“عيدية الإرهاب”

من تفجير ستاركو

من تفجير ستاركو

أي “عيدية” في بلاد تطرد الأعياد؟

وأين هي الأيام التي نسأل الله أن يعيدها علينا باليمن والبركات؟

لا “عيدية” للبناني غير ما يهديها إليه الإرهاب.

والإرهاب يقدّم لنا هداياه في الأعياد وخارجها.  فكل فرصة تتيح له وضع سيارة مفخخة هي، بالنسبة له، عيد يستحق “عيدية”.

وآخر معايداته، بين عيدي الميلاد ورأس السنة، متفجرة “ستاركو” التي أودت بحياة ثمانية أبرياء بينهم رأس محمد شطح، “رأس الحكمة” السياسية في بلاد تعيش بلا حكمة ولا حكومة ولا حكم.

يحدث هذا، وقد حدث كثيراً من قبل، لأننا نمدّ للإرهاب يد المساعدة ليحضر إلى لبنان ويحضّر عملياته السوداء.

نحن الذين نغريه في استيطان بلادنا الخضراء.

نبثّ الشائعات، ونكيل الاتهامات، ونسترسل في حملات التخوين، وننقب عن الفتنة، ونردح بالسباب والقدح والذم.

نحن الذين نوفّر البيئات الحاضنة.  ففي كل مكان في لبنان، للإرهاب مكان آمن … فيه ومنه يضرب الأمن والأمان.

هو عدو، لكننا نستعين به على “الأعداء”.

منذ أن مزّقنا “حصر إرث الميثاق الوطني”، ومنذ أن “بلّينا اتفاق الطائف بالماء وشربناه”، ومنذ أن اختلطت أنسابنا ولم نعد نميّز بين أمنا لبنان وبين أمهاتنا بالتبني غرباً بالولاء، وشرقاً بالتبعية … منذ أن كان كل هذا، أصبحت أعيادنا مناسبات للقتل وتقبل العزاء.

مع هذا الخليط من الولاء والتبعية، جفّت عواطف الأبوة والأمومة والأخوة، وأصبح الوطن لقيطاً يتعامل معه الجميع على أنه إبن حرام.

ومن عجائب اللبناني وغرائبه، أنه بدل العمل على التهدئة والتوافق والاستقرار، يفعل كل ما يزيد قلقه قلقاً، ومخاوفه خوفاً.

يعاند ذاكرته، فلا هو يسمح لها في إنعاش الماضي الذهبي في مرحلة ما قبل اغتيال الشهيد رفيق الحريري، للبنان الإعمار والإزدهار.  ولا الذاكرة تجد في رأسه المغلق مكاناً لصورة واحدة من آلاف الصور المأساوية والمرعبة، التي عاشها خلال الحرب الأهلية، والتي يصرّ على عودتها، فيما تصرّ هي على أن لا تعود.

يجب علينا الاعتراف بأننا نتكاره إلى حد الاقتتال.  ونختلف إلى حد الخيانة.  ونكذب إلى حد القضاء على الحقيقة.

إننا مجتمع مشوّه ومجنون، رغم كل ما نعيشه من تحضّر ومعرفة وثقافة. فضميرنا الوطني لا يكاد يستيقظ للحظات، حتى يعود إلى السبات لسنوات.

نتعصّب في أغانينا للبنان، ولا نستغني عن تعصّبنا لمذاهبنا وطوائفنا وجعلها أعلى من قمم جبالنا الشامخة، وأبقى من أرزنا الخالد.

لولانا، لما نجح الإرهاب في تفخيخ أعيادنا، ولما نجح في توزيع “عيدياته” علينا في الأضرحة والمقابر.

سامر الحسيني

قهوجيات: أزمة أخلاق

في أحد الأيام أُقيم احتفال خطابي كبير لتكريم أحد التجار الموسرين، بعد أن إتخذ قراراً بدخول الحياة السياسية، وقد تبارى الخطباء في إختراع وابتداع مآثر المكرَّم واعتباره من الذين يعوَّل عليهم في كتابة تاريخ جديد للبلد، وذلك لما يزخر به فكره إلى جانب طموحاته من آراء وأفكار تغييريَّة، حيث عرفنا فيما بعد أن هذا التاجر هو بذاته قد دُوهمت مستودعاته في السنة الماضية وضُبِطَ بالجرم المشهود وهو يغيِّر “تواريخ” المعلبات الفاسدة التي لديه بتواريخ جديدة!!

ويبدو أن حماسته الوطنية – ولا ننسى القومية – لتغيير التاريخ بدأت من المستودعات حيث أنه من هنا سيبني المسيرة على أسس فاسدة وينشر فساداً للأجيال القادمة تساهم في استرداد فلسطين إلى جانب رفع سقف الحريات.. ومع ذلك فقد دخل هذا الفاسد المفسد مع غيره من الانتهازيين عالم السياسة وأصبح عضواً في البرلمان يشارك في التشريع وسن القوانين!

هناك مَثَل أو بالأحرى قول تشبيهي مفاده: إذا كان هناك برتقالة – من بساتين لبنان – فاسدة في صندوق مملوء بالبرتقال الجيِّد، فإنها تُفسد كل البرتقالات الموجودة. من جانب آخر، إذا وضعنا برتقالة جيدة – أيضاً من بساتين لبنان – في صندوق مملوء بالبرتقال الفاسد، فإنها لا تستطيع أن تجعل كل برتقالات الصندوق جيّدة، بل ستفسد بدورها، وذلك بفعل الغالبية الفاسدة!

يتبيَّن لنا من هذا الكلام – وللأسف – أن مكوِّنات الفساد وركائزه هي الأقوى والأفعل، ولو اقتصر الأمر على البرتقال والتفاح وعلى ما ينتجه البلد من فاكهة، لربما تحاشينا الوقوع في الأخطاء وانتبهنا لعمليات التوضيب، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسياسة وباللغة التغييرية الآنفة الذكر، ووصول الفاسدين كالتسونامي إلى مراكز القرار وانتشار الرشوة والنفاق والمحسوبية، وتوتر الأعصاب الطائفية والمناطقية وكل العلل المخفيّة، ونهب مقدرات الدولة، والارتهان للخارج تحت عناوين متعددة، فإن الخوف يصبح على الوطن نفسه كدولة، لا بل كوجود.

منذ القديم ابتكر الإنسان ما يُسمى “بالأخلاق”، وذلك ليحمي نفسه ومجتمعه من هجوم وتعديات من فقدوا الحس الإنساني والاعتراف بحقوق الآخرين، ومنذ البدء اعتبر أن الأخلاق هي الرادع للتجاوزات، وهي جوهر القوانين، وهي التي عليها بَنَت الرسالات السماوية نهجها، وكذلك الفلسفات ومبادئ السلام والعدل والحرية.. .

كنا نقول – وما زلنا – بأن فلاناً: شاطر، ذكي، لمَّاح، حربوق لا يُشق له غبار. يعرف من أين تؤكل الكتف، داهية، بيجيبها من قلب السبع… وغيرها من الأوصاف، مع أننا وبكل بساطة نستطيع اختصارها كلها بكلمة واحدة وهي: حرامي!! وسُميّ حرامي – أطال الله أعمار المسروقين- لأنه يستولي وينهب من “حَلاَل” غيره! ومع الوقت شكَّل هؤلاء “الحرامية” طبقة سيطرت على البلد واستطاعت نشر وتعميم الفساد وتطبيقه، لا بل قامت بتصديره إلى أكثر من مطرح مرتكزة على مقولة: إن الفساد يسند بعضه بعضاً من دون أن يكون هناك معرفة بين الفاسدين! لقد دخل هؤلاء عالم السياسة وأصبحوا من أصحاب الأمر وذلك بوكالة من الناخبين عن طريق ما يسمونه انتخابات، فقد استعملوا بمهارة وأمانة تلك الوكالة وقاموا ببيع البلد للخارج وبالتقسيط المريح!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

ليلى مولاي تتحدّى: خلعت “الملحفة” فعرّت الاسلاميين

ليلى مولاي

ليلى مولاي

لم تعد ليلى مولاي مجرّد مغنية موريتانية شابة.  فتحدّيها للتقاليد المجحفة بحق المرأة، بعد ظهورها بلباس غير تقليدي في شريط فيديو غنائي، سرعان ما حوّلها إلى رأس حربة في معركة الحريات بين المحافظين وبين المنادين بالتحرر الثقافي والفكري في الشارع الموريتاني.

قصة ليلى مولاي بدأت عندما نشرت شركة “موريماكس” أخيراً فيديو كليب بالإنكليزية بعنوان “بدأ في موريتانيا” للمغني الشاب حمزة براين، تظهر فيه الفنانة الموريتانية وقد تخلت عن اللباس التقليدي الموريتاني (الملحفة) وظهرت بثياب عصرية.

وانتشر الكليب بشكل كبير على المواقع الاجتماعية، وهاجم المتشددون جميع المشاركين في الفيديو، ورأوا فيه دعوة صريحة لنشر ثقافة الانحلال الأخلاقي في المجتمع الموريتاني.

ودافعت الشركة عن عملها الجديد وأكدت أنه يهدف لتلبية أذواق شريحة كبيرة من المجتمع الموريتاني، مؤكدة أن القصد من الأغنية لم يكن سوى تأكيد قدرتها على إنتاج فيديو كليب بمستوى عالمي.

وأكدت مولاي أنها لم تأبه لبعض التهديدات التي تلقتها من المشددين، وأنها ستشارك في أعمال جديدة من هذا النوع، داعية الشباب الموريتاني إلى إبراز طاقاته والتجديد في الفن.

وتعاني المرأة الموريتانية صعوبات كبيرة في مجتمع ذكوري محافظ يحرم عملها في بعض الميادين كالفن والإعلانات وعروض الأزياء وغيرها باعتبارها خطا أحمر يتجاوز التقاليد ويسيء للدين والأخلاق.

ونددت حركة “لا للإباحية” الناشطة في مناهضة “التفسخ الأخلاقي في المجتمع الموريتاني” بفيديو ليلى الجديد، معتبرة أن منتجيه يروّجون للتفسخ والانحلال الأخلاقي.

وفيما يعتبر البعض فيديو كليب ليلى “عملاً فنياُ تحتاج إليه موريتانيا، ويسمح بتفجير طاقات شابة هائلة وخلق حركية وحيوية في مجال الانتاج الفني”، يرى البعض الآخر أن “طبيعة الملابس والكلمات والمناظر والإيقاع والتصوير ودرجة الخلاعة تجعل الفيديو كليب الجديد عملا إبداعيا بالنسبة للأميركيين والفرنسيين وغيرهم، وتجعله نشازا في موريتانيا التي يخرج قطعيا عن تقاليد وأعراف مجتمعها المحافظ المحتشم”.

الكاتبة مريم بنت عينية اعتبرت أن ما قام به حمزة براين وليلى مولاي “لا يخدش الحياء، فلا هما تبادلا القبل ولا مارسا الجنس”، وأكدت أن عرض الفيديو اقتصر على المواقع الاجتماعية، مشيرة إلى أن من يدّعي بأنه خدش حياءه أو أساء إلى أخلاقه بإمكانه عدم مشاهدته مجددا.

وأضافت في مقال بعنوان “أرفع قبعتي لحمزة براين” بصحيفة “تقدمي”: يا لكِ من أخلاق، يفسدها ضرب كف حمزة بكف ليلى على شاطئ محيط نواكشوط، ويصلحها رئيس حزب اسلامي تزوج على أم عياله، ثم طلق الثانية وأرجع الأولى، ومفكر إسلامي طلق زوجته الأولى، وتخلى عن أبنائه منها ليتزوج من يكبرها بقرابة عشرين عاما، بعد أن تخرجت من جامعة أميركية ووجدت عملا مجزيا في عاصمة دولة خليجية”.

يذكر أن الفنان حمزة براين أكد مؤخرا أنه ليس نادما على نشر الفيديو كليب، مشيرا إلى أن عمله الجديد يشكل نهوضا بالمستوى المتدني الذي تعيشه الموسيقى في موريتانيا.  وأضاف لموقع “اكريديم” الناطق بالفرنسية “أتحمل كامل مسؤوليتي (عن الفيديو). وعلى كل حال أنا بشر، وإني آسف إن كنت صدمت بعض الناس، كما أشكر كل الذين ساندوني وشجعوني. أولئك الذين يؤمنون بموريتانيا موحدة ومنفتحة”.

المرأة الموريتانية

 ويرى الباحث الاجتماعي، خالد مولاي إدريس، بأن الحراك الحالي يمثل هبة من المجتمع المحافظ الذي بات يشعر بأن قيمه تتعرض لهزات قوية بسبب ثقافة المدينة التي تفرض مقاربات مختلفة بشان التعاطي مع حرية المرأة، فوجود مثقفين يقولون بأحقية المرأة في مزاحمة الرجل في شتى المجالات خلق نوعا من التصادم بين النظرتين التقليدية والعصرية للمرأة. وهذا التصادم يبرز على السطح في شكل حركات اجتماعية تسعى للمحافظة على عقليتها التقليدية عن طريق رفع شعار التشبث بالدين في وجه الانحراف الذي هو بالنسبة لها الدعوات التقدمية التي ترفع شعار مشاركة المرأة في جهود التنمية والوصول لمراكز القرار.

ورغم إقرار قانون يلزم الأحزاب السياسية في موريتانيا، بضرورة أن تشكل النساء نسبة ما لا يقل عن 20 % من المرشحين للانتخابات البرلمانية والمحلية، فإن المرأة في هذا البلد الفقير مازالت تسعى إلى مزيد من الحقوق السياسية.

وتحتل المرأة في موريتانيا مكانا اجتماعيا مرموقا في الحياة البدائية التي يعيشها شعب هذا البلد، أما في المجال السياسي فالنساء يرين أنهن لم يحصلن بعد على حقوقهن الكاملة، في مجتمع ما زال يقاوم فكرة تصدر المرأة للمشهد السياسي.

ثورة، إعلام، حرية: الانترنت يهدم جدار الفضائيات والصحف الحكومية

حمل “الربيع العربي” في طياته الكثير من التغييرات، التي تباينت من دولة لأخرى، وشملت النظام السياسي والعلاقات بين الدولة والمجتمع، إلا أن التغييرات التي طرأت على ميدان الإعلام والإتصال في هذه الدول تبقى الأهم والأبرز.

بقدر ما كان الإعلام عموما مجسَّدا للواقع العربي وقهْره وتخلُّفه، كان الإعلام، خاصة الرسمي منه، إعلاما متخلِّفا وغير مِهني وأحادي الرأي.  في المقابل، لعب الإعلام غير الرسمي، والحديث منه (عبر الوسائط الحديثة والإنترنت عموما) دورا مهمّا في “الربيع العربي”، سواء تعلق الأمر بإشعال شرارته الأولى أو باستِمراره وانتِشاره، بل بات بعد حصول التغيير في البلدان المعنية، المُعبِّر الأول عن مدى تجسيد هذه الشِّعارات على أرض الواقع.

 ما قبل الثورات

كانت وسائط الإعلام والإتصال الوطنية الرسمية (صحف، إذاعات، فضائيات)، تابعة للحكومات التي تعكِس من خلالها رُؤيتها ومقاربتها لتدبير الشأن العام، وسائط محلية تتسم بالتخلّف وعدم الحرية والرأي الواحد الوحيد وعدم المِهنية وتزييف الحقائق، لأنها تعكِس نظْرة الحكومات لشعوبها وتعتبرها قاصِرة لا حقّ لها بالمبادرة والتعبير عن رأيها.

بموازاة ذلك، كانت هناك وسائط إعلام واتصال وطنية غير حكومية، تأسست (أساسا الفضائيات) بمبادرة من أصحاب رأس المال المقرّبين في معظم الأحيان من حكام أو أحزاب أو مهنيين (أساسا الصحف)، تحاول أن تتلمّس فضاءً بمِهنية أعلى، أكثر اتِّساعا من الفضاء السائد. وفي هذا السياق، يُسجّل للفضاء المصري نجاحه باستيعاب هذه المبادرات وتطويرها قبل 25 يناير، وإن كان يسجل عربيا للفضاء اللبناني رِيادته في هذا المجال.

حاولت الحكومات العربية، قبل اندلاع “ثورة الحرية الكرامة” في تونس، عدم المُمانعة في إصدار صحف وإنشاء فضائيات، مع سقْف محدود من الحرية أو حتى (فضائيا) تحديد برامج المنوّعات أو البرامج الخفيفة.

ورغم الصعوبات التي كانت تُواجه هذه الوسائط، إلا أنها لعِبت دورا ملموسا في مُتابعة تطوّرات ما يجري في الشوارع والساحات، وحاولت الذهاب إلى أكثر من ذلك نحو نقل حقيقة ما يجري وآراء الشباب الذين أطلقوا نسائم الربيع، لكنها ظلت محكومة بالقوانين التي أصدرتها الحكومات قبل سقوطها.

الإنترنت سيد الاعلام

جاء “الربيع العربي”، في وقت حقّقت فيه البشرية تقدّما عِلميا هائلا في تكنولوجيا الإتصالات، أدى إلى تقليص تكلفة التواصل مع المُتلقّي بوسائط البث الفضائي، ثم تبعه الهاتف النقال فالإنترنت، سيد التكنولوجيا المعاصِرة، الذي أصبح عنوانا لهذا الربيع، نُسب إليه الفضل في الكثير مما عرفته الجغرافيا العربية من أحداث وتطوّرات وتغييرات.

لكن، بحُكم تفشّي الأمية والفقر في المجتمعات العربية، كانت الفضائيات سيِّدة الموقف، وتحديدا الفضائيات العابِرة للحدود الوطنية. والملفت أن الصور والتقارير التي كان يتلقّاها المشاهد العربي أولا بأول لما يجري بشارع بورقيبة بتونس أو في ساحة التحرير بالقاهرة أو بساحة التغيير في صنعاء، كانت تأتي مباشرة من عواصم، غيْر تلك التي نهضت بربيعها، عبْر فضائيات احتلّت طوال السنوات الماضية الحيِّز الأكبر من مساحة المشاهدين في تلك الجغرافيا، المُمتدّة من البحرين إلى نواكشوط، وأثبتت – رغم بعض الهنات – أن المِهنية تتطور في ظل وجود هامش من الحرية.

عربياً، ظهرت وسائل الإعلام العابرة للحدود الوطنية، بعد أن نجحت قناة “سي ان ان” الأميركية في أن تكون مرجعِية الأخبار في حرب الخليج الثانية التي تلت احتلال العراق للكويت (آب / أغسطس 1990 – شباط / فبراير 1991)، وبعد أن اكتشفت الدول العربية الغنية بالنفط حالة العداء المُستشري لسياساتها ومواقفها، في الأوساط الشعبية العربية، إلا أن التِزام هذه الوسائط العربية بالسّقف الذي حدّدته سياسات الدول الراعية والمالكة لها، وعدم اختلافها في أي شيء (باستثناء برامج المنوّعات والمِهنية الصحفية) عن القنوات الوطنية في تلك الدول، أفقدها شيئا فشيئا قوة التأثير السياسي المطلوب.

التحوّل الرئيسي بالفضاء السّمعي المرئي كان بإطلاق قناة “الجزيرة” من دولة قطر في تشرين الثاني / نوفمبر 1996، لتحتلّ بسرعة المرتبة الأولى من بين الفضائيات العربية، بعد أن نجحت في استثمار طاقات إعلامية عربية اكتسبت خِبرة في الإعلام الغربي مع حرية واسعة في التعاطي مع كل القضايا، بدون حدود وبدون سقْف، مع الإلتِزام بالمِهنية والحِرص على التعددية، بشعارها “الرأي والرأي الآخر”، مع تكسير “المقدّسات السياسية” والإقتِراب ممّا كان يُوضع في خانة المحرّمات، دون السقوط في الإسفاف أو القذف أو التهجّم والشتائم.  لكن مع الشرارة الأولى لثورتي تونس ومصر، واجهت الجزيرة هجرة جماعية لمشاهديها، بعدما انكشف دورها التحريضي والموظّف في خدمة مشروع الاخوان المسلمين في السيطرة على دول الربيع.

في الوقت نفسه، ذكّرت الفضائيات العابِرة للحدود الوطنية المُتلقّي العربي بوسائط أخرى (الإذاعات الدولية والموجّهة تحديدا) لعِبت أدوارا مُشابهة في العقود السابقة، من بينها إذاعة “بي بي سي” وإذاعة “صوت العرب” وإذاعة “مونتي كارلو” وغيرها.

بعد التغييرات السياسية والمجتمعية التي عرفتها بلدان “الربيع العربي”، تراجَع بشكلٍ ملحوظ انتشار ونسبة مشاهدة القنوات الفضائية العابِرة للحدود، خاصة في هذه البلدان، لصالح القنوات الوطنية، التي كانت تبثّ قبل ثورة 14 يناير بتونس وثورة 25 يناير في مصر أو القنوات التي تناسلت بعد ذلك، وهو ما حفّز شبكات القنوات العابِرة للحدود لقنوات خاصة بمصر.

تجدر الإشارة إلى أن الهيمنة السابقة للقنوات العربية العابِرة للحدود، كانت تعود، بالإضافة إلى المِهنية والحُرية والإنفتاح (التي بات يتمتّع بها اليوم نِسبيا الإعلام الوطني)، إلى إيلاءها اهتماما بارزا بالقضايا الساخنة العربية والإسلامية، مثل القضية الفلسطينية والعراق ولبنان وأفغانستان، وهي قضايا توارت إلى الخلف بسبب التحوّلات الجارية في المشهد السياسي العربي، فيما تصدّرت المشهد القضايا المحلية.

الثورات حطّمت الاعلام التقليدي

الثورات حطّمت الاعلام التقليدي

ثورات الإنترنت

ما من شك في أن الوسائط العربية والدولية الناطقة بالعربية والعابرة للحدود، لعبت دورا أساسيا في “الربيع العربي” وثورات الشباب التي رافقته، إلا أن الفضل الأساسي لانطلاقتها يعود للإنترنت عموما ولشبكات التواصل الإجتماعي خصوصا.

وفي هذا السياق، لعبت القنوات الفضائية دوْر مكبِّر صوت لحركة الشارع العربي، وكانت طلقة في الهواء وأحدثت ضجّة كبيرة ووجدتها مادّة استهلاكية مهمّة، لذلك نالت حِصّة الأسد من المُشاهدة.

 إن مبادرة تحريك الشارع العربي انطلقت من شبكات وسائل الإتّصال الاجتماعي، بل أن صحيفة لوموند الفرنسية قالت “إن الثورات العربية بِنْتُ الإنترنت”.

يد عاملة من حديد: آلات تحيل البشر إلى التقاعد المبكر

روبوت طائر لتوصيل البريد

روبوت طائر لتوصيل البريد

يحلّ الانسان الآلي مكان البشر في الكثير من مجالات العمل، ما يمكن أن يؤدي إلى فقدان العاملين الكثير من وظائفهم.

ففي العام 2013 حققت التكنولوجيا تطورًا هائلًا جعلها تستبدل البشر في الكثير من الوظائف.

لكن، إلى جانب المهام الخطيرة التي يسر الانسان أن يتم استبداله فيها بالروبوتات والآلات، يبدو أن هذه المخلوقات الحديدية بدأت منافسته في المجالات الحياتية الأخرى، ما أدى إلى انقراض وظائف عفا عليها الزمن خلال هذا العام.

إرسال البريد

تتجه بعض الشركات العملاقة للاعتماد على طائرات من دون طيار لنقل البضائع إلى الزبائن. هل يمكن تطبيق ذلك، أم أن الأمر لا يعدو كونه حملة علاقات عامة؟

في العام 2012، كلفت شركة “أمازون” كيفا سيستمز، الصانعة للروبوتات، بصنع آلات يمكن برمجتها لالتقاط الأوامر عن الانترنت ونقلها من المستودع إلى نقاط المغادرة. وتمتلك الشركة الآن 1382 آلة في ثلاثة مراكز، ما يعني أنه في نهاية المطاف قد تستبدل الآلات عشرات الآلاف من العمال الموقتين، الذين ينتظرون موسم العطلات المزدحم لتأمين معيشتهم.

ولكن ما الجدوى الاقتصادية من هذه العملية؟ يقول هربرت كوتسب، عالم الاقتصاد و الخبير في الشؤون اللوجستية من جامعة بريمن: “الأمر مثير على أي حال، فإدخال الطائرات من دون طيار في خدمة التوصيل قد يخفف من الزحام في شوارع المدن الكبرى، التي تكتظ بسيارات توصيل الطلبيات”.

ربما تشكل الطائرة من دون طيار بديلاً محتملاً لسيارات توصيل البضائع والطلبيات للمناطق النائية كالموجودة في استراليا أو الدول الاسكندينافية. فاستخدام السيارات لتوصيل طلبيَّة واحدة لهذه المناطق يعتبر من الناحية الاقتصادية مكلف جداً. يعود الخبير كوتسب ويعقب على هذه النقطة قائلاً: “هذا الاستخدام للطائرات من دون طيار لن يحل مشكلة الازدحام، بل سينقل المشكلة من الأرض إلى الجو إذ أننا سنحتاج لقواعد ناظمة لحركة المرور في الجو عند ذاك. أما من الناحية التقنية فيمكن استخدام نظام الملاحة الجوية  GPSللتحكم بالطائرة وتوجيهها. ولأسباب تتعلق بالأمن يجب أن لا تحلق الطائرة على ارتفاعات عالية، ويجب أن تبقى على مرأى الملاح الأرضي.

تكنولوجيا الطائرات بدون طيار مفيدة جدا بعد وقوع الكوارث، فهذه التقنية يمكنها البحث بشكل أكثر كفاءة بين الحطام وتحديد الطرق الواضحة للوصول إلى بعض الأماكن التي يصعب الوصول إليها، إضافة إلى قدرتها الفعالة على تحديد حجم الأضرار البشرية والمادية .

هذه الطائرة يمكنها أن تقلع و تهبط عموديا تماما كما يفعل طائرة الهليكوبتر وهي صديقة للبيئة حيث تعمل بالطاقة الكهربائية من خلال بطارية تزن 100 كيلوغرام ويمكنها التحليق على ارتفاع 2000 متر وتقطع مسافة 100 كيلومتر في الساعة.

يأمل الفريق المصمم لبيع الفولوكابتر بحلول العام 2015 ، وكل طائرة يمكن أن يصل سعرها إلى حوالي 250000 يورو، ويتوقع العلماء أن تحدث هذه الطائرة تغييرا هائلا في الطريقة التي نتحرك بها في هذا الكوكب الواسع.

تسخين الطعام

تلقت محلات الوجبات السريعة تحذيرات من الباحثين من أن الطهاة المكلفين يمكن الاستعاضة عنهم بسهولة بالروبوتات. وعلى الرغم من أن هذا لم يحدث تمامًا حتى الآن، إلا أن هناك شركة واحدة على الأقل تعمل بجد لجعل ذلك ممكنًا. وتقوم سلسلة مطاعم ماكدونالدز باستبدال الصرافين بشاشات تعمل باللمس في أوروبا، وللاستعاضة عن العمال بالآلات في مجالات أخرى.

مبيعات الملابس

تتزايد التجارة الإلكترونية باطراد بعيدًا عن المخازن والواجهات في الأسواق، لكن الظاهرة التي بدأت بالانتشار في الآونة الأخيرة هي سلسلة من الأعمال التي نقلت تجارة التجزئة إلى الآلات والروبوتات.

“أميريكان جاينت” على سبيل المثال هي الممون الأساسي للملابس عالية الجودة، التي بدأت بصنع منتوجاتها خارج سان فرانسيسكو، عن طريق آلات أقل تكلفة وتسويقها أيضًا عبر الانترنت.  هذا يعني أن الزبون صار مكينًا من الحصول على سترة صوفية حاكتها الآلات بجودة عالية وبسعر تنافسي، إنما يعني أيضًا أن الناس الذين اعتادوا صنع وبيع هذه القطع فقدوا وظائفهم.

قيادة الشاحنات

تكنولوجيا مركبات التحكم الذاتي في تسارع مستمر، وتركز الآن على سيارات الركاب. لكن النقص الحقيقي في اليد العاملة هو في مجال النقل بالشاحنات لمسافات الطويلة، الأمر الذي يدفع الشركات إلى التوجه نحو الأتمتة لقيادة أكثر أمانًا وتحكمًا من قبل الروبوت الذي لا يشعر بالتعب. وهذا يعني أن نحو ستة ملايين شخص يقومون بهذه المهمة سيضطرون إلى إيجاد طريقة جديدة لكسب العيش.

المعدات الزراعية

لمجال الزراعة حكاية طويلة مع التشغيل الآلي، إلى حد أنه بالكاد يوجد بشري يعمل في هذه الصناعة في الولايات المتحدة.

الاستثناء الوحيد كان يفترض أن يكون أولئك الناس الذين يديرون أو يقودون هذه الآلات المستخدمة لحرث التربة وحصاد المحاصيل، لكن حتى هؤلاء لم يعودوا في أمان مع ظهور الجرارات، التي يمكن تحريكها عبر الحقول عن طريق الكمبيوتر أو من خلال برمجة الإحداثيات بشكل مسبق.

العمل في المختبرات

في مركز تريانغل بارك للبحوث في كارولينا الشمالية شركة تدعى  LabCorp، تعمل بجد على تطوير آلات لفرز وتقسيم عينات الدم، وهي وظيفة بسيطة يعتمد عليها الآلاف من العمال لكسب قوتهم. لكن يبدو الآن أن الروبوتات قادرة على أن تحل محلهم بطريقة أكثر كفاءة وأقل كلفة.

من يعلم إلى أي مدى ستتطور التكنولوجيا في السنوات المقبلة، والمجالات التي ستنافس فيها البشر. فما هي الميزة التي سترجح بقاء الانسان مسيطرًا على العالم أمام آلة من اختراعه؟

حديث الشارع: وليد جنبلاط

غير قابل للتقليد.

لا يشبهه أحد. لأن لا أحد يجرؤ أن يكون مثله.

مواقفه تتبدَّل و«الجينز» هو الثابت الوحيد.

يغضب فلا يخفي غضبه، ولو أدى إلى نسف الجسور السياسية.

يتنقل في مواقعه من مراهن على الأحلام إلى مستيقظ على الحقيقة.

لا يغش. فهو عندما يعلن عن موقف يكون قد اتخذه فعلاً. وعندما ينقلب إلى موقف آخر يكون قد قرر اتخاذه فعلاً.

لا يخشى ارتكاب الأخطاء الكبيرة، ولا يتوانى عن الاعتراف بها علناً وبالصوت العالي.

لا يلعب تحت الطاولة بأوراق مستورة. فهو يصالح ويعادي فوق الطاولة وبأوراق مكشوفة. أي أنه لا يمارس الخداع، لكنه شغوف بالمفاجآت.

شاطر جداً في كسب الأعداء… وهو الأشطر في إعادة الصداقات.

إنه وليد جنبلاط.

ولأنه كذلك لا يشبهه أحد.

«شوارعي»

العدد السنوي: “نجم” الثورة

كتب المحرر الثقافي:

“نجم” أضاء بشعره النزق وبذاءته الطريفة طريق الدفاع عن الإنسانية.  هويته المصرية والعربية، أُمميته، تقدميته، موقفه الطبقي، ثوريته، لغته الشعرية الخصبة الثرية المتنوعة، اتساع مساحته الإيقاعية ورونق جملته الأخاذ، سخريته، تناقضاته أيضاً. كل ما سبق، جعله أحمد فؤاد نجم (1929 – 2013).

 

أحمد فؤاد نجم صاحب القصائد الثورية التي كانت وقود شعارات “ثورة 25 يناير”. تنبأ بالثورة منذ السبعينيات حين كتب عن انتفاضة 1979 يقول: “كل ما تهل البشاير/ من يناير كل عام/ يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف الظلام”.

إنه أحد أعمدة الثورات والاحتجاجات المصرية منذ أيام الإنتداب الإنكليزي. فأرشيفه الشعري يؤكد أنّه “الفاجومي” الذي هجا الرؤساء وهم في عز عنفوانهم وقوتهم، فسجن في عهدي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، واستمرت انتقاداته للسلطة في عهدي حسني مبارك ومحمد مرسي.

“مصر يا أما يا بهية / يا أم طرحة وجلابية/ جاية فوق الصعب ماشية/ واحتمالك هو هو/ وابتسامتك هي هي”.

هكذا عرَّف أحمد فؤاد نجم، الصعلوك، الفاجومي، الوطن.. امرأة عادية، تحمل قوة التحمّل، وضعف الصابرين، وابتسامة الشقاء، مصر دون تفخيم، أو مبالغة، بتوصيف بسيط، يجعلنا أكثر قدرة على الإمساك بمعناها، فهي ليست “أول نور في الدنيا” ولا “أم الدنيا” ولا ترغب في قهر الدنيا، بل أم المقهورين، لا أوهام في حبها، فقط مطالب مشروعة بالحياة الكريمة.

عندما اختار الجميع الغناء بعد انتصار أكتوبر للرئيس السادات، غنى أحمد فؤاد نجم للجندي، ابن الفلاحين، المهزوم الذي انتصر، محوّلا تساؤله عن “هما مين وإحنا مين”، الذي قصد به التفريق بين قلة تتحكم في كل شيء وبين ملح الأرض، ليذكرنا به مرة أخرى في أغنية “دولا مين ودولا مين دولا ولاد الفلاحين” التي غنتها سعاد حسني، ليذكرنا أن ملح الأرض هو الذي انتصر لا “الأمرا ولا السلاطين”.

يشدو الشيخ إمام رفيق عمره، في عام 1962، عقب خروج نجم من السجن، الذي خبره مرات مع رفيقه بعد ذلك، وعندما غنى إمام للشيخ زكريا أحمد، سأله نجم، لماذا لا تغني من ألحانك؟، فأجابه إمام: لأنه لا يجد الكلمة التي يقتنع بها، لتبدأ رحلة الثنائي الذي ألهم العشاق قدر ما ألهم المناضلين، بدآ معا بأغنيات عاطفية “أنا أتوب عن حبك”، و”ساعة العصاري” و”عشق الصبايا”.

مع نكسة 1967، تغيرت اللغة من النعومة والغزل، لتحمل بندقية وسوطا ساخرا فيغنيان معا “الحمد لله خبطنا/تحت بطاطنا/ يامحلا رجعة ظباطنا من خط النار”.

نجم لم يرفض فقط أن يحتويه سجانه، بل رفاقه أيضا، فقد رفض كل محاولات المنظمات الشيوعية لضمه لعضويتها، ليكون صوتها، حرصا على استقلاله كشاعر شعبي، كان أهم عنده من علاقاته بتلك المنظمات التي توترت لا لشيء إلا لرغبة في سجن صوته.

كانت أغنية بقرة حاحا، كما يقول الكاتب صلاح عيسي في كتابه “أحمد فؤاد نجم.. شاعر تكدير الأمن العام” والتي كتبت في 1967، أول بيانات الرد على الهزيمة، فيما كانت أغنية “الحمد لله خبطنا، تحت بطاطنا” بعد أن اتضح حجم الهزيمة، أول البلاغات الحربية التي صدرت من غرفة عمليات “حوش قدم” كما علق هو بنفسه ذات مرة.

عندما قامت ثورة 25 يناير، كانت قصيدة نجم “كل ما تهل البشاير/ من يناير كل عام/ يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف الظلام” أيقونة لنبوءة أطلقها في السبعينيات، أيقونة انتصار، وعقيدة لا تقبل المساومة.

عندما أعلنت مؤسسة كلاوس الهولندية، منح نجم جائزتها، في أيلول (سبتمبر) الماضي، والتي منعه الموت عن تسلمها بنفسه، قالت المؤسسة إن الجائزة تأتي تقديرا لمساهماته وأشعاره باللهجة العامية المصرية، التي ألهمت ثلاثة أجيال من المصريين والعرب، وتميزت بحس نقدي ساخر، بتأكيدها على الحرية والعدالة الاجتماعية.

طغى الشعر القومي والقريب من الناس على أشعار نجم الذي رافق الشيخ إمام في معظم أعماله للتعبير عن السخط والاحتجاج الذي تلا نكسة حزيران (يونيو) 1967، ما دفع الرئيس الراحل أنور السادات إلى إطلاق لقب “الشاعر البذيء” على الشاعر الذي لم يستطع أن يتوافق مع أي حكومة أو سلطة مصرية.

دخل نجم في خلافات مستفيضة وعميقة مع كبار المسؤوليين السياسيين في البلاد في أكثر من مرحلة تاريخية، ومنها ما يحدث اليوم في مصر. وإبان انطلاق حملة “تمرد”، أكد على تمرده مرة أخرى، فثار على السلطة المصرية بقيادة الرئيس محمد مرسي. وعلق على ذلك، قائلاً: “طبعاً تمردت، وأتمنى منكم أن توقعوا على استمارات الحملة، فلو لم نتمرد نحن، من سيفعلها؟ الإخوان؟”.

وعلى رغم مرور سنوات عدة، حفظ الجسد النحيل لنجم، حتى رحيله، آثار التعذيب التي تعرض له.

تحركاته الشعبية وتضامنه مع حقوق “الغلابة” ولغته العامية في الكتابة جعلته أقرب إلى الناس ومطالبهم، فاعترف به الكثيرون كأب لـ”ثورة الكلمة”، ما جعله يكتسب لقب “سفير الفقراء” من جانب المجموعة العربية لصندوق مكافحة الفقر في الأمم المتحدة.

ولد أحمد فؤاد نجم في 22 أيار (مايو) العام 1929 في قرية كفر أبو نجم. بدأ العمل وهو في السادسة من عمره بعد وفاة والده محمد عزت نجم الذي كان ضابطاً في الشرطة المصرية.

تزوج مرات عدة. فاطمة منصور كانت زوجته الأولى، وأنجب منها ابنته عفاف. كما تزوج من الفنانة عزة بلبع والكاتبة صافيناز كاظم وأنجب منها ابنته نوارة. ثم من الممثلة الجزائرية صونيا ميكيو. وأخيراً من السيدة أميمة عبد الوهاب التي أنجب منها زينب.

تعرّف إلى عمال المطابع الشيوعيين في مدينة فايد على قناة السويس، وشارك في التظاهرات في العام 1946. وحكم عليه، في العام 1959 بالسجن 33 شهراً. وبعد إلغاء المعاهدة المصرية الإنكليزية، دعت الحركة الوطنية العاملين في المعسكرات الإنكليزية إلى تركها فاستجاب للدعوة، وعينته حكومة الوفد كعامل في ورش النقل الميكانيكي.

التقى في السجن الكاتب الروائي عبد الحكيم قاسم، وبدأ كتابة القصائد بعدما شجعه أحد ضباط السجن ونسخ له قصائده على الآلة الكاتبة وأرسلها إلى وزارة الثقافة المصرية، ففاز ديوانه “صور من الحياة في السجن” بالجائزة الأولى. ونشرت الوزارة الديوان العام 1962.

التقى بالشيخ إمام العام 1962، وكانت توأمة فنية بين الاثنين انتهت العام 1984 بعد رحلة قاما بها إلى باريس والجزائر وتونس ولبنان وسوريا واليمن. وعاد الشيخ إمام، بعد الجولة، إلى مصر وحده.

دخل الشاعر السجن تسع مرات، كان أطولها ثلاث سنوات في عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي أمر بسجنه والشيخ إمام بعد صدور أغنيتهما “الحمد الله” التي هاجم فيها السلطات بعد نكسة 1967. وصدر الحكم عليه بالسجن المؤبد، الا أنه خرج من السجن بعد رحيل عبد الناصر. وتراوحت الفترات التي أمضاها في السجن بين أسبوعين وثلاث سنوات. وقد كتب نجم في ذكرى رحيل عبد الناصر الأخيرة في 28 أيلول (سبتمبر) الماضي في تغريدة على “تويتر”، “عمل حاجات معجزه وحاجات كثير خابت وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت وان كان جرح قلبنا كل الجراح طابت”.

وفي تشرين الثاني 1977، قبض عليه ووجهت إليه تهمة تلاوة قصيدة “بيان هام” في إحدى كليات جامعة عين شمس، ثم أصدر الرئيس أنور السادات قراراً بإحالته إلى المحكمة العسكرية التي أصدرت عليه حكما بالسجن لمدة عام.

عام 2004، وبعد تأسيس حركة “كفاية” صار من أبرز رموز التحركات الشعبية التي انتعشت في مصر. وكتب ضد جمال مبارك قصيدة لاذعة بعنوان: “عريس الدولة”.

وبعد ثورة “25 يناير” ساهم في تأسيس حزب المصريين الأحرار.

من أشهر مؤلفاته: سلام للأرض، نويت أصلي، الفرعون الأكبر خوفو، جائزة نوبل، صياد الطيور، كلمتين الى مصر، كلب الست، نوارة، إصحي يا مصر، الجدع جدع، الحمد لله، الخواجة الأمريكاني، جنوب لبنان، غيفارا مات، عريس الدولة، بيان هام، موال فلسطيني مصري، نكسون، يا عرب.