لا صوت يعلو فوق صوت فيروز

عبد الرحمن سلام:

طوال العقود الماضية، وحّدت اللبنانيين حولها في ذروة انقساماتهم الطائفية وصراعاتهم المذهبية.  لكن “حب” السيدة فيروز للسيد حسن نصر الله، أسقطها في وحول السياسة اللبنانية، عبر تعرّضها لحملات تخوين بلغت حد إعلان وفاتها كرمز وطني للبنان.  إلا أن حب اللبنانيين لفيروز يفوق كرههم لبعضهم البعض في السياسة، مما جعلهم جميعاً يشاركونها العام الماضي في اطفاء شمعتها الـ78.

 

اسمها الحقيقي “نهاد رزق وديع حداد”.

ولدت في محلة “زقاق البلاط” بالعاصمة اللبنانية بيروت بتاريخ 21 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1935، لعائلة فقيرة الحال.

والدها “وديع حداد” كان قد نزح مع عائلته من مدينة “ماردين” (التركية حاليا)، وعمل في بيروت في مطبعة صحيفة “Le Jour” البيروتية.

أما والدتها، فهي مارونية الديانة وتدعى ليزا البستاني، وقد رحلت عن هذه الدنيا في اليوم الذي سجلت فيه ابنتها “فيروز” اغنية محمد عبد الوهاب “يا جارة الوادي”.

والمطربة “فيروز”، عُرفت منذ صغرها بغنائها بين افراد العائلة وفي تجمعات المنطقة، وهي بدأت عملها الفني في العام 1950، بصفة “مغنية كورس” في الاذاعة اللبنانية، بعدما اكتشف صوتها الموسيقي محمد فليفل، وضمها لفريقه الذي كان ينشد الاغاني الوطنية.

اما اول اغنياتها، فكانت من ألحان رئيس القسم الموسيقي في ذاك الزمان الملحن ـ المطرب حليم الرومي، وهو الذي منحها اسمها الفني، قبل ان يقدمها الى الفنان “الشاب” عاصي الرحباني الذي اطلقها الى عالم النجومية في العام 1952، حيث كانت الاغاني التي غنتها في ذلك الوقت تجد طريقها سريعا الى اذاعتي سوريا ولبنان، حيث انتشر اسمها، واسم الاخوين عاصي ومنصور الرحباني، كالنار في الهشيم.

في العام 1955، تزوجت “فيروز” من عاصي، وأنجبت منه “زياد” في العام 1956، ثم “هالي” (1958) ، وهو مقعد ـ ثم “ليال” في العام 1960 (توفيت في العام 1988) وأخيرا “ريما” في العام 1965.

مع الاخوين عاصي ومنصور، قدمت “فيروز” مئات من الاغاني التي احدثت ثورة في الموسيقى العربية، لتميزها بقصر المدة الزمنية والتصاقها بقوة المضمون، على عكس الاغاني العربية التي كانت سائدة في ذاك الزمان، والتي كانت تفاخر بطولها، اضافة الى ان “الغناء الجديد” ـ اذا جاز التعبير ـ كان نشيطاً في تعبيره وفي عمق الفكرة الموسيقية، مع التنوع في المواضيع التي تناولها، حيث تضمن (توجه) هذا الغناء، للحب، وللأطفال، وللوطنية (خصوصا لفلسطين) وللحزن، وللفرح، وللأم، وللوطن، وعدد كبير من هذا التوجه الغنائي قدم ضمن الكثير من المسرحيات التي ألفها ولحنها الاخوان عاصي ومنصور، ووصل عددها الى اكثر من (15) عمل مسرحي تنوعت مواضيعها بين النقد السياسي والاجتماعي، وتمجيد الشعب والبطولة والتاريخ العريق، والحب على تنوعه.

في السنوات الاولى من خمسينيات القرن المنصرم، لمع نجم “فيروز”، وارتفعت الاصوات تطالبها بالخروج من ستوديوات الاذاعة الى خشبات المسارح، لكن الفنانة الصبية، ظلت “نجمة الاذاعات” كما وصفتها مجلة “الاثنين” المصرية في العام 1953، بحيث لم تغن أمام الجمهور، سوى عبر اطلالات خجولة، لا يعرف الجيل السابق عنها الكثير!

وفي الرواية التي ذكرها الراحل “عاصي”، في حديث صحفي له مع مجلة “اهل الفن” اللبنانية (تموز/يوليو 1955)، جاء: كنت اقوم باعداد برامج موسيقية ـ غنائية للاذاعة اللبنانية. وذات يوم، دعاني زميلي الفنان حليم الرومي وكان يشغل مركز رئيس القسم الموسيقي بالوكالة، للاستماع الى صوت جديد، فرأيت فتاة صغيرة تحمل كتابا ومعها والدها، كما استمعت الى صوت وصفته بـ”لا بأس”، إلا أنني آمنت ان هذه الصبية تصلح للغناء، بينما رأي اخي “منصور” كان مخالفا لرأيي، وهو عبر عنه بالقول “لا تصلح على الاطلاق للغناء الراقص”! ورغم ذلك، بدأت اعلمها، فكانت في المحصلة “احسن من غنى هذا اللون” (الغناء الراقص).

وبحسب هذه الرواية، فإن أول اغنية رحبانية لفيروز كانت بعنوان “غروب”، وهي قصيدة للشاعر قبلان مكرزل، وتبعتها سلسلة طويلة من الاغاني واللوحات الغنائية توزعت على ثلاث اذاعات: “اللبنانية، والشرق الادنى، والسورية”.

ونقلا عن محرر مجلة “الاثنين” في ذاك الزمان، فإن هذه المحطات الاذاعية كانت تبث يومياً، ثلاث اغنيات على الاقل للمطربة فيروز، وأحيانا، كان العدد يرتفع  الى العشر اغنيات، في برنامج “ما يطلبه المستمعون”. وقد تعاقدت معها اذاعة دمشق على تسجيل عشرات الاغاني، ما رفع من اسمها الفني وكاد يطغى على بقية اسماء من كانوا على الساحة الغنائية، كما ارتفع دخلها المادي عن الاغنية، من (50) ليرة لبنانية الى (500) على اقل تقدير.

ومما يروى، عن تلك الحقبة، ان المطرب المصري عبد العزيز محمود (وكان ذائع الصيت ونجما سينمائيا مرغوبا)، مرّ في بيروت، وعرض على فيروز العمل في السينما، فاعتذرت بالقول: “بعدين… لما اكبر”. وأيضا، ان نجم الشاشة المصرية الاول في ذاك الزمان “انور وجدي” جاء الى بيروت بحثا عن فيروز، لكن المطربة الصبية الخجولة كانت منشغلة بدروسها، وبالتالي، لم تتح لها فرصة لقاء النجم ـ المنتج المغامر!

وتقول سيرة فيروز، انها خرجت من ستوديوات الاذاعة الى فضاء الغناء المسرحي الحي، في صيف 1957، يوم وقفت، لأول مرة، على ادراج بعلبك، وغنت “لبنان يا اخضر حلو” في مهرجان الفن الشعبي اللبناني الاول الذي اسس، فيما بعد، لمهرجانات بعلبك الدولية. غير ان السنوات التي سبقت هذا الظهور المسرحي للمطربة فيروز، تكشف عن “اطلالات قليلة ونادرة” سابقة، باتت اليوم شبه منسية ومجهولة، حيث يؤكد المؤرخ  الفني “جان الكسان” في كتابه “الرحبانيون وفيروز”، نقلا عن مدير اذاعة دمشق في ذاك الزمان “احمد عسة” (كان له دور كبير في احتضان فن الاخوين عاصي ومنصور واطلاقه من الاذاعة السورية): ان الظهور الغنائي – المسرحي الاول للمطربة فيروز كان على خشبة “مسرح سينما دمشق”.

وفي التفاصيل، ودائما بحسب ما كتبه المؤرخ جان الكسان في كتابه “الرحبانيون وفيروز”: كانت الصبية فيروز صوتا من غير صورة… تتهيب الظهور امام الناس ولو في غرفة مقفلة، وترتجف كورقة عريش في مهب الريح. ولأن موجة الشباب في سوريا قد انست لصوتها، وأحبته، قمنا (والحديث على لسان مدير اذاعة دمشق احمد عسة) بمحاولة لاظهارها على المسرح للمرة الاولى، وكم كانت المحاولة شاقة، هناك حفل لطالبات “دوحة الادب” تخصصت في تبني “رقصة السماح” في نادي الضباط، وكان هناك اصرار على ظهور فيروز، المطربة الخجولة، لكننا تغلبنا على كل المصاعب بعدما افهمناها انها “ستحافظ على شخصيتها” وستحاط بمجموعة من بنات العائلات، وستكون جزءا من كل، لا وحيدة وسط الاضواء. وفي هذا الجو المدرسي وبـ”التنورة والبلوزة” اللتين اصرت على ارتدائهما في تلك الحفلة والاستغناء عن اي فستان آخر، ولدت “فيروز ـ المسرح” بعد “فيروز الميكروفون”.

هكذا نقل المؤرخ السوري الفني جان الكسان الرواية، من دون ذكر تاريخ الحدث او مكانه.

أما وضوح الصورة، فجاء في مقالة نشرتها مجلة “الفن” المصرية الصادرة في العاشر من آذار (مارس) 1954، في الصفحة المخصصة لأخبار “الشرق” (أي سوريا ولبنان)، بتوقيع الصحفي محمد بديع سربيه، محرر هذه الزاوية في السنوات الاولى من الخمسينيات: “في دمشق، حركة مباركة تقوم بها نخبة من سيدات المجتمع الدمشقي وتهدف الى جمع تبرعات من المواطنين السوريين لمؤازرة حركة التسلح في الجيش السوري وامداده بالعدة الكافية، حتى يستمر حصن الوطن الذي يمنع عنه الخطر الجاثم على الحدود. وقد اقامت لجنة مؤازرة التسلح مهرجانا كبيرا في قاعة “سينما دمشق” برعاية رئيس الدولة الزعيم فوزي السلو وسعادة العقيد اديب الشيشكلي رئيس الاركان العامة للجيش السوري. وقد دعت اللجنة نخبة من الصحفيين اللبنانيين لحضور  المهرجان المذكور. اما برنامج الحفل فكان من تنظيم رئيس الاذاعة احمد عسة، وتطوّع  للغناء فيه كبار المطربين والمطربات من سوريا ولبنان: نجاح سلام التي انشدت قصيدة الشاعر بولس سلامة الوطنية ـ الانسانية “يا زائرا مهد عيسى” وتتحدث عن “نكبة فلسطين”، وحليم الرومي الذي غنى من شعر الاخطل الصغير “ذكرى بردى”، فيما انشدت المطربتان فيروز وحنان بعض اغانيهما الجميلة، والمطربة سعاد محمد قصيدة “اذا الشعب”، هذا عدا المقطوعات الممتازة التي قدمتها الفرقة السمفونية الجديدة للاذاعة السورية، والاستعراض الجميل الذي قدمته سيدات دمشق وعرضت فيه صورة زاهية للفن الشعبي السوري (رقصة السماح).

وختم الصحفي محمد بديع سربيه الخبر بأن العقيد  الشيشكلي اقام حفل غداء في نادي الضباط على شرف اعضاء الوفد اللبناني، تخلله كلمة للصحفي ميشال ابو شهلا (صاحب مجلة “الجمهور”) حيا فيها ثورة دمشق الحديثة ووثبتها نحو النور والحرية والكرامة، معتبرا الحفل، بضيوفه المدعووين من لبنان، بادرة طيبة من الحكومة السورية، كدليل على رغبتها بوضع حد نهائي للجفاء الذي قام بين لبنان وسوريا في العهود الماضية.

من جهتها، وفي اكثر من حديث لها، ذكرت فيروز انها غنت في بداياتها على احد مسارح دمشق قصيدة “عنفوان” للشاعر عمر ابو ريشة، بمرافقة فرقة سمفونية كبيرة، اضافة الى عدد من الاغاني السريعة الخفيفة، مثل “يا قطعة من كبدي” للشاعر الاخطل الصغير.

واستنادا الى ما سبق ذكره على لسان المؤرخ جان الكسان، والصحفي محمد بديع سربيه، وما ورد في صحيفتي “الاثنين” و”الفن” القاهرتين، يمكن القول ان المسرح الذي اشارت اليه سفيرتنا الى النجوم، كان “مسرح سينما دمشق”.

ان العائد لأرشيف فيروز، سيكتشف اسماء لعشرات كبار الشعراء العرب الذين غنت اشعارهم، مثل ميخائيل نعيمة (قصيدة “تناثري”) وسعيد عقل (قصيدة “لاعب الريشة”) وغيرهما، كما سيكتشف ان سفيرتنا الى النجوم غنت بحضور العديد من الملوك والرؤساء، وفي اغلب المهرجانات المحلية والعالمية، وان اللقب الذي تحمله، اطلقه عليها الشاعر سعيد عقل، للدلالة على رقي صوتها وتميزه وانتشاره العالمي.

وبعد رحيل الزوج عاصي في العام 1986، خاضت فيروز تجارب عديدة مع مجموعة من الملحنين والشعراء من ابرزهم: فيلمون وهبي وزكي ناصيف، إلا أنها عملت بشكل اساسي مع ابنها الفنان زياد الرحباني الذي منحها مجموعة كبيرة من الاعمال الغنائية المتطورة لحنا وكلاما وتوزيعا موسيقيا، ابرزت موهبته وقدرته على خلق نمط موسيقي خاص به ويرتكز في الوقت ذاته، على الاصول الموسيقية العربية والعالمية، ومن جهة اخرى، اعطت للمطربة فيرز دفعا شبابيا متجددا، اخرجها من “روتين” غناء استمرت تقدمه على مدى سنوات، وان كان ناجحا!! وقد اصدرت في المرحلة التي تلت رحيل الزوج الفنان الكبير، العديد من الالبومات، من ابرزها: “فيروز في بيت الدين 2000” (كان تسجيلا حيا من مجموعة حفلات اقامتها فيروز بمصاحبة زياد وأوركسترا تضم عازفين محليين وعالميين، وألبوم “كيفك انت”، وهذا من الالبومان شكلا البداية لسلسلة حفلات محلية وعربية وعزبية حظيت بنجاح كبير لما احتوته من جديد على صعيد التنوّع، والتوزيع الموسيقي، ومن تقديم لفن غنائي معروف، وآخر حديث متطور.

ولا شك في أن صوت فيروز، وفنها الغنائي المتميز والمختلف، شكلا مصدر ثراء كبير لمخيلة كبار الكتاب والشعراء والمثقفين العرب، فتسابقوا الى تبجيل هذه السيدة، بعبارات الاعجاب والمديح، وعنها قال الشاعر نزار قباني: “صوتها هو اجمل ما سمعت… هو نسيج وحدة الشرق والغرب”.

اما الشاعر  انسي الحاج، وقد غنت من قصائده، قال: “قصيدتي بصوت فيروز اكتسبت حلة مختلفة من الشعر”.

فيما الشاعر الفلسطيني محمود درويش وصف صوتها بـ”الظاهرة الطبيعية”، مضيفا: “منذ نحو اكثر من 25 عاما، وبعد ماريا اندرسون، لم تعرف او ترى العاصمة البرازيلية السابقة ـ الريودي جانيرو ـ صوتا كصوت السيدة فيروز، فهو اكبر من ذاكرتنا، ومن حبنا الى هذا الـ(لبنان)، وهي جعلت من ذاتها، ليس فقط “سفيرة لبنان الى النجوم” وإنما كذلك رمزا لمجموعات ترفض ان تموت… ولن تموت”.

ويبقى ما قاله عنها وعن صوتها، “سلفها”، رفيق الدرب والنجاحات، والمسهم الاكبر في كل ما غنته، شعرا ولحنا، الراحل منصور الرحباني: “منذ اطلالتها الاولى، جاءت متوجة، وإضافة الى جمال صوتها وموهبتها الخارقة، فهي ظاهرة لا تتكرر، فصوتها مميز وكل ما فيه خوارق، وما خلق هذا الصوت من صقل وتجارب خضع لها، جعل منها رمزا من رموز هذا العصر، تأثر فيه الناس على مختلف توجهاتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم، في لبنان والعالم العربي، لأنه لم يكن مجرد صوت وحسب”.

و… عودة للبدايات، وتحديدا الى مذكرات مكتشف فيروز الموسيقار المطرب حليم الرومي، حيث كتب المؤرخ الراحل روبير صفدي في كتابه “اعلام الاغنية اللبنانية” (المؤلف هو ابن اخت الفنان حليم الرومي) نقلا عن خاله: اكتشفت صوت فيروز مصادفة، في خلال حفلة اناشيد مدرسية كانت تقدمها فرقة “الاخوين فليفل” في الاذاعة اللبنانية في شهر شباط (فبراير) 1950، وعلى الفور، ادركت اني استمع الى صوت “غير عادي”، فاستدعيتها وطلبت منها ان تسمعني صوتها وجاهيا، فغنت، بخجل واضح، موال المطربة اسمهان طيا ديرتي مالك علينا لوم”، ثم اغنية “يا زهرة في خيالي” من اغنيات فريد الاطرش، فتأكدت عندئذ بأن صوتها جديد ونادر، وان الاذاعة بحاجة ماسة اليه ولمثله من الاصوات.

ويتابع المؤرخ الصفدي سرد حديث الموسيقار حليم الرومي… يقول: وعندما عرض عليها الموسيقار العمل في الاذاعة بصفة “مطربة متدربة” وفي “الكورس”، وافقت على الفور، وبدوره، (اي الموسيقار حليم الرومي) باشر بتعليمها وتدريبها على اصول الغناء حتى نضجت نسبيا، الى ان قدمتها ي شهر نيسان (ابريل) من العام ذاته (1950) في برنامج فني بعدما اطلق عليها اسم “فيروز”، تيمنا بالاحجار الكريمة… وأول اغنية لها وكانت من ألحانه، كانت بعنوان “تركت قلبي وطاوعت حبك”، ثم اتبعها بألحان عديدة ناجحة، منها: “في جو سحر وجمال، احبك مهما اشوف منك، يسعد صباحك، اسكتش عنترة وعبلة، نشيد بلادي، يا حمام يا مروح بلدك، وحق الهوى قلبي الك، يا ورد يا احمر، محاورة عاشق الورد، اوبريت احلام الشرق”… وغيرها العديد من الاغاني والالحان مختلفة الاشكال والالوان، نجحت كلها الى ان يسر لها اللقاء بالمؤلف  والملحن عاصي الرحباني الذي بدأ ينتج لها مع بداية العام 1951 مجموعة من الاغاني والالحان الشعبية والخفيفة والراقصة، الى ان قدم لها في العام 1953 اغنية “عتاب” التي تعتبر اغنية الشهرة الاولى، وصولا الى المهرجانات الموسمية التي نجحت بها ومعها فيروز.

ويتابع المؤرخ  الراحل روبير الصفدي، نقلا عن خاله الفنان حليم الرومي: اما عملية التحدي الحقيقية في الابداع والتجديد، فكانت بانطلاق الاخوين بصياغة غناء خاص بفيروز يتميز بأسلوب  في اللغة واللحن، ايدهما في ذلك وآمن به مدير عام الاذاعة اللبنانية يومذاك فؤاد قاسم، وكان شاعرا وأديبا يعشق الكلمة الحلوة المميزة. فهو، عندما سمع اغنيات الاخوين، اعجب بها، وتبنى على الفور مشروعهما، خصوصا لجهة مبدأ “الاغنية القصيرة”، حيث اصدر قرارا منع بموجبه الاغاني الطويلة، وخصص لكل اغنية مساحة (5) دقائق فقط. وقد عمل الاخوان عاصي ومنصور بداية، على جمع وإعادة  الفولكلور وتوزيعه بقالب موسيقي جديد ومتطور، ثم استخرجا منه اغنيات جديدة، بكلام وألحان وإيقاعات متجددة ومستوحاة من الغرب: التانغو، البوليرو، الجاز، الرمبا، السلو والفاكس تروت، وكلها نماذج موسيقية معروفة ومرغوبة في ذاك الزمان، مكانا يأخذان مقاطع منها ويضعا لها كلاما ويعيدا توزيعها وعزفها من دون ادعاء بأنها من تأليفهما، كما اضافا الى الفولكلور اللبناني ايقاعا راقصا، مثل: “يا مايلة عالغصون ـ عالروزانا ـ بنت الشلبية ـ وهلالا ليا” وسواهما، وكل هذه الاعمال، تم توظيفها بصوت فيروز التي تجاوبت احسن التجاوب مع التغيير الذي استحدثه الاخوان، وبذلك، كان لها الدور الاساسي في اداء المسرحيات والاسكتشات والقصائد والموشحات والاغنيات ذات القوالب الموسيقية ـ التلحينية المتعددة.

وينهي حليم الرومي حديثه عن الاخوين عاصي ومنصور، وعن صوت وأداء فيروز: من هنا، تبدو اهمية هذا المثلث الفني في النهضة الموسسيقية والغنائية في لبنان والوطن العربي على مدى اكثر من ربع قرن من الزمن (رحل حليم الرومي في الاول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1985).

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s