“قنبلة” الاتفاق النووي:”الشيطان الأكبر” في التفاصيل

كتب المحرر السياسي:

غطّت “سحابة” الاتفاق النووي سماء المنطقة بأكملها.  خاسرون ورابحون كثر أعادوا حساباتهم وتحالفاتهم الاقليمية والدولية، في ظل “الصداقة بعد عداوة” التي جمعت الولايات المتحدة وإيران في اتفاق جنيف النووي، الذي لا يزال يخضع لاختبارات عدة، ويشقّ طريقه الصعب إلى صفقات سياسية أوسع قد تغير وجه الشرق الاوسط.

تبادل التهاني بالاتفاق النووي في جنيف

تبادل التهاني بالاتفاق النووي في جنيف

“لم يحن وقت سوريا ولبنان بعد”.  هذا ما قاله دبلوماسي عربي رفيع لـ”الكفاح العربي” تعليقاً على موجة التفاؤل التي سادت المنطقة إثر الاتفاق النووي بين إيران والغرب.  فالتسوية الكميائية التي جنّبت سوريا ضربة أميركية، استكملت بتسوية نووية فكّت الحصار الدولي على إيران، من دون التوصل إلى تسويات أمنية وسياسية توقف نزيف الحرب في سوريا وتحرّك الجمود السياسي في لبنان.  ويصف الدبلوماسي الذي رفض الكشف عن اسمه المرحلة الحالية بأنها “مرحلة انتقالية لإثبات النيات الحسنة بين الأطراف الاقليمية والدولية المتصارعة، أما الصفقة الكبرى حول ملفات المنطقة المتفجرة، فتنتظر إعادة بناء جسور الثقة خلال الستة أشهر المقبلة”.

ويضيف الدبلوماسي المطلع على المفاوضات النووية في جنيف أن “المواقف الدولية انقلبت بشكل كبير، وبات المجال مفتوحاً لتسويات كبرى على مستوى المنطقة.  فالخطوط الحمراء زالت وبات الحوار الدبلوماسي هو الخيار الوحيد بعد سقوط الخيارات العسكرية التي كانت تهدد المنطقة بحرب إقليمية”.

لكن التفاؤل الحذر الذي يبديه الدبلوماسي العربي، لا يزيل الشكوك حول نجاح التفاهمات الدولية حول البرنامج النووي الايراني، وخصوصاً إذا ما أخذنا في عين الاعتبار تنامي القلق الاسرائيلي والغضب الخليجي من سياسات الانفتاح الغربي التي تقودها الولايات المتحدة تجاه إيران، والخشية من استغلال طهران للوقت الضائع الدولي، من أجل تحقيق المزيد من المكاسب السياسية وتوسيع نفوذها في المنطقة على حساب حلفاء الغرب التقليديين في المنطقة.

من هنا، يتوقع المصدر الدبلوماسي أن تتصاعد حدة التطورات الأمنية والعسكرية في المنطقة، لا سيما في سوريا ولبنان، رغم الاصرار الدولي على انعقاد “جنيف – 2” السوري بداية العام المقبل، الذي تجمع آراء المحللين بأنه لن يكون أكثر من اجتماع صوري لكن ضروري للحفاظ على مواصلة الجهود الدبلوماسية الروسية – الأميركية على أكثر من صعيد.

مخاوف وشكوك

لا شك في أن ردود الأفعال على الاتفاق النووي “الموقت” بين ايران ومجموعة “الخمس زائد واحد” اتسمت بالمبالغات والتمنيات. مؤيّدو الاتفاق بالغوا في انجازاته وبعضهم اعتبره اختراق تاريخي. ومعارضو الاتفاق بالغوا بشوائبه ورأوا ان التسليم الضمني بحق ايران في التخصيب ولو على مستوى متدن جدا هو تنازل عن مواقف أميركية وقرارات دولية رفضت في السابق اعطاء ايران مثل هذا “الحق”. بعض هؤلاء اعتبره “استسلاما” لإيران.

الاتفاق مهم فعلا ويمكن ان يتحول اختراقا تاريخيا لاحقا، وهو – في حال تطبيقه – سيؤخر ويعلق جزءا كبيرا من البرنامج النووي الايراني، إذ سيجمد العمل في منشأة أراك، ويحيّد كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 20% الى أقل من خمسة في المئة مما يعني انه سيكون صالحا فقط للاغراض غير العسكرية. كما يفرض الاتفاق رقابة متشددة وشاملة على منشآت ايران.

لكن معظم المحللين بمن فيهم مؤيدو الاتفاق يؤكدون ان الانتقال من اتفاق موقت الى اتفاق نهائي لن يكون امرا سهلا او مضمونا لان “الخمس زائد واحد” سترفض السماح لايران بالتخصيب بنسب اعلى من خمسة في المئة ربما لسنوات طويلة قبل إلغاء العقوبات. وقطعا لن يلغي الكونغرس الاميركي عقوباته بسهولة او في مقابل تنازلات لا يعتبرها كافية.

وبغض النظر عن مضمون الاتفاق، فإن حلفاء واشنطن القلقين في المنطقة يبررون مشروعية مخاوفهم من أن الاتفاق غير مشروط او مربوط بتغيير سلوك ايران الاقليمي وتدخلها في العراق وسوريا ولبنان، على حد قولهم. وثمة شعور في هذه الدول “الممانعة” للاتفاق بان الرئيس باراك أوباما الذي سيبذل كل جهده لمنع ايران من تصنيع السلاح النووي من دون اللجوء الى الخيار العسكري، قد يقبل بتسوية مع طهران تبعد عنه الكأس المرّة لاستخدام القوة حتى نهاية ولايته. وهذا ينسجم مع رغبة أوباما في خفض “أعباء” واشنطن في المنطقة والانسحاب الجزئي منها والتركيز على شرق آسيا، مع تحول اميركا أكبر دولة منتجة للطاقة في العالم. وهذا يعني فتح المجال امام ايران مرة اخرى لتصبح الدولة المهيمنة في المنطقة.  ويبرر هؤلاء عمق مخاوفهم بالتذكير بحقيقة كون الاتفاق جاء بعد مفاوضات سرية بدأت خلال ولاية محمود أحمدي نجاد، أبقت خلالها واشنطن حلفاءها – وخصوصا العرب – في الظلمة.

الرابحون والخاسرون

يبدو أن الأميركيين والإيرانيين خرجوا من هذا الاتفاق الموقت سعداء، فكلا الجانبيبن يمكنهما القول بأنهما حصلا على تنازلات، غير أن التأثير سيكون محدودا. والنجاح الحقيقي هنا هو في اجراء المزيد من المحادثات البناءة.

ويرى المراقبون أن الثقة بين طهران وواشنطن تحتاج إلى أكثر من ستة أشهر، وهي مدة زمنية كافية لتهديد الاتفاق من قبل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة القلقين والمشككين في نيات إيران.

ويعتبر المراقبون أن الاتفاق يحد بوضوح الخيارات العسكرية لإسرائيل. إذ أنه طالما هناك محادثات جارية، فالضربة الجوية لإيران ليست من ضمن الخيارات المطروحة على الطاولة.

ويصف المراقبون الاتفاق النووي الايراني بأنه “كابوس” بالنسبة لنتانياهو الذي جعل قضية البرنامج النووي الايراني فوق جميع القضايا الأخرى بما فيها المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.

قد يؤدّي الاتفاق النووي إلى أن يميل ميزان القِوى في الشرق الأوسط لصالح إيران، بعد أكثر من عامين من الإنتفاضات الشعبية والعسكرية التي أضعفت الدول العربية الكبرى.

فالاتفاق يفسح المجال أمام تراجُع حِدّة المواجهة بين واشنطن وطهران، التي طال أمدها حتى قارَبت أمد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، مما يثير قلق إسرائيل وحكّام الدول الخليجية، الذين يخشون من هيمنة إقليمية جديدة تؤثِّـر بقوة على مصالحهم.

ويقول معارضو الإتفاق، إن إيران ستزداد ثراءً وقوةً بتخفيف العقوبات التي خنقَت اقتصادها، والإلغاء التدريجي لها، الأمر الذي يشجِّع حكّامها على تكثيف دعمهم لحلفائهم في الدول العربية، لا سيما في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين.

 لكن من ناحية أخرى، يقول مؤيِّدو الإتفاق إن التقارب بين قوتين ظلَّـتا على خلاف لفترة طويلة جدا، قد يُساهم في إعادة الإستقرار إلى منطقة تعاني من الإضطرابات ويحدّ من الإحتقان الطائفي الذي دفع بالشيعة والسُنة إلى أتون مواجهات دامية. ويبدو أن انعدام الثقة كان شعورا متبادلا بين الجانبين، مثلما كان في الأزمة بين الغرب والاتحاد السوفياتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وبعد أن ضعفت دول عربية تمثل مراكز قوى تاريخية، مثل مصر وسوريا والعراق، بسبب الإنتفاضات والصراعات الطائفية، بدا فتح صفحة جديدة مع إيران مكسبا مُغريا للإدارة الأميركية، التي تسعى لتحقيق نجاح في سياستها الخارجية.

 ويراهن مؤيدو الإتفاق على إمكانية أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى تقارُب نظام رجال الدّين في إيران مع الدول الخليجية المتحالفة مع الولايات المتحدة.  ويعتقد هؤلاء أنه إذا استمرّت المفاوضات وحققت نتائج ورُفِـعت العقوبات تدريجيا، سينتعش اقتصاد إيران وستنمو حركتها الليبرالية في النهاية.  أما على المدى القصير، فيرى المتفائلون أن في الاتفاق ما يشجّع على التعاون بين الولايات المتحدة وإيران، سعيا وراء التوصل لاتِّفاق حول سوريا ووقف أعمال العنف الدائِرة فيها.

ويقول بعض الخبراء، إن الدول الخليجية ستحاول أن تضع استراتيجية دبلوماسية وأمنية مع الدول التي تتفق مع موقفها، للحدّ من آثار تصاعُـد القوة الإقليمية لإيران.   ولعل من بين المخاوف الرئيسية التي تُساوِر قادة دول الخليج، هو اعتقادهم بأن المسؤولين الإيرانيين المُعتدلين، الذين تفاوضوا على الإتفاق النووي، ليسوا هم المتشدِّدين المسؤولين عمّا يعتبرونه تدخّلا في الدول العربية.

وبين وجهات النظر المؤيدة والمعارضة، يبقى الاتفاق “الموقت” ولاحقاً “الدائم”، مهدّداً في أي وقت بالانهيار، إما بفعل مُقاومة الداخل الإيراني (الحرس الثوري) أوالأميركي (الكونغرس) أو مُمانعة الخارج (إسرائيل وتركيا ودول الخليج).  فلماذا إذاً كل هذه الحماسة الغربية والإيرانية لوصف هذه الصّفقة بأنها “إنجاز تاريخي”؟  ببساطة، لأنها تحمل في طيّاتـها فُـرص إبرام “تفاهم تاريخي” بين واشنطن وطهران، لا يكون فيه الإتفاق النووي سوى جزء مما هو أكثر تعقيدا.

بكلمات أوضح، يبدو أن الصفقة النووية، في حال سار كل شيء على ما يُرام ولم تنسِفها الألغام الكثيرة المزروعة على طريقها، ستعطي الولايات المتحدة  فرصة إعادة دمج إيران في النظام الدولي، كدولة طبيعية لا مارقة وِفق شروطها.  وستعطي إيران، ليس فقط طوق النّجاة من الإنهيار الإقتصادي – الإجتماعي وحسب، بل أيضاً دوراً إقليمياً مُعترفاً به دوليا. وإذا ما توصّل الطرفان إلى مثل هذه “الصّفقة الكبرى”، سيكون الشرق الأوسط على موعد بالفعل مع نظام إقليمي جديد وتحالفات دولية – إقليمية، قد لا تخطر على بال أحد.  لكن، دون هذه المُحصِّلة التاريخية، تقف عقبات سياسية كبرى … ومستحيلة.

هذا ما يبدو الآن تفكيراً رغائبياً في بعض طهران وبعض واشنطن، وأحلاماً كابوسية في تل أبيب والرياض. بيد أن هذه الرغبات وتلك الأحلام الكابوسية، لا تلغي بالضرورة الحقيقة بأن طهران وواشنطن قطعتا شوْطاً بعيداً في مجالين: العمل على وقْف الحرب الأيديولوجية المتواصلة بينهما منذ انتِصار الثورة الإسلامية الإيرانية في شباط (فبراير) 1979 وبدء البحث في المصالح الإقتصادية والإستراتيجية المُتبادلة.

ما بعد النووي

إن بروز ملامِح اتفاق إيراني – أميركي وقبله اتفاق روسي – أميركي، على ضرورة إغلاق ملفّ الحرب السورية، يفتح ولو بعض الأبواب والنوافذ التي كانت مُغلقة بإحكام طيلة السنوات الثلاث الماضية أمام أيّ احتمال لوقْف المذبحة السورية المفتوحة.

وعلى أي حال، يمكن القول أن المسألة السورية ستكون المُختبر الرئيسي لاستطلاع المدى الذي وصلت إليه المفاوضات السرية الأميركية – الإيرانية حيال القضايا الإقليمية، كجزء يُفترض أن لا يتجزّأ من التفاهُمات التي أنجبت الصّفقة النووية.

يدرك الجميع أن الطريق طويل، والقضايا الاقليمية الشائكة لا تحل باتفاق وابتسامات.  ما حدث في جنيف، هو عملية تحويل عداء مطلق إلى نصف عداوة ونصف صداقة.

انطلاقاً من هذه المعادلة، يضع المحللون والمراقبون النظام السوري على رأس قائمة الرابحين من الاتفاق الاولي الايراني مع الغرب.   فمن المؤكد ان رفع الحصار عن ايران سيساهم في تخفيفه عن سوريا، سواء بتراخي القبضة الغربية، او بضخ ايران مليارات الدولارات لمساعدة حليفها واقتصاده في دمشق بعد ان تعود الى تصدير النفط والغاز بالكميات المعتادة، مما يوفر السيولة اللازمة.

وهنا لا بد من ملاحظة أن الاولويات الغربية تتغير بسرعة في سوريا، وستتغير اكثر في الاشهر المقبلة بعد الاتفاق الايراني، وسيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي كان صادقا، عندما قال ان اسقاط النظام لم يعد على رأسها، وانما مواجهة الجماعات الجهادية التي باتت قوة كبرى على الاراضي السورية، ولا بد من تعاون دولي للتصدي لها.

أما بالنسبة إلى إيران، قد تساعد المفاوضات بشأن سوريا في خدمة طموحاتها. فبعد أن نجحت في استئناف علاقة حذرة مع واشنطن، يبدو أن لدى طهران مصلحة كبيرة في إحراز تقدّم بشأن برنامجها النووي. ويمكن أن تكون إيران أكثر ميلاً للمصالحة والمرونة في سوريا في مقابل أن يتم إشراكها في المناقشات الدولية الخاصة بالأزمة السورية.

وإذا ما أخذنا الحوار الذي بدأ للتوّ في جنيف مع القوى الغربية بشأن البرنامج النووي لطهران، فإن ثمّة حاجة إلى قدر من الاعتدال الإيراني بشأن القضية السورية.

بطبيعة الحال، سيكون من قبيل الحماقة التكهّن في هذه المرحلة بالتقدّم الذي يمكن إحرازه في المستقبل. فلاتزال سوريا مزيجاً متفجّراً من القضايا، ويعتمد مستقبلها على سلسلة من الرهانات المحفوفة بالمخاطر. ومع ذلك، يبقى السبيل الدبلوماسي هو الخيار الأفضل.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s