قهوجيات: الواقيات من الرصاص

منذ القديم اجتهد الإنسان وبذل الجهود في سبيل ابتكار وابتداع أدوات الهجوم والقتال، وفي الوقت ذاته عمل على اختراع أدوات الدفاع التي تصدّ وتردع فعالية الأدوات التي ابتكرها للقتل. هذه الثنائية المتناقضة لازمت بوتيرةٍ متسارعة مساره وصولاً إلى أيامنا هذه، حيث أننا وعلى قاعدة المنافسة نقوم بإنتاج مختلف أسلحة الدمار الجزئي منه والشامل، ولقد صَمَّمَ مبتكرو تركيبة السلاح الكيماوي – أنفسهم – الأقنعة الواقية من هذا الخطر المميت، وأننا نتسابق صناعياً على إنتاج سلع ومواد تلوّث البيئة، وبالتزامن مع إنتاجها فإننا نُصَنِّع الأدوية ونقترح العلاجات للقضاء على النفايات وتنظيف البيئة. ويبدو أن حياتنا تتلخَّص في أنها فعل ورد فعل، أي الشيء وضده، والأمثلة على ذلك لا حصر لها وليس لها حدود، فهناك الدبابات والمدافع المضادة لها، وهناك الطائرات القاصفة والصواريخ المضادة لها.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، ومن باب حماية الجسد وتفادي تلقي الإصابات القاتلة، فقد كشف أحد الخيَّاطين ويُدعى “غاريسون بيسبوك” في تورونتو – كندا عن توصله إلى صنع بذلة كاملة من تصميمه مضادة للرصاص، ودعا وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية إلى عرض أزياء يقدِّم لهم فيه بذلته الجديدة التي تحمل مزايا عدة بأعلى مواصفات الحماية في مواجهة التعرُّض لإطلاق النار من بندقية أو مسدَّس أو حتى رشَّاش متعدد الطلقات. وقد أعرب عن رغبته مشاركة الإعلاميين إجراء تجربة عملية على ثلاث بذلات عن طريق إطلاق الرصاص الحيّ عليها من مسافات متفاوتة والتأكد من أن الطلقات النارية أصابتها ولم تخترقها.

شرح الخياط بأن البذلة صُنعت من طبقات عدة من الأنابيب النانوية الكربونية الاسطوانية الشكل والتي هي أقوى ثلاثين مرة من الفولاذ وتم الحصول عليها من شركة تؤمن الملابس المضادة للرصاص للقوات الأميركية الخاصة، وأضاف بأن البذلة تتميَّز عن السترة الداخلية العسكرية الواقية من الرصاص بأنها أخف وزناً وأكثر ليونة فضلاً عن أنها أقوى بنسبة خمسين بالمئة، فهي تحمي لابسها أيضاً من إمكانية طعنه بسكين أو أي آلة حادة أو مُسَنَّنة، ويمكن استعمال هذه البذلة من قبل السياسيين وذوي الشهرة من الأثرياء والفنانيين وغيرهم، وكذلك من قبل العسكريين حين يتواجدون خارج دوام خدمتهم وهم باللباس المدني.

يقول أحد شركاء الخياط “بيسبوك” إنه بعد المؤتمر الإعلامي تلقى الكثير من الطلبات على البذلة من زبائن يسافرون باستمرار للعمل في مناطق خطيرة، أو يتنقلون في أماكن مشبوهة وغير آمنة… ثم يقول إن تصميم هذه البذلة يتماشى مع أحدث صرعات الموضة ويساير خطوطها من جميع النواحي، أما سعرها فلا يقل عن عشرين ألف دولار أميركي.

ربما سيحمل لنا المستقبل فساتين سهرة واقية من الرصاص، كما لا أستبعد أن يبدأ مشروع تصميم “دشداشة” مضادة للرصاص!

إن العالم يصرف الأموال الطائلة ويهدر الجهود الجبارة في ابتكار أدوات القتل والإبادة، بدل أن يذهب إلى دراسة وبحث وتحليل أسباب الحروب والمجازر ووضع حدّ لها. آمل أن لا نصل إلى زمن سنضطر فيه تمشياً مع الموضة في حياتنا اليومية إلى وضع أقنعة واقية من الغازات السامة، وأن نرتدي ثياباً مضادة للرصاص!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s