“الربيع” الكاذب: جردة حساب لثورات الدم والفوضى

كتب جهاد مارون

كانت الثلاث سنوات الماضية كافية لإثبات أن “الربيع العربي” لم يكن مُرفَقا بدليل أو خريطة طريق لمواجهة التحديات التي تفرضها المرحلة الإنتقالية، بما فيها “خطر الشتاء الإسلامي”، في ظل عدم تحرّر المجتمع المدني من قيوده، وغياب الرّقيب على عملية بناء الدولة الديمقراطية الجديدة، والفشل في ضمان نزاهة انتخابات ما بعد الانتفاضات إلى بلورة دساتير الغد.

تحوّلت جثة “الربيع” إلى رماد، فالنّار التي أضرمها محمد البوعزيزي في جسده يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010 لم تخمد بعد. المنطقة بأسرها شعرت بالهزّات الارتدادية لزلزا

نقل جريح في اشتباكات التحرير

نقل جريح في اشتباكات التحرير

ل الربيع العربي. “تأثير الدومينو” لايزال متواصلا، وإن كان بدرجات متفاوتة. سوريا مشتعلة، ليبيا تحكمها الميليشيات، تونس تعيش في فوضى، مصر تتخبّط بالثورات المضادة، المملكة الأردنية تواجه غضب الشارع، والتظاهرات الاحتجاجية تُغذي الأحداث السياسية في البحرين والكويت والسودان واليمن.

 وبدلاً من أن يؤدّي الربيع إلى تعزيز الدولة، أسفر عن انهيارها أو على الأقل دفعها إلى الترنّح على حافة هاوية “الدولة الفاشلة”.

في العراق، وعلى رغم الأموال الهائلة التي أنفقت لإعادة بناء جهاز الدولة الذي حلّه الأميركيون عام 2003، لا تزال هذه الدولة هشّة للغاية، بسبب تشظي المجتمع العراقي إلى مكوّنات طائفية ومَذهبية وعِرقية (كردية). الدولة – الأمة في العراق سقطت. والشكل الفدرالي الذي طرح للحلول مكانها، عجز حتى الآن عن لمّ شعثها وإعادة بنائها.

الأمر نفسه يتكرّر في سوريا. فبعد الدمار الذي لحِق بمفهوم القومية العربية الذي يتبنّاه حزب البعث الحاكم منذ عام 1970، يأتي الآن الدّمار الآخر لمفهوم الوطنية السورية، الأمر الذي ترك الساحة خالية أمام صراع الأصوليات الطائفية.

في اليمن (وبعده في ليبيا)، أدى انهيار الدولة إلى دفع القوى القبلية والعشائرية إلى واجهة الأحداث لملء هذا الفراغ، في وقت فشلت فيه القوى الإسلامية في تقديم بديل قابل للحياة عن مفهوم الدولة الوطنية.

حصيلة انهيار الدولة في منطقة “الربيع العربي” كانت واحدة: الفراغ والفوضى وتحويل المنطقة إلى ساحة تنافُس إقليمي – دولي، تحت شعار أن بديل الدولة الوطنية “الفاشلة” هو إعادة بناء “الإمبراطوريات” الإقليمية القادرة وحدها على ملء الفراغ، وهذا ينطبق الآن على ما تحاول أن تفعله كلّ من تركيا وإيران وإسرائيل.

إلى متى يمكن أن يستمِر تحوُّل الربيع العربي على هذا النحو المتسارِع إلى شتاء قارس؟ الأرجح إلى حين تبلور نظام إقليمي جديد، يحل مكان النظام الإقليمي العربي السابق. لكن هذا بدوره يجب أن ينتظر وِلادة نظام عالمي جديد لا يزال الغموض الشديد يكتنِفه، من بكين إلى واشنطن، مروراً بموسكو وطوكيو وبرلين ونيودلهي.

الانقسامات العربية

لا شك في أن “الربيع” أثر في العلاقات العربية – العربية التي لم تشهد انقسامات واختلافات وعداءات بهذا الحد منذ غزو القوات العراقية إلى الكويت في العام 1990.

لقد ساءت العلاقات التونسية مع السعودية (والخليج) منذ استضاقة الرياض الرئيس بن علي ومنحه وعائلته حق اللجوء السياسي.  وفي مصر، أدى الدعم القطري المعلن على شاشة “الجزيرة” لحكم الإخوان ورفض ما وصفته الدوحة بـ”الانقلاب العسكري” على الرئيس محمد مرسي، إلى تأزم دبلوماسي غير مسبوق بين الإمارة الخليجية ومصر، دون أن ننسى قطع العلاقات بين القاهرة وأنقرة التي تصرّ على رفض الاعتراف بالحكم المصري الجديد.

إن مفهوم الأمن القومي العربي الذي قام – بحسب ميثاق جامعة الدول العربية – على فكرة قدرة الدول العربية على حماية الأمة العربية من الأخطار الخارجية والداخلية القائمة أو المحتملة، وتحقيق فكرة القومية العربية، سقط أمام إفرازات الربيع العربي، حيث كانت الحلول الإسلامية التي أتى بها التغيير، وبالا على النظام العربي بأسره. فلا الذين قدموا لسدة الحكم في تونس ومصر وليبيا من الخبرة السياسية والإدارية والأيديولوجية بمكان يؤهلهم لقيادة هذه الدول إلى مرحلة انتقالية تهيئ لمرحلة ديمقراطية حقيقية، ولا الأوضاع التي تمر بها بقية أقطار الأمة تسمح بأن يكون الحكم فيها مطلقا للإسلام السياسي، خاصة في ظل المتغيرات الكبيرة التي طرأت على الحكم في العراق ووضوح خندق الطائفية في سوريا وزيادة وتيرة التدخل الإيراني في البحرين واليمن وغيرها.

الأمن القومي العربي شتت بطريقة مؤدلجة ومدروسة بعناية، خصوصا منذ إعلان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب إبان أحداث أيلول 2001، وقد كان هذا الإعلان في حقيقة الأمر إعلانا لإنهاء الأمن القومي العربي حيث قال قولته المعروفة “من ليس معنا فهو ضدنا”.

ومنذ ذلك الحين وحتى اللحظة لم يتمكن أحد من القضاء على الإرهاب، بل انتشر وتوسع وزادت دائرته نتيجة إطلاق يد الولايات المتحدة في جميع دول العالم الفقيرة، والشرق الأوسط تحديدا، لتحتل دولا منه ولتضرب دون استئذان كل من يوصم بالإرهاب بحسب تصنيفها، وهو ما يجعل الشكوك تدور حول ماهية المنظمات الإرهابية الحقيقية، ومن يقف وراءها؟

لقد شكل “نجاح” أو”فشل” الربيع العربي إحباطا قويا لآمال النهوض بالأمن القومي العربي كإستراتيجية. ففي حين يشهد الدور الأميركي تراجعا واضحا، تظهر قوى دولية وإقليمية جديدة تجهض انتفاضة الجماهير في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها، وتسدّ الممرات الآمنة لتحقيق المشروع القومي في الأمن.

في الوطن العربي، لم يتوافر أي من شروط التحول نحو الدولة المدنية، فلا الهياكل الاجتماعية كانت جاهزة له، ولا الحياة السياسية كانت مهيأة له. فبعد عقود طويلة، من غياب الحريات، نتج عنه تجريف يكاد يكون شاملاً للحياة السياسية، لم يكن منتظراً أن يحدث حراك منظم، ينقل الواقع السياسي القائم من الحالة الشمولية إلى الحكم الديمقراطية، والدولة المدنية .

لكن في ظل الفراغ السياسي، قفز الإسلام السياسي، ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، الذين التحقوا مؤخراً بالحراك الاجتماعي إلى واجهة الأحداث، ولم يكن ذلك مستغرباً، فهم وحدهم الذين ظلوا قوة متماسكة، بسبب تكتيكاتهم، وتحالفاتهم الخفية والمعلنة مع الغرب وأقطاب النظام السابق. وأيضاً، بسبب تحكمهم في مؤسسات العمل الخيري والدعوي، وادعاءاتهم المتكررة، بأنهم ليسوا سوى جماعات دعوية، ليس لها مطمع في الحكم .

أنظمة ملكية تصمد

لقد تمتعت العائلات المالكة في الشرق الأوسط بربيع عربي جيد حتى الآن، أو بالأحرى أفضل مما كان يتخوف منه البعض، وهو ما حصل في الأردن والمغرب والخليج.

وأظهر النظام الملكي في البحرين استعداده لاستخدام أساليب أمنية مشددة، بينما عمدت ملكيات أخرى إلى اتخاذ إجراءات أكثر مرونة.

وفي قطر قامت السلطات برفع أجور وظائف القطاع العام في الشهور الأولى من انطلاق موجة الاحتجاجات العربية. وتملك دول الخليج غضبا قابلا للتصدير، فغالبية الوظائف الأقل أجراً يشغلها عمال أجانب، وإذا اشتكوا من ظروف العمل من السهل حينئذ إعادتهم إلى بلادهم.

 سنة وشيعة

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر بين السنة والشيعة في المنطقة، يتحارب “شيعة إيران” و”سنة السعودية” في حرب بالوكالة في سوريا.

لذا فإن تعميق الانشقاقات بين هذين المذهبين أدى إلى ظهور مستويات مفزعة من العنف الطائفي في العراق أيضاً، الذي ربما سيكون أهم موروثات هذه السنين من التغيير في المنطقة.

الرابحون خاسرون

إن اختيار الفائزين والخاسرين سيكون أمرا مخادعًا. ودعونا نلقي نظرة على الإخوان المسلمين في مصر، الذين حققوا نجاحاً ضخماً في الانتخابات التي أجريت بعد إسقاط نظام حسني مبارك. فبعد 80 عاماً من العمل السري، بدت الجماعة مستعدة لإعادة تشكيل أكبر دولة في الشرق الأوسط تعكس صورتها ورؤاها الخاصة.

إلا أن الجيش أبعد الجماعة عن السلطة في مصر، وعادت إلى السرية مرة أخرى، بعد إعلانها “جماعة محظورة” مجددا، وبعد مثول قياداتها أمام المحاكم. فمنذ عام واحد كان ينظر للجماعة أنها الفائزة، لكن الأمر تبدل الآن.

ولم يكن ذلك خبراً ساراً لقطر، تلك الإمارة الخليجية الصغيرة الطموحة التي دعمت الإخوان في معركة السلطة في مصر. ومع بداية الربيع العربي أيضًا، كانت قطر، وهي تدعم الثوار في ليبيا تبدو كأنها تسير وفق خطة استراتيجية لتوسيع نفوذها في المنطقة. أما الآن، فالأمر لم يعد كذلك.

وبدا الأكراد في كردستان العراق كفائزين في الوضع الحالي، بل قد يكونون في طريقهم لتحقيق الحلم الذي طال انتظاره، وهو إقامة دولتهم المستقلة. فهم يسكنون شمالي العراق، في منطقة غنية بالنفط، تبني اقتصادا مستقلا مرتبطا بجارتهم القوية تركيا. كما أن لديهم عَلَم ونشيد وطني، ولهم قوات مسلحة أيضا.

وقد تكون كردستان واحدة من المستفيدين من التفكك البطيء الحاصل في العراق، الذي لم يعد يتصرف كبلد موحد.

ولن يكون مستقبل المنطقة خاليا من الأزمات، فالسكان الأكراد يمتدون عبر الحدود مع إيران وسوريا وتركيا، ولكن الأكراد في مدينة مثل أربيل يتوقعون مستقبلا أكثر ازدهارا وحرية. وقد بدأت موجة التغيير في كردستان قبل الربيع العربي، إلا أن الأكراد يستفيدون أيضا من موجة التغيير التي تجتاح المنطقة لتعزيز ما حققوه من قبل.

لقد بدت الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا للشرق الأوسط خلال الحرب العالمية في طريقها للتفكك. فهناك دول مثل سوريا والعراق، التي جرى رسم حدودها لا يُعرف هل ستبقى في شكلها الحالي كدول موحدة خلال الخمس سنوات القادمة أم لا؟

كذلك ليبيا، التي لا يستطيع المرء التكهن بشأنها. فليبيا كشفت محدودية تدخل الدول الغربية، فقد نجح سلاح الجو البريطاني والفرنسي في إسقاط النظام السابق، لكنه لم يتمكن من ضمان أن تحل محله الديمقراطية والاستقرار.

وهناك درس قديم، يتعلمه العالم مرة أخرى، وهو أن الثورات لا يمكن التنبؤ بها، بل من المحتمل استمرارها لسنواتٍ قبل أن تتضح تداعياتها … لتبقى إسرائيل‏ الرابح الوحيد من “ثورات الربيع العربي”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s