الاستحقاق النيابي: الفراغ الثاني

ميشال سليمان وعقيلته لدى خروجهما من قصر بعبدا

ميشال سليمان وعقيلته لدى خروجهما من قصر بعبدا

كتب المحرر  السياسي:

كان ما  خفنا  أن يكون… وبدأ حكم الفراغ.

الجميع يتبرأ منه، بما في ذلك الذين، سعوا إليه وعملوا على تنصيبه الى أجل غير مسمى.

والظريف في زمن الكآبة اللبنانية، أن يتداول بعض اللبنانيين النكتة الديمقراطية، التي تقول أن من حضر جلسة مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية هو الذي عطّل الاستحقاق الرئاسي، وأن من قاطع الجلسة وامتنع عن حضورها مطيّراً نصابها هو من حاول منع الفراغ من الوصول الى قصر بعبدا!!.

ليس المهم ما تقوله النكتة الدستورية الغبية، التي تستغبي اللبنانيين، المهم أننا دخلنا حكم الفراغ، وبات على لبنان أن ينتظر تداعياته.

التداعيات المنتظرة لن  تكترث بمواقف فريق الثامن من آذار، التي تخفف من آثاره وتعتبره أمراً عادياً سبق للبنان أن عاشه أكثر من مرة.

ولم  يتذكر هذا الفريق أن سابقتي الفراغ، ما بعد رئاسة أمين الجميل، وما بعد رئاسة اميل لحود، تمتا في وضع أمني متفجر. ولم يتذكر هذا الفريق أيضاً أن الوضع الاقليمي والدولي، كان قائماً على علاقات طيبة لا يعكرها “الربيع العربي”، الذي ما كانت أعاصيره قد هبت بعد، ولا الملف النووي الايراني، الذي ما كان قد فتح أبوابه لخلافات دولية حادة.

في سابقة الفراغ الأولى، تمكن التوافق الدولي والاقليمي من عقد مؤتمر الطائف للانقضاض على الفراغ وانتخاب رينيه معوض، ومن بعد اغتياله، انتخاب الياس الهراوي رئيساً للجمهورية اللبنانية.

وفي سابقة الفراغ الثانية، أسهم التوافق الدولي والاقليمي، مرة أخرى، في الانقضاض على الفراغ بانعقاد مؤتمر الدوحة وانتخاب الرئيس ميشال سليمان.

أما الفراغ الأخير الذي حلّ بلبنان، فقد حلّ في أجواء اقليمية مشتعلة، وفي  ظل خلافات دولية معقدة، مما سيجعل فراغ ما بعد الرئيس سليمان، ضيفاً ثقيلاً منذراً بحرائق داخلية، لن تجد اطفائياً دولياً أو اقليمياً يمد خراطيمه لاخمادها.

أما التذرع بأن الفراغ غير موجود، طالما أن هناك مجلساً وزارياً يتولى صلاحيات الرئيس، فهذا تذرع يحمل في حد ذاته المخاطر التي يخاف اللبنانيون من وقوعها آجلاً… وربما عاجلاً.

إن وجود 24 صاحب فخامة، يشكلون فريقاً رئاسياً حاكماً، يعني أن توقيعهم الجماعي على المراسيم لن  يتم إلا في أتفه المراسيم. أما الأمور الكبرى فعليها انتظار عودة الأصل، وهي عودة بعيدة ما دام حل أزمات المنطقة بعيداً… وبعيداً جداً.

ولا تقف تداعيات الفراغ عند عقدة تسيير الأعمال، وما تسمح “النكايات المتبادلة” من تمرير بعضها من دون البعض الآخر. فأول التداعيات السلبية هو انسحاب الفراغ على السلطة التشريعية التي قرر المسيحيون مقاطعتها طالما أن الطريق النيابي الى انتخاب الرئيس مقطوعة بدورها.

وثاني التداعيات ينتج عن أولها، أي تعطيل تشريع سلسلة الرتب والرواتب، مما يعني أن خطراً كبيراً آخر سيطل برأسه الصلب لينطح، وبالتالي، يطيح بمصير عدة أجيال من الطلبة باضراب المعلمين وامتناعهم عن التصحيح. والشق الثاني من خطر العجز التشريعي، سيطاول الدولة برمتها إذا ما أصرّت هيئة التنسيق على الاضراب المفتوح لموظفي الدولة.

إذا تمّ هذا، فما نفع الحكومة سواء حمل أعضاؤها لقب أصحاب المعالي، أو لقب أصحاب الفخامة؟.

ما نفع الوزراء وجلساتهم وقراراتهم، إذا كانت الدوائر مقفلة. لا معاملات، لا دفع فواتير، لا تحصيلات رسوم وغرامات وضرائب، بما فيها ضريبة القيمة المضافة. أي لا مداخيل تستطيع الدولة جبايتها، ولا معاملة لمواطن يمكن انجازها.

إذاً، الفراغ يكتسح البلد انطلاقاً من رئاسة الجمهورية، مروراً بمجلس النواب، عبوراً الى أجهزة الدولة.

سابقاً كان الانهيار الأمني يقود الى الفراغ. لكن ما نخشاه اليوم، هو أن يقودنا الفراغ الى الانهيار الأمني. وهذا هو السياق الطبيعي لواقع الاستعصاءات المتحكمة بكل أدوات الحكم ومصالح الناس.

والسؤال المنطقي في وضع كهذا يوجه الى الفرقاء الذين بيدهم اشعال فتيل الانفجار الأمني.

هل ستتركون فرصة التبرؤ من الفراغ وتداعياته تمر من دون استغلالها الى حد التمرد على الاستقرار كي لا يتحول غضب الجماهير الى غضب على هذا الفريق أو ذاك؟.

ألا يستدعي هذا الوضع المتأزم الخروج الى الشارع، نزولاً عند رغبة الجماهير، حتى ولو أدى هذا النزول الى احتكاكات… فمواجهات لن تجد من يلجمها؟.

من خلال هذا المصير الآتي، لا يعود “الفراغ” لعبة ديمقراطية، كما يزعم أنصاره، إنه لعبة الخراب الكبير.

إن فشل مجلس النواب في انجاز استحقاق الرئاسة، لن يكون العجز  الكارثي الوحيد، فها هو يواجه عجزاً إضافياً كبيراً يتمثل بقانون الانتخابات النيابية الذي لم يبق لتشريعه سوى أقل من ثلاثة أشهر، يستحيل  خلالها الوصول الى صيغة مقبولة، كان النواب قد عجزوا عن الوصول إليها خلال خمس سنوات مضت، وفي ظروف كانت أقل تشنجاً وانقساماً.

إن الاستحقاق النيابي، هو بالتأكيد، أكثر تعقيداً من الاستحقاق الرئاسي، حيث المصالح هنا مباشرة بين فريقي 8 و14 آذار. وحيث الوصول إلى أكثرية نيابية لهذا الفريق أو  ذاك، يعني الوصول الى رئيس للبلاد قد لا يقبله الآخر. ويعني تشكيل حكومات قد تقصي الآخر.

هنا يصبح الصراع محتدماً ولا يحتمل الصبر أو التأجيل. ولا يستبعد لجوء الفريق المتضرر من فرض قانون الستين الى افتعال المشاكل الأمنية التي تعطل الانتخابات نفسها. إلا إذا لجأ فقهاء خرق الدستور الى اقرار التمديد الثاني لمجلس يجمع بين الضرورة والضرر. وفي هذه الحالة يكون لبنان قد دخل في غيبوبة دستورية ومؤسساتية ومعيشية.

وعندئذٍ نعود إلى ما بدأنا مع اضافة واقعية: كان ما خفنا أن يكون… إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s