لبنان 2014: الاستحقاقات المفخخة

كتب المحرر السياسي:

سحب دخان تفجير ستاركو

سحب دخان تفجير ستاركو

تبرع القيادات اللبنانية منذ فترة في “تفخيخ” الاستحقاقات الدستورية، التي كلما اقتربت مواعيدها، إبتعدت فرصها.

وإذا كان استحقاق رئاسة الجمهورية هو الأهم، فإنه الأكثر خطراً على استمرار النظام اللبناني القائم منذ أربعينيات القرن الماضي والمعدّل بطائف التسعينيات من القرن نفسه.

والملفت أن ثمة قيادات قادرة وفاعلة تعمل على إبراز عيوب هذاالنظام الذي ارتضاه اللبنانيون، وتسعى إلى جعله مصدراً رئيسياً من مصادر الخطر الكثيرة،، التي تهدد لبنان وحكمه القائم على توافق طائفي معقّد.

من الواضح أن لبنان معرّض اليوم لأحداث كبرى تحاول إعلان وفاة الطائف كمنظومة للحكم، وبالتالي، الوصول إلى تأسيس دستور جديد للبلاد قد تكون المثالثة أحد أهدافه الكبرى.  وهذا يعني حصول تراجع كبير في الدور المسيحي، ومن ثم، إسقاط الصيغة التي جعلت لبنان صورة حضارية لتعايش الأديان.

من الصعب أن تنجح هذه المحاولة، حتى لو انتهج مريدوها طريق الدم ونشر الفوضى والرعب.

هي محكومة بالفشل لأن الطوائف اللبنانية المتمسّكة بالصيغة اللبنانية مازالت تشكّل الأكثرية في أي استفتاء يؤسس لدستور جديد.

تحت سقف هذا الهدف المستحيل، والذي يسرّب خجولاً في بعض التصريحات، يجري اليوم تفخيخ الاستحقاقات الكبرى، من تشكيل الحكومة إلى انتخابات الرئيس.

إن الأجواء السياسية المتفجّرة بالخلافات الحادة والعلاقات المقطوعة، والتعطيل المفتعل لتشكيل حكومة (هي الأطول انتظاراً في تاريخ تشكيل الحكومات)، والمقاطعة المبكرة لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، كل هذا وفّر للإرهاب أرضية صالحة لزرع السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية.  مما يثير شبهة استدعاء الارهاب من هذا الفريق أو ذاك، ومما يسهّل توجيه الاتهامات لهذا الفريق أو ذاك.

ويزداد طين الإرهاب بلة، مع سيل التهديدات المتدفّقة على ألسنة قيادات حزبية، تعزّزها تهديدات أكثر تفصيلاً وتهويلاً تطلق من ألسنة إعلامية معروفة التوجّه والولاء.

هذه التهديدات لا تنطلق من فراغ، وإن كانت تسعى إلى الفراغ في السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية … وربما القضائية. وهذا يعني أن لبنان مقبل قريباً على مرحلة يختلط فيها الإرهاب، بمفهومه التقليدي، بالإرهاب السياسي، الذي قد ينحدر بمستواه إلى مستوى الإرهاب الأول، والذي قد يشكّل خطر الإنزلاق إلى إرهاب الفتن المذهبية والحروب الأهلية.

لم يعد يخفى على أحد، أن النواب وقياداتهم السياسية يتهرّبون من أداء الاستحقاقات المتوجّبة عليهم دستورياً ووطنياً.  ولعلّ التهرّب الوطني هو الذي يزعج اللبنانيين ويخيفهم.  وعلى ضوء هذا التهرّب المتعمّد، يواجه رئيس الجمهورية مأزقاً كبيراً، عليه أن يخرج منه خلال الأشهر القليلة المتبقية من عهده.

وفي ظل العناد السياسي، الذي يهدّد بالشارع، تصبح قرارات الرئيس بالغة الصعوبة والتعقيد.

يترتّب على العماد ميشال سليمان تأمين المخرج لإستحقاقين، هما الأكبر والأخطر في لبنان ما بعد الطائف.

الاستحقاق الأول تشكيل الحكومة. وهو استحقاق بلغ مرحلة الشيخوخة، من دون أن يجد من يعينه على حل عزوبية السرايا.

كما يقولون، كان الرئيس، قبل انفجار الضاحية الأخير، قد شرب حليب السباع واتخذ قرار إعلان “الحكومة الحيادية” في الأسبوع الأول من السنة الجديدة. لكن الانفجار فجر التهديدات وكشف عن نيات حقيقية في تحويل الأزمة الحكومية الى أزمة أمنية حادة… مما دفع الرئيس الى التريث، ومن ثم، التأجيل بانتظار مناخات أخرى. وهكذا عاد الاستحقاق الحكومي الى ثلاجة الصبر.

العودة الى حساب الأشهر على فشل التأليف، لا يعني أن الرئيس لن يقدم على تشكيل حكومة جديدة ترث عهده إذا كان الفراغ أكثر المرشحين حظاً للقب صاحب الفخامة. فالرئيس لن يسمح بأن تكون حكومة ميقاتي الوارث القسري لقصر بعبدا. فالحكومة المستقيلة تمثل لوناً واحداً وتقصي الممثل الشرعي لطائفة رئيسية وقسماً كبيراً من الطائفة المسيحية. يضاف الى ذلك أنها حكومة تخضع لهيمنة فريق، إذا أضيفت لهيمنة السيطرة على موقع الرئاسة الأولى، فإن لبنان سيكون مهدداً بمقاطعة خليجية، وهي مقاطعة ستضرب الاقتصاد المضروب أصلاً، وهو أمر لا يتحمله البلد.

وهكذا يكون استحقاق تشكيل الحكومة عبئاً مستمراً ولغزاً مستعصياً، يترتب على الرئيس البت فيه قبل شهر آذار (مارس) المقبل.

أما الاستحقاق المفخخ الثاني، والأكثر أهمية وانعكاساً على الوضع اللبناني، فهو استحقاق الانتخابات الرئاسية. وهو استحقاق من الواضح أن التمديد أو التجديد ليسا علاجاً له. فما أجمع عليه النواب في التمديد لأنفسهم، أجمعوا على أن لا يمنحوه لغيرهم. خصوصاً وأن الرئيس تحوَّل، لأسباب معروفة، الى خصم سياسي لفريق 8 آذار. والرئيس يعرف جيداً أن التمديد لا يمر. وأن عليه مغادرة القصر، عندما تدق ساعة الدستور وتعلن نهاية الولاية.

إلا أن الرئاسة تتداخل في مصيرها عوامل كثيرة، منها الخارجي بشكل رئيسي، ومنها الداخلي مع أنه عامل قليل الأهمية.

لا شك في أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تحرص على انتخاب الرئيس، فهي لا تريد أن يتحوّل لبنان الى دولة فاشلة بلا مؤسسات مما يعني إلغاء دور الجيش في التدخل، بحيث لن تجد قيادته للحفاظ على تماسكه، سوى إلتزام الثكنات وإخلاء الشارع للقوى المتصارعة. وهي تدرك، أي الدول الغربية، أن صراعاً داخلياً مسلحاً ستميل فيه الكفة لحزب الله. وهذا أمر تحرص على تجنبه.

أما العامل الداخلي فينحصر في دور الكنيسة المارونية الخائفة على فقدان حصتها في التوزيع الطائفي للرئاسات الثلاث. وهي تسعى، وستمارس المزيد من الضغوط للاتفاق على اسم الرئيس وفرضه على نوابها أولاً، وبالتالي على نواب الطوائف الأخرى.

ومع صعوبة نجاح الغرب أو الكنيسة، في اخراج الانتخابات الرئاسية من الفراغ، فإن الأمر يتوقف على مسار الأزمة السورية خلال الأشهر التي تفصلنا عن موعد الاستحقاق.

ويرى المراقبون أن الوصول الى تسوية الاتفاق على مرشح واحد يشكل احراجاً لقطبين مارونيين هما الجنرال عون والنائب سليمان فرنجية. لأن التسوية تعني الاتفاق على اسم ثالث، بالتأكيد لن يرضى عنه حلفائهما في فريق الثامن من آذار. فالأسماء الجدية حينئذٍ ستنحصر بشخصيات مارونية شبه مستقلة. أي تلك التي لا تنتمي الى أي من فريقي 8 و14 آذار.

هنا تصبح  قائمة الأسماء القابلة للبحث محددة بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وبقائد الجيش طوني قهوجي وبالنائب بيار غانم… وأبعد الخيارات التي قد يتم اللجوء إليها إذا أقصى “الفيتو” المتبادل الأسماء الثلاثة هو ترشيح وزير الداخلية مروان شربل.

هذا السيناريو الافتراضي قد يحظى بشرف المحاولة، لكنه بالتأكيد  لن يحظى بفرصة النجاح.

ويرى المراقبون أيضاً أن الأشهر المتبقية لموعد الاستحقاق الرئاسي، هي أقل بكثير من الأشهر التي تحتاج إليها المنطقة، وبالذات الأزمة السورية، لتصل الى الاستقرار الذي يساعد اللبنانيين على التوافق.

وهكذا يكون لبنان يجنح نحو الفراغ لفترة طويلة. والخوف أن يملأ الفراغ الموعود صراع السلاح… وعندئذٍ على “الطائف” السلام… لأن قرقعة السلاح ستؤدي الى اتفاق جديد لصيغة لبنانية جديدة تفقد لبنان ميزته كدولة تجمع بين المسيحية والاسلام الى دولة تحكمها المذاهب بعددها وعدتها.

لن نتراجع!!

walidما يجري في لبنان، وأبشع منه في أرجاء كثيرة من الوطن العربي، هو سقوط الأحلام وإحلال الكوابيس. وأكثر كارثة من المشهد الوحشي الفائض عن كل وحشية، ذلك الجفاف الإنساني الذي حوّل القلوب إلى حجارة صلبة بعد أن فقدت المشاعر والأحاسيس.

نرى القتل والذبح والتدمير… ونسمع من القتلة والجزارين والمدمرين كلمة «لن نتراجع».

لن نتراجع!… نسمعها في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن ولبنان.

ترى لن نتراجع عن ماذا؟.

عن هدر دم شعوب هذه البلاد؟.

عن تدمير المأوى والمؤسسة؟.

عن حرق الزرع والشجر؟.

عن التهجير؟.

عن التجويع؟.

عن تعميم الفقر؟.

عن دفع أطفالنا إلى الجهل بحرمانهم من المدرسة؟.

***

لن نتراجع!.

لكننا نرجع الى زمن التتار.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى حضارة الفحم والحطب والخيمة.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى الله لمعالجة مرضانا… وهو القائل «وجعلنا لكل داء دواء»؟.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى عصر الطوائف والقبائل والعشائر.

***

لن نتراجع؟!… وإلى متى؟… وماذا بعد؟.

فيا كل من تتقاتلون وتَقتلون… لا يحسب أحدكم أنه شهيد حي عند ربه يرزق.

الشهداء، هم الأبرياء الذين يُقتلون على أيديكم أو بسببكم.

الشهداء هم الذين أفقدتموهم الأمن والطمأنينة، وزرعتم في قلوبهم الهلع، ونصبتم في شوارعهم الأفخاخ، وفي تنقلاتهم كمائن الخطف.

***

لم ترحموا من في الأرض… فكيف يرحمكم من في السماء؟.

تحملون رايات الإسلام… وتغتالون سماحته.

تكَّبرون باسم الله… وتنفذون إرادة الشيطان.

تعتقدون أن صراخكم بقول «الله أكبر» كلما قتلتم إنساناً، أو تسببتم بمقتله، يصبح قتلاً حلالاً، وكأنه «خروف» يذبح على الطريقة الإسلامية!.

***

إلى متى سيبقى «الربيع العربي» يزكم أنوفنا برائحة الدم والبارود، وهو الذي ظننا أنه، كما كان الربيع دائماً، سيبعث لنا روائح الحرية الممزوجة بروائح الزهور والمروج الخضراء؟.

***

هل صدقتم أن الجنة في انتظاركم؟.

ومتى كان الطريق إلى الجنة محفوفة بالإجرام وارتكاب أكبر المعاصي، أي القتل بغير حق… وسلب الله من حقه في القصاص؟.

لقد أوغلتم وتغولتم… ولم يعد مجدياً استغفاركم ولا غفراننا لكم.

أخيراً:

إرجعوا إلى إنسانيتكم وإسلامكم… ولا تقنطوا من رحمة الله.

لعل وعسى.

 

وليد الحسيني

رسم خرائط بالدم والبارود: “تانغو” روسي – أميركي في سوريا

كتب إسماعيل يوسف

عام 2013 كان عام التبدلات السياسية المتسارعة على المستويات المحلية والاقليمية والدولية، مما جعل التغيُّر الدائم، هو الثابت الوحيد في “ربيع عربي” متقلّب لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فما هي التعديلات التي اعتمدتها ورش رسم خرائط “الشرق الأوسط الجديد” في الغرف العالمية المغلقة؟

غالباً ما تظهر إيران في حالِ اشتباك دائم مع الولايات المتحدة، إلا أن تاريخ ثورتها حافِل بالصّفقات المُذهلة مع “شياطين” واشنطن: من إيران غـيت، إلى الحلف غير المقدّس في حرب أفغانستان، ومن تواطُـؤ إيران مع أميركا في غزْو العراق عام 2003 إلى تقاسُم الغنائم بينهما لاحقاً في بلاد الرافديْن، وصولاَ إلى اتفاق جنيف النووي الأخير الذي يفتح أبواب الصفقات الدولية والتسويات الاقليمية على مصراعيها في أكثر من بلد عربي، وفي مقدمتها سوريا.

نبدأ من “جنيف” السوري الذي حدّد موعد جزئه الثاني، من دون أن تحسم امكانيات انعقاده.  مصدر دبلوماسي متابع للمفاوضات التحضيرية، قال لـ”الكفاح العربي” أن “الط

النزيف السوري يتواصل

النزيف السوري يتواصل

ريق إلى “جنيف 2″ حافل بالحواجز والمطبّات والمفاجآت، رغم قِصر المسافة الزمنية التي تفصلنا عنه (أواخر الشهر الحالي)”. وتابع المصدر: رغم الاصرار الأميركي ـ الروسي الملزم لجميع الأطراف على تلبية الدعوة، إلا أن التوقعات المسبقة لا تزال في حدها الأدنى، لا بل أقل من الأدنى، حول تحقيق أي اختراق سياسي يحرّك عجلة الحوار بين النظام والمعارضة من أجل التوصل إلى اتفاق حول صيغة المرحلة الانتقالية ووقف الاعمال العسكرية.

وأشار المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أن “الروسي يرى في المؤتمر فرصة للاتصال المباشر الأول من نوعه بين الأميركي (وزير الخارجية جون كيري) والسوري (وزير الخارجية وليد المعلم) منذ بداية الأحداث في سوريا.  وأوضح المصدر أن “هذه اللقاءات المرتقبة بين الوفدين السوري والأميركي، من شأنها إعادة وصل ما انقطع بين دمشق وواشنطن، خصوصاً إذا ما تحقّقت المساعي الروسية مع الولايات المتحدة في تشكيل جبهة عالمية جديدة ضد الارهاب، تكون سوريا والعراق إحدى ركائزها في الساحة الاقليمية”.

إذا، ليس الهدف من “جنيف 2” وقف حرب الاستنزاف السورية، أو إطلاق حوار وطني لتحديد آليات المرحلة الانتقالية وإعادة بناء ما دمرته الحرب.  الهدف، وفق المصدر الدبلوماسي، “هو حفظ ماء وجهي الراعيين الدوليين (أميركا وروسيا) واستكمال الجهود التي أنجزت حتى الآن اتفاقاً نووياً مع إيران وكيميائياً مع سوريا، وربما الوصول إلى ما يسمى بـ”الصفقة الكبرى”، التي تشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما فيها القضية الفلسطينية التي أخرجتها الإدارة الأميركية أخيراً من ثلاجة المفاوضات المجمّدة وأمهلت الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني أقل من سنة للتوصل إلى اتفاق إطار للسلام بين الجانبين”.

وحول الجدول الزمني لهذه التغيّرات، توقّع المصدر أن تشهد الأشهر الستة المقبلة تطوّرات دراماتيكية على الصعيدين السياسي والعسكري، قد تحدّد الشكل النهائي لخريطة “الشرق الأوسط الجديد”، من دون أن يعني ذلك نهاية الصراعات المشتعلة طائفياً ومذهبياً وعرقياً في مختلف أنحاء المنطقة.

ويختم المصدر حديثه لـ”الكفاح العربي” أن ما يجري اليوم من تبدّل لسياسات واشنطن تجاه سوريا هو ليس تغييراً بقدر ما هو “إعادة نظر” في الحسابات التي كانت تعتمد الخيار الاسلامي الديمقراطي قبل أن يثبت فشله وتطرّفه في دول “الربيع العربي”، لا سيما في مصر وتونس وليبيا.

التبدّل الأميركي

من الصعب تحديد النقطة الزمنية لتراجع سياسة إدارة أوباما تجاه سوريا.  هل كانت في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حين وجّهت مجموعات مسلحة تابعة لتنظيم “القاعدة” صفعة مدوية للجيش الحر المدعوم من الولايات المتحدة، عبر الاستيلاء على مخازن أسلحة أميركية، مما دفع بواشنطن إلى توقيف عمليات تسليحها لمعارضي النظام؟  أم أن تفكك السياسة الأميركية بدأ في أيلول (سبتمبر) الماضي، حين ظهر الرئيس أوباما أمام العالم كـ”رئيس متردد” غير قادر على فرض “خطوطه الحمراء” بعد اتهام النظام السوري باستخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه؟  أم أن ضعف السياسة الأميركية ظهر قبل ذلك بكثير، أي منذ عدم ترجمة الوعود بتسليح المعارضة، والاكتفاء بإرسال مشاريع قرارات إلى مجلس الأمن، اصطدمت بجدار الفيتو الروسي – الصيني؟

هذا العجز الأميركي حفَّـز المعسكر الإيراني – السوري – حزب الله (وخلفهما العراقي بقيادة روسيا أولاً ودول البريكس ثانياً) إلى الاستفادة من الحرب الباردة الجديدة، والسعي إلى قلب الموازين ضد المعارضة السورية المشتتة سياسياً وعسكرياً.

الاستراتيجية الروسية

يجمع المراقبون أن ما يحكى عن تراجع أميركي في الشرق الأوسط لا يعكس حقيقة سياسة البيت الأبيض في المنطقة.  فالاتفاق الأميركي – الروسي يأخذ أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود السورية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.  فالتنافس الدولي يخضع اليوم لسلسلة من الاختبارات بين القوى العظمى التي ترى في “الربيع العربي” نافذة لإعادة بسط نفوذها في الشرق الأوسط، وملء الفراغ العربي الذي انتجته “فوضى السلاح والتكفير”.

هنا لا بد من العودة إلى وثيقة “استراتيجية الأمن القومي الروسية حتى عام 2020″، التي صدرت عام 2009 لفهم ما تريده موسكو اليوم.  تدعو الوثيقة إلى تحويل “روسيا المُنبعثة” إلى دولة كبرى مجدداً وإلى أن تكون إحدى القوى الخمس الأكبر اقتصاداً في العالم، وهي تحدد الأهداف والتهديدات والمهام والإجراءات، لتحقيق هذا الهدف على المدى القصير والمتوسط  والطويل (2020)، لكنها تربط هذا الهدف ومعه مبدأ الأمن القومي، ربطاً مُحكماً بالنمو الاقتصادي الثابت، مُشدِّدة على رفع مستويات معيشة المواطنين الروس، وعلى أولوية الإبداع والابتكار التكنولوجيين، و”العلم” و”الثقافة” و”الصحة العامة”، وحتى على “الروحانية”، في إطار “الذاكرة التاريخية الروسية”.

مقومات هذه الاستراتيجية لإعادة بناء الدولة الكبرى، هي: التركيز الشديد على المصالح القومية والاقتصاد والتطوير التكنولوجي – العلمي، والأهم، الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي عبـر ما يصفه البند الثالث من الاستراتيجية بـ “المشاركة الفعالة في تقسيم العمل الدولي”.

البند السابع في الاستراتيجية، يدعو إلى سياسة خارجية براغماتية ومنفتحة، عبْر العمل على بناء شراكات أو تحالفات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أو حلف الأطلسي – أوروبا، والتركيز على الشرعية الدولية ودور الأمم المتحدة.

 طبّقت روسيا هذه الاستراتيجية بنجاح في عهد بوتين. فبعد أن أعاد هذا الأخير بناء الدولة الروسية (على رغم استمرار الفساد الهائل فيها)، انطلق في سياسة خارجية نشطة، تستند في آن إلى التعاون والتنافس مع أميركا.

ركّـز بوتين على الجوانب الإقليمية والتجمُّـعات الدولية: البريكس، منظمة شنغهاي، وحتى منظمة التعاون الإسلامي، وعلى فضاء الاتحاد السوفييتي. فمارس الدبلوماسية (في روسيا البيضاء وكازاخستان وتركمنستان)، وأثار المتاعب (في أوكرانيا ودول البلطيق) أو استخدم القوّة المُباشرة (في جورجيا).

أوباما فهِـم الرسالة من وراء هذا النشاط البوتيني المستجَـد، فوُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية التي استندت إلى احترام الدور الروسي في العالم وتقديم تنازلات في مجال الصواريخ الاعتراضية في أوروبا الشرقية وتقليص الأسلحة الاستراتيجية والاعتراف، نسبياً، بوضعية الاتحاد السوفييتي السابق، ودمج روسيا في النظام العالمي ومنحها دوراً في سلام الشرق الأوسط.

 في المقابل، حصلت واشنطن على دعم روسيا في عملية محاصرة إيران، وعلى تعاونها مع حلف شمال الأطلسي ضد الراديكالية الإسلامية في أفغانستان.

بيْـد أن استراتيجية إعادة التنظيم لم تكن كاملة، بسبب الشكوك الروسية بـ”السي. أي إيه” ودورها المُحتمَـل في التحريض على ما يسمى “ثورة الثلج” في روسيا.  كما أن بوتين أدرك أنه لن يستطيع مُنفرداً تعديل موازين القوى مع أميركا، وهذا أعاد موسكو إلى الحيرة القديمة بين التيارات الثلاث، الأطلسية والأوراسية والقومية – الشيوعية.

الشرق الأوسط، احتل اهتماما كبيراً  في استراتيجية الأمن القومي الروسي، قبل الربيع العربي، بسبب قلق روسيا من خاصرتها الرخوة في شمال القوقاز وآسيا الوسطى. وتجربة الشيشان (100 ألف قتيل)، لوّنت كل مقاربة بوتين للشرق الأوسط الإسلامي، خاصة في ضوء الثورة الشيشانية.

كان ثمة ثلاث أولويات في هذه الاستراتيجية: إيران وتركيا والخليج (إيران والعراق أساسا) والصِّـراع العربي – الإسرائيلي. وترافق رسم هذه الأولويات الروسية الجديدة، مع انفتاحٍ على الجميع ومحاولة إقامة توازُن بين كل القِوى الإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط، في مقدمتها إسرائيل.

نجحت هذه السياسة في وقف التدخلات الخارجية في الشأن الروسي، خاصة في الشيشان، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الروسي وأبرزت الدور العالمي لموسكو امام أميركا وأوروبا. ومن رحم هذه النجاحات، وُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية.

لكن، حين نشبت ثورات الربيع العربي، أُصيبت السياسة الروسية بالارتباك الشديد وشهد العالم تضارباً في المواقف الروسية. ففي تونس، دعمت موسكو الثورة. وفي  مصر، تردّدت ثم دعت النظام الجديد إلى التعاون معها. وفي ليبيا، رفضت التدخل الدولي، ثم قبِلت به، ثم عادت إلى رفضه والتنديد به. وفي البحرين، رفضت الثورة فيها وصمتت على التدخل العسكري الخليجي، ثم أبرمت صفقات تجارية مع حكومة المنامة. وفي ثورة اليمن، حذت حذو السياسة الغربية – الخليجية عينها.

الصدام الوحيد بين روسيا والغرب في خِضَم الربيع العربي، حدث فقط في سوريا. لماذا؟ من المُفيد هنا، إيراد تحليل ميدل إيست انستيتيوت، التي أوردت الأسباب التالية:

الأول، موسكو تعتقد حقاً أن واشنطن وحلفاءَها الغربيين أساءوا فهم ما يجري في سوريا. فبدلاً من احتمال أن يؤدّي سقوط نظام الأسد إلى قيام نظام ديمقراطي في سوريا، كما يعتقد الغرب، فإن روسيا تخشى أنه سيُـسفر عن بروز نظام سُـنِّي راديكالي، لن يكون فقط معادياً للغرب، بل أيضاً لروسيا. وهي تذكّــر بما حدث غَـداة التدخلات التي قادتها أميركا في أفغانستان والعراق وليبيا، وأدّت إلى بروز الأصوليات والفوضى.

الثاني، روسيا لا تعتقد أن إدارة أوباما، ولا حتى أي إدارة جمهورية قد تصل إلى البيت الأبيض، مهتمّة حقاً بإسقاط النظام في سوريا. ولا يعود السبب فقط إلى اعتبارات محلية أميركية (الانتخابات الرئاسية والتعب من الحرب)، بل أولاً وأساساً، من المضاعفات السلبية التي قد تُـلقي بظلالها على إسرائيل، في حال سقط النظام. ولو أن واشنطن كانت جادة حقاً في إسقاط النظام، لكانت شكّلت تحالف دولي لضرب الأسد، سواء بموافقة مجلس الأمن الدولي أو من دونه.

الثالث، أن موسكو ترى أن الحفز الأساسي لأسقاط النظام السوري، يأتي من السعودية وقطر. وكانت أحداث الربيع العربي قد أشعلت مجدّدا مخاوف موسكو من الرياض، تلك المخاوف التي كانت سائِدة خلال حِقبة التسعينيات خلال حروب الشيشان، والتي لم تهدأ إلا بعد بدء التقارب السعودي – الروسي في عام 2003، ثم بعد أن أعلنت السعودية أنها تدعم الحلّ الروسي في الشيشان. لكن قبل هذا التاريخ، كانت موسكو تعتقد أن المملكة السعودية تُحاول نشر الإسلام السُنّي الراديكالي في الشيشان وشمال القوقاز وفي مناطق أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق. والآن، ترى موسكو أن الرياض تحاول استخدام الربيع العربي، لتحقيق مصالحها الجيو- سياسية الخاصة، من خلال دعم السلفيين في مصر وليبيا وسوريا، وقمع الشيعة في البحرين، وإحلال نظام سنّي موالٍ لها في سوريا. كما ليس واضحا لروسيا، حدود الطموحات السعودية، وهي تعتقد أن الولايات المتحدة ليست متنبِّهة لهذا الخطر.

والحصيلة؟  تصيغها مؤسسة الشرق الأوسط كالآتي: “موسكو تدعم الأسد، ليس فقط للحفاظ على عقود التسلّح واستثمارات النفط والقاعدة البحرية في طرطوس، ولا لأنها تخشى أن تنتقل سوريا من كونها حليفاً لها إلى أن تكون حليفة لواشنطن. ما تخشاه حقاً، هو أن سقوط الأسد، سيُـزيل عقبة هامة في وجه الحركة الأصولية السُنّية بقيادة السعودية، التي تسعى إلى مواصلة الانتشار.

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟ يمكن هنا الخروج بالخلاصات التالية:

–        روسيا قلِقة بالفعل من صعود الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، لكن ليس كثيرا. فهي قادرة على استيعابه في الداخل الروسي والإفادة من التناقضات المُحتملة في المنطقة.

–         ثمّة تبايُـن وحيْـرة في المواقف الروسية حيال الربيع العربي، ما أثّـر جزئياً على العلاقات مع أميركا ودفع الجمهوريين الأميركيين إلى وصف موسكو بـ “الخصم الجيو- سياسي الأول” في العالم.

–         الربيع سيدفع القيادة الروسية إلى إعادة نظر شاملة في سياستها الشرق أوسطية، التي كانت تتَّـبعها طيلة عقد: فالأزمة السورية نسَفَـت التوازنات الروسية بين تركيا وإيران، وبين إيران والسعودية، وربما لاحقاً بين إسرائيل ودول الربيع العربي.

“الربيع” الكاذب: جردة حساب لثورات الدم والفوضى

كتب جهاد مارون

كانت الثلاث سنوات الماضية كافية لإثبات أن “الربيع العربي” لم يكن مُرفَقا بدليل أو خريطة طريق لمواجهة التحديات التي تفرضها المرحلة الإنتقالية، بما فيها “خطر الشتاء الإسلامي”، في ظل عدم تحرّر المجتمع المدني من قيوده، وغياب الرّقيب على عملية بناء الدولة الديمقراطية الجديدة، والفشل في ضمان نزاهة انتخابات ما بعد الانتفاضات إلى بلورة دساتير الغد.

تحوّلت جثة “الربيع” إلى رماد، فالنّار التي أضرمها محمد البوعزيزي في جسده يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010 لم تخمد بعد. المنطقة بأسرها شعرت بالهزّات الارتدادية لزلزا

نقل جريح في اشتباكات التحرير

نقل جريح في اشتباكات التحرير

ل الربيع العربي. “تأثير الدومينو” لايزال متواصلا، وإن كان بدرجات متفاوتة. سوريا مشتعلة، ليبيا تحكمها الميليشيات، تونس تعيش في فوضى، مصر تتخبّط بالثورات المضادة، المملكة الأردنية تواجه غضب الشارع، والتظاهرات الاحتجاجية تُغذي الأحداث السياسية في البحرين والكويت والسودان واليمن.

 وبدلاً من أن يؤدّي الربيع إلى تعزيز الدولة، أسفر عن انهيارها أو على الأقل دفعها إلى الترنّح على حافة هاوية “الدولة الفاشلة”.

في العراق، وعلى رغم الأموال الهائلة التي أنفقت لإعادة بناء جهاز الدولة الذي حلّه الأميركيون عام 2003، لا تزال هذه الدولة هشّة للغاية، بسبب تشظي المجتمع العراقي إلى مكوّنات طائفية ومَذهبية وعِرقية (كردية). الدولة – الأمة في العراق سقطت. والشكل الفدرالي الذي طرح للحلول مكانها، عجز حتى الآن عن لمّ شعثها وإعادة بنائها.

الأمر نفسه يتكرّر في سوريا. فبعد الدمار الذي لحِق بمفهوم القومية العربية الذي يتبنّاه حزب البعث الحاكم منذ عام 1970، يأتي الآن الدّمار الآخر لمفهوم الوطنية السورية، الأمر الذي ترك الساحة خالية أمام صراع الأصوليات الطائفية.

في اليمن (وبعده في ليبيا)، أدى انهيار الدولة إلى دفع القوى القبلية والعشائرية إلى واجهة الأحداث لملء هذا الفراغ، في وقت فشلت فيه القوى الإسلامية في تقديم بديل قابل للحياة عن مفهوم الدولة الوطنية.

حصيلة انهيار الدولة في منطقة “الربيع العربي” كانت واحدة: الفراغ والفوضى وتحويل المنطقة إلى ساحة تنافُس إقليمي – دولي، تحت شعار أن بديل الدولة الوطنية “الفاشلة” هو إعادة بناء “الإمبراطوريات” الإقليمية القادرة وحدها على ملء الفراغ، وهذا ينطبق الآن على ما تحاول أن تفعله كلّ من تركيا وإيران وإسرائيل.

إلى متى يمكن أن يستمِر تحوُّل الربيع العربي على هذا النحو المتسارِع إلى شتاء قارس؟ الأرجح إلى حين تبلور نظام إقليمي جديد، يحل مكان النظام الإقليمي العربي السابق. لكن هذا بدوره يجب أن ينتظر وِلادة نظام عالمي جديد لا يزال الغموض الشديد يكتنِفه، من بكين إلى واشنطن، مروراً بموسكو وطوكيو وبرلين ونيودلهي.

الانقسامات العربية

لا شك في أن “الربيع” أثر في العلاقات العربية – العربية التي لم تشهد انقسامات واختلافات وعداءات بهذا الحد منذ غزو القوات العراقية إلى الكويت في العام 1990.

لقد ساءت العلاقات التونسية مع السعودية (والخليج) منذ استضاقة الرياض الرئيس بن علي ومنحه وعائلته حق اللجوء السياسي.  وفي مصر، أدى الدعم القطري المعلن على شاشة “الجزيرة” لحكم الإخوان ورفض ما وصفته الدوحة بـ”الانقلاب العسكري” على الرئيس محمد مرسي، إلى تأزم دبلوماسي غير مسبوق بين الإمارة الخليجية ومصر، دون أن ننسى قطع العلاقات بين القاهرة وأنقرة التي تصرّ على رفض الاعتراف بالحكم المصري الجديد.

إن مفهوم الأمن القومي العربي الذي قام – بحسب ميثاق جامعة الدول العربية – على فكرة قدرة الدول العربية على حماية الأمة العربية من الأخطار الخارجية والداخلية القائمة أو المحتملة، وتحقيق فكرة القومية العربية، سقط أمام إفرازات الربيع العربي، حيث كانت الحلول الإسلامية التي أتى بها التغيير، وبالا على النظام العربي بأسره. فلا الذين قدموا لسدة الحكم في تونس ومصر وليبيا من الخبرة السياسية والإدارية والأيديولوجية بمكان يؤهلهم لقيادة هذه الدول إلى مرحلة انتقالية تهيئ لمرحلة ديمقراطية حقيقية، ولا الأوضاع التي تمر بها بقية أقطار الأمة تسمح بأن يكون الحكم فيها مطلقا للإسلام السياسي، خاصة في ظل المتغيرات الكبيرة التي طرأت على الحكم في العراق ووضوح خندق الطائفية في سوريا وزيادة وتيرة التدخل الإيراني في البحرين واليمن وغيرها.

الأمن القومي العربي شتت بطريقة مؤدلجة ومدروسة بعناية، خصوصا منذ إعلان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب إبان أحداث أيلول 2001، وقد كان هذا الإعلان في حقيقة الأمر إعلانا لإنهاء الأمن القومي العربي حيث قال قولته المعروفة “من ليس معنا فهو ضدنا”.

ومنذ ذلك الحين وحتى اللحظة لم يتمكن أحد من القضاء على الإرهاب، بل انتشر وتوسع وزادت دائرته نتيجة إطلاق يد الولايات المتحدة في جميع دول العالم الفقيرة، والشرق الأوسط تحديدا، لتحتل دولا منه ولتضرب دون استئذان كل من يوصم بالإرهاب بحسب تصنيفها، وهو ما يجعل الشكوك تدور حول ماهية المنظمات الإرهابية الحقيقية، ومن يقف وراءها؟

لقد شكل “نجاح” أو”فشل” الربيع العربي إحباطا قويا لآمال النهوض بالأمن القومي العربي كإستراتيجية. ففي حين يشهد الدور الأميركي تراجعا واضحا، تظهر قوى دولية وإقليمية جديدة تجهض انتفاضة الجماهير في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها، وتسدّ الممرات الآمنة لتحقيق المشروع القومي في الأمن.

في الوطن العربي، لم يتوافر أي من شروط التحول نحو الدولة المدنية، فلا الهياكل الاجتماعية كانت جاهزة له، ولا الحياة السياسية كانت مهيأة له. فبعد عقود طويلة، من غياب الحريات، نتج عنه تجريف يكاد يكون شاملاً للحياة السياسية، لم يكن منتظراً أن يحدث حراك منظم، ينقل الواقع السياسي القائم من الحالة الشمولية إلى الحكم الديمقراطية، والدولة المدنية .

لكن في ظل الفراغ السياسي، قفز الإسلام السياسي، ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، الذين التحقوا مؤخراً بالحراك الاجتماعي إلى واجهة الأحداث، ولم يكن ذلك مستغرباً، فهم وحدهم الذين ظلوا قوة متماسكة، بسبب تكتيكاتهم، وتحالفاتهم الخفية والمعلنة مع الغرب وأقطاب النظام السابق. وأيضاً، بسبب تحكمهم في مؤسسات العمل الخيري والدعوي، وادعاءاتهم المتكررة، بأنهم ليسوا سوى جماعات دعوية، ليس لها مطمع في الحكم .

أنظمة ملكية تصمد

لقد تمتعت العائلات المالكة في الشرق الأوسط بربيع عربي جيد حتى الآن، أو بالأحرى أفضل مما كان يتخوف منه البعض، وهو ما حصل في الأردن والمغرب والخليج.

وأظهر النظام الملكي في البحرين استعداده لاستخدام أساليب أمنية مشددة، بينما عمدت ملكيات أخرى إلى اتخاذ إجراءات أكثر مرونة.

وفي قطر قامت السلطات برفع أجور وظائف القطاع العام في الشهور الأولى من انطلاق موجة الاحتجاجات العربية. وتملك دول الخليج غضبا قابلا للتصدير، فغالبية الوظائف الأقل أجراً يشغلها عمال أجانب، وإذا اشتكوا من ظروف العمل من السهل حينئذ إعادتهم إلى بلادهم.

 سنة وشيعة

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر بين السنة والشيعة في المنطقة، يتحارب “شيعة إيران” و”سنة السعودية” في حرب بالوكالة في سوريا.

لذا فإن تعميق الانشقاقات بين هذين المذهبين أدى إلى ظهور مستويات مفزعة من العنف الطائفي في العراق أيضاً، الذي ربما سيكون أهم موروثات هذه السنين من التغيير في المنطقة.

الرابحون خاسرون

إن اختيار الفائزين والخاسرين سيكون أمرا مخادعًا. ودعونا نلقي نظرة على الإخوان المسلمين في مصر، الذين حققوا نجاحاً ضخماً في الانتخابات التي أجريت بعد إسقاط نظام حسني مبارك. فبعد 80 عاماً من العمل السري، بدت الجماعة مستعدة لإعادة تشكيل أكبر دولة في الشرق الأوسط تعكس صورتها ورؤاها الخاصة.

إلا أن الجيش أبعد الجماعة عن السلطة في مصر، وعادت إلى السرية مرة أخرى، بعد إعلانها “جماعة محظورة” مجددا، وبعد مثول قياداتها أمام المحاكم. فمنذ عام واحد كان ينظر للجماعة أنها الفائزة، لكن الأمر تبدل الآن.

ولم يكن ذلك خبراً ساراً لقطر، تلك الإمارة الخليجية الصغيرة الطموحة التي دعمت الإخوان في معركة السلطة في مصر. ومع بداية الربيع العربي أيضًا، كانت قطر، وهي تدعم الثوار في ليبيا تبدو كأنها تسير وفق خطة استراتيجية لتوسيع نفوذها في المنطقة. أما الآن، فالأمر لم يعد كذلك.

وبدا الأكراد في كردستان العراق كفائزين في الوضع الحالي، بل قد يكونون في طريقهم لتحقيق الحلم الذي طال انتظاره، وهو إقامة دولتهم المستقلة. فهم يسكنون شمالي العراق، في منطقة غنية بالنفط، تبني اقتصادا مستقلا مرتبطا بجارتهم القوية تركيا. كما أن لديهم عَلَم ونشيد وطني، ولهم قوات مسلحة أيضا.

وقد تكون كردستان واحدة من المستفيدين من التفكك البطيء الحاصل في العراق، الذي لم يعد يتصرف كبلد موحد.

ولن يكون مستقبل المنطقة خاليا من الأزمات، فالسكان الأكراد يمتدون عبر الحدود مع إيران وسوريا وتركيا، ولكن الأكراد في مدينة مثل أربيل يتوقعون مستقبلا أكثر ازدهارا وحرية. وقد بدأت موجة التغيير في كردستان قبل الربيع العربي، إلا أن الأكراد يستفيدون أيضا من موجة التغيير التي تجتاح المنطقة لتعزيز ما حققوه من قبل.

لقد بدت الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا للشرق الأوسط خلال الحرب العالمية في طريقها للتفكك. فهناك دول مثل سوريا والعراق، التي جرى رسم حدودها لا يُعرف هل ستبقى في شكلها الحالي كدول موحدة خلال الخمس سنوات القادمة أم لا؟

كذلك ليبيا، التي لا يستطيع المرء التكهن بشأنها. فليبيا كشفت محدودية تدخل الدول الغربية، فقد نجح سلاح الجو البريطاني والفرنسي في إسقاط النظام السابق، لكنه لم يتمكن من ضمان أن تحل محله الديمقراطية والاستقرار.

وهناك درس قديم، يتعلمه العالم مرة أخرى، وهو أن الثورات لا يمكن التنبؤ بها، بل من المحتمل استمرارها لسنواتٍ قبل أن تتضح تداعياتها … لتبقى إسرائيل‏ الرابح الوحيد من “ثورات الربيع العربي”.

الكتاب مرّ من هنا: أزمات تعصف في معرض بيروت

IMG_0846كتبت غادة كلش:

 يواجه معرض بيروت العربي الدولي للكتاب عاما بعد عام سلسلة من التحديات الإقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية أيضا، يحتفظ بشعلة الإصرار على الإستمرار، وتعزيز دور عمادة النادي الثقافي العربي وعمادة بيروت للكتاب العربي في عالم  الطباعة والنشر والكتابة والفكر. وبالرغم من التحدي الطارىء الذي واجهه في دورته الأخيرة، متمثلا بالعاصفة أليكسا، التي شلّت حركة الناس لعدة أيام، إلا أنه ظل مستقطبا الزائرين بمختلف شرائحهم الثقافية والاكاديمية والإعلامية و الإجتماعية والتربوية. فهل كانت الحركة بركة، بالنسبة لدور النشر ولحصاد المبيع بشكل خاص؟

 

لا شك في أن المبيع الذي تحصد نسبته دور النشر المشاركة في المعرض، يرتبط بعوامل رئيسية مشهودة في واقعنا اللبناني. وتكاد تكون ثابتة بيأسها، فالسواد الأعظم من اللبنانيين، ونقصد بهم المجتمع الأهلي، لايستطيعون منذ أعوام، الإنفاق اليسير على شراء الكتب، وتكوين مكتبات خاصة في منازلهم. ولا يمكن للطلاب والباحثين الجامعيين، شراء مراجع أبحاثهم والتزويد بأمهات الكتب الأجنبية والعربية التي تفيدهم في تعزيز مستويات تخرجهم. إذ إن  أقصى ما يمكن شراؤه هو كتابان او ثلاثة لأصحاب الدخل المحدود، الذي لا يمكنهم دفع مائة دولار وما فوق على محصلة مشترياتهم من المعرض. علما أن المثقف القادر ماديا والراغب في اغتنام فرصة افتتاح المعرض وتقديم دور النشر نسبة حسومات جيدة نوعا ما، قد يشتري ما يناهز سعره الألف دولار من مجموع الكتب والمجلدات التي تجذبه أو تهمه.

والجدير ذكره في هذا المضمار، أنّ كبريات دور النشر اللبنانية المتخصصة بأدب الطفل تعاني  هي أيضا من ارتدادات الوضع الإقتصادي الصعب على  المجتمع الأهلي، فلا تحصد من مشاركتها في هذا المعرض ما هو مأمول بنظرها، وبالكاد تغطي نسبة المبيع، نفقات المشاركة وتكاليف  النقل والمداومة والحضور. فأزمة الناشر لا تكمن في انكفاء الكاتب وجمالية النتاج وأهميته الفكرية واللغوية في فن القص  الموجه للصغار، او في انكفاء العناصرالطباعية الإبداعية للناشر اللبناني، بل تكمن في أزمة الثقافة العامة التي يكرسها واقع عربي متشظ ومتصدع على كل الأصعدة، في مختلف البلدان العربية، بما فيها لبنان.

من ناحية أخرى شهد المعرض حركة توقيعات رائجة، تخطت 200 توقيع لعدد من الكتاب اللبنانيين، الذين أصدروا نتاجا أدبيا جديدا تنوع بين الشعر والرواية والسياسة والسيرة الذاتية، بالإضافة إلى إقامة 30 ندوة و10 محاضرات وستة تكريمات وعدد من الأمسيات الشعرية والموسيقية، التي اقتصرت في معظمها على أسماء لبنانية بنسبة 98 في المئة.

أما على صعيد دور النشر، فيرى رئيس النادي الثقافي العربي فادي تميم أن الطلب على المشاركة في المعرض كان أكبر من المساحة الموجودة. “لكن انخفض عدد دور النشر السعودية المشاركة في المعرض هذا العام بنسبة 30% مقارنة بالعام الماضي”، التي حل مكانها كما يقول تميم “دور نشر ليبية وعراقية شاركت في معرض بيروت للكتاب للمرة الأولى”. أما في ما يتعلق بدور النشر السورية التي لم تستطع الوصول إلى المعرض فيقول تميم إنهم تولوا حل هذا الأمر “من خلال عرض كتبهم في دور نشر لبنانية، خصوصا أن معرض الكتاب اللبناني يعتمد في جزء منه على الزائر السوري من مثقفين وناشرين وعامة. لذلك لا ننكر تأثر المعرض بغياب هؤلاء بسبب الأزمة السورية”.

أنهى المعرض موعده المضروب، مع الثقافة والغايات المبذولة في تكريس عالم الكتاب، ودنيا المطالعة، بالرغم من كل التحديات الأمنية والإقتصادية و تلك الطبيعية المناخية، وانكشف المشهد على محصّلات غير اختراقية لمستقبل تثويري متحول في أبجدية القراءة والمعرفة ،عند جيل الشباب والآباء الجدد تحديدا. فيما تمضي العقود الأخيرة متأثرة بتبعات الخواء المعرفي والإبتكاري لمجتمعاتنا العربية، بشكل عام، بعيدا عن العنصر الإنصهاري.

                                                         

قائمة الكتب الأكثر مبيعا في المعرض:

كان من المفترض أن ننشر في هذا الكادر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً لهذه السنة. إلا  أنه ولغاية اللحظة الأخيرة من كتابة هذه المقالة،،وبالرغم من مرورأسبوعين على زمن انتهاء المعرض، وبالرغم من دخولنا في اليوم الثاني من أيام العام الجديد 2014. لم تصدر القائمة بعد، وهو أمر غريب، لم نعهده في أي دورة من دورات المعرض السابقة. قد تكون أسباب التأخير قائمة على معطيات ايجابية،إذْ لا يسعنا إلا أن نظنّ الظنّ الحسن، باعتبار أن دورة المعرض في هذا العام شهدت أكبر نسبة من حفلات تواقيع الكتب.خصوصا أن عهد الفيس بوك، أنتج باكورات كثيرة لأقلام جديدة، لا بد أن يغربلها واقع الأدب.  بناءً على خلاصة: شتّان بين الواقعين.

من أسكت “الأراجوز”؟ باسم يوسف “جرّاح” الإخوان و”جريح” العسكر

عبد الرحمن سلام

بحاجبه المرفوع أسقط الرئيس محمد مرسي.  وبضحكته الساخرة أغضب “إخوان” مصر.  فالطبيب الجرّاح باسم يوسف شقّ طريقه إلى قلوب الناس والأضواء العالمية بأكثر من 900 الف متابع على “تويتر”، وثلاثة ملايين معجب على “فيسبوك”، واكثر من 120 مليون مشاهد على موقع “يوتيوب”.

لكن من قصقص حاجبي باسم يوسف وحجب ضحكته عن ملايين المتابعين؟

هل سقطت أسطورته الاعلامية مع سقوط الإخوان، وانتهت ملحمته النقدية مع عودة العسكر؟

من أسكت “الأراجوز” كما وصفه أعداؤه، وأطفأ أضواء “البرنامج”، ليتحوّل إلى الحدث الاعلامي الأبرز عربياً في العام 2013؟

لباسم يوسف قصّة نجاح تستحق أن تروى. هو من مواليد 21 آذار (مارس) 1974، تخرّج في كلية الطب في العام 1998، وحصل على دكتوراه جراحة القلب والصدر من جامعة القاهرة، وعمل عضو هيئة تدريس في كلية الطب، قبل ان يسافر للعمل في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا لمدة سنتين ونصف، في احدى شركات الاجهزة الطبية التي تطوّر تكنولوجيا زراعة القلب والرئة، ليعود من ثم الى مصر لنيل الدكتوراه، وليعاود المغادرة الى المانيا، للتدرب على جراحات زراعة القلب والاجهزة المعاونة لعضلة القلب، وهو حصل على “رخصة” مزاولة المهنة في الولايات المتحدة الاميركية في العام 2005، كما انتمى الى “زمالة” كلية الجراحين البريطانية في العام 2006.

وإذا كان كل ما تقدم، يعتبر “السيرة الذاتية المهنية التخصصية” للجراح الطبيب “باسم رأفت محمد يوسف”، فإن “السيرة الذاتية لمعد ومقدم البرنامج الانتقادي الساخر الاشهر عربيا” (البرنامج)، سجلت اول تاريخ لمسيرتها في شهر آذار (مارس) من العام 2011، حين قام بخطواته الاولى خارج نطاق تخصصه العلمي (الطب)، وحمّل مجموعة حلقات، “باسم يوسف شو” على موقع “اليوتيوب”، ليشكل المفاجأة الكبرى والاكثر تأثيرا، على المستويين الشعبي والاعلامي، حيث  شكلت هذه الحلقات صوتا عاليا ومسموعا من ملايين المصريين الغاضبين من “نفاق” الوسائل الاعلامية التقليدية، في تغطيتها لمجريات احداث الثورة المصرية الاولى ـ 25 يناير 2011.  واستغل باسم يوسف مختلف الوسائل الاعلامية المتاحة على شبكات التواصل الاجتماعي، ليبرز موهبة نقدية سياسية ـ اجتماعية ساخرة، وليعلن بالتالي موقفا سياسيا لا لبس فيه، من خلال ادوات عمل متواضعة: مجرد طاولة، وكرسي، وكاميرا واحدة، ولوحة جدارية عليها صورا التقطتها ايادي الثوار الهواة الموجودين في ميدان التحرير، يومذاك.

وبفعل ردود الافعال المتسارعة على كل ما عرضه باسم يوسف من حلقات، عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ردود افعال ترجمت الى “ارقام مشاهدة” اعتبرت، بحسب دوائر  الرصد البرامجي، غير مسبوقة ومثيرة للدهشة والاستغراب، سارعت احدى اشهر  الشبكات التلفزيونية في مصر والوطن العربي “ONTV” لعرض “صفقة انتاجية” على هذا الاعلامي الهاوي، الوافد من كليات الطب، خلاصتها، انتاج برنامج سياسي ـ انتقادي ـ ساخر، باسم “البرنامج”، كما خصصت له ميزانية كبيرة بلغت نصف مليون دولار اميركي.

وبذلك، اصبح يوسف، “اعلاميا معتمدا رسميا” وأول شخص في الشرق الاوسط، تتحول “هوايته” من مجرد برنامج على شبكة “الانترنت” الى برنامج “كامل الاوصاف” على شاشة تلفزيون، لها اسمها ومكانتها وانتشارها، ليس في مصر والوطن العربي فحسب، وإنما ايضا في بلاد الاغتراب (المصري خصوصا)، لا سيما وان مالك هذه الشاشة هو رجل الاعمال الثري نجيب ساديروس، صاحب الحضور الفاعل والقوي وسط المغتربين ـ المهاجرين المصريين، وتحديدا  الاقباط منهم، في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا.

ومنذ عرض الحلقة الاولى على شاشة ONTV، حقق “البرنامج” انتشارا وشهرة واسعتين، كما تناولت شاشات شهيرة مثل CNN وBBC والجزيرة، فقرات منه بالتعليق.

وفي 23 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2012، وكان عقد باسم يوسف مع ONTV  قد انتهت مدته، ولأسباب اخرى لم يشأ باسم يوسف الافصاح عنها او التوقف عندها، اعلن انسحابه من الشاشة المذكورة، لتسارع اكثر من شبكة تلفزيونية عربية وغربية الى التعاقد معه، وبشروط تتضمن الكثير من الاغراءات المادية، إلا أنه كان قد اتخذ قرارين، بموجبهما، سيختار الشاشة التي سيطل مع برنامجه عبرها، الاول: ان تكون الشاشة المنشودة مصرية عربية، والثاني: ان يكون متحررا فيها من اي قيد او شرط او توجيه سياسي. بمعنى، ان يقدم منها ما يشاء، وكل ما يشاء وبما يتوافق مع قناعاته، وعلى مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية وسواها، وإذا كان هناك من متضرر او معترض (او اكثر) فليلجأ الى القضاء. وهي الرؤية التي توافقت معها شاشة CBC الفضائية المصرية، ما ادى بالتالي الى انتقال باسم يوسف وبرنامجه “البرنامج”، الذي بات، وبسرعة البرق، الرقم واحد بين بقية البرامج التلفزيونية المصرية، وعلى مختلف الشاشات، وقد تم بث اولى الحلقات على CBC  بتاريخ 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، اي بعد مرور 22 شهرا على قيام ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وتنحي الرئيس الاسبق لمصر محمد حسني مبارك وحزبه (الوطني) والنظام بأكمله، حيث لم تكن الخطوات المقبلة التي ستقود نظام ما بعد مبارك قد تبلورت، وان كانت قد اصبحت بعهدة جماعة الاخوان المسلمين.

منذ الحلقة الاولى من برنامج “البرنامج” على شاشة CBC، انطبق عليها المثل الشعبي الذي يقول “أول دخوله… شمعة على طوله”. فعلى اثر مهاجمة الجماعات الاسلامية في مصر، وكذلك الرئيس محمد مرسي، تجندت جماعة الاخوان المسلمين ومؤيديها  من بقية الاطراف الاسلامية للرد على باسم يوسف، سواء عبر الشاشات التي استقبلتهم، او التي يمتلكونها، وأيضا من خلال مختلف وسائل الاعلام المتاحة لهم، ومنها كذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي يسيطرون عليها. وما فجر الخلاف، يومذاك، المقاطع المصورة التي عرضها باسم يوسف وتعود للعام 2010 (اي قبل تسلم جماعة الاخوان المسلمين السلطة ووصول رجلها محمد مرسي الى سدة الرئاسة الاولى).

وفي هذه اللقطات المصورة ـ الناطقة، بدا الرئيس السابق محمد مرسي وهو يتهم اسرائيل وأميركا والغرب بأقصى التهم والعبارات، ويحرض عليهم، ثم، في لقطات التقطت له بعدما اصبح رئيسا لمصر، تركز على التحولات الكبيرة التي طاولت كل المواقف السابقة. ما دفع  بالصحافة الغربية، الى وصف باسم يوسف بـ”اشجع اعلامي مصري”.

وفي 31 آذار (مارس) 2013، وبمرافقة  شعبية واعلامية كبيرة، توجه باسم يوسف الى مكتب النائب العام، وخضع للتحقيق في ثلاثة اتهامات موجهة اليه: “اهانة رئيس الجمهورية، وازدراء الدين الاسلامي، وبث روح التفرقة بين افراد الشعب المصري”، وقد استمر التحقيق لساعات، اخلى سبيل الاعلامي من بعدها بكفالة قدرها 15 الف جنيه مصري، بواقع 5 آلاف جنيه عن كل تهمة. وهذا التحقيق القضائي، دفع بالمتحدثة باسم وزارة الخارجية الاميركية فيكتوريا نولاند الى الاعلان بأن “هذه القضية، الى جانب اوامر اعتقال كانت قد صدرت في خلال المرحلة المذكورة بحق نشطاء سياسيين آخرين، تشكل دليلا على اتجاه مقلق يشهد تزايدا في القيود على حرية التعبير”.

لا شك، في أن “التظاهرة” الشعبية ـ الاعلامية، ومواقف الرأي العام الغربي، وقرار النيابة العامة المصرية بالافراج عن باسم يوسف مقابل غرامات تعتبر “رمزية”، قد دلّت على القبول الكبير الذي يلقاه باسم يوسف وبرنامجه، على الصعيدين الاعلامي والشعبي، وعلى بدء تبدل المزاج الغربي ـ الاوروبي تجاه حكم “الاخوان” في مصر، واستمرار تحرر القضاء المصري من سيطرة “الجماعة”، وهذه العوامل مجتمعة، كان لها دورها الكبير، في النتائج التي تحققت في ما بعد، وأدت الى ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وبالتالي الى التظاهرات العارمة التي اجتاحت مصر من شمالها الى جنوبها، ومن شرقها الى غربها، وشجّعت القوات المسلحة المصرية لالتزام موقف الشعب واعلان “خريطة الطريق” لعزل الرئيس السابق محمد مرسي، وإسقاط حكم الاخوان المسلمين في مصر.

وعودة الى باسم يوسف وبرنامجه الذي عاد الى العرض في موسمه الثالث في 25 تشرين الاول (اكتوبر) 2013، حيث استمر “الاعلامي الاكثر جرأة” على نهجه، فهاجم القائد الاعلى للقوات المسلحة المصرية الفريق عبد الفتاح السيسي عبر فقرة ساخرة ـ انتقادية بعنوان “شوكولاته عبد الفتاح السيسي”.

وفيما كان الشعب ينتظر عرض “البرنامج” في حلقته الثانية من الموسم الثالث، بتاريخ الاول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، كانت المفاجأة بعدم عرض الحلقة المنتظرة، ومن دون اي تحذير او اعلان او تنويه مسبق، حيث سرت شائعات  تقول “ان قناة CBC اوقفت العرض جراء ضغوطات من جهات امنية”.  لكن نفي هذه الشائعة تماما، صدر عبر صفحة برنامج “البرنامج” على “الفيسبوك”، ولتبدأ من ثم بيانات الاتهامات المتبادلة بين مالك شاشة CBC من جهة، والشركة المنتجة لبرنامج “البرنامج”، ولتتدرج هذه البيانات ارتفاعا، وصولا الى القضاء، حيث تسلح كل طرف بحقوق يدعيها، فيما استمر باسم يوسف في موقف حيادي، لا سيما وان الخلاف، كما بدا، كان بين شاشة عارضة وشركة منتجة. وخلال فترة التوقف هذه، وإلى ان يفصل القضاء في الدعاوى المتبادلة، حل باسم يوسف ضيفا على الاعلامي يسري فودة في برنامج “آخر كلام”، في الوقت الذي كان فيه كل معدي ومقدمي البرامج على شاشة CBC يعلنون في بيان، وعبر الشاشة المذكورة، تضامنهم مع زميلهم، ويلوحون بـ”موقف” قد يتخذونه فيما لو اتضح ان في الامر تقييدا للحريات، متسائلين في الوقت ذاته كيف يمكن لأي منهم ان يكون الى جانب باسم يوسف يوم تعرض بمواقفه وبرنامجه  لرئيس الجمهورية المعزول محمد مرسي، باسم حرية التعبير، ثم يناقضون اليوم موقفهم ولا يساندونه ان هو انتقد القائد الاعلى للقوات المسلحة؟

لا شك، في أن لباسم يوسف روايته التي يروي عكسها في معرض نفيه لتدخل سياسي أوقف برنامجه. فـ”جدعنته” الاعلامية بعدم مهاندة العسكر بعد معارك “كسر العظم” الطاحنة مع الإخوان، تضع علامات استفهام كثيرة حول مصير من ورد إسمه في “قائمة افضل 100 شخصية مؤثرة في العالم” لمجلة “تايم” الاميركية.

في هذا الإطار، يروي العالمون في كواليس الإعلام المصري، أسرار الرواية التي لن يبوح بها باسم يوسف:

–         لم يكن باسم يوسف بعيداً عن التجييش الاعلامي الموجّه ضد صعود الإخوان.  لا بل كان ركناً أساسياً في التركيبة الاعلامية – الممولة من فلول النظام السابق والمعومة من المؤسسة العسكرية – لاستهداف الاخوان وفضح نقاط ضعفهم تحضيراً لثورة ثانية تخرجهم من الحكم.

–         لقد تم نقل برنامج باسم يوسف من أون تي في إلى سي بي سي ضمن خطة إعلامية تهدف إلى تجنيب إشعال فتنة إعلامية في مصر، قد يستخدم الإخوان فيها ديانة مالك المحطة الأولى القبطية، في حملات الرد على انتقادات يوسف.

–         لا بد من التوقف أمام ظاهرة “تفقيس” المحطات والصحف الممولة بميزانيات خيالية لاستهداف الإخوان، ومن ضمنها برنامج باسم يوسف.

–         إن الخريطة الإعلامية التي ولدت في عهد الإخوان، شهدت تعديلات أخرجت باسم يوسف من المشهد الاعلامي، بسبب عدم قبوله التقيّد بالشروط الجديدة، التي تحرّم في أيام العسكر، ما كان محلّلاً في أيام الإخوان.

هوامش

– يحتج الأميركيون والأوروبيون على بناء المستوطنات الإسرائيلية… لكنهم لا يتخلفون عن إرسال الإسمنت.

– إذا أردت أن تتحاشى الزحمة… فتجول في أي معرض للكتاب.

– العالم مملوء بالوحوش… ومع ذلك يصر «الربيع العربي» على الإنجاب.

– رغم كل هذه المجازر وهذا الدمار… ما زال العرب يبكون بـ«ألسنتهم».

– عندما كان العرب نياماً كانت «مناماتهم» حافلة بالكوابيس… وعندما أيقظهم «الربيع العربي»… تحققت المنامات.

– لولا العملة… ما كان هناك عمالة.

– من المنطق الساخر: البطيخ أحمر. الطربوش أحمر… إذاً الطربوش بطيخ. وبالسخرية نفسها نقول: فيروز تحب زياد. زياد يحب نصرالله… إذاً فيروز تحب نصرالله.

 وليد الحسيني