من أسكت “الأراجوز”؟ باسم يوسف “جرّاح” الإخوان و”جريح” العسكر

عبد الرحمن سلام

بحاجبه المرفوع أسقط الرئيس محمد مرسي.  وبضحكته الساخرة أغضب “إخوان” مصر.  فالطبيب الجرّاح باسم يوسف شقّ طريقه إلى قلوب الناس والأضواء العالمية بأكثر من 900 الف متابع على “تويتر”، وثلاثة ملايين معجب على “فيسبوك”، واكثر من 120 مليون مشاهد على موقع “يوتيوب”.

لكن من قصقص حاجبي باسم يوسف وحجب ضحكته عن ملايين المتابعين؟

هل سقطت أسطورته الاعلامية مع سقوط الإخوان، وانتهت ملحمته النقدية مع عودة العسكر؟

من أسكت “الأراجوز” كما وصفه أعداؤه، وأطفأ أضواء “البرنامج”، ليتحوّل إلى الحدث الاعلامي الأبرز عربياً في العام 2013؟

لباسم يوسف قصّة نجاح تستحق أن تروى. هو من مواليد 21 آذار (مارس) 1974، تخرّج في كلية الطب في العام 1998، وحصل على دكتوراه جراحة القلب والصدر من جامعة القاهرة، وعمل عضو هيئة تدريس في كلية الطب، قبل ان يسافر للعمل في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا لمدة سنتين ونصف، في احدى شركات الاجهزة الطبية التي تطوّر تكنولوجيا زراعة القلب والرئة، ليعود من ثم الى مصر لنيل الدكتوراه، وليعاود المغادرة الى المانيا، للتدرب على جراحات زراعة القلب والاجهزة المعاونة لعضلة القلب، وهو حصل على “رخصة” مزاولة المهنة في الولايات المتحدة الاميركية في العام 2005، كما انتمى الى “زمالة” كلية الجراحين البريطانية في العام 2006.

وإذا كان كل ما تقدم، يعتبر “السيرة الذاتية المهنية التخصصية” للجراح الطبيب “باسم رأفت محمد يوسف”، فإن “السيرة الذاتية لمعد ومقدم البرنامج الانتقادي الساخر الاشهر عربيا” (البرنامج)، سجلت اول تاريخ لمسيرتها في شهر آذار (مارس) من العام 2011، حين قام بخطواته الاولى خارج نطاق تخصصه العلمي (الطب)، وحمّل مجموعة حلقات، “باسم يوسف شو” على موقع “اليوتيوب”، ليشكل المفاجأة الكبرى والاكثر تأثيرا، على المستويين الشعبي والاعلامي، حيث  شكلت هذه الحلقات صوتا عاليا ومسموعا من ملايين المصريين الغاضبين من “نفاق” الوسائل الاعلامية التقليدية، في تغطيتها لمجريات احداث الثورة المصرية الاولى ـ 25 يناير 2011.  واستغل باسم يوسف مختلف الوسائل الاعلامية المتاحة على شبكات التواصل الاجتماعي، ليبرز موهبة نقدية سياسية ـ اجتماعية ساخرة، وليعلن بالتالي موقفا سياسيا لا لبس فيه، من خلال ادوات عمل متواضعة: مجرد طاولة، وكرسي، وكاميرا واحدة، ولوحة جدارية عليها صورا التقطتها ايادي الثوار الهواة الموجودين في ميدان التحرير، يومذاك.

وبفعل ردود الافعال المتسارعة على كل ما عرضه باسم يوسف من حلقات، عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ردود افعال ترجمت الى “ارقام مشاهدة” اعتبرت، بحسب دوائر  الرصد البرامجي، غير مسبوقة ومثيرة للدهشة والاستغراب، سارعت احدى اشهر  الشبكات التلفزيونية في مصر والوطن العربي “ONTV” لعرض “صفقة انتاجية” على هذا الاعلامي الهاوي، الوافد من كليات الطب، خلاصتها، انتاج برنامج سياسي ـ انتقادي ـ ساخر، باسم “البرنامج”، كما خصصت له ميزانية كبيرة بلغت نصف مليون دولار اميركي.

وبذلك، اصبح يوسف، “اعلاميا معتمدا رسميا” وأول شخص في الشرق الاوسط، تتحول “هوايته” من مجرد برنامج على شبكة “الانترنت” الى برنامج “كامل الاوصاف” على شاشة تلفزيون، لها اسمها ومكانتها وانتشارها، ليس في مصر والوطن العربي فحسب، وإنما ايضا في بلاد الاغتراب (المصري خصوصا)، لا سيما وان مالك هذه الشاشة هو رجل الاعمال الثري نجيب ساديروس، صاحب الحضور الفاعل والقوي وسط المغتربين ـ المهاجرين المصريين، وتحديدا  الاقباط منهم، في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا.

ومنذ عرض الحلقة الاولى على شاشة ONTV، حقق “البرنامج” انتشارا وشهرة واسعتين، كما تناولت شاشات شهيرة مثل CNN وBBC والجزيرة، فقرات منه بالتعليق.

وفي 23 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2012، وكان عقد باسم يوسف مع ONTV  قد انتهت مدته، ولأسباب اخرى لم يشأ باسم يوسف الافصاح عنها او التوقف عندها، اعلن انسحابه من الشاشة المذكورة، لتسارع اكثر من شبكة تلفزيونية عربية وغربية الى التعاقد معه، وبشروط تتضمن الكثير من الاغراءات المادية، إلا أنه كان قد اتخذ قرارين، بموجبهما، سيختار الشاشة التي سيطل مع برنامجه عبرها، الاول: ان تكون الشاشة المنشودة مصرية عربية، والثاني: ان يكون متحررا فيها من اي قيد او شرط او توجيه سياسي. بمعنى، ان يقدم منها ما يشاء، وكل ما يشاء وبما يتوافق مع قناعاته، وعلى مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية وسواها، وإذا كان هناك من متضرر او معترض (او اكثر) فليلجأ الى القضاء. وهي الرؤية التي توافقت معها شاشة CBC الفضائية المصرية، ما ادى بالتالي الى انتقال باسم يوسف وبرنامجه “البرنامج”، الذي بات، وبسرعة البرق، الرقم واحد بين بقية البرامج التلفزيونية المصرية، وعلى مختلف الشاشات، وقد تم بث اولى الحلقات على CBC  بتاريخ 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، اي بعد مرور 22 شهرا على قيام ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وتنحي الرئيس الاسبق لمصر محمد حسني مبارك وحزبه (الوطني) والنظام بأكمله، حيث لم تكن الخطوات المقبلة التي ستقود نظام ما بعد مبارك قد تبلورت، وان كانت قد اصبحت بعهدة جماعة الاخوان المسلمين.

منذ الحلقة الاولى من برنامج “البرنامج” على شاشة CBC، انطبق عليها المثل الشعبي الذي يقول “أول دخوله… شمعة على طوله”. فعلى اثر مهاجمة الجماعات الاسلامية في مصر، وكذلك الرئيس محمد مرسي، تجندت جماعة الاخوان المسلمين ومؤيديها  من بقية الاطراف الاسلامية للرد على باسم يوسف، سواء عبر الشاشات التي استقبلتهم، او التي يمتلكونها، وأيضا من خلال مختلف وسائل الاعلام المتاحة لهم، ومنها كذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي يسيطرون عليها. وما فجر الخلاف، يومذاك، المقاطع المصورة التي عرضها باسم يوسف وتعود للعام 2010 (اي قبل تسلم جماعة الاخوان المسلمين السلطة ووصول رجلها محمد مرسي الى سدة الرئاسة الاولى).

وفي هذه اللقطات المصورة ـ الناطقة، بدا الرئيس السابق محمد مرسي وهو يتهم اسرائيل وأميركا والغرب بأقصى التهم والعبارات، ويحرض عليهم، ثم، في لقطات التقطت له بعدما اصبح رئيسا لمصر، تركز على التحولات الكبيرة التي طاولت كل المواقف السابقة. ما دفع  بالصحافة الغربية، الى وصف باسم يوسف بـ”اشجع اعلامي مصري”.

وفي 31 آذار (مارس) 2013، وبمرافقة  شعبية واعلامية كبيرة، توجه باسم يوسف الى مكتب النائب العام، وخضع للتحقيق في ثلاثة اتهامات موجهة اليه: “اهانة رئيس الجمهورية، وازدراء الدين الاسلامي، وبث روح التفرقة بين افراد الشعب المصري”، وقد استمر التحقيق لساعات، اخلى سبيل الاعلامي من بعدها بكفالة قدرها 15 الف جنيه مصري، بواقع 5 آلاف جنيه عن كل تهمة. وهذا التحقيق القضائي، دفع بالمتحدثة باسم وزارة الخارجية الاميركية فيكتوريا نولاند الى الاعلان بأن “هذه القضية، الى جانب اوامر اعتقال كانت قد صدرت في خلال المرحلة المذكورة بحق نشطاء سياسيين آخرين، تشكل دليلا على اتجاه مقلق يشهد تزايدا في القيود على حرية التعبير”.

لا شك، في أن “التظاهرة” الشعبية ـ الاعلامية، ومواقف الرأي العام الغربي، وقرار النيابة العامة المصرية بالافراج عن باسم يوسف مقابل غرامات تعتبر “رمزية”، قد دلّت على القبول الكبير الذي يلقاه باسم يوسف وبرنامجه، على الصعيدين الاعلامي والشعبي، وعلى بدء تبدل المزاج الغربي ـ الاوروبي تجاه حكم “الاخوان” في مصر، واستمرار تحرر القضاء المصري من سيطرة “الجماعة”، وهذه العوامل مجتمعة، كان لها دورها الكبير، في النتائج التي تحققت في ما بعد، وأدت الى ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وبالتالي الى التظاهرات العارمة التي اجتاحت مصر من شمالها الى جنوبها، ومن شرقها الى غربها، وشجّعت القوات المسلحة المصرية لالتزام موقف الشعب واعلان “خريطة الطريق” لعزل الرئيس السابق محمد مرسي، وإسقاط حكم الاخوان المسلمين في مصر.

وعودة الى باسم يوسف وبرنامجه الذي عاد الى العرض في موسمه الثالث في 25 تشرين الاول (اكتوبر) 2013، حيث استمر “الاعلامي الاكثر جرأة” على نهجه، فهاجم القائد الاعلى للقوات المسلحة المصرية الفريق عبد الفتاح السيسي عبر فقرة ساخرة ـ انتقادية بعنوان “شوكولاته عبد الفتاح السيسي”.

وفيما كان الشعب ينتظر عرض “البرنامج” في حلقته الثانية من الموسم الثالث، بتاريخ الاول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، كانت المفاجأة بعدم عرض الحلقة المنتظرة، ومن دون اي تحذير او اعلان او تنويه مسبق، حيث سرت شائعات  تقول “ان قناة CBC اوقفت العرض جراء ضغوطات من جهات امنية”.  لكن نفي هذه الشائعة تماما، صدر عبر صفحة برنامج “البرنامج” على “الفيسبوك”، ولتبدأ من ثم بيانات الاتهامات المتبادلة بين مالك شاشة CBC من جهة، والشركة المنتجة لبرنامج “البرنامج”، ولتتدرج هذه البيانات ارتفاعا، وصولا الى القضاء، حيث تسلح كل طرف بحقوق يدعيها، فيما استمر باسم يوسف في موقف حيادي، لا سيما وان الخلاف، كما بدا، كان بين شاشة عارضة وشركة منتجة. وخلال فترة التوقف هذه، وإلى ان يفصل القضاء في الدعاوى المتبادلة، حل باسم يوسف ضيفا على الاعلامي يسري فودة في برنامج “آخر كلام”، في الوقت الذي كان فيه كل معدي ومقدمي البرامج على شاشة CBC يعلنون في بيان، وعبر الشاشة المذكورة، تضامنهم مع زميلهم، ويلوحون بـ”موقف” قد يتخذونه فيما لو اتضح ان في الامر تقييدا للحريات، متسائلين في الوقت ذاته كيف يمكن لأي منهم ان يكون الى جانب باسم يوسف يوم تعرض بمواقفه وبرنامجه  لرئيس الجمهورية المعزول محمد مرسي، باسم حرية التعبير، ثم يناقضون اليوم موقفهم ولا يساندونه ان هو انتقد القائد الاعلى للقوات المسلحة؟

لا شك، في أن لباسم يوسف روايته التي يروي عكسها في معرض نفيه لتدخل سياسي أوقف برنامجه. فـ”جدعنته” الاعلامية بعدم مهاندة العسكر بعد معارك “كسر العظم” الطاحنة مع الإخوان، تضع علامات استفهام كثيرة حول مصير من ورد إسمه في “قائمة افضل 100 شخصية مؤثرة في العالم” لمجلة “تايم” الاميركية.

في هذا الإطار، يروي العالمون في كواليس الإعلام المصري، أسرار الرواية التي لن يبوح بها باسم يوسف:

–         لم يكن باسم يوسف بعيداً عن التجييش الاعلامي الموجّه ضد صعود الإخوان.  لا بل كان ركناً أساسياً في التركيبة الاعلامية – الممولة من فلول النظام السابق والمعومة من المؤسسة العسكرية – لاستهداف الاخوان وفضح نقاط ضعفهم تحضيراً لثورة ثانية تخرجهم من الحكم.

–         لقد تم نقل برنامج باسم يوسف من أون تي في إلى سي بي سي ضمن خطة إعلامية تهدف إلى تجنيب إشعال فتنة إعلامية في مصر، قد يستخدم الإخوان فيها ديانة مالك المحطة الأولى القبطية، في حملات الرد على انتقادات يوسف.

–         لا بد من التوقف أمام ظاهرة “تفقيس” المحطات والصحف الممولة بميزانيات خيالية لاستهداف الإخوان، ومن ضمنها برنامج باسم يوسف.

–         إن الخريطة الإعلامية التي ولدت في عهد الإخوان، شهدت تعديلات أخرجت باسم يوسف من المشهد الاعلامي، بسبب عدم قبوله التقيّد بالشروط الجديدة، التي تحرّم في أيام العسكر، ما كان محلّلاً في أيام الإخوان.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s