العدد السنوي: “نجم” الثورة

كتب المحرر الثقافي:

“نجم” أضاء بشعره النزق وبذاءته الطريفة طريق الدفاع عن الإنسانية.  هويته المصرية والعربية، أُمميته، تقدميته، موقفه الطبقي، ثوريته، لغته الشعرية الخصبة الثرية المتنوعة، اتساع مساحته الإيقاعية ورونق جملته الأخاذ، سخريته، تناقضاته أيضاً. كل ما سبق، جعله أحمد فؤاد نجم (1929 – 2013).

 

أحمد فؤاد نجم صاحب القصائد الثورية التي كانت وقود شعارات “ثورة 25 يناير”. تنبأ بالثورة منذ السبعينيات حين كتب عن انتفاضة 1979 يقول: “كل ما تهل البشاير/ من يناير كل عام/ يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف الظلام”.

إنه أحد أعمدة الثورات والاحتجاجات المصرية منذ أيام الإنتداب الإنكليزي. فأرشيفه الشعري يؤكد أنّه “الفاجومي” الذي هجا الرؤساء وهم في عز عنفوانهم وقوتهم، فسجن في عهدي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، واستمرت انتقاداته للسلطة في عهدي حسني مبارك ومحمد مرسي.

“مصر يا أما يا بهية / يا أم طرحة وجلابية/ جاية فوق الصعب ماشية/ واحتمالك هو هو/ وابتسامتك هي هي”.

هكذا عرَّف أحمد فؤاد نجم، الصعلوك، الفاجومي، الوطن.. امرأة عادية، تحمل قوة التحمّل، وضعف الصابرين، وابتسامة الشقاء، مصر دون تفخيم، أو مبالغة، بتوصيف بسيط، يجعلنا أكثر قدرة على الإمساك بمعناها، فهي ليست “أول نور في الدنيا” ولا “أم الدنيا” ولا ترغب في قهر الدنيا، بل أم المقهورين، لا أوهام في حبها، فقط مطالب مشروعة بالحياة الكريمة.

عندما اختار الجميع الغناء بعد انتصار أكتوبر للرئيس السادات، غنى أحمد فؤاد نجم للجندي، ابن الفلاحين، المهزوم الذي انتصر، محوّلا تساؤله عن “هما مين وإحنا مين”، الذي قصد به التفريق بين قلة تتحكم في كل شيء وبين ملح الأرض، ليذكرنا به مرة أخرى في أغنية “دولا مين ودولا مين دولا ولاد الفلاحين” التي غنتها سعاد حسني، ليذكرنا أن ملح الأرض هو الذي انتصر لا “الأمرا ولا السلاطين”.

يشدو الشيخ إمام رفيق عمره، في عام 1962، عقب خروج نجم من السجن، الذي خبره مرات مع رفيقه بعد ذلك، وعندما غنى إمام للشيخ زكريا أحمد، سأله نجم، لماذا لا تغني من ألحانك؟، فأجابه إمام: لأنه لا يجد الكلمة التي يقتنع بها، لتبدأ رحلة الثنائي الذي ألهم العشاق قدر ما ألهم المناضلين، بدآ معا بأغنيات عاطفية “أنا أتوب عن حبك”، و”ساعة العصاري” و”عشق الصبايا”.

مع نكسة 1967، تغيرت اللغة من النعومة والغزل، لتحمل بندقية وسوطا ساخرا فيغنيان معا “الحمد لله خبطنا/تحت بطاطنا/ يامحلا رجعة ظباطنا من خط النار”.

نجم لم يرفض فقط أن يحتويه سجانه، بل رفاقه أيضا، فقد رفض كل محاولات المنظمات الشيوعية لضمه لعضويتها، ليكون صوتها، حرصا على استقلاله كشاعر شعبي، كان أهم عنده من علاقاته بتلك المنظمات التي توترت لا لشيء إلا لرغبة في سجن صوته.

كانت أغنية بقرة حاحا، كما يقول الكاتب صلاح عيسي في كتابه “أحمد فؤاد نجم.. شاعر تكدير الأمن العام” والتي كتبت في 1967، أول بيانات الرد على الهزيمة، فيما كانت أغنية “الحمد لله خبطنا، تحت بطاطنا” بعد أن اتضح حجم الهزيمة، أول البلاغات الحربية التي صدرت من غرفة عمليات “حوش قدم” كما علق هو بنفسه ذات مرة.

عندما قامت ثورة 25 يناير، كانت قصيدة نجم “كل ما تهل البشاير/ من يناير كل عام/ يدخل النور الزنازن/ يطرد الخوف الظلام” أيقونة لنبوءة أطلقها في السبعينيات، أيقونة انتصار، وعقيدة لا تقبل المساومة.

عندما أعلنت مؤسسة كلاوس الهولندية، منح نجم جائزتها، في أيلول (سبتمبر) الماضي، والتي منعه الموت عن تسلمها بنفسه، قالت المؤسسة إن الجائزة تأتي تقديرا لمساهماته وأشعاره باللهجة العامية المصرية، التي ألهمت ثلاثة أجيال من المصريين والعرب، وتميزت بحس نقدي ساخر، بتأكيدها على الحرية والعدالة الاجتماعية.

طغى الشعر القومي والقريب من الناس على أشعار نجم الذي رافق الشيخ إمام في معظم أعماله للتعبير عن السخط والاحتجاج الذي تلا نكسة حزيران (يونيو) 1967، ما دفع الرئيس الراحل أنور السادات إلى إطلاق لقب “الشاعر البذيء” على الشاعر الذي لم يستطع أن يتوافق مع أي حكومة أو سلطة مصرية.

دخل نجم في خلافات مستفيضة وعميقة مع كبار المسؤوليين السياسيين في البلاد في أكثر من مرحلة تاريخية، ومنها ما يحدث اليوم في مصر. وإبان انطلاق حملة “تمرد”، أكد على تمرده مرة أخرى، فثار على السلطة المصرية بقيادة الرئيس محمد مرسي. وعلق على ذلك، قائلاً: “طبعاً تمردت، وأتمنى منكم أن توقعوا على استمارات الحملة، فلو لم نتمرد نحن، من سيفعلها؟ الإخوان؟”.

وعلى رغم مرور سنوات عدة، حفظ الجسد النحيل لنجم، حتى رحيله، آثار التعذيب التي تعرض له.

تحركاته الشعبية وتضامنه مع حقوق “الغلابة” ولغته العامية في الكتابة جعلته أقرب إلى الناس ومطالبهم، فاعترف به الكثيرون كأب لـ”ثورة الكلمة”، ما جعله يكتسب لقب “سفير الفقراء” من جانب المجموعة العربية لصندوق مكافحة الفقر في الأمم المتحدة.

ولد أحمد فؤاد نجم في 22 أيار (مايو) العام 1929 في قرية كفر أبو نجم. بدأ العمل وهو في السادسة من عمره بعد وفاة والده محمد عزت نجم الذي كان ضابطاً في الشرطة المصرية.

تزوج مرات عدة. فاطمة منصور كانت زوجته الأولى، وأنجب منها ابنته عفاف. كما تزوج من الفنانة عزة بلبع والكاتبة صافيناز كاظم وأنجب منها ابنته نوارة. ثم من الممثلة الجزائرية صونيا ميكيو. وأخيراً من السيدة أميمة عبد الوهاب التي أنجب منها زينب.

تعرّف إلى عمال المطابع الشيوعيين في مدينة فايد على قناة السويس، وشارك في التظاهرات في العام 1946. وحكم عليه، في العام 1959 بالسجن 33 شهراً. وبعد إلغاء المعاهدة المصرية الإنكليزية، دعت الحركة الوطنية العاملين في المعسكرات الإنكليزية إلى تركها فاستجاب للدعوة، وعينته حكومة الوفد كعامل في ورش النقل الميكانيكي.

التقى في السجن الكاتب الروائي عبد الحكيم قاسم، وبدأ كتابة القصائد بعدما شجعه أحد ضباط السجن ونسخ له قصائده على الآلة الكاتبة وأرسلها إلى وزارة الثقافة المصرية، ففاز ديوانه “صور من الحياة في السجن” بالجائزة الأولى. ونشرت الوزارة الديوان العام 1962.

التقى بالشيخ إمام العام 1962، وكانت توأمة فنية بين الاثنين انتهت العام 1984 بعد رحلة قاما بها إلى باريس والجزائر وتونس ولبنان وسوريا واليمن. وعاد الشيخ إمام، بعد الجولة، إلى مصر وحده.

دخل الشاعر السجن تسع مرات، كان أطولها ثلاث سنوات في عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي أمر بسجنه والشيخ إمام بعد صدور أغنيتهما “الحمد الله” التي هاجم فيها السلطات بعد نكسة 1967. وصدر الحكم عليه بالسجن المؤبد، الا أنه خرج من السجن بعد رحيل عبد الناصر. وتراوحت الفترات التي أمضاها في السجن بين أسبوعين وثلاث سنوات. وقد كتب نجم في ذكرى رحيل عبد الناصر الأخيرة في 28 أيلول (سبتمبر) الماضي في تغريدة على “تويتر”، “عمل حاجات معجزه وحاجات كثير خابت وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت وان كان جرح قلبنا كل الجراح طابت”.

وفي تشرين الثاني 1977، قبض عليه ووجهت إليه تهمة تلاوة قصيدة “بيان هام” في إحدى كليات جامعة عين شمس، ثم أصدر الرئيس أنور السادات قراراً بإحالته إلى المحكمة العسكرية التي أصدرت عليه حكما بالسجن لمدة عام.

عام 2004، وبعد تأسيس حركة “كفاية” صار من أبرز رموز التحركات الشعبية التي انتعشت في مصر. وكتب ضد جمال مبارك قصيدة لاذعة بعنوان: “عريس الدولة”.

وبعد ثورة “25 يناير” ساهم في تأسيس حزب المصريين الأحرار.

من أشهر مؤلفاته: سلام للأرض، نويت أصلي، الفرعون الأكبر خوفو، جائزة نوبل، صياد الطيور، كلمتين الى مصر، كلب الست، نوارة، إصحي يا مصر، الجدع جدع، الحمد لله، الخواجة الأمريكاني، جنوب لبنان، غيفارا مات، عريس الدولة، بيان هام، موال فلسطيني مصري، نكسون، يا عرب.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s