قهوجيات: الشيخ “زنكو”!

من وقت لآخر يتكاثر تداول الطرائف بين الناس وخصوصاً تلك التي تقارب الحالات التي يمرُّون بها ويعيشونها. أحياناً تكون الحكاية مستقاة من كتب التراث، وأحياناً تكون “مركبَّة” على شيء من التاريخ، وذلك لزيادة صدقيتها حتى لو كانت من الأساس من صنع المخيّلة. ولقد حفل تاريخنا بالعديد من القصص والحكايات والمرويات والأمثال والمأثورات الشعبيّة.

تقول إحدى هذه الحكايات وهدفها الدلالة على الغش المكشوف أن دجَّالين اثنين ضاقت بهما سبل العيش وأصبحا كما يقال “عالأرض يا حَكَمْ” إلى أن تَفَتَّقت في بال أحدهما فكرة ماكرة لكسب عيشهما بطريقة سهلة من دون مشقة، وطرحها على رفيقه الذي وافقه عليها فوراً وبادرا مرحلة التنفيذ، فقصدا ليلاً مكاناً قريباً من أحد الطرق المألوفة التي يكثر عليها المرور وحفرا هناك قبراً ودفنا كلباً ميتاً ثم جلسا من الصباح الباكر أمام الضريح يبكيان وينوحان! فأخذ المارة يسألونهما عن أمرهما فيذكران بدورهما بكل أسى والدموع تبلل وجناتهما أن رجل تقوى وورع وصاحب دين قد نبذ الدنيا ومباهجها وعمل وضحّى بكل ما يملك في سبيل الآخرة، وأنهما رافقاه طوال الوقت، وكانا من مريديه الأشد التصاقاً به وبفكره النوراني وتعاليمه السمحاء، ويقومان على خدمته تبرُّكاً به والتماساً لرضاه، وأنهما اليوم يريدان أن يقيما له قبراً يليق به وبسيرته العطرة الصافية المنزَّهة عن الشرور والموبقات! فكان المارة يتأثرون ويترحمون على الراحل الكريم ويشفقون على حالهما ويتصدقون بما تيسَّر مساهمة منهم في بناء القبر وبالتالي مساعدتهما على تأمين قوتهما.

هكذا، لازم الدجّالان المكان، وكانا كلما كَثُر المال بين أيديهما يزيدان في توسيع مساحة وارتفاع الضريح الذي سمَّياه “زنكو”!

ومع مرور الأيام وسيل المعونات أصبح البناء كاملاً تعلوه قبَّة ضخمة تُرى من بعيد!

انتشر أمر الضريح – المقام فكثر زائروه طلباً للشفاعة والبركة والعون وتحقيق الأمنيات، وتضاعفت النذورات والصدقات، وبقي الأمر على هذا الحال وتلك الوتيرة من تدفق الأموال، إلى جانب الوفاق والتفاهم والتناغم بين الدجَّالين، اللذين نذرا نفسيهما لخدمة وحراسة المزار وكسب رضا المرحوم وشفاعته!

وبقيا هكذا ينعمان بالرفاه ورغد العيش إلى ان شَكَّكَ أحدهما بالآخر متهماً إياه باختلاس مبلغ من صندوق الحسنات المشترك! فما كان من المُتَّهم إلاّ أن همدَرَ وزمجر وأرغى وأزبد مستنكراً الاتهام الغاشم، وبحركة ملؤها الزهد والوقار أدار وجهه نحو الضريح وأخذ يُقسم بأغلظ الإيمان بأنه بريء براءة الذئب من دم يوسف!

هنا، قال له الآخر: مهلاً.. مهلاً.. على مَن تقسم اليمين، وعلى مَن تريد أن تكذب؟ أنسيت أنَّنا قبرنا “الشيخ زنكو” سوية!!!

 

د.غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s