تحجيم قطر: أسباب “العزلة” الخليجية للإمارة “المشاكسة”

كتب المحرر السياسي:

الأمير تميم

الأمير تميم

“طفح الكيل”. فقرارعزل قطر عربياً وتحجيم دورها الاقليمي انطلق، وتحديداً من داخل البيت الخليجي.  وما عملية سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من الدوحة، إلا بداية لحرب ارتدادية عربية تهدف إلى الحد من تمدّد “إمارة الجزيرة”، وإصرارها على احتضان جماعة الاخوان المسلمين وحماية مشروعهم الانقلابي في العالم العربي.

 قطر قيد العزلة الخليجية، وربما قريباً العربية. فالأزمة بين السعودية والامارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة أخرى، لم تكن مفاجئة. وما سحب السفراء إلا دليل على قرار خليجي بمعاقبة الإمارة الصغيرة على دورها في العديد من المسائل الشائكة خليجيًا وعربيًا.

إن الاتهام الخليجي، والسعودي تحديداً، لقطر ليس جديدًا، خصوصًا أن الشأن المصري أدّى إلى توتر العلاقات بين الجانبين، مع استمرار قطر في دعم الاخوان المسلمين، وإتاحة الأثير الاعلامي لهم، وفي مقدمهم شيخهم يوسف القرضاوي، لمهاجمة السعودية والامارات مرارًا.

من هنا يشار إلى مشكلة قناة الجزيرة القطرية، التي يصر المسؤولون القطريون على استقلالها عن الحكومة القطرية، ما لم يقنع الدول الخليجية الأخرى، خصوصًا أن المعروف عن القرار التحريري في الجزيرة أنه حكومي قطري، لا يفرد الأثير لمهاجمة ملك السعودية أو القيادة الاماراتية من دون ضوء أخضر من الدولة القطرية.

ويرى المراقبون أن السياسة التي انتهجتها دولة قطر في الأزمة السورية خرجت عن الاجماع الخليجي. فالسعودية والامارات تتهم قطر بتمويل المجموعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة، كي تكون رهن إشارتها السياسية والميدانية، تستثمرها متى تريد لتعزيز مكانتها الاقليمية والدولية في أي تفاوض على السلام في سوريا مستقبليًا.

لا تغيير

الكثيرون راهنوا على تولي الشيخ تميم بن حمد زمام الحكم من والده الأمير حمد، بأنه سيغير من سياسة أبيه التي طالما أزعجت الدول العربية. ولكنه في الحقيقة، تمادى في معاداة دول الجوار خاصة بعد ثورة 30 يونيو في مصر، حيث عملت قطر عبر قناتها “الجزيرة” بكل طاقاتها على دعم الإخوان والترويج على أن ما حدث بمصر انقلابا عسكريا، مما أغضب مصر ودول الخليج التي وقفت الى جانب ثورة مصر (خصوصاً السعودية والامارات والكويت والبحرين).

ورغم محاولات دول التعاون الخليجي لاثناء قطر عن موقفها من ثورة مصر ومطالبتها بوقف دعم  واحتضان قيادات الإخوان الهاربة من مصر، وصل حد التجاوزات القطرية الى درجة مهاجمة الشيخ يوسف القرضاوي للإمارات فى خطبة الجمعة بمسجد “عمر بن الخطاب” في الدوحة  بسبب مساهمتها في اسقاط مرسي، مهددا بفضح “مظالم حكام الإمارات”.

لقد ورث الشيخ تميم بلدًا تعثرت طموحاته لأن يكون قوة إقليمية – بل وعالمية – بعد أن كان يملك آمالًا كبيرة.  فقد جاء دعم قطر للحركات الإسلامية في بلاد “الربيع العربي” –  تونس وليبيا ومصر وسوريا – بنتائج عكسية، كما أدى إلى توتر العلاقات بينها وبين حلفائها في الغرب والخليج على حد سواء.

لكن الأمير الجديد سعيد الحظ لأنه على الرغم من صرف مئات المليارات التي تحاول تلبية عدد من الطموحات إلا أن خزائن الدولة لا تزال ممتلئة.  إذ تعد قطر في مكانة غير اعتيادية اقتصاديًا.  ويعد الناتج المحلي الإجمالي في قطر، التي يبلغ عدد سكانها مليوني شخص، يقدر عدد القطريين بينهم بـ 275 ألف شخص، هو الأعلى على مستوى العالم، كما تتمتع بأدنى مستوى للبطالة.

وفي ظل وجود هذا القدر الكبير من المال من السهل توقع أن القطريين سيقومون “بالصرف، والصرف، والمزيد من الصرف”، أي استخدام كل ما لديهم من ثروة.  وبالفعل لقد استطاعت قطر شراء عدد من البنوك حول العالم، ونواد لكرة القدم في أوروبا، وعقارات في قلب العاصمة البريطانية لندن حيث تقع أحد أكثر العقارات الأعلى سعرًا في العالم.  ولا يجب أن ننسى أيضًا فاتورة إقامة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022، بما يعني ذلك من تجهيز 12 ملعبا مكيفا، وبنية تحتية موسعة لتسهيل التنقل، بل وبناء مدينة جديدة بالكامل، وقد قدر بعض الخبراء تكاليف ذلك بـ 200 مليار دولار.

لكن الأرقام القطرية البراقة لا تبهر جيرانها الخليجيين الأكثر ثراءً والأكبر شأناً.  فقنابل القرضاوي التي تنطلق من الدوحة كافية لنسف اتفاق المصالحة السعودي القطري، وتفجير أزمات مع الامارات ومصر. والرد الذي بدأ بتجميد علاقات، قد يتطور في نظر الخبراء إلى إغلاق حدود، وربما عمل عسكري.

كثيرون اعتقدوا ان التهديدات الصريحة والمباشرة، التي وجهتها المملكة العربية السعودية الى دولة قطر وتضمنت امكانية اغلاق الحدود معها، ومنع طيرانها من التحليق في الاجواء السعودية، وتجميد عضويتها في الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، وهي التهديدات التي وردت في صحيفة مقربة من الامارات والسعودية معا تصدر في لندن، ستؤدي الى دفع قطر الى “اسكات” الشيخ القرضاوي ومنعه من الخطابة، باعتباره مفجر الازمة مع الامارات التي اتهمها في خطبة سابقة ومن على المنبر نفسه، بمعاداة الحكم الاسلامي.

ولكن من الواضح ان هذه التهديدات اعطت ثمارا عكسية تماما من خلال متابعة ما ورد في الخطبة النارية للشيخ القرضاوي على دولة الامارات وعلى السعودية وعلى حكومة المشير عبد الفتاح السيسي في مصر، ولا نعتقد ان الشيخ القرضاوي يمكن ان يعود الى منبر الخطابة، وان يقول ما قاله دون موافقة، بل تحريض، السلطات القطرية الرسمية.

وهاجم الشيخ القرضاوي “الحكام الذين دفعوا مليارات الدولارات ليخرجوا الرئيس محمد مرسي من الحكم واتوا بالعسكر الذين اكتسبوا آلاف الملايين من قوت الشعب، ولم يكتفوا بذلك بل سلبوا الناس كل حقوقهم من حرية وعدالة وديمقراطية” قاصدا بذلك حكام السعودية والامارات دون ان يسميهم بالاسم.

هجوم الشيخ القرضاوي سواء من حيث اللهجة الحادة التي اتسم بها، او من حيث التوقيت ينسف كليا اتفاق المصالحة والتعهدات المكتوبة التي قدمها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير دولة قطر للعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في حضور امير دولة الكويت الشيخ صباح الاحمد الجابر اثناء اللقاء الثلاثي الطارئ في الرياض في كانون الاول (ديسمبر) الماضي، وهو اللقاء الذي امتص غضبة سعودية ضد قطر كادت ان تؤدي الى ابعادها من مجلس التعاون اثناء القمة الاخيرة في الكويت.

وكان الامير تميم تعهد بوقف دعم الاخوان المسلمين في الخليج ومصر، ووقف حملات قناة “الجزيرة” على السلطات المصرية ودعم مظاهرات الاخوان المسلمين واحتجاجاتهم، والالتزام بسياسات مجلس التعاون الخليجي في هذا الاطار.

وبعد السحب الثلاثي للسفراء من الدوحة، يرى المراقبون أن هناك عدة اجراءات فورية وغير فورية محتملة يمكن الاقدام عليها:

أولاً: اغلاق الحدود البرية والاجواء الجوية وحصار قطر بالتالي لان السعودية هي منفذها البري الوحيد الى العالم.

ثانياً: تجميد عضوية قطر في الجامعة العربية بتحريض مصري خليجي، ومن ثم تجميد عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي، وربما تلعب حكومة مصر التي قال وزير خارجيتها ان صبرها قد نفذ تجاه ممارسات قطر دورا مهما في تجميد عضوية قطر في الجامعة خصوصا.

ثالثاً: اما الاجراءات غير المباشرة وغير المستبعدة فربما تتمثل في ضغوط واجراءات عسكرية، خاصة ان الدول الثلاث اي السعودية والامارات ومصر حاولت قلب نظام حكم الشيخ حمد بن خليفة واعادة والده الشيخ خليفة الى الحكم في شهر حزيران (يونيو) عام 1995 ولكن المحاولة باءت بالفشل.

خطبة القرضاوي صبت الكثير من الزيت على نار ملتهبة اساسا، وما علينا الا توقع الكثير من المفاجآت في الاسابيع المقبلة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s