قهوجيات: أزمة أخلاق

في أحد الأيام أُقيم احتفال خطابي كبير لتكريم أحد التجار الموسرين، بعد أن إتخذ قراراً بدخول الحياة السياسية، وقد تبارى الخطباء في إختراع وابتداع مآثر المكرَّم واعتباره من الذين يعوَّل عليهم في كتابة تاريخ جديد للبلد، وذلك لما يزخر به فكره إلى جانب طموحاته من آراء وأفكار تغييريَّة، حيث عرفنا فيما بعد أن هذا التاجر هو بذاته قد دُوهمت مستودعاته في السنة الماضية وضُبِطَ بالجرم المشهود وهو يغيِّر “تواريخ” المعلبات الفاسدة التي لديه بتواريخ جديدة!!

ويبدو أن حماسته الوطنية – ولا ننسى القومية – لتغيير التاريخ بدأت من المستودعات حيث أنه من هنا سيبني المسيرة على أسس فاسدة وينشر فساداً للأجيال القادمة تساهم في استرداد فلسطين إلى جانب رفع سقف الحريات.. ومع ذلك فقد دخل هذا الفاسد المفسد مع غيره من الانتهازيين عالم السياسة وأصبح عضواً في البرلمان يشارك في التشريع وسن القوانين!

هناك مَثَل أو بالأحرى قول تشبيهي مفاده: إذا كان هناك برتقالة – من بساتين لبنان – فاسدة في صندوق مملوء بالبرتقال الجيِّد، فإنها تُفسد كل البرتقالات الموجودة. من جانب آخر، إذا وضعنا برتقالة جيدة – أيضاً من بساتين لبنان – في صندوق مملوء بالبرتقال الفاسد، فإنها لا تستطيع أن تجعل كل برتقالات الصندوق جيّدة، بل ستفسد بدورها، وذلك بفعل الغالبية الفاسدة!

يتبيَّن لنا من هذا الكلام – وللأسف – أن مكوِّنات الفساد وركائزه هي الأقوى والأفعل، ولو اقتصر الأمر على البرتقال والتفاح وعلى ما ينتجه البلد من فاكهة، لربما تحاشينا الوقوع في الأخطاء وانتبهنا لعمليات التوضيب، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسياسة وباللغة التغييرية الآنفة الذكر، ووصول الفاسدين كالتسونامي إلى مراكز القرار وانتشار الرشوة والنفاق والمحسوبية، وتوتر الأعصاب الطائفية والمناطقية وكل العلل المخفيّة، ونهب مقدرات الدولة، والارتهان للخارج تحت عناوين متعددة، فإن الخوف يصبح على الوطن نفسه كدولة، لا بل كوجود.

منذ القديم ابتكر الإنسان ما يُسمى “بالأخلاق”، وذلك ليحمي نفسه ومجتمعه من هجوم وتعديات من فقدوا الحس الإنساني والاعتراف بحقوق الآخرين، ومنذ البدء اعتبر أن الأخلاق هي الرادع للتجاوزات، وهي جوهر القوانين، وهي التي عليها بَنَت الرسالات السماوية نهجها، وكذلك الفلسفات ومبادئ السلام والعدل والحرية.. .

كنا نقول – وما زلنا – بأن فلاناً: شاطر، ذكي، لمَّاح، حربوق لا يُشق له غبار. يعرف من أين تؤكل الكتف، داهية، بيجيبها من قلب السبع… وغيرها من الأوصاف، مع أننا وبكل بساطة نستطيع اختصارها كلها بكلمة واحدة وهي: حرامي!! وسُميّ حرامي – أطال الله أعمار المسروقين- لأنه يستولي وينهب من “حَلاَل” غيره! ومع الوقت شكَّل هؤلاء “الحرامية” طبقة سيطرت على البلد واستطاعت نشر وتعميم الفساد وتطبيقه، لا بل قامت بتصديره إلى أكثر من مطرح مرتكزة على مقولة: إن الفساد يسند بعضه بعضاً من دون أن يكون هناك معرفة بين الفاسدين! لقد دخل هؤلاء عالم السياسة وأصبحوا من أصحاب الأمر وذلك بوكالة من الناخبين عن طريق ما يسمونه انتخابات، فقد استعملوا بمهارة وأمانة تلك الوكالة وقاموا ببيع البلد للخارج وبالتقسيط المريح!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s