مانديلا مع رفاقه في أوسع حركة تحريض وتعبئة على النظام، وصلت بهم جميعاً إلى السجن. لكن قضية التمييز العنصري باتت قضية دولية وجزءاً من جبهة المواجهة في الحرب الباردة. أي أنها باتت على جدول أعمال القوتين العظميين في العالم.

وعندما فاقت جرائم النظام العنصري كل احتمال وتصور، لم تعد بريطانيا القوة المستعمرة السابقة لجنوب أفريقيا والولايات المتحدة القوة الحامية لنظام التمييز العنصري قادرتين على تحمل الأعباء السياسية لهذا النظام وممارساته غير القابلة لأي تبرير، بدأ نظام العقوبات الدولية على نظام بريتوريا، وراح هذا النظام يتصاعد ليشمل الجوانب السياسية. ليستخلص أركان النظام أن ما يوفره لهم نظام التمييز العنصري يخسرونه أضعافاً مضاعفة بفعل العقوبات الدولية والمقاطعة السياسية. وهذا ما التقطه مانديلا منذ أن قابله في 1989 رئيس النظام آنذاك بيتر بوتا. فأطلق موقفه الشهير المتعلق بالحوار والمصالحة والتسامح في الداخل، والاقتراب من المفاهيم الليبرالية في السياسة والاقتصاد، بما يخرجه من محور الكتلة الاشتراكية التي بدأت تظهر عليها معالم الانهيار وبما يجعله حليف القوى المنتصرة في الحرب الباردة.

وباتت المصالحة وحدها خشبة الخلاص للأقلية البيضاء، وصولاً إلى إنهاء سلمي لنظام التمييز العنصري وإقامة الديمقراطية التعددية، ليصبح مانديلا أول رئيس أسود للبلاد منتخب ديمقراطياً في 1994.

لقد أدرك مانديلا أن خيار الصفح والمصالحة وحده يجنب الاقتتال في بلده. ورد أكثر من مرة على منتقديه الذين كانوا يأخذون عليه تقديم الكثير من المبادرات حيال البيض: “لو لم تكن (المصالحة) سياستنا الأساسية، لكنا شهدنا حمام دم”.

أما درس مانديلا الأروع في التاريخ الإنساني؛ فهو يتمثل في دعوته ـ قبل عامين فقط ـ ثلاثة من سجانيه البيض إلى حفلة عيد ميلاده، لأنه مؤمن أن قيم الصفح والعفو تجمع الأمم من الانقسام والفرقة.

“الربيع العربي”

ويثير رحيل الزعيم الأفريقي في هذا الوقت تحديدا تساؤلات حول إمكانية تطبيق فكرة التسامح ونبذ الإقصاء السياسي في العالم العربي الذي بات الانقسام واضحا في دوله، لا سيما بعد “ثورات الربيع العربي”.

في أعقاب اندلاع أولى “ثورات الربيع العربي” في تونس ثم مصر، أرسل مانديلا برسالة لشباب البلدين نبههم فيها إلى أن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم.

وانتقد مانديلا في رسالته التي بدت وكأنها قراءة للمستقبل، إضاعة الوقت عقب الثورات في السباب بين الفصائل السياسية المختلفة وتبني فكر الإقصاء والتشفي داعيا لتنحية الخلافات جانبا والتركيز على المرحلة الانتقالية.

لكن بالرغم من وضوح رسالة المناضل القديم المبنية على خبرات واسعة، إلا أن التطورات السياسية في دول الربيع العربي توضح زيادة حالة الانقسام والفجوة والإقصاء بشكل يومي، مما يعني أن نهج مانديلا السياسي المبني على التسامح يصعب تطبيقه في العالم العربي.

11 أيلول

بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، قدم مانديلا تعازيه في الضحايا، وأعلن دعمه لـ”الحرب على الإرهاب”، وهو ما دفع جورج بوش لمنحه وسام “الحرية الرئاسي” ووصفه بـ”رجل الدولة الأكثر احترامًا في عصرنا”.

وتغير موقف مانديلا بداية من عام 2002، ثُم عارض في كلمة أمام “المنتدى الدولي للمرأة” عام 2003، هجوم الولايات المتحدة على العراق. وقال إن بوش الابن يرغب في إغراق العالم في هولوكوست، متهمًا جورج بوش بالغطرسة وغياب الرؤية والذكاء.

القضية الفلسطينية

كانت هناك علاقة قوية بين منظمة التحرير الفلسطينية، وحزب المؤتمر الأفريقي، الذي ينتمي إليه مانديلا للمطالبة بإنهاء الفصل العنصري ضد السود، ودافع مانديلا عن هذه العلاقة بسبب دعم المنظمة الفلسطينية للحزب الأفريقي.

طالب عام 1999 خلال زيارة لفلسطين، بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، كما طالب من الدول العربية أن تعترف بـ”حق إسرائيل في الوجود ضمن حدود آمنة”.

“ماديبا” أيضًا سبق له أن قارن بين نضال الفلسطينيين ونضال السود في جنوب أفريقيا. وقال إن هجوم قوات الاحتلال على أسطول فك حصار غزة عام 2010 “لا يغتفر تمامًا”، ووصف الحصار بأنه “غير مفيد وغير قانوني ويشجع المتطرفين”.

 القذافي الصديق

القذافي هو اسم أحد أحفاد زعيم جنوب أفريقيا الراحل، فكان العقيد الليبي الراحل صديقًا مقربًا لمانديلا، لأنه مول العديد من الحركات المكافحة للعنصرية وحكم الأقلية بالقارة السمراء.

العقيد الليبي الراحل، كان قد مول حملة نيلسون مانديلا الانتخابية، ولذك رفض مانديلا أن يقطع علاقات جنوب أفريقيا مع ليبيا عندما وصل للرئاسة، بالرغم من الضغوط التي مارسها عليه حكام غربيين، وقال مانديلا: “أولئك الذين تؤذي مشاعرهم صداقتي بالقذافي.. ليقفزوا في الماء”.

مانديلا لم يكتف بهذا الموقف مع القذافي، بل لعب دورًا مهمًا لإنهاء عزلة ليبيا مع الغرب، بعد أن توسط في صفقة مع المملكة المتحدة حول تفجير لوكربي عام 1988، وهي الصفقة التي اعتبرها مانديلا إحدى اكبر إنجازاته في مجال السياسة الخارجية.

وعندما أسس القذافي جائزة “القذافي الدولية لحقوق الإنسان” والتي قرر أن يتم منحها لشخصيات من العالم الثالث تصدوا للاستعمار والإمبريالية، كان الفائز في السنة الأولى صديق العقيد الليبي المقرب، نيلسون مانديلا.

مصر عبد الناصر

مثلت مصر لمانديلا نموذجًا يستحق الإعجاب، فيروي في مذكراته التي أسماها “مسيرة طويلة نحو الحرية”، أنه تحول من شاب يرى أن التقدم يكمن فيما يقدمه الغرب، إلى مناضل يعتد بجنسيته الأفريقية.

وأضاف: “كانت مصر قد تملكت مخيلتي، وكنت دائما أرغب في زيارة الأهرام وأبو الهول وعبور نهر النيل أعظم أنهار إفريقيا، ذهبت إلى القاهرة وقضيت يومي الأول في المتحف أفحص القطع الفنية، وأجمع معلومات عن نمط الرجال الذين أسسوا حضارة وادي النيل القديمة، ولم يكن اهتمامي اهتمام هاويا للآثار، فإن من المهم للأفارقة القوميين أن يتسلحوا بالبرهان الذي يدحضون به ادعاءات البيض بأن الأفارقة لم تكن لهم في الماضي حضارة تضارع مدنية الغرب، واكتشفت في صباح واحد أن المصريين كانوا يبدعون أعمالا فنية ومعمارية عظيمة، بينما كان الغربيون في الكهوف”.

ويضيف مانديلا أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أطلقه جمال عبد الناصر، كان نموذجًا مهمًا، وكان له الريادة في بدء برنامج سريع للتصنيع، وجعل التعليم ديمقراطيًا وبنى جيشًا حديثًا.

إسرائيل عدوة

في نظر مانديلا كانت إسرائيل عدواً. فهي التي أنشأت أعمق تحالف سياسي واقتصادي وعسكري مع نظام التفرقة العنصرية. وهي التي خالفت الاتفاقات الدولية حتى آخر لحظة ورفضت التجاوب مع مظاهر مقاطعة النظام العنصري.

هدى عيد: الجريمة هاجسي الروائي

غادة علي كلش:

تُنقِبّ الروائية هدى عيد في رواياتها دوماً، عن المظاهر الفاسدة  الكامنة في طبقات المجتمع اللبناني، المتوسطة منها، وتلك البرجوازية الجديدة. وترصد من خلال هذه الروايات، خطوط العلائق الخفية التي تربط بين السياسي والمالي والاجتماعي من جهة، وبين الجنوح النفسي والفكري والأخلاقي، للأفراد الذين يشكلون دور البطولة في بيئات متهاوية ومتصدعة، من جهة ثانية.

هنا حوار مع هدى

هدى عيد

هدى عيد

عيد عن روايتها الجديدة “حب في زمن الغفلة” الصادرة عن “دار الفاربي” في بيروت، نضيء فيه على هواجسها التي تستتبع بها فن الرويّ وتقنياته وتحديثاته، على خط استتباع نبض المجتمع المتفجر:

■ تنحو روايتك الجديدة “حب في زمن الغفلة” منحى مختلفا عن رواياتك السابقة، من حيث اختراق البيئة المتوسطة الدخل تحديدا، من دون الابتعاد عن البيئة الثرية المرتبطة بأدوات السلطة. هل تعتقدين ان العلائق المتقاطعة بين بيئتين مختلفتين، هي التي تسبب نتائج  كارثية؟

– النتائج الكارثية لا تتأتى، طبعا، من هاتين البيئتين، واحدة متوسطة، والاخرى ثرية، اذا كان النمو في الطبقة الثرية نموا طبيعيا، وإذا كانت عملية الانتقال من هذه الطبقة المتوسطة الى الطبقة الثرية، قد تمت بشكل تدريجي طبيعي. لكن، ما يحصل في مجتمعاتنا هو قفزات مهولة أحيانا، تنقل الفرد من حالة متوسطية في العيش، او من حالة متدنية، الى ان يصبح برجوازيا منظورا في المجتمع. فيحاول قدر الامكان، الحفاظ على بعض العلاقات مع الطبقة المتوسطة، او يعمد احيانا الى مقاطعتها بنوع من الجفاء، والتعالي الذي يعكس  جملة من العقد النفسية. هنا تبدو العلاقات بين هاتين الطبقتين علاقات غير مستوية الى حد كبير. لأن التطور لا يكون ملحوظا على الصعيد الانساني بشكل كاف. ولا يلحظ النمو النفسي والعقلي والفكري بشكل متكافئ. لذلك نجد ان الصراع، يبدو قائما في هذه العلائق، اكثر مما يبدو الانسجام حاصلا. انطلاقا من هذه الرؤية احاول في روايتي هذه، تسليط الضوء على هذه المسألة الملحوظة في مجتمعنا. إذ ثمة فجوة تقوم في مجتمعاتنا بين هاتين الطبقتين. فالطبقة  البرجوازية الجديدة، تحاول ان تركل بقدمها كل ما كان لديها من قيم، وتحاول ان تدوس عليها، فيما الطبقة المتوسطة تبدو في عدم  تقبل، أو عدم استيعاب لهذه المنظومة الجديدة. لذلك يقوم نوع من الصراع متجليا بطريقة او بأخرى، عبر بطلة الرواية ليلى بدران، التي تنتقد ما حصل مع اختها وصهرها، وهما النموذجان الفعليان لهذا الصراع في هذا العمل الروائي.

■ يتشكل البعد الرمزي والجسدي للحب في روايتك، ضمن ثلاثية العذاب والطلاق والغرام. هل ترين ان الاعراف الشرقية تغيرت كثيرا، مع تغير اشكال الممارسة الاجتماعية العامة في لبنان، ومع تحديث العادات وانقلاب الاجيال الشابة على التقليد؟

– الزواج مؤسسة اجتماعية مهمة. ولا شك في ان تغيرات عدة قد طرأت بسرعة على المجتمع اللبناني، وعلى سائر المجتمعات العربية. ولكن، اعتقد، أن المجتمع اللبناني، كان الاسرع في تقبل هذه التغيرات وفي اعتناقها. والتي انعكست بسرعة هائلة على مؤسسة الزواج. وما نلحظه في مجتمعاتنا اليوم هو كثرة حالات الطلاق. وبالتالي، فإن البعد الهائل ما بين طرفي هذه المؤسسة، جعلهما بسبب هذه التغيرات، غير قادرين على التفاهم. اذ شكل كل واحد منهما عنصرا قابلا لتغيرات المجتمع المتسارعة، وغير المدروسة وغير المنتظمة الوقع. وقد اوصلهما هذا الواقع  الى حالة صدامية نوعا ما. من هنا فإن الصورة العامة لمجتمعنا اليوم، قد لا تبدو قائمة على اسس صحيحة، بشأن كثرة عنصر الطلاق. إلا أن  بعض هذه الحالات الانفصالية في مؤسسة الزواج، هي منطقية ومبررة، تستند الى جملة من الاسباب الواقعية التي تجعل الانثى تفكر في استقلالها مجددا، لاثبات ذاتيتها. ليلى بدران في هذه الرواية، كانت تمثل الى حد كبير، حالة المرأة المطلقة التي تواجه المجتمع الرافض، الذي لا يزال بدوره، يقسو على المرأة العانس، والمرأة المطلقة، فيحاول ان يجرها للعودة الى زوجها، حيث كان يمثل هذا الاخير انموذجا منفرا لتداعي القيم من حولها.

■ شخصية صالح (زوج ليلى بدران) شكلت في روايتك هذه، مفاجأة للقارئ. فهو الرجل الذي نجح في تغيير شخصيته كليا من السيء الى الاحسن، من أجل استعادة زوجته. هل (صالح) هو رمز وهمي ام حقيقي؟

– أُثمِن ملاحظتك هذه غادة أنا لا أرى شخصية صالح متخيلة وبعيدة من الواقع، انا اجد ان الرجل اللبناني مظلوم الى حد ما، من التغيرات التي وقعت في مجتمعه. لا ينبغي ان نضع كل المسؤولية على عاتق الرجل. ثمة مجتمع مجحف يتعرض للانسان عندنا، سواء كان رجلا ام امرأة. وثمة ظروف اقليمية وسياسية واجتماعية يتعرض لها الانسان فينا. لذلك من يعاني ليس فقط المرأة، فالرجل ايضا يعاني من تغيرات مجتمعه. وفي روايتي هذه، كنت اعوّل على شخصية صالح وتغيرها من الاسوأ الى الاحسن. فالرجل هو عنصر ايجابي وسيبقى ايجابيا، اذا ما لاحظ هذه التغيرات، وأعاد استيعاب القيم، وبناء نفسه من جديد.

■ روايتك تعكس لنا واقع الاغتراب الجديد للشباب، واختلاف نوع الغربة معهم عن غربة الآباء والاجداد.  الى اي مدى شكلت التكنولوجيا، همزة وصل جديدة، ضمن ادبيات الغربة؟

– الوطن اللبناني هو وطن مفتوح على الغربة. نقرأ من سنوات طويلة، أن ثمة هجرة كانت تحصل وبشكل قسري، أحيانا لظروف سياسية، وأحيانا، لظروف امنية، وأخرى معيشية. ولا شك في ان الظروف المعيشية هي التي شكلت العامل الاساسي في عملية اغتراب اللبناني عن وطنه. كل المهاجر الاميركية (الجنوبية والشمالية) والمهاجر الافريقية، تعرف المغترب اللبناني، من خلال بروز اسماء العديد من اللبنانيين، على الصعيد العالمي، والمؤسف، أن عملية الهجرة في القرن الواحد والعشرين ما زالت مستمرة، ونحن بالتالي امام نوع من نزف متجدد لا يمكن وقفه. بعضهم يتحدث عن عوامل ايجابية كثيرة، تجعل هذه الهجرة موردا للرزق، وموردا للثقافة، يستفيد منه الوطن وجيل الشباب. ولكن، نحن لا ننسى اننا نخسر دائما عنصر الشباب، وأن المجتمع يفقد هويته بطريقة او بأخرى. وما يحدث على الساحة اللبنانية اليوم، نزف من مكان، وتدفق من مكان آخر. وهذا ما يغير، في طبيعة الحال، من هوية المكان ويبعده عن الطابع الاساس الذي كان مطبوعا به. ان ما اشير اليه في روايتي “حب في زمن الغفلة”، هو هذا النوع من الهجرة، التي بدت مرتبطة بالاجتماعي اكثر، وبالظروف التي نتجت عن التمزق النفسي الى حد كبير، بالاضافة الى العناصر المادية الضاغطة على الاسرة الصغيرة. ولا شك في ان التكنولوجيا، لعبت دورا جديدا في وسائط الاتصال المختلفة، بطرق اكثر اتساعا وشمولية، بين المقيم والمهاجر. ويمكن القول ان ابناءنا اليوم يتعرضون ـ شئنا أم أبينا ـ لنوع من التربية المختلفة، عن تربيتنا، وعن ثقافتنا. لذلك يبدو لهم النموذج الغربي اكثر انفتاحا، وأكثر اغراء.

■ المتابع لرواياتك، خصوصا في رواية سابقة لك هي “نوارة” وفي روايتك الجديدة هذه، يلاحظ ان واقع الجريمة هو واقع متداخل الاسباب والاساليب، مرتبط بقوة السلطة، وبسلطة المال. هل يسعى الروائي في رأيك الى ادانة القاتل والقتيل معاً؟ هل تسعى هدى عيد الى تكريس السرد التراجيدي الذي يدين ولا يدان؟

– انا أكتب الاجتماعي، فالمجتمع هاجس اساس بالنسبة إلي. وأجد نفسي دائما مع مقولة ان الرواية يمكنها ان تكون الحقيبة الاخيرة لتهريب التاريخي. وبالتالي لسنا مضطرين دائما للعودة الى قراءة التحليلات السياسية العميقة، حتى نستقرئ الاجتماعي. لذلك احاول في رواياتي، لفت النظر الى تغير المجتمع، بطريقة او بأخرى، وبابتعاده عن السلمية الاهلية التي كنا فيها، كانت الحرب عنصرا خارجا. اليوم بات افراد من المجتمع، ينتجون الحرب، عبر فصل القتل. نحن نحيا في مجتمع مفتوح على الجريمة. وهذه مسألة خطرة، وتشكل بالتالي اشارة ضوء ينبغي ان نتنبه لها كمواطنين، وكمتابعين لحركة المجتمع في حيثياته الصغيرة والكبيرة. المقلق في الموضوع ان الجريمة هنا هي بلا عقاب. وهذه مسألة خطيرة جدا، وينبغي على السياسي والمفكر والفنان، وكل فرد قائم في المجتمع أن يتنبه لها. لقد باتت الجريمة تشكل هاجسا في اعمالي الروائية، لأنها تحولت الى شخص معنوي موجود على الارض، ويتحرك بحرية تامة، من دون أن ينال عقابا له. لذلك اصبحت الجريمة احدى مكونات البناء السردي، الذي اعمل على ايجاد مداميك ثابتة له، بالنسبة الي هذه الظاهرة الخطرة بالذات.

■ التقنية السردية في اعمالك الروائية، تتسم بتطوير الشكل التقليدي لآلية الحوار. رأينا ذلك في روايتك “حياة اخرى” وفي روايتك الجديدة هذه. هل اكتملت في رأيك مهمة التطوير التي تبذلين جهدك في تكريسها، ام انك مستمرة في تقديم اضافات اخرى؟

– الفن الروائي، فن مفتوح كسائر الفنون. لذا، أعتقد ان الروائي الحقيقي، عليه ان يجرب اكثر من مرة، وعليه ان يجدد اساليبه وتقنياته، ولا يركن الى المألوف والمعتاد. نحن امام قارئ مختلف. القارئ لم يعد محصورا بقراءة الكتابات المنتجة باللغة الام. اصبح يقرأ اعمالا روائية منتجة على الصعيد العالمي. وهنا ينبغي ان نعترف بأن الرواية العالمية في الخارج، اكثر تطورا وأكثر ديناميكية من الرواية العربية. وعنصر التجريب لا ينتهي فيها. لذلك علينا ان نحاول ونجرب دائما في الروي الخاص بنا. شخصيا، ومن خلال عملي على سردية الحوار بطريقة مختلفة، اؤمن بأن الحوار هو تقنية مهمة وحيوية في العمل الروائي. وما امارسه وما مارسته في هاتين الروايتين كان طريقة محببة في الحوار السردي، لاقت استحسانا من قبل القراء. فقد كسرت هذه الطريقة المسافة بين المتحاورين، وبالتالي جعلت الحديث يبدو اكثر حميمية، وأكثر صدقية، حيث شكل نوعا من تداخل  الاصوات ضمن الشخصية الواحدة. هذه التقنية تحتاج الى جهد كبير، والى نوع من الاستغراق والذوب فيها، حتى يمكننا الحصول على هذا الصوت المتداخل بصدقيته وبقمة حرارته وشفافيته العالية.

■ معنى الغفلة، ومعنى الضياع، اين يتشابهان في عمليك الروائين “الحياة في الزمن الضائع” و”حب في زمن الغفلة”، وأين يتقاطعان، خصوصا انهما يمثلان رمز المرأة الشرقية في مجابهتها للرجل والمجتمع، وفي رغبتها بحياة اخرى، وحب جديد؟

– دائما علينا ان نسأل ما هو الهدف من الوجود الانساني على الارض. هل وجد الانسان ليعاني فقط، وليتألم ويحتار من التقلبات التي تأخذه ذات اليمين وذات اليسار؟ ام عليه ان يشعر بنوع من الاستقرار، وبنوع من الامان والثبات؟ اتساءل دوما لِمَ هناك اناس عديدون حول العالم، لا يعانون مما نعاني نحن؟ دائما نبقى في مراحل  التحول الذي يصهرنا ويجعل كل مشاعر الالم والضياع تهيمن علينا في بعض المراحل، لذلك اجدني اركز على هذه المفردات، مثل الضياع والخيبة والغفلة. ففيها اشارات الى زمن يمر من غير ان نستطيع القبض عليه، ومن غير ان نسمره بطريقة انسانية عالية. فيما المرأة ههنا، هي العنصر الاكثر تلقيا لهذا النوع من الضياع، وهذا النوع من الغفلة، لأنها اساسا في المجتمع، كانت هي الحلقة الاضعف، اليوم باتت اقوى من السابق، إلا أنها تلقت الخيبات والغفلات بطريقة اعلى حساسية ومعاناة. ولكن ما من شك في ان الضياع بمدلولاته  يطاول المرأة والرجل على حد سواء، ويجعل الزمن يتسرب من بين ايديهما، من دون أن يحسنا استغلاله بطريقة تخدم انسانيتهما، وتخدم هدفيهما في أن يكونا داخل الحدث، لا خارجه.

نيلسون مانديلا يستكمل حريته الأبدية

الحرية بالنسبة لنيلسون مانديلا “لا تعطى على جرعات”.  لذلك كان أشهر سجين سياسي في العالم أمضى 27 عاماً خلف قضبان نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ليتحوّل بعدها إلى رمز عالمي للحرية والمصالحة.

في نظر العالم، هو زعيم أممي وأيقونة في التاريح الحديث لجنوب إفريقيا بنضاله ضد نظام الفصل العنصري.

قاد مانديلا (1918 – 2013) جنوب إفريقيا في المرحلة الانتقالية لنقل السلطة من الأقلية البيضاء إلى الأغلبية السوداء في تسعينيات القرن الماضي.  وهو أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، وحاز على جائزة نوبل للسلام، كما أنه ناشط اشتهر بنضاله ومقاومته لسياسة التمييز العنصري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

وكان يطلق على نيلسون مانديلا لقب “ماديبا” وهو لقب يطلقه أفراد التيمبو على الشخص الأرفع قدرا بينهم.

ولخص الاسقف الانغليكاني ديسموند توتو ارث مانديلا بالقول انه نجح في ان يحول جنوب افريقيا دون حقد، ديمقراطية مستقرة متعددة الاعراق.

وشكل مانديلا لجنة الحقيقة والمصالحة التي تولى رئاستها توتو واصبحت نموذجا يطبق في الدول التي تشهد اعمال عنف رغم الانتقادات بانها غير مثالية لدى نشر تقريرها في 1998 بعد المئات من جلسات الاستماع.

المشاكس

ولد مانديلا في في منطقة ترانسكاي (جنوب شرق) في قبيلة ملكية واطلق عليه والده اسم “روليهلاهلا” اي المشاكس الذي يجلب المشاكل.

وفي سن مبكرة بدا مانديلا فتى متمردا واقصي من جامعة فورت هار للسود بسبب خلاف حول انتخاب ممثلي الطلاب.

وفي جوهانسبرغ التحق المحامي الصاعد الذي يعشق النساء والملاكمة، بحزب المؤتمر الوطني الافريقي وأسس مع اشخاص آخرين رابطة الشباب في الحزب.

وأمام السلطة التي تطبق نظام الفصل العنصري في 1948 تولى مانديلا رئاسة الحزب. واعتقل مانديلا مرارا وحكم مرة اولى بتهمة الخيانة قبل تبرئته في 1956.

وبعد عام قاد مانديلا النضال المسلح واعتقل وحوكم بتهمة التخريب والتآمر ضد الدولة في اطار محاكمة ريفونيا (1963-1964).

وصدر على مانديلا حكم بالسجن المؤبد لكنه اعلن مبدأه بالقول “ان مثلي الاعلى كان مجتمعا حرا وديمقراطيا يعيش فيه الجميع مع فرص متساوية (…) اني مستعد لان اضحي بحياتي في سبيل ذلك”.

والهم مانديلا رفاقه في سجن روبن ايلاند قبالة سواحل الكاب (جنوب غرب) او سجون اخرى. واعتبارا من 1985 اطلق نظام الفصل العنصري الخاضع لعقوبات دولية والنضال الداخلي المتواصل، مناورات سرية.

ففي 11 شباط (فبراير) 1990 كان “المعتقل الذي يحمل رقم 46664” رجلا حرا الى جانب زوجته الثانية ويني. وعلى الفور تواصلت المفاوضات.  وبفضل نجاح المفاوضات مع اخر رئيس لنظام الفصل العنصري فريديريك دو كليرك، حاز الرجلان جائزة نوبل السلام في 1993.

وفي 27 نيسان (ابريل) 1994 انتخب مانديلا في الدورة الاولى من الانتخابات المتعددة الاعراق واعلن عزمه على بناء “امة تعيش بسلام في الداخل ومع العالم”.

ونجح مانديلا في ان يكسب مودة البيض لانه لم يظهر مرارة لكل السنوات التي امضاها خلف القضبان.

وفي 1998، في اليوم الذي احتفل فيه بعيد ميلاده الثمانين تزوج مانديلا غراسا ماشيل ارملة رئيس موزمبيق السابق التي تصغره بـ27 سنة. وبعد سنة استقال من الرئاسة واعتزل السياسة.

ولانه بقي مخلصا للمؤتمر الوطني الافريقي، رفض اتخاذ مواقف سياسية باستثناء ما يتعلق بمكافحة الايدز.

وفي حين كان الحديث عن الايدز محرما، نظم مانديلا في 2003 اول حفلة في سلسلة حفلات موسيقية واعلن بعد عامين ان ابنه توفي من جراء هذا المرض.