رئيس ما بعد الفراغ: لكل دولة نصيب

كتب المحرر السياسي:

ما تشهده البلاد، وما ستشهده، من تطيير للنصاب في الجلسات النيابية المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية هو بالواقع تطيير للدستور اللبناني.

لقد حمى الدستور نفسه من الاعتداء عليه بالتعديل، وفق المادة 79، بوجوب حضور ثلثي أعضاء المجلس، وعلى أن يكون التصويت بأكثرية الثلثين أيضاً. وهذا التقييد المحكم يعود لحماية الدستور من تلاعب الأهواء، ومع ذلك فقد تلاعبنا بدستور الطائف عندما مددنا للرئيس الراحل الياس الهراوي. وعندما استثنينا العماد إميل لحود من الاستقالة قبل ستة أشهر من انتخابه كرئيس. وأيضاً عندما مددنا له لنصف ولاية ثانية. وعدلناه مرة رابعة باسقاط شرط الاستقالة قبل ستة أشهر من انتخاب العماد ميشال سليمان كرئيس ثالث لجمهورية الطائف.

وإذا رجعنا الى التعديلات الأربعة السابقة نجد أنها صناعة خارجية لمطرقة «صُدِّق» النيابية. وهي صناعة بدأت في دمشق وتابعت طريقها الى الدوحة… وهي تبحث باستحقاق اليوم عن طريق اقليمي ـ دولي ما زال مجهولاً.

وفي العودة الى موضوع انتخاب رئيس الجمهورية، يبدو واضحاً، ومن دون الحاجة الى فقهاء القانون الدستوري، أن الدستور عندما أراد تحديد النصاب بالثلثين نص على ذلك صراحة في المادة 79 المتعلقة بتعديل الدستور، ولو أراد النصاب نفسه في المادة 49 المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية لفعل ذلك.

لقد تمت صياغة المادة 49 بلغة سهلة ومفهومة ولا تحتمل اللبس. النص يقول بوجوب حصول الرئيس المنتخب على ثلثي أعضاء المجلس في الدورة الأولى. وهو بذلك يكون قد حدد النصاب في الجلسة الأولى بالثلثين باشتراطه توفرهما لفوز الرئيس.

والنص نفسه يكتفي بالأغلبية المطلقة في الدورات التي تلي، وهو بذلك يكون قد حدد النصاب بالدورات التالية بالأغلبية المطلقة، أي النصف زائد واحد.

أما بدعة نصاب الثلثين في كل دورات الانتخاب، فهي بدعة تشكل اعتداء صارخاً على الدستور، وتُدخل انتخاب الرئيس في نفق التوافق القسري، وهو نفق مظلم لا تتوافر فيه الرؤية إلا إذا أفرج التوافق الدولي والاقليمي عن الضوء الأخضر، الذي يبدو أن قياداتنا السياسية تنتظره، حتى ولو زعمت واشنطن وباريس والرياض وطهران ودمشق أنها لا تتدخل في انتخاب الرئيس، وأن على اللبنانيين أن يختاروا رئيسهم بإرادتهم «الحرة».

إن تعميم نصاب الثلثين على كل جلسات انتخاب الرئيس، هو «التوافق» الوحيد الذي أجمع عليه النواب، رغم أن أكثر من «استاذ» في القانون الدولي خالفوا تفسير «الاستاذ» في مجلس النواب، وهذا يعني أن «التوافق» على عدم اجراء انتخاب «رئيس صنع في لبنان»، هو محطة الانتظار لـ«التوافق» على «رئيس صنع في الخارج». وبذلك تسقط فكرة الرئيس القوي لمصلحة الرئيس الضعيف.

منطق المصالح الخارجية لا يمكن أن ينتج رئيساً لبنانياً مئة في المئة. فكي تتوافق المصالح الاقليمية والدولية، يجب أن يكون فخامة الرئيس عبارة عن قالب من الجبنة لكل دولة لها فيه نصيب.

وإلى أن يتم إبلاغ قياداتنا عن اسم «فخامة الرجل الضعيف» سيبقى الفراغ حاكماً الى أن يلقي الساحر الخارجي سحره على الرئاسة الأولى، كما ألقاه على الرئاسة الثالثة عندما تشكلت الحكومة بعد فراغ حكومي دام أكثر من عشرة أشهر.

صحيح أن السحر الذي أفرج عن مفتاح فرج صبر تمام سلام، ما زال سراً، إلا أن لا شيء يمنع من تكراره في موقعة السباق الى قصر بعبدا.

وفي مرحلة الفراغ، الآتي حتماً وحكماً، يسعى الفرقاء الى تسويق مرشحين حقيقيين لدى الجهات الدولية والإقليمية المعنية باختيار الرئيس اللبناني، فمن هم؟.

المعلومات تتحدث عن أن حزب الله يقوم بتسويق سري للعماد جان قهوجي، وأن الإلتزام بالعماد ميشال عون ليس إلا من باب الحرص على عدم حرق فرص قائد الجيش. وكذلك تيار المستقبل، الذي يدرك جيداً استحالة فوز الحكيم سمير جعجع، يسوّق، من وراء الكواليس، لبطرس حرب كرئيس لا يفسد سحر الوفاق الدولي والاقليمي.

أما المرشح الخفي لكل من نبيه بري ووليد جنبلاط، فما زال جان عبيد. وما ترشيح جنبلاط لهنري الحلو سوى ورقة تطرح في الوقت الضائع.

إذاً في مطبخ «السحر» الدولي والاقليمي ثلاثة مرشحين حقيقيين هم جان قهوجي وبطرس حرب وجان عبيد. ومهمة اعداد الخلطة السحرية التي تنطبق على واحد من هؤلاء الثلاثة ليست سهلة، ومن الصعب أن يتوافق عليها الفرقاء المحليين. إذ ليس من السهل، إذا لم يكن من المستحيل، أن يقبل فريق 14 آذار بالعماد قهوجي. والأمر نفسه ينسحب على قبول فريق 8 آذار ببطرس حرب. يبقى جان عبيد كمرشح يواجه باعتراض لا يصل الى حد الفيتو. وهكذا يكون مرشح بري ـ جنبلاط هو الأقرب الى وصفة المحاصصات التي قد تتوافق عليها مصالح عواصم القرار، إذا قرر كل منها الاكتفاء بجزء من قالب الجبنة… إلا إذا كان الفراغ يحقق، بنظر كل فريق من الأفرقاء الدوليين والإقليميين، آمالاً بقالب جبنة لا يشاركه فيه أحد. وهذا يعني انتظار الحسم في ملفات كبيرة ومعقدة، أهمها نجاح الاتفاق النووي الإيراني مع دول الغرب، ونهاية حاسمة للأزمة السورية. ومصالحة شبه مستحيلة بين إيران والسعودية. وبذلك يكون الشعب اللبناني كالزوج المخدوع… آخر من يعلم.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s