رسم خرائط بالدم والبارود: “تانغو” روسي – أميركي في سوريا

كتب إسماعيل يوسف

عام 2013 كان عام التبدلات السياسية المتسارعة على المستويات المحلية والاقليمية والدولية، مما جعل التغيُّر الدائم، هو الثابت الوحيد في “ربيع عربي” متقلّب لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فما هي التعديلات التي اعتمدتها ورش رسم خرائط “الشرق الأوسط الجديد” في الغرف العالمية المغلقة؟

غالباً ما تظهر إيران في حالِ اشتباك دائم مع الولايات المتحدة، إلا أن تاريخ ثورتها حافِل بالصّفقات المُذهلة مع “شياطين” واشنطن: من إيران غـيت، إلى الحلف غير المقدّس في حرب أفغانستان، ومن تواطُـؤ إيران مع أميركا في غزْو العراق عام 2003 إلى تقاسُم الغنائم بينهما لاحقاً في بلاد الرافديْن، وصولاَ إلى اتفاق جنيف النووي الأخير الذي يفتح أبواب الصفقات الدولية والتسويات الاقليمية على مصراعيها في أكثر من بلد عربي، وفي مقدمتها سوريا.

نبدأ من “جنيف” السوري الذي حدّد موعد جزئه الثاني، من دون أن تحسم امكانيات انعقاده.  مصدر دبلوماسي متابع للمفاوضات التحضيرية، قال لـ”الكفاح العربي” أن “الط

النزيف السوري يتواصل

النزيف السوري يتواصل

ريق إلى “جنيف 2″ حافل بالحواجز والمطبّات والمفاجآت، رغم قِصر المسافة الزمنية التي تفصلنا عنه (أواخر الشهر الحالي)”. وتابع المصدر: رغم الاصرار الأميركي ـ الروسي الملزم لجميع الأطراف على تلبية الدعوة، إلا أن التوقعات المسبقة لا تزال في حدها الأدنى، لا بل أقل من الأدنى، حول تحقيق أي اختراق سياسي يحرّك عجلة الحوار بين النظام والمعارضة من أجل التوصل إلى اتفاق حول صيغة المرحلة الانتقالية ووقف الاعمال العسكرية.

وأشار المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أن “الروسي يرى في المؤتمر فرصة للاتصال المباشر الأول من نوعه بين الأميركي (وزير الخارجية جون كيري) والسوري (وزير الخارجية وليد المعلم) منذ بداية الأحداث في سوريا.  وأوضح المصدر أن “هذه اللقاءات المرتقبة بين الوفدين السوري والأميركي، من شأنها إعادة وصل ما انقطع بين دمشق وواشنطن، خصوصاً إذا ما تحقّقت المساعي الروسية مع الولايات المتحدة في تشكيل جبهة عالمية جديدة ضد الارهاب، تكون سوريا والعراق إحدى ركائزها في الساحة الاقليمية”.

إذا، ليس الهدف من “جنيف 2” وقف حرب الاستنزاف السورية، أو إطلاق حوار وطني لتحديد آليات المرحلة الانتقالية وإعادة بناء ما دمرته الحرب.  الهدف، وفق المصدر الدبلوماسي، “هو حفظ ماء وجهي الراعيين الدوليين (أميركا وروسيا) واستكمال الجهود التي أنجزت حتى الآن اتفاقاً نووياً مع إيران وكيميائياً مع سوريا، وربما الوصول إلى ما يسمى بـ”الصفقة الكبرى”، التي تشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما فيها القضية الفلسطينية التي أخرجتها الإدارة الأميركية أخيراً من ثلاجة المفاوضات المجمّدة وأمهلت الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني أقل من سنة للتوصل إلى اتفاق إطار للسلام بين الجانبين”.

وحول الجدول الزمني لهذه التغيّرات، توقّع المصدر أن تشهد الأشهر الستة المقبلة تطوّرات دراماتيكية على الصعيدين السياسي والعسكري، قد تحدّد الشكل النهائي لخريطة “الشرق الأوسط الجديد”، من دون أن يعني ذلك نهاية الصراعات المشتعلة طائفياً ومذهبياً وعرقياً في مختلف أنحاء المنطقة.

ويختم المصدر حديثه لـ”الكفاح العربي” أن ما يجري اليوم من تبدّل لسياسات واشنطن تجاه سوريا هو ليس تغييراً بقدر ما هو “إعادة نظر” في الحسابات التي كانت تعتمد الخيار الاسلامي الديمقراطي قبل أن يثبت فشله وتطرّفه في دول “الربيع العربي”، لا سيما في مصر وتونس وليبيا.

التبدّل الأميركي

من الصعب تحديد النقطة الزمنية لتراجع سياسة إدارة أوباما تجاه سوريا.  هل كانت في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حين وجّهت مجموعات مسلحة تابعة لتنظيم “القاعدة” صفعة مدوية للجيش الحر المدعوم من الولايات المتحدة، عبر الاستيلاء على مخازن أسلحة أميركية، مما دفع بواشنطن إلى توقيف عمليات تسليحها لمعارضي النظام؟  أم أن تفكك السياسة الأميركية بدأ في أيلول (سبتمبر) الماضي، حين ظهر الرئيس أوباما أمام العالم كـ”رئيس متردد” غير قادر على فرض “خطوطه الحمراء” بعد اتهام النظام السوري باستخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه؟  أم أن ضعف السياسة الأميركية ظهر قبل ذلك بكثير، أي منذ عدم ترجمة الوعود بتسليح المعارضة، والاكتفاء بإرسال مشاريع قرارات إلى مجلس الأمن، اصطدمت بجدار الفيتو الروسي – الصيني؟

هذا العجز الأميركي حفَّـز المعسكر الإيراني – السوري – حزب الله (وخلفهما العراقي بقيادة روسيا أولاً ودول البريكس ثانياً) إلى الاستفادة من الحرب الباردة الجديدة، والسعي إلى قلب الموازين ضد المعارضة السورية المشتتة سياسياً وعسكرياً.

الاستراتيجية الروسية

يجمع المراقبون أن ما يحكى عن تراجع أميركي في الشرق الأوسط لا يعكس حقيقة سياسة البيت الأبيض في المنطقة.  فالاتفاق الأميركي – الروسي يأخذ أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود السورية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.  فالتنافس الدولي يخضع اليوم لسلسلة من الاختبارات بين القوى العظمى التي ترى في “الربيع العربي” نافذة لإعادة بسط نفوذها في الشرق الأوسط، وملء الفراغ العربي الذي انتجته “فوضى السلاح والتكفير”.

هنا لا بد من العودة إلى وثيقة “استراتيجية الأمن القومي الروسية حتى عام 2020″، التي صدرت عام 2009 لفهم ما تريده موسكو اليوم.  تدعو الوثيقة إلى تحويل “روسيا المُنبعثة” إلى دولة كبرى مجدداً وإلى أن تكون إحدى القوى الخمس الأكبر اقتصاداً في العالم، وهي تحدد الأهداف والتهديدات والمهام والإجراءات، لتحقيق هذا الهدف على المدى القصير والمتوسط  والطويل (2020)، لكنها تربط هذا الهدف ومعه مبدأ الأمن القومي، ربطاً مُحكماً بالنمو الاقتصادي الثابت، مُشدِّدة على رفع مستويات معيشة المواطنين الروس، وعلى أولوية الإبداع والابتكار التكنولوجيين، و”العلم” و”الثقافة” و”الصحة العامة”، وحتى على “الروحانية”، في إطار “الذاكرة التاريخية الروسية”.

مقومات هذه الاستراتيجية لإعادة بناء الدولة الكبرى، هي: التركيز الشديد على المصالح القومية والاقتصاد والتطوير التكنولوجي – العلمي، والأهم، الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي عبـر ما يصفه البند الثالث من الاستراتيجية بـ “المشاركة الفعالة في تقسيم العمل الدولي”.

البند السابع في الاستراتيجية، يدعو إلى سياسة خارجية براغماتية ومنفتحة، عبْر العمل على بناء شراكات أو تحالفات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أو حلف الأطلسي – أوروبا، والتركيز على الشرعية الدولية ودور الأمم المتحدة.

 طبّقت روسيا هذه الاستراتيجية بنجاح في عهد بوتين. فبعد أن أعاد هذا الأخير بناء الدولة الروسية (على رغم استمرار الفساد الهائل فيها)، انطلق في سياسة خارجية نشطة، تستند في آن إلى التعاون والتنافس مع أميركا.

ركّـز بوتين على الجوانب الإقليمية والتجمُّـعات الدولية: البريكس، منظمة شنغهاي، وحتى منظمة التعاون الإسلامي، وعلى فضاء الاتحاد السوفييتي. فمارس الدبلوماسية (في روسيا البيضاء وكازاخستان وتركمنستان)، وأثار المتاعب (في أوكرانيا ودول البلطيق) أو استخدم القوّة المُباشرة (في جورجيا).

أوباما فهِـم الرسالة من وراء هذا النشاط البوتيني المستجَـد، فوُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية التي استندت إلى احترام الدور الروسي في العالم وتقديم تنازلات في مجال الصواريخ الاعتراضية في أوروبا الشرقية وتقليص الأسلحة الاستراتيجية والاعتراف، نسبياً، بوضعية الاتحاد السوفييتي السابق، ودمج روسيا في النظام العالمي ومنحها دوراً في سلام الشرق الأوسط.

 في المقابل، حصلت واشنطن على دعم روسيا في عملية محاصرة إيران، وعلى تعاونها مع حلف شمال الأطلسي ضد الراديكالية الإسلامية في أفغانستان.

بيْـد أن استراتيجية إعادة التنظيم لم تكن كاملة، بسبب الشكوك الروسية بـ”السي. أي إيه” ودورها المُحتمَـل في التحريض على ما يسمى “ثورة الثلج” في روسيا.  كما أن بوتين أدرك أنه لن يستطيع مُنفرداً تعديل موازين القوى مع أميركا، وهذا أعاد موسكو إلى الحيرة القديمة بين التيارات الثلاث، الأطلسية والأوراسية والقومية – الشيوعية.

الشرق الأوسط، احتل اهتماما كبيراً  في استراتيجية الأمن القومي الروسي، قبل الربيع العربي، بسبب قلق روسيا من خاصرتها الرخوة في شمال القوقاز وآسيا الوسطى. وتجربة الشيشان (100 ألف قتيل)، لوّنت كل مقاربة بوتين للشرق الأوسط الإسلامي، خاصة في ضوء الثورة الشيشانية.

كان ثمة ثلاث أولويات في هذه الاستراتيجية: إيران وتركيا والخليج (إيران والعراق أساسا) والصِّـراع العربي – الإسرائيلي. وترافق رسم هذه الأولويات الروسية الجديدة، مع انفتاحٍ على الجميع ومحاولة إقامة توازُن بين كل القِوى الإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط، في مقدمتها إسرائيل.

نجحت هذه السياسة في وقف التدخلات الخارجية في الشأن الروسي، خاصة في الشيشان، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الروسي وأبرزت الدور العالمي لموسكو امام أميركا وأوروبا. ومن رحم هذه النجاحات، وُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية.

لكن، حين نشبت ثورات الربيع العربي، أُصيبت السياسة الروسية بالارتباك الشديد وشهد العالم تضارباً في المواقف الروسية. ففي تونس، دعمت موسكو الثورة. وفي  مصر، تردّدت ثم دعت النظام الجديد إلى التعاون معها. وفي ليبيا، رفضت التدخل الدولي، ثم قبِلت به، ثم عادت إلى رفضه والتنديد به. وفي البحرين، رفضت الثورة فيها وصمتت على التدخل العسكري الخليجي، ثم أبرمت صفقات تجارية مع حكومة المنامة. وفي ثورة اليمن، حذت حذو السياسة الغربية – الخليجية عينها.

الصدام الوحيد بين روسيا والغرب في خِضَم الربيع العربي، حدث فقط في سوريا. لماذا؟ من المُفيد هنا، إيراد تحليل ميدل إيست انستيتيوت، التي أوردت الأسباب التالية:

الأول، موسكو تعتقد حقاً أن واشنطن وحلفاءَها الغربيين أساءوا فهم ما يجري في سوريا. فبدلاً من احتمال أن يؤدّي سقوط نظام الأسد إلى قيام نظام ديمقراطي في سوريا، كما يعتقد الغرب، فإن روسيا تخشى أنه سيُـسفر عن بروز نظام سُـنِّي راديكالي، لن يكون فقط معادياً للغرب، بل أيضاً لروسيا. وهي تذكّــر بما حدث غَـداة التدخلات التي قادتها أميركا في أفغانستان والعراق وليبيا، وأدّت إلى بروز الأصوليات والفوضى.

الثاني، روسيا لا تعتقد أن إدارة أوباما، ولا حتى أي إدارة جمهورية قد تصل إلى البيت الأبيض، مهتمّة حقاً بإسقاط النظام في سوريا. ولا يعود السبب فقط إلى اعتبارات محلية أميركية (الانتخابات الرئاسية والتعب من الحرب)، بل أولاً وأساساً، من المضاعفات السلبية التي قد تُـلقي بظلالها على إسرائيل، في حال سقط النظام. ولو أن واشنطن كانت جادة حقاً في إسقاط النظام، لكانت شكّلت تحالف دولي لضرب الأسد، سواء بموافقة مجلس الأمن الدولي أو من دونه.

الثالث، أن موسكو ترى أن الحفز الأساسي لأسقاط النظام السوري، يأتي من السعودية وقطر. وكانت أحداث الربيع العربي قد أشعلت مجدّدا مخاوف موسكو من الرياض، تلك المخاوف التي كانت سائِدة خلال حِقبة التسعينيات خلال حروب الشيشان، والتي لم تهدأ إلا بعد بدء التقارب السعودي – الروسي في عام 2003، ثم بعد أن أعلنت السعودية أنها تدعم الحلّ الروسي في الشيشان. لكن قبل هذا التاريخ، كانت موسكو تعتقد أن المملكة السعودية تُحاول نشر الإسلام السُنّي الراديكالي في الشيشان وشمال القوقاز وفي مناطق أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق. والآن، ترى موسكو أن الرياض تحاول استخدام الربيع العربي، لتحقيق مصالحها الجيو- سياسية الخاصة، من خلال دعم السلفيين في مصر وليبيا وسوريا، وقمع الشيعة في البحرين، وإحلال نظام سنّي موالٍ لها في سوريا. كما ليس واضحا لروسيا، حدود الطموحات السعودية، وهي تعتقد أن الولايات المتحدة ليست متنبِّهة لهذا الخطر.

والحصيلة؟  تصيغها مؤسسة الشرق الأوسط كالآتي: “موسكو تدعم الأسد، ليس فقط للحفاظ على عقود التسلّح واستثمارات النفط والقاعدة البحرية في طرطوس، ولا لأنها تخشى أن تنتقل سوريا من كونها حليفاً لها إلى أن تكون حليفة لواشنطن. ما تخشاه حقاً، هو أن سقوط الأسد، سيُـزيل عقبة هامة في وجه الحركة الأصولية السُنّية بقيادة السعودية، التي تسعى إلى مواصلة الانتشار.

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟ يمكن هنا الخروج بالخلاصات التالية:

–        روسيا قلِقة بالفعل من صعود الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، لكن ليس كثيرا. فهي قادرة على استيعابه في الداخل الروسي والإفادة من التناقضات المُحتملة في المنطقة.

–         ثمّة تبايُـن وحيْـرة في المواقف الروسية حيال الربيع العربي، ما أثّـر جزئياً على العلاقات مع أميركا ودفع الجمهوريين الأميركيين إلى وصف موسكو بـ “الخصم الجيو- سياسي الأول” في العالم.

–         الربيع سيدفع القيادة الروسية إلى إعادة نظر شاملة في سياستها الشرق أوسطية، التي كانت تتَّـبعها طيلة عقد: فالأزمة السورية نسَفَـت التوازنات الروسية بين تركيا وإيران، وبين إيران والسعودية، وربما لاحقاً بين إسرائيل ودول الربيع العربي.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s