بين وهم الاستقرار وواقع الإرهاب

شاحنة تحمل أثقالاً، أكثر من حمولتها المسموح بها قانونياً، كتب على مؤخرتها “سيري فعين الله ترعاك”.

سارت … وعند أول كوع انقلبت، فتبعثرت بضاعتها، وتعطّل السير.

لا أدري لماذا رأيت دولة لبنان في هذه الشاحنة.  فزاعاماتنا الوطنية تثقل كاهل دولتنا بأثقال دستورية ومعيشية وأمنية واقتصادية، وتقول أيضاً، كصاحب الشاحنة، “سيري فعين الله تراعك”.

هكذا، نريد أن يكون الله نعم الوكيل في كل ما يتعلّق بالفراغ الرئاسي وصلاحيات مجلس الوزراء وقانون الانتخابات وسلسلة الرتب والرواتب وضريبة القيمة المضافة والكشف عن السيارات المفخخة والمزنّرين بالأحزمة الناسفة … وننسى قول الرسول “إعقلها وتوكّل”.

نهايتنا لن تكون أحسن من نهاية الشاحنة المنكوبة بطمع صاحبها.

فالفراغ الرئاسي ليس وزناً معدوماً، إنه أمانة نيابية أثقل من أن تحملها جبال لبنان.

وتجميد مجلس الوزراء ليس برداً وسلاماً، إنه نيران مشتعلة ستأكل أخضر الإقتصاد ويابس الأمن.

وعدم التوافق على قانون للإنتخابات، لن يكون من باب الحرص على عدم الانقسام بين الطوائف، إنه اندفاع متعمّد نحو التوافق المستحيل.

وفرض الضرائب لإنقاذ سلسلة الرتب والرواتب، لا يمكن اعتباره فرضاً للعدالة، إنه تعميم للظلم ووسيلة إضافية لإضافة كتل بشرية تحت خط الفقر.

مع المضي في هذا التشنّج السياسي والتطرّف الطائفي لا مفر من بئس المصير.

فرحنا بإغلاق محاور النار بين جبل محسن وباب التبانة.

وفرحنا عندما بشّرونا بأن ما بعد فتح القصير وتحرير يبرود، ستنقطع طرق السيارات المفخخة، وسيستحيل تسلل الانتحاريين.

لكن الفرح، كالنِعم، لا يدوم.  فبدل محاور جبل محسن وباب التبانة، افتتحت محاور الفنادق في بيروت.  ووضع كل سائح في دائرة الشبهة، وتحت طائلة الاستجواب والتحقيق وربما الاعتقال.

أما السيارات المفخخة، فما زالت تتجوّل في لبنان، منها ما انفجر ومنها من ينتظر.

لا ننكر أن عيون الأمن ساهرة.  لكن على قوى الأمن ألا تنكر أن الإرهاببين مجموعة أشباح، إذا رأت الأجهزة بعضها، فإن الكثير منها يتقن الحركة بعيداً عن الأنظار. وإلا لما وقع انفجار ضهر البيدر ولا كان انفجار الطيونة.

سيبقى الإرهاب يلاعب القوى الأمنية بلعبة “الغميضة”، إذا لم تتوافر وحدة وطنية حقيقية تتجاوز الطوائف والمصالح والنكايات.

ولأن هذا حلم بعيد المنال، فسيبقى التنافس قائم بين وهم سياسي يقول “سيري فعين الله ترعاك”، وبين واقع إرهابي يقول “سيري فعين الشيطان ترعاك”.

سامر الحسيني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s