الأوبامية: إعادة إنتشار أميركي في الشرق الأوسط الجديد

كتب جهاد منير

هل تنجح زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الى الرياض الشهر المقبل، في إعادة ترميم العلاقات العربية – الأميركية التي تصدّعت جراء الاتفاق النووي مع إيران؟  وهل فعلاً انحسر الدور الأميركي في الشرق الأوسط  بعد انسحاب الجيش الأميركي من العراق وقريباً من أفغانستان وتراجع البيت الأبيض عن ضربته العسكرية لسوريا؟ هل هذا الغضب هو نتيجة تغيير واشنطن لسياساتها الشرق أوسطية؟ إنها الأوبامية الجديدة في “الشرق الأوسط الجديد”.

هذه المرة الغضب العربي من الموقف الأميركي ليس ذا طابع شعبي، بل الحكومات هي التي تتململ.  وإذا نظرنا من زوايا بعض العواصم الخليجية، فإن عدم اضطلاع الولايات المتحدة بدور كبير في سوريا، والاتفاقية التي أبرمت مع إيران حول برنامجها النووي، وتكاثر الحديث حول تراجع اهتمام الولايات المتحدة بنفط الشرق الأوسط، كل هذا يؤشر إلى تراخي الالتزام الأميركي نحو حلفائها في المنطقة.

“لا يمكن أن تعود دول الخليج للثقة بالولايات المتحدة كما فعلت خلال العقود الستة الماضية”، كما يقول عبدالخالق عبدالله، أحد المحللين السياسيين في الإمارات العربية المتحدة.

وهنا يأتي التحذير الجماعي الأول من نوعه الذي أطلقته كافة أجهزة المخابرات الأميركية (16 جهازاً) من أن دول الخليج قد تقرر الابتعاد عن واشنطن. وهذا التقويم الاستخباراتي يشكل أول اعتراف بعزوف العرب عن واشنطن، وهو الأمر الذي سعت إدارة أوباما إلى أن تخفف من وطأته خلال الشهور القليلة الماضية، لاسيما أن السعودية سبق لها أن حذرت من أمر كهذا.

لكن، هل فعلاً غيّرت أميركا سياساتها؟

لا شك في أن الانفتاح الاميركي على ايران أثار موجة من الاسئلة والتساؤلات حول مجمل السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، بل في العالم.

ومع عدم التقليل من نظريات المؤامرة وأخواتها، إلا أننا ندرك أن التباينات الاميركية الداخلية كانت حاسمة في محطات عديدة بالنظر الى المصالح المختلفة لمراكز القوى الاساسية، مثل وزارات الخارجية والدفاع والبنتاغون والمخابرات.  إذ علينا ان نلحظ الصراع الاميركي الداخلي بين التيار الذي يمثله بريجنسكي حتى الان، ويرى أن الصين “اوراسيا” هي قلب العالم، ولا بد من تطويقها بحزام أخضر اسلامي تلعب تركيا دورا اساسيا فيه، وبين التيار الذي يهتم بالشرق الاوسط “النفط + اسرائيل” ودول اقليمية اخرى.

وليس بالضرورة كما عودتنا السياسة الاميركية، ان تأخذ الادارة الاميركية موقفا قاطعا من هذه الاستراتيجية او تلك، فثمة “تقاليد” عنوانها سياسة الاحتواء المزدوج، وانتظار تداعيات ذلك، كما حدث مع الحرب العراقية – الايرانية عندما انتقلت من سياسة رامسفيلد مع العراق، الى سياسة اللعب على الحبلين واستنزاف الطرفين مقدمة لاختراقهما او العدوان عليهما.

وعليه، فإن الانفتاح الاميركي على ايران لا يؤشر على استراتيجية جديدة عنوانها القطيعة التدريجية المبرمجة مع حلفائها التاريخيين والبحث عن أدوات ومداخل لترويض ايران من الداخل، بقدر ما يؤشر على شكل جديد من الاحتواء المزدوج، الذي يتيح لها ابتزاز الطرفين وإجبارهما على اتخاذ سياسات وخطوات تنتج بحد ذاتها معطيات ووقائع جديدة داخلية واقليمية، وذلك بالنظر الى ان مصالح واشنطن النفطية لا تزال قوية جدا مع حلفائها التاريخيين، اضافة الى ان ايران دخلت نادي القوى الصاعدة في منطقة شديدة الحساسية بين قلب العالم “روسيا، الصين” من جهة والشرق الاوسط من جهة أخرى.

لا شك في أن التحول الاستراتيجي لإدارة أوباما نحو آسيا والمحيط الهادئ لا يعني التخلي عن دور أساسي في الشرق الأوسط الذي يتميز بكونه مسرح تجاذبات مصيري في رسم ملامح النظام العالمي في العقدين المقبلين على الأقل.

ومن خلال حصيلة ولايته الأولى وبدايات ولايته الثانية يبدو أن أوباما سيكون الرئيس الذي تخلى عن دور أميركا التقليدي في زعامة العالم، ربما بسبب شعوره بأن بلاده تفتقر إلى الضمانة الأخلاقية أو الموارد المادية لمواصلة الدور الريادي، خاصة لجهة الاستمرار في لجم المخاطر التي تهدد العالم اليوم.

والملفت أن خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أوباما أخيراً يبيّن الخلل في الإرادة السياسية عند ساكن البيت الأبيض، إذ تميّز بتطرق هامشي للسياسة الخارجية مع تغيير سلم الأولويات في النظرة للشرق الأوسط. في موازاة  تراجع التأثير الإسرائيلي، برزت العلامة الفارقة في التركيز على المناخ الجديد مع طهران إلى حد التلويح بمنع الكونغرس من فرض عقوبات إضافية عليها خلال فترة التفاوض، وهذا الحماس للانفتاح على إيران قابله تراجع حيال النزاع السوري، وشبه تجاهل للشأن الفلسطيني.

بيد أن مراقبة خريطة النزاعات ونقاط التوتر والتواجد على الأرض وفي البحار تبيّن لنا مدى الانخراط الأميركي في شؤون “الشرق الأوسط الكبير”، انطلاقا من جنوب السودان إلى اليمن، ومن تونس إلى لبنان مرورا بملفات إيران وأمن الخليج والعراق وسوريا والنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. لا يمكن لبلد بحجم أميركا- ومقدار هيمنتها على الشرق الأوسط منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي- أن تتملّص من التزاماتها بسهولة وأن تستدير بين يوم وآخر بمعدل 180 درجة.

إنها إذن لعبة الرقص على خطوط التماس والتوازنات بين المصلحة العليا ومصالح الأصدقاء أو الوكلاء، وإنها أيضا المسعى لخلق شراكات أو ترتيب تسويات بهدف التمويه نسبيا على التخبط وعدم القدرة على إدارة الأمور خاصة بعد التخلي عن منطق التلويح بالعصا العسكرية من دون إبراز بدائل أخرى.

يبدو للمراقب أن الشرق الأوسط تخترقه حاليا أربعة محاور أساسية:

– المحور الأول هو المحور الإيراني الذي يضم العراق والحكومة السورية وحزب الله.

– المحور الثاني يضم السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن.

– المحور الثالث يضم تركيا وقطر والإخوان المسلمين.

– المحور الرابع يتمثل بإسرائيل.

قبل الترتيبات الأخيرة مع إيران، كانت واشنطن تعطي الأولوية لصلاتها مع المحور الرابع ومن ثم للمحورين الثاني والثالث. ومنذ الخريف الماضي، أصبح بإمكانها الحوار والتفاعل مع المحور الأول وكان ذلك يتم سابقا من خلال تقاطع المصالح خاصة حيال العراق. لكن هذا التحول لا يزال في بداياته وليس من الضرورة أن يكون التطبيع مع إيران مدخلا لتحول عميق يصبح فيه “الشيطان الأكبر سابقا” شريك زعيمة “محور الشر”، كما كانت توصف الجمهورية الإسلامية.

حتى الآن اتضح إصرار الطرفين الأميركي والإيراني على عزل التفاوض بشأن الملف النووي عن المواضيع الإقليمية. لكن هذا العزل غير قابل للاستمرار لفترة طويلة. ومن الأمور الأكثر استعجالا موضوع أفغانستان حيث سينسحب الأميركيون الآن وهم بحاجة إلى الإيرانيين والروس من أجل إتمام ذلك الانسحاب، كما حصل سابقا في العراق. وهذا يفسر جزئيا عدم رفع السقف الأميركي في النزاع السوري والحرص على الاستمرار في مسار جنيف بالرغم من بداياته الصعبة. والأرجح أن تستمر واشنطن في السعي إلى تقاسم العمل مع روسيا، على أن يمارس كل جانب نفوذه عند الشركاء الإقليميين المؤثرين في الساحة السورية.

في السعي للفصل بين الملفات تتعامل واشنطن مع روسيا على أنها قوة إقليمية في الشرق الأوسط (أولويتها في الساحة السورية)، لكنها ليست قوة دولية في المنطقة. وفي المقابل تسعى موسكو إلى عدم ترك واشنطن تستفرد بثمار أية تسوية مستقبلية شاملة مع إيران.

مع استمرار تهميش العامل الفلسطيني وتحجيم الدور التركي وعدم التنبه لأهمية دور مصر ومجلس التعاون الخليجي، يبدو النهج “الأوبامي” مراهنا في الدرجة الأولى على إعادة تركيب سياسة واشنطن في الإقليم من خلال البوابتين الإسرائيلية والإيرانية.

يكتب ميكا زينكو من مركز “دوغلاس ديلون للعمل الوقائي” التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية، في مقال له في مجلة “فورن افيرز”، انه منذ منح التفويض المفتوح باستخدام القوة العسكرية للرئيس الأميركي في أعقاب هجمات أيلول (سبتمبر), أصبح هناك توسع فضفاض في مصطلح استخدام القوة العسكرية ليشمل عمليات سرية شبه عسكرية، تعتمد على القدرات التكنولوجية أكثر منها على القدرات البشرية، وتتراوح ما بين قتل الأهداف إلى تفجير الصراعات الداخلية في الدول المستهدفة، إلى تعطيل شبكات الكمبيوتر الخاصة بدول أجنبية، إضافة إلى القيام بهجمات عسكرية غير مسبوقة تتحدى القانون الدولي.  كل هذا دون أن تفقد الولايات المتحدة جنديا واحدا من جنودها.

وهنا ربما يجب أن نذكر كيف اعتمد اوباما أثناء حملته الانتخابية في عام 2008، على فكرة انه المرشح المناهض للحرب، مكثراً من خطبه الرنانة حول أخطاء جورج بوش في العراق وأفغانستان، التي أدت إلى انفجار الأزمات الاقتصادية بسبب ميل صقور المحافظين الجدد لسفك الدماء.  ولكن يبدو انه وبمجرد توليه المنصب، كما يصفه المحلل نيك تيرس في مقال لمجلة ناشن، فقد أصبح أوباما شيخ الصقور شريطة أن تكون الحروب بعيدا عن المحاسبة الرسمية من قبل الكونغرس.

ووفقا لعدد من المحللين فان المحصلة النهائية من العمليات السرية أو حروب الظل كما يحلو للبعض تسميتها، هي اشتعال مناطق بالكامل في صراعات طائفية عرقية ودفع دول نحو حافة الهاوية، وارتفاع معدلات الاقتتال الأهلي وانتشار القاعدة والجماعات التابعة لها بشكل غير منطقي وغير مفهوم .

وإذا أجرينا مسحا جغرافيا لتمدد الحركات المرتبطة بتنظيم القاعدة، فسنجد أن هذه الحركات أصبحت تتحكم بمساحات أكبر من الأرض، ولها تواجد ظاهر وملموس في رقعة شاسعة تمتد من المحيط الأطلسي حتى المحيط الهندي صعودا إلى منطقة القوقاز في أعالي قارة آسيا وعلى تخوم أوروبا.

ولا شك أن هذا التمدد قد جعل تلك التنظيمات أكثر سطوة وجعل أطروحاتها أكثر وقعا على نوع معين من الجماهير، إلا أن كل ذلك لا يبدو أنه يشكل مصدر إزعاج حقيقي لأوباما، حتى بعد أن ثبت بطلان وسذاجة تنبؤات إدارته بانهيار تنظيم القاعدة.

ولا تبدو على الرئيس علامات القلق الشديد لحقيقة ماثلة على الأرض، وهي أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أصبح اليوم وبعد ثلاث سنوات من انسحاب القوات الأميركية من العراق يسيطر على مدن وبلدات بكاملها في كل من العراق وسوريا.

فالوقائع على الأرض تسجل أن أوباما رئيس يعطي الأولوية للشؤون الملحة في الداخل، ويضعها قبل الشؤون الخارجية في سلم أولوياته.  وهو يدرك جيدا أن الولايات المتحدة أنفقت ما يقدر بخمسة تريليونات دولار على “الحرب على الإرهاب” في 12 سنة منذ اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وهي كذلك مستمرة في اعتماد ميزانية عسكرية ضخمة توازي ميزانيات دول العالم مجتمعة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s