ميشال عون: جنرال «المارونية السياسية»

كتب المحرر السياسي

يبدو أن السباق بين الدولة و«الإرهاب»، كالسباق بين السلحفاة والأرنب. فبينما الدولة تسير ببطء شديد في طرق تكاثرت فيها الموانع، يقفز «الإرهاب» من مكان الى آخر بحرية يتيحها عجز الدولة عن أن تكون دولة.

والمخيف أن الدولة، وهي تتحرك لانجاز الاستحقاق الحكومي، تشترك مع «الارهاب» في توتير البلد، وتهدد مثله بتعكير الأمن. فكل السيناريوات الحكومية مفخخة، حتى وهي تجمع الأفرقاء الأعداء… فكيف إذا غاب فريق وحكم آخر؟.

وإذا كان «الارهاب» مصاباً بالعمى الإنساني، فإن القيادات السياسية مصابة بالعمى الدستوري، فالدستور لم يعد مرجعاً صالحاً لتنظيم الاستحقاقات، بعد أن أصبحت الشروط التعجيزية والمتضاربة الوسيلة الوحيدة لفرض ما يتردد بالأمر الواقع.

والمشكلة تكمن في هذا «الأمر الواقع»، سواء حضر في التشكيل الحكومي، أو تأخر الى ما بعده.

وهنا يبرز تذاكي «اللعب بالنار». إذ من الواضح أن تنازلات هذا الفريق أو ذاك، ليست إلا عملية تجميل لسيناريو خطير يموّه بتصريحات إيجابية تختفي تحتها مواقف سلبية ومتربصة بالمساعي الانقاذية.

إذاً المستقبل لا ترسمه الحكومة «السلامية»، بل التصرفات المزمع اتخاذها عند كل قرار لمجلس الوزراء لا يلبي مصالح الفريق الذي يعرف جيداً متى يخرج من السرايا الى الشارع.

والشارع هنا هو «اللعب بالنار» لفرض الأمر الواقع الذي يسعى إليه الخارجون من التحكم به بقوة السلاح.

صحيح أن الشارع شارعان. لكنهما، وإن تساويا بالعدد، فإنهما لا يتساويان بالعدة. فما يملكه فريق 8 آذار من قدرات تمكنه من السيطرة، يفتقده فريق 14 آذار، الذي سبق له أن خاض مواجهة فاشلة في يوم 7 أيار الراسخ في ذاكرة اللبنانيين.

ويبقى الجنرال ميشال عون يمثل عقدة حقيقية لدى فريق 14 آذار، وعقدة شكلية لدى فريق 8 آذار. فهو من خلال سعيه ليكون «جنرال المارونية السياسية» يحاول فرض الشروط التي تجعل منه الممثل الأقوى للمسيحيين.

والسؤال:

هل يضع عون شروطه بمعزل عن حلفائه، وبالتحديد عن حزب الله، أم أنها شروط متفق عليها؟.

لقد سبق للجنرال أن لجأ الى «الفيتو» في حالتين لم تسقطا من الذاكرة بمرور الزمن.

الأولى عندما هدد باستقالة نوابه إذا تم التمديد لمجلس النواب، فتم التمديد بموافقة نواب حزب الله ولم تتم الاستقالة.

والثانية عندما هدد بعظائم الأمور إذا تم التمديد لقائد الجيش جان قهوجي، وهنا أيضاً تم التمديد، وأيضاً بتشجيع من حزب الله… وما ظهرت عظائم ردات الفعل.

ويبدو أن عون مصرّ على ركوب «الفيتو»، الذي يستهوي المسيحيين الشاعرين بالتهميش كطريق الى تثبيت زعامته المسيحية. ويأتي رفض القوات اللبنانية المشاركة بالحكومة، ليعزز من موقف الجنرال ويجعل الحكومة، بأي صيغة تشكلت، خارج إطار الشرعية بفقدانها العنصر المسيحي، إلا إذا خضعت لإرادته برفض المداورة، وبالتالي، بقاء الهيمنة على الطاقة بباسيلها، والاتصالات بصحناويها.

وهكذا يجد لبنان نفسه خاضعاً للعماد عون الذي اتقن حشر الجميع بالزاوية التي اختارها، بعد أن جعل من نفسه العقدة والحل.

وكيفما كانت بداية الحكومة ونهايتها، فإن الرئيس تمام سلام أدخل نفسه في المحرقة السياسية، سواء تراجع أمام ضغوط عون وتخلى عن المداورة، فيفقد بذلك هيبته السنية بتضحيته بهيبة موقع رئاسة الحكومة. أما إذا سار في حكومة تصريف الأعمال مع انصراف المسيحيين عن التمثل في الحكومة، فإن هذا سيفقده «الاعتدال» الذي يعتبره مفتاحه السحري في عالم السياسة المسحور بجان الطائفية، والمحروس بشياطينها.

ويسأل المراقبون هل تستحق حكومة لن تعيش أكثر من أشهر قليلة كل هذا الصراع، في وقت يصارع فيه اللبنانيون التنين الإرهابي، بانتحارييه وسياراته المفخخة، أم أن الهدف الحقيقي هو رئاسة الجمهورية ومعركتها، التي يبدو أن الفراغ هو بطلها الأوفر حظاً؟.

الهدف الرئاسي، يعيدنا الى العماد عون، الذي لم يتخلَ يوماً عن هاجسه في العودة الى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية، بعد ان خرج منه كرئيس للوزراء. وعلى هذا الأساس يعتبر عون القبول بالتسوية في الحكومة، سيقود الى تسوية باختيار الرئيس. أي قيام رئيس خارج الخيار المسيحي ومزاج شارعه، بانتخاب رئيس مرة أخرى وفق الخيار الإقليمي والدولي ومصالحه.

ورغم إيحاءات حزب الله بأنه يعمل على تليين مواقف جنرال الرابية، إلا أن العالمين بأسرار الحزب يدركون جيداً بأن ثمة تفاهماً غير معلن بين الاثنين. بحيث يكون تشبث عون بشروطه الحكومية، مبرراً لتراجع حزب الله مؤازرة لحليفه الاستراتيجي. فحزب الله يحرص حرصاً استراتيجياً على تحالفه مع التيار الوطني الحر، لأنه يعرف جيداً أنه إذا خسر عون فسيكون معزولاً لبنانياً ضمن طائفته، لأن السنة في الضفة الأخرى، والدروز يتبعون سياسة لا هنا ولا هناك، ولأن المسيحيين منهم من سيغرد وحيداً كالعماد عون، ومنهم من سيغرد مع سربه في 14 آذار، كالقوات اللبنانية والشخصيات المستقلة.

إلى جانب سبب حرص حزب الله على التمسك بتحالفه مع عون، يمكن إضافة أسباب أخرى تجعل من شروط عون المعلنة هي نفسها بمثابة شروط غير معلنة لحزب الله. فهو يفضل أن ينأى بنفسه، أمام جمهوره، عن حكومة تغيب عنها ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة. وهو يعتبر فشل الحكومة وتحويلها الى مشكلة «ميثاقية» هو تمرير للوقت الضائع في انتظار المتغيرات على أرض الصراع في سوريا، وبذلك تكون المداورة التي يرفضها جنرال المارونية السياسية متكاملة مع «وعد النصر الإلهي» في سوريا… حتى ولو تعاظمت دورة العنف في لبنان.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s