قهوجيات: اللجنة الفاحصة

في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي في جنوب لبنان، جاء أحد المواطنين ويدعى “أبو ابراهيم” إلى أحد الزعماء السياسيين طالباً منه أن يسعى لتوظيف إبنه الشاب “مُعَلماً” في المدرسة الابتدائية الرسمية، حيث كانت مهنة “المُدرّس” تشكّل نوعاً من الرفاه والتباهي على الآخرين في المجتمعات القروية.

كان المواطن “أبو ابراهيم” أحد المفاتيح الانتخابية النيابية الناشطة في منطقة ذاك الزعيم السياسي وينتمي إلى عائلة كثيرة العدد بمعنى وفيرة “الأصوات”.

عند اللقاء سأل الزعيم عن مؤهلات الإبن الشاب، فأجابه الأب بكل بساطة بأن ولده لم يدخل المدرسة على الإطلاق! أي أنه أُمي لا يقرأ ولا يكتب إنما هو ذكي ونشيط ومن المتحمسين المميَّزين “للبك” الزعيم، وهو “قبضاي” بشهادة كل “الضيعة”!!

أبدى “البك” استغرابه تجاه عدم منطقية الطلب، الذي يتطلَّب توفُّر الحد الأدنى والبديهي من معرفة القراءة والكتابة، هذا إلى جانب الحصول على شهادة الدروس الإبتدائية، إلى جانب أن جميع المتقدمين إلى وظيفة “معلم” سيخضعون إلى إمتحان أمام لجنة فاحصة تمتحنهم خطياً وشفوياً. إلا أن إلحاح السيد “أبو ابراهيم” صاحب الوزن الانتخابي باستقطاب الأصوات من جهة، وحاجة “البك” إلى هذه الأصوات من جهة ثانية جعلت الزعيم أن يُطَيِّب خاطر “أبو ابراهيم” ويَعدُه خيراً بالوظيفة. بالفعل صَدَقَ “البك” ووفىَّ بوعده، سيما وأنه اشتهر بأداء هكذا خدمات على الرغم من عدم صوابيتها. ولكن بسبب استحالة التعيين من دون شهادة الدروس الابتدائية، فقد صَدَرَ قرار تعيين السيد ابراهيم ابن أبو ابراهيم ضمن أعضاء اللجنة الفاحصة!!!

تذكرت هذه الواقعة وأنا أشاهد بعض برامج التلفزيون العربية، خصوصاً تلك التي تتصدرها لجان فاحصة يغلب على غالبية أعضائها عدم المعرفة إلا أنها تتمتع بالنفوذ أو الشهرة أو الشكل أو “بالقربى”، ولكن من دون شرط الدراسة والاختصاص أو المعرفة العميقة والخبرة الطويلة في علم الموسيقى وجوهر الصوت والأداء، وقد بَرَز ذلك من خلال التعليقات والمداخلات والأحكام الساذجة التي تصدرها تلك اللجان على الذين يتقدمون للغناء أو العزف… إذ لا يكفي أن يكون الجالس أو الجالسة على منصَّة التحكيم مطرباً أو مديراً نافذاً أو نجماً مشهوراً في حقل ما ليكون مؤهلاً لإصدار الأحكام.

أستطيع القول بأن القيِّمين على نشاطات التلفزيون هم بمثابة الزعيم “البك”! وأن خلف كل عضو من هذه اللجان التحكيمية يقف “أبو ابراهيم” يقترحه ويفرضه ويحضنه على حساب كل المشاهدين.

المطلوب هو توفر المؤهلات لمن يريد التحكيم تبيِّن اختصاصه في الفنون المطلوبة، فالبلد مملوء بالدارسين والاختصاصيين ومن أصحاب المعرفة والثقافة والخبرة والممارسة.

هناك فلتان سياسي وسهولة في خرق القوانين والأعراف، وهناك فلتان ثقافي لسهولة طبع الكتب وإصدار المطبوعات والمجلات والنشر بشكل عام، وهناك فلتان وهبوط في فنيّ الموسيقى والغناء، وذلك لسهولة و”إسهال” البث التلفزيوني والإذاعي وشيوع تداول الـــC.D. وD.V.D. والــ W.C.!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s