لبنان 2014: الاستحقاقات المفخخة

كتب المحرر السياسي:

سحب دخان تفجير ستاركو

سحب دخان تفجير ستاركو

تبرع القيادات اللبنانية منذ فترة في “تفخيخ” الاستحقاقات الدستورية، التي كلما اقتربت مواعيدها، إبتعدت فرصها.

وإذا كان استحقاق رئاسة الجمهورية هو الأهم، فإنه الأكثر خطراً على استمرار النظام اللبناني القائم منذ أربعينيات القرن الماضي والمعدّل بطائف التسعينيات من القرن نفسه.

والملفت أن ثمة قيادات قادرة وفاعلة تعمل على إبراز عيوب هذاالنظام الذي ارتضاه اللبنانيون، وتسعى إلى جعله مصدراً رئيسياً من مصادر الخطر الكثيرة،، التي تهدد لبنان وحكمه القائم على توافق طائفي معقّد.

من الواضح أن لبنان معرّض اليوم لأحداث كبرى تحاول إعلان وفاة الطائف كمنظومة للحكم، وبالتالي، الوصول إلى تأسيس دستور جديد للبلاد قد تكون المثالثة أحد أهدافه الكبرى.  وهذا يعني حصول تراجع كبير في الدور المسيحي، ومن ثم، إسقاط الصيغة التي جعلت لبنان صورة حضارية لتعايش الأديان.

من الصعب أن تنجح هذه المحاولة، حتى لو انتهج مريدوها طريق الدم ونشر الفوضى والرعب.

هي محكومة بالفشل لأن الطوائف اللبنانية المتمسّكة بالصيغة اللبنانية مازالت تشكّل الأكثرية في أي استفتاء يؤسس لدستور جديد.

تحت سقف هذا الهدف المستحيل، والذي يسرّب خجولاً في بعض التصريحات، يجري اليوم تفخيخ الاستحقاقات الكبرى، من تشكيل الحكومة إلى انتخابات الرئيس.

إن الأجواء السياسية المتفجّرة بالخلافات الحادة والعلاقات المقطوعة، والتعطيل المفتعل لتشكيل حكومة (هي الأطول انتظاراً في تاريخ تشكيل الحكومات)، والمقاطعة المبكرة لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، كل هذا وفّر للإرهاب أرضية صالحة لزرع السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية.  مما يثير شبهة استدعاء الارهاب من هذا الفريق أو ذاك، ومما يسهّل توجيه الاتهامات لهذا الفريق أو ذاك.

ويزداد طين الإرهاب بلة، مع سيل التهديدات المتدفّقة على ألسنة قيادات حزبية، تعزّزها تهديدات أكثر تفصيلاً وتهويلاً تطلق من ألسنة إعلامية معروفة التوجّه والولاء.

هذه التهديدات لا تنطلق من فراغ، وإن كانت تسعى إلى الفراغ في السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية … وربما القضائية. وهذا يعني أن لبنان مقبل قريباً على مرحلة يختلط فيها الإرهاب، بمفهومه التقليدي، بالإرهاب السياسي، الذي قد ينحدر بمستواه إلى مستوى الإرهاب الأول، والذي قد يشكّل خطر الإنزلاق إلى إرهاب الفتن المذهبية والحروب الأهلية.

لم يعد يخفى على أحد، أن النواب وقياداتهم السياسية يتهرّبون من أداء الاستحقاقات المتوجّبة عليهم دستورياً ووطنياً.  ولعلّ التهرّب الوطني هو الذي يزعج اللبنانيين ويخيفهم.  وعلى ضوء هذا التهرّب المتعمّد، يواجه رئيس الجمهورية مأزقاً كبيراً، عليه أن يخرج منه خلال الأشهر القليلة المتبقية من عهده.

وفي ظل العناد السياسي، الذي يهدّد بالشارع، تصبح قرارات الرئيس بالغة الصعوبة والتعقيد.

يترتّب على العماد ميشال سليمان تأمين المخرج لإستحقاقين، هما الأكبر والأخطر في لبنان ما بعد الطائف.

الاستحقاق الأول تشكيل الحكومة. وهو استحقاق بلغ مرحلة الشيخوخة، من دون أن يجد من يعينه على حل عزوبية السرايا.

كما يقولون، كان الرئيس، قبل انفجار الضاحية الأخير، قد شرب حليب السباع واتخذ قرار إعلان “الحكومة الحيادية” في الأسبوع الأول من السنة الجديدة. لكن الانفجار فجر التهديدات وكشف عن نيات حقيقية في تحويل الأزمة الحكومية الى أزمة أمنية حادة… مما دفع الرئيس الى التريث، ومن ثم، التأجيل بانتظار مناخات أخرى. وهكذا عاد الاستحقاق الحكومي الى ثلاجة الصبر.

العودة الى حساب الأشهر على فشل التأليف، لا يعني أن الرئيس لن يقدم على تشكيل حكومة جديدة ترث عهده إذا كان الفراغ أكثر المرشحين حظاً للقب صاحب الفخامة. فالرئيس لن يسمح بأن تكون حكومة ميقاتي الوارث القسري لقصر بعبدا. فالحكومة المستقيلة تمثل لوناً واحداً وتقصي الممثل الشرعي لطائفة رئيسية وقسماً كبيراً من الطائفة المسيحية. يضاف الى ذلك أنها حكومة تخضع لهيمنة فريق، إذا أضيفت لهيمنة السيطرة على موقع الرئاسة الأولى، فإن لبنان سيكون مهدداً بمقاطعة خليجية، وهي مقاطعة ستضرب الاقتصاد المضروب أصلاً، وهو أمر لا يتحمله البلد.

وهكذا يكون استحقاق تشكيل الحكومة عبئاً مستمراً ولغزاً مستعصياً، يترتب على الرئيس البت فيه قبل شهر آذار (مارس) المقبل.

أما الاستحقاق المفخخ الثاني، والأكثر أهمية وانعكاساً على الوضع اللبناني، فهو استحقاق الانتخابات الرئاسية. وهو استحقاق من الواضح أن التمديد أو التجديد ليسا علاجاً له. فما أجمع عليه النواب في التمديد لأنفسهم، أجمعوا على أن لا يمنحوه لغيرهم. خصوصاً وأن الرئيس تحوَّل، لأسباب معروفة، الى خصم سياسي لفريق 8 آذار. والرئيس يعرف جيداً أن التمديد لا يمر. وأن عليه مغادرة القصر، عندما تدق ساعة الدستور وتعلن نهاية الولاية.

إلا أن الرئاسة تتداخل في مصيرها عوامل كثيرة، منها الخارجي بشكل رئيسي، ومنها الداخلي مع أنه عامل قليل الأهمية.

لا شك في أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تحرص على انتخاب الرئيس، فهي لا تريد أن يتحوّل لبنان الى دولة فاشلة بلا مؤسسات مما يعني إلغاء دور الجيش في التدخل، بحيث لن تجد قيادته للحفاظ على تماسكه، سوى إلتزام الثكنات وإخلاء الشارع للقوى المتصارعة. وهي تدرك، أي الدول الغربية، أن صراعاً داخلياً مسلحاً ستميل فيه الكفة لحزب الله. وهذا أمر تحرص على تجنبه.

أما العامل الداخلي فينحصر في دور الكنيسة المارونية الخائفة على فقدان حصتها في التوزيع الطائفي للرئاسات الثلاث. وهي تسعى، وستمارس المزيد من الضغوط للاتفاق على اسم الرئيس وفرضه على نوابها أولاً، وبالتالي على نواب الطوائف الأخرى.

ومع صعوبة نجاح الغرب أو الكنيسة، في اخراج الانتخابات الرئاسية من الفراغ، فإن الأمر يتوقف على مسار الأزمة السورية خلال الأشهر التي تفصلنا عن موعد الاستحقاق.

ويرى المراقبون أن الوصول الى تسوية الاتفاق على مرشح واحد يشكل احراجاً لقطبين مارونيين هما الجنرال عون والنائب سليمان فرنجية. لأن التسوية تعني الاتفاق على اسم ثالث، بالتأكيد لن يرضى عنه حلفائهما في فريق الثامن من آذار. فالأسماء الجدية حينئذٍ ستنحصر بشخصيات مارونية شبه مستقلة. أي تلك التي لا تنتمي الى أي من فريقي 8 و14 آذار.

هنا تصبح  قائمة الأسماء القابلة للبحث محددة بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وبقائد الجيش طوني قهوجي وبالنائب بيار غانم… وأبعد الخيارات التي قد يتم اللجوء إليها إذا أقصى “الفيتو” المتبادل الأسماء الثلاثة هو ترشيح وزير الداخلية مروان شربل.

هذا السيناريو الافتراضي قد يحظى بشرف المحاولة، لكنه بالتأكيد  لن يحظى بفرصة النجاح.

ويرى المراقبون أيضاً أن الأشهر المتبقية لموعد الاستحقاق الرئاسي، هي أقل بكثير من الأشهر التي تحتاج إليها المنطقة، وبالذات الأزمة السورية، لتصل الى الاستقرار الذي يساعد اللبنانيين على التوافق.

وهكذا يكون لبنان يجنح نحو الفراغ لفترة طويلة. والخوف أن يملأ الفراغ الموعود صراع السلاح… وعندئذٍ على “الطائف” السلام… لأن قرقعة السلاح ستؤدي الى اتفاق جديد لصيغة لبنانية جديدة تفقد لبنان ميزته كدولة تجمع بين المسيحية والاسلام الى دولة تحكمها المذاهب بعددها وعدتها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s