كيف يفكر بوتين؟

كتب جورج مراد:

هل انتهت الحقبة الأميركية؟ التحديات كثيرة والتراجعات الأميركية تتسارع، في سوريا وإيران والقرم.  الخريطة العالمية تتغيّر، وبقع النفوذ الأميركي تتقلّص.  انخدع الأميركيون بـ”شريكهم” الروسي، وتأخروا في اكتشاف نزواته التوسعية.  فها هو الاتحاد الروسي يستعيد أمجاد الاتحاد السوفياتي، الذي وصف فلاديمير بوتين انهياره بـ”المأساة”.

 

الانكسار الأميركي الأول كان في الاتفاق النووي الايراني، الذي وضع واشنطن حول طاولة مفاوضات واحدة مع “عدوها” التقليدي إيران.  الانكسار الثاني ظهر في التراجع المفاجئ عن الضربة الأميركية ضد سوريا، وعدم الوفاء بتعهدات تسليح المعارضة التي تواجه انتكاسات عسكرية على الأرض.  الانكسار الثالث تمثّل في ضم القرم إلى الاتحاد الروسي والاجتياح العسكري الروسي الممنهج والمدروس للجزيرة الأوكرانية، دون أي رادع غربي لم يتجاوز حدود الادانات والتهديدات الكلامية.

إن المسار الانكساري للغرب أمام الكرملين بدأ منذ العام 2009، حين كان أوباما لا يخفي حرصه على انهاء الحروب المستنزفة والتطرف المقلق والانتشار النووي والانكماش الاقتصادي، عبر اعلانه “انطلاقة جديدة” للعلاقات مع روسيا حينها.

غير انه وبعد بضعة اشهر من عودة بوتين الى سدة الرئاسة قبل عامين، بدا واضحا ان “الانطلاقة الجديدة” لم تلق آذاناً صاغية في الكرملين، كما كان عليه الوضع في عهد الرئيس السابق ديمتري مدفيديف.

لقد أخطأ الغرب في الحكم على بوتين.  فرغم دعم واشنطن لبوتين في أزمة الأسلحة الكيميائية السورية والملف النووي الايراني، إلا أنها بدت عاجزة أمام ضم بوتين شبه جزيرة القرم الاوكرانية ذات الحكم الذاتي، وسكانها ذوي الاصول الروسية الى موسكو.

سياسات بوتين تبدو من وجهة نظر واشنطن غير منطقية بالنسبة لدولة تخلت عن الاشتراكية لصالح رأسمالية صاخبة ورحبت بدول العالم في العاب سوتشي، لكنها تواجه اليوم العزلة وعقوبات اقتصادية وتهديد بالطرد من مجموعة الثماني وستتحمل اضرارا اقتصادية.

غير أن بوتين يعتمد منطقا مغايرا.  يقول الخبراء أن نظرته للعالم متأثرة بالتدريب الذي تلقاه في وكالة الاستخبارات الروسية “كي.جي.بي” وحسابات الخسارة المطلقة او الربح المطلق كما في فترة الحرب الباردة.

ويتساءل الخبراء اليوم: هل تتوقف الموجة الروسية عند حدود القرم وأوكرانيا، أم أنها ستشمل استعادة الكرملين مواقعه في أوروبا الشرقية؟ في المقابل، يسأل المشككون في القوة الصاعدة لروسيا بوتين: هل لدى موسكو ما يكفي من قوى نائمة في بلدان المنظومة الاشتراكية السابقة لتوسيع حدودها الجيوسياسية؟

على أي حال، هناك حدود للقوة، فلا روسيا قادرة على التمادي في عملياتها العسكرية إلى أبعد مما وصلت إليه بدون أثمان فادحة تنال منها قبل غيرها. ولا الغرب يحتمل حربا اقتصادية مفتوحة تضر به قبل غيره.  ففي التوسع العسكري انزلاق إلى مواجهات غير مضمونة النتائج وتصعيد مع القوى الأوروبية يكلفها تراجعا موجعا في اقتصادها.

وفي العقوبات الاقتصادية أضرار فادحة متبادلة تؤكدها الأرقام الرسمية لأحجام التجارة ما بين روسيا وكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهناك سلع استراتيجية يصعب الاستغناء عنها مثل الغاز الروسي للاتحاد الأوروبي الذي يمثل ربع احتياجاته، وبالنسبة لألمانيا فإنها تعتمد عليه بصورة شبه كاملة.

هناك حدود للقوة بتجلياتها المختلفة، المصالح الاقتصادية المشتركة تردع، وعدم القدرة على الحسم المنفرد يردع، وخشية الفوضى توقف الصراع عند حدود لا يتعداها.

لا يمكن لطرف ما أن يتصور الصراع صفرياً، يحصد فيه كل شيء أو لا يحصد شيئا على الإطلاق.

فى سباق الحسابات الهادئة والمسؤولة، تضع الحقائق خطوطها الحمراء في الفضاء السياسي والقاعدة الرئيسية حتى الآن: الكسب بالنقاط لا بالضربات القاضية وأن تظل الأزمة الأوكرانية محكومة في الأطر السياسية للتوصل إلى تسوية تضمن بدرجة ما مصالح كافة الأطراف.

في التوجه الروسي رسالة تقول: خطوة عسكرية واحدة تكفي لرسم خط أحمر في فضاء الأزمة بأن موسكو هنا ولا يملك أحد أن يتجاهل مصالحها الاستراتيجية.

لقد كانت الصراعات بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي طوال سنوات الحرب الباردة تتجنب المواجهات العسكرية المباشرة وتخوض الحروب بالوكالة، ومحاولة أن يطرح كل طرف على العالم نموذجه السياسي والاقتصادي كخيار وحيد للمستقبل. هذا العالم لم يعد موجودا الآن واستدعاء الصور القديمة أقرب إلى استشعار أن شيئا مختلفا يولد في بنية العلاقات الدولية دون أن تستبين حتى الآن قواعده.

بمعنى آخر لا الحرب الباردة عائدة إلى المعادلات الدولية لأن عصرها قد انقضى، ولا القرن الحادي والعشرين هو قرن أميركي جديد يتحكم البيت الأبيض في مصائره وحده.

هنا لا بد من الإشارة إلى أنه بعد وقت قصير من نهاية الحرب الباردة، بدأت تتحرك مراكز نفوذ جديدة على الساحة الدولية: الاتحاد الأوروبي بنزعته النسبية لبناء رؤية سياسية على شيء من الاستقلال تخص دوله، وروسيا باستعادة شيء من عافيتها الاستراتيجية والاقتصادية مع صعود رجلها القوي بوتين، والصين بقفزتها الاقتصادية الكبرى إلى مستوى منازعة الولايات المتحدة على المركز الأول، ودول أخرى فى الشرق الأسيوى كالهند والعالم اللاتيني كالبرازيل تؤكد حضورها الاقتصادي، والأوزان الاقتصادية تترجم نفسها فى النهاية بأوزان سياسية.

الشرق الأوسط

الافتراضات التي تلت الحرب الباردة وضعت مرة واحدة تحت الاختبار في الأزمة الأوكرانية. وما يتمخض عنها من نتائج ينعكس على العالم وأزماته ومن بينها أزمات الشرق الأوسط.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي فإنه منشغل بحريق فى بيته وقد تنخفض حركته الشرق أوسطية لبعض الوقت.

بالنسبة للإدارة الأميركية فإن الأزمة أربكت أولوياتها، فالملف السورى تراجع على جدول أعمالها والمنازعة مع روسيا الطموحة اتسع مداها.

لو أن روسيا نجحت بصورة ما في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في البحر الأسود، فإنها ستنظر بعناية أكبر إلى المصالح ذاتها في البحر المتوسط ويرتفع منسوب دورها في الملفين السوري والإيراني. ولو أن حضورها الاستراتيجي قد تعرض لأضرار فادحة في أوكرانيا فإنها سوف تندفع إلى الشرق الأوسط في محاولة لمنع تصدع دورها الدولي.

على الصعيد المصري، فإن موسكو مستعدة أن تمضي في علاقاتها المصرية إلى الحد الذي تتوقف القاهرة عنده.  في المقابل الأميركي، هناك الآن اتجاهان داخل الإدارة الأميركية تجاه الأوضاع المصرية الحالية. وزارة الخارجية والبنتاغون فى ناحية، ومجلس الأمن القومي الأميركي والمجموعة الملتفة حول الرئيس باراك أوباما فى ناحية أخرى.

الاتجاه الأول يميل إلى الواقعية بما يحفظ المصالح الاستراتيجية الأميركية. والاتجاه الثاني يضغط من أجل تطويع السلطة المصرية وإعادة دمج جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية.

أما بالنسبة لإسرائيل، فمصالحها مضمونة في كل الأحوال. وعلى هامش مكتسبات الأميركيين ستحصد الدولة العبرية أكثر من مليون مهاجر من أوكرانيا ليستوطنوا في أراضي الدولة الفلسطينية منعاً لأي إمكانية لحل الدولتين.

إن  روسيا اليوم ليست كروسيا الأمس. فهي واثقة من قدرتها على مواجهة التحديات والعقبات التي تعترضها لأسباب كثيرة، أبرزها:

–          استفادت روسيا من التجربتين الليبية و السورية في ما يسمى بالربيع العربي. فتدخل الناتو في الأولى ومنعه عن التدخل في الثانية عبر حق النقض في مجلس الأمن، وفشل دول الناتو في تحقيق الاستقرار في ليبيا ما بعد القذافي، عزز موقع موسكو المعارض لتوجهات الغرب، وجعلها أكثر حصانة في حماية حدائقها الخلفية في الشرق الأوسط.

–         تحتاج واشنطن لموسكو لضمان انسحاب القوات الأميركية من افغانستان نتيجة التذمر الأوروبي والضغط الشعبي الأميركي، والوعود التي قطعها أوباما على نفسه بسحب القوات الأميركية في العام 2014. وأوباما بحاجة لموسكو للاتفاق على عدة ملفات قبل سحب قواته من أفغانستان. وقد يتحول المشهد الاوكراني إلى مسرح مساومات تستخدمه واشنطن لاستعجال موسكو لإنجاز هذه التسويات.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s